الرئيسية / كتاب الانتفاضة / خلف علي الخلف / انا السوري المندس سأحرض على الثورة

انا السوري المندس سأحرض على الثورة

 


خلف علي الخلف

أنا السوري المندس المحروم من كل حقوق المواطنة مثل كل السوريين العاديين ، والذي يحس بالأمان في كل بلد آخر إلاّ بلده سوريا. أعترف وأنا بكامل قواي العقلية وبكامل أهليتي القانونية (ولا أعرف ما الذي يعنونه بهذه العبارة).. بأنني سأبقى أحرض على الثورة ضد نظام الطغيان في بلادي .

أنا السوري الذي عاش كل عهود المخابرات مثل كل السوريين ، والذي اقتادتني سيارة مخابرات لأول مرة ؛ حين كنت في المرحلة الثانوية من دراستي قادمًا من قرية “المشلب” في الرقة من عند أحد الاصدقاء، وضربوني “كفوف” لمجرّد الشك بي حيث كنتُ أحمل كتاب “ما هي الفلسفة” ، وهو من مطبوعات دار التقدم السوفيتية “الصديقة” ورخيص الثمن.. سأظل أحرض على الثورة حتى يسقط هذا النظام .

أنا السوري الذي استدعتني “المخابرات” مثل كثير من السوريين بسبب ما أكتبه مراتٍ عديدة ؛ والذي يكره السياسة والأحزاب والمعارضة الفاشلة ، والذي لم يحلم يومًا بوظيفة حكومية ، والذي تقاضى من خزينة بلاده طوال حياته مبلغ 520 ليرة سورية (ما يعادل 10 دولارات) لقاء عملي كمعلم وكيل في قريتي ؛ وفُصلتُ وقتئذ لأنهم اكتشفوا بأنّني أصغر من السن القانونية التي هي 18 عامًا .. سأظل أحرض على الاحتجاج ضد هذا النظام حتى يسقط .

أنا السوري الذي تركت بلادي في عام 1993 ؛ لأعمل في تجارة الجوارب والقطنيات في السعودية، والذي لم يعرض عليّ أحدٌ (و يا للأسف) نقودًا أو جاهًا أو معونةً لأكونَ ضد هذا النظام .. و أعيش الآن من وارد عملي كـ “تقني ومختص في تحليل البيانات” في جريدة .. سأبقى أحرض على هذا النظام الفاسد حتى سقوطه .

أنا  السوري الذي أصدرَ 7 كتبٍ من الشِّعر وغيره ؛ والذي لم يقتنع يومًا بأنّه شاعرٌ مهمٌّ ؛ والذي لم يقتنع بجدوى الشِّعر أصلاً ، والذي لم يزاحمْ أحدًا من السوريين على  الكتابة في جريدة أو على الجلوس إلى طاولة في مقهى أو على التقرب من فتاة أو على صدارة مشهد مهما كان تافهًا .. سأظل أحرض – و بكل ما أستطيع – على هذا النظام الذي داس كرامتنا جميعًا .. حتى يسقط .

أنا السوري الذي لم يعانِ بسبب الفقر المدقع ولم يُعتقل أحدٌ من أهلهِ و لا هو شخصيًّا ؛ ولم تُغتصب أيّةُ امرأةٍ من عائلته من قِبل المخابرات ، ولم يمُتْ أحدٌ من عائلته في سجون النظام ؛ أعتبرُ نفسي مسؤولاً بشكل شخصي عن كل انتهاكات النظام لكافّة حقوق أهلي في سوريا وخارجها ، وسأظل أحرض عليه حتى يسقط .

أنا السوري الأعزل في كل بلاد العالم ؛ والذي يعرف تمامًا أنْ ليس ثمّة من سفارةٍ وراءه تطالب به وتحميه أو حزب يدافع عنه أو عشيرة تخرج لأجله .. والذي هو على خلاف مستمر مع اخوته الذين قال لهم يومًا : “لستُ مسؤولاً عن صفاقة النظام ولن أصمتَ حتى لو اعتقلكم جميعا” ؛ وهو يدركُ أنْ ليس له سواهم لو أصابه مكروه .. سأظل أحرض على الثورة ضد هذا النظام الفاجر ، النظام الذي ليس لديه محرمات ولا خطوط حُمر ، بل ليس لديه ذرةٌ من خجلٍ كما يفضحه تعامله اليوميّ القمعي مع مواطنيه .

أنا السوري الذي لم يحلم يومًا – فيما لو سقط النظام – بأنْ يصبحَ وزيرًا أو سفيرًا أو مديرًا ، والذي سيتابع حياته بعادية شديدة عند سقوط النظام ؛ والذي ستكون أقصى مكاسبه من سقوطه هو مجرّدَ حقٍّ إنسانيٍّ أصيلٍ يمارسه كل الناس ؛ يتلخصُ بعودته إلى بلده ورؤية والدته الثمانينية التي أرسلت له رسالة “فيديو” توبخه فيها لعدم سؤاله عنها .. سأظل أمارسُ ما أستطيعه جهرًا في سبيل إسقاط هذا النظام الذي لم يتبقَ شبيهٌ له في المنطقة .

أنا السوري الذي يتهمني كثيرون بأنّني” أقبض” من جهات غير محددة نظرًا لحماسي الشديد لفكرة تغيير هذا النظام ، والذي خاصم أصدقاء و اختلفَ مع آخرين بسبب صمتهم أو حتّى لين لغتهم في نقد النظام ، والذي اتهمه آخرون بأنّه مخبر كونه يتكلم بصوتٍ عالٍ ولم يعتقل مرةً ؛ والذي تأسفَ كثيرًا لأنه “سوري” بسبب صمت الناس في بلاده على جرائم هذا النظام .. لن يعرفَ اليأسُ إليَّ طريقًا وسأظل أحرض ضد “النظام” في بلادي ؛ النظام الذي هو في حقيقته مجرّد “مافيا” منظمة انتهكت بلادنا وحرماتنا وداست كرامتنا ونهبت ثرواتنا .. سأظلّ أحرض حتى يسقطَ و ينالَ شعبُنا الحريةَ و الكرامةَ اللتين يستحقهما .

أنا السوري الذي لا يملكُ جنسيةً ثانيةً ، ولم يطلبِ اللجوءَ إلى أيِّ بلد حتى الآن ، ولم يقم بتخوين أحدٍ ما يومًا ، والذي يخجلُ كثيرًا عندما يذكّره أحدٌ ما أنّ ثمّة أناسًا في بلادهِ بلا جنسية بسبب انتمائهم العرقي وحسب ! والذي لا تاريخ له في الدفاع يومًا عن نظام قمعيٍّ فاشيٍّ في أيّةِ بقعة من العالم ؛ والذي يعتقدُ دائما بأنّ الحقوق الإنسانية الأصيلة فوق الدستور و فوق السياسة و فوق المخاوف ، وأنّ كلَّ بلد من حق جميع مواطنيه بكافّة اختلافاتهم ، والذي يعتبرُ نفسه مقصّرًا كثيرًا في حقِّ بلاده .. سأظل أدعو الناس إلى الثورة على هذا النظام حتى إسقاطه .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...