ابراهيم حميديصفحات سورية

انهيار الخطاب السياسي للنظام السوري/ ابراهيم حميدي

خطاب النظام السوري، تتفق معه أو تختلف معه، كان متماسكاً إلى حد ما في السنوات الأربع الماضية، على الأقل بالنسبة إلى موالي النظام وأنصاره. كان ظل الحل العسكري وسباقاً له أو محرضاً عليه. كان أحياناً يسبق الوقائع ويتوقعها قبل حصولها، وباتت وسائل إعلامه في بعض الأحيان تذيع نشرة «الطقس الإرهابي». الحدث قبل حصوله.

مفردات الخطاب مؤداها أنها ليست ثورة واحتجاجات من فئات واسعة من الشعب. إنها حرب على الإرهاب. حرب تخاض باسم «الدولة السورية» ضد التكفيريين والإرهابيين العابرين الحدود داخلياً وضد «المحور الصهيو – إخواني». حملة يخوضها «جيشنا الباسل» و «حماة الديار» باسم «الجمهورية العربية السورية». خير مثال، أن عناصر الجيش السوري و «قوات الدفاع الوطني» عابرون الطوائف من السنّة والعلويين والمسيحيين والدروز ويدافعون عن «كل الشعب». نظام علماني يحمي الأقليات من إرهاب «داعش» وأخوته ومن «جبهة النصرة» وأخواتها.

يواجه خطاب النظام حالياً مأزق ومعضلة الحفاظ على تماسكه أمام الوقائع الميدانية وتغيير الأولويات العسكرية لقراره المركزي وتطوعه الكبير لأجندة إيران حليفه الرئيسي. ونقطة الانعطاف الميداني الجديدة ظهرت لدى سقوط مدينة إدلب في شمال غربي البلاد في نهاية آذار (مارس) الماضي، كانت بداية انحدار الخطاب الرسمي وتشظي الخطاب بتوازي تشظي البلاد.

حاول عدد كبير من عناصر «قوات الدفاع الوطني» الذين كان يقدر عددهم بعشرة آلاف عنصر، الهروب إلى اللاذقية والساحل معقل النظام، لكنهم منعوا من ذلك باستثناء الرؤوس الكبيرة ومؤسسي الميليشيا. كان رد قادة عسكريين إلى هؤلاء بأن يبقوا ويقاتلوا وحيدين بعدما وصلت أوامر «انسحاب تكتيكي» إلى الجيش النظامي. الرسالة التي تكررت أيضاً في مدينتي أريحا وجسر الشغور وقرى في ريف إدلب وفي ريف درعا والسويداء كانت واحدة: ابقوا في أراضيكم وقاتلوا أبناء حيكم وضيعتكم. لا مكان لكم في الساحل.

قيل أن أحد أسباب هذا القرار، هو اعتقاد مسؤولين في النظام أن سيطرة «جيش الفتح» على إدلب جاءت بعد «خيانة» من أهالي المدينة، وأن أهالي المدينة الموالين للنظام سلموا مفاتيح مدينتهم إلى المعارضة، مثلما حصلت «خيانة» لدى سيطرة المعارضة على قمة الحارة في ريف درعا. تزامن ذلك مع ظهور أصوات في الساحل السوري، بإمكان أن يكون حوالى مليون ونصف المليون نازح من إدلب وحلب بمثابة «حصان طراودة» عندما يحين موعد قدوم المعارضة السنّية إلى الساحل العلوي.

أضيف إلى ذلك، تطور جديد. بات ممنوعاً على أي شخص ليس مولوداً في الساحل الذهاب من لبنان إلى هذه المنطقة من معبر العريضة بين البلدين، بالتزامن مع قرار آخر نفذه عناصر حواجز الجيش وميليشياته بمنع دخول أبناء الداخل إلى الساحل إلا إذا كانت لديهم وثائق تثبت وجودهم السابق في هذه المنطقة.

وفيما قررت قيادة الجيش خفض النقاط التي ستقاتل فيها من ٤٧٠ نقطة إلى نصف العدد، أعلن نائب وزير الخارجية فيصل المقداد أن الأولوية للجيش البقاء في نقاط في دمشق وريفها والقلمون وحمص وريف حمص وطرطوس واللاذقية غرباً. وصرح قبل أيام: «دمشق هي قطعاً ليست تحت مثل هذا التهديد. حمص آمنة وحماة آمنة والآن القلمون آمنة». أي بالضبط تلك المناطق التي تعتبرها إيران حيوية لمصالحها الاستراتيجية.

الفجوة الأخرى في الخطاب، أنه منذ بدء حملة التحالف الدولي – العربي ضد مواقع «داعش» في أيلول (سبتمبر) الماضي، حاول النظام وحلفاؤه في موسكو وطهران ترويج أنه شريك مرشح للحرب ضد التنظيم ويمكن أن يشكل القوات البرية لغارات التحالف. لكن المشكلة أن القوات النظامية سقطت في الامتحان. أعطيت لها تعليمات مفاجئة في تدمر الأثرية بالانسحاب بعد تقدم مقاتلي «داعش». لم يفهم مقاتلو النظام سرعة قرار الانسحاب الآتي من قيادتهم، إلا إذا كان «الانسحاب التكتــيكي» في تدمر وإدلب وغيرهما، يخضع لاعتبارات إيران وتفاوضها مع أميركا على الدور الإقليمي، أكثر مما يخضع لحساب النظام السوري. البعض اعتبره، محاولة فجة لتكريس معادلة: النظام أو «داعش». قالها مسؤول إيراني بوضوح.

تراجع المعنويات

المشكلة المستجدة التي تعاني منها القوات النظامية هي انخفاض المعنويات القتالية وتراجع الراغبين في القتال. من جهة، بات السنّة يرفضون الذهاب إلى الخدمة الإلزامية. ومن جهة أخرى، بات شباب علويون أبناء الساحل يشعرون بأنهم يخوضون معركة ليست معركتهم ويُحكى أن حوالى ٧٠ ألف شاب هربوا من الخدمة الإلزامية إلى الجبال بعدما بلغ عدد قتلاهم بين مئة ألف و١٥٠ ألفاً. وأفيد بأن عدداً من الشباب يبدي الرغبة في القتال في الساحل فقط، وليس في البعيد من أراضي سورية، وبدأ بعضهم ينخرط في «درع الساحل» الذي شكله الحرس الجمهوري، بالتزامن مع زيادة التحصينات العسكرية في مناطق الساحل وتعزيز فروع مؤسسات الحكومة في مدن الساحل على حساب تقلصها في دمشق ومدن أخرى نتيجة عودة الموظفين الحكوميين إلى ديارهم.

ولمواجهة تراجع عديد الجيش، سعى النظام إلى شن حملة لتطويع شباب. «إلى السلاح»، عنوان حملة انطلقت على وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن شوارع دمشق امتلأت بلوحات إعلانية، تضم صور رجال ونساء وشباب وفتيات، بعضهن محجبات وأخريات سافرات، تحض على القتال وحمل السلاح في أي موقع ومكان. كما شنت حملة لتطويع ميليشيا إضافية في مدينة السويداء الدرزية ومناطق مسيحية.

قبل هذه التعقيدات، أصيب الخطاب بمأزقي الحديث عن «السيادة الوطنية» و «الممانعة»، إذ جرت محاولات لرتق الخطاب بعد خروج معظم المعابر السورية والأجواء السورية عن السيطرة وبقاء معابر لبنان والبحر مع النظام، وبعد تقوقع السيطرة النظامية إلى خمس الأراضي السورية، إضافة إلى انفتاح الأجواء أمام الطيران من كل حدب وصوب: مقاتلات التحالف، مقاتلات إسرائيلية، أردنية، تركية وعراقية.

بالتوازي مع حملة التطوع العسكري، لم يستطع النظام تقديم خطاب جديد. لماذا سيقاتل المقاتلون الجدد؟ عمَّ سيدافع هؤلاء؟ هل سيدافعون عن أراضيهم وأهلهم وأقاربهم ومناطقهم، أم يقتلون كي يزداد «أمراء الحرب» ثروة؟ هل القتال للحفاظ على «القوس الاستراتيجي» من السيدة زينب التي يدافع عنها عناصر الميليشيا الشيعية جنوب دمشق إلى ميناء طرطوس الذي تتمسك به روسيا؟ هل سيقاتل السنّة عن «سورية المفيدة» لغير السوريين، في وقت يمنعون وأهلهم من الذهاب إلى الساحل؟ عن أي سورية سيدافعون وسيقاتلون؟ عن المئة في المئة منها أم العشرين في المئة من مساحتها، عن ثلثي سكانها أم عن ثلثهم؟ كيف سيتم التعامل مع الحملة الدولية الجديدة لوقف «البراميل المتفجرة» والتوقف عن ضرب «الحاضنة الشــعبية» للمسلحين واستهداف المدنيين؟

هذه الأسئلة التي لم يجد منظرو الخطاب الرسمي أجوبة عنها بعد، ستزداد حدة في الأيام أو الأسابيع المقبلة، إذا وصل مقاتلو الحرس الثوري الإيراني إلى دمشق. إلى الآن يتــردد بـــعـض المســـؤولين في دمشق بقبول الانضواء تحت القيادة الإيرانية العسكرية الميدانية. لكن النزف البــشري والانتكاسات العسكرية قد تدفع في المستقبل إلى قبول ما يُرفض اليوم. وقتئذ، سيـــأتون دفاعاً عن مصالح إيران في سورية، سيدافعون عن النظام «حتى النهاية» من دون أن تحدد إيران نهـــاية ماذا أو من.

المؤكد أن الانتكسات العسكرية للنظام في شمال البلاد وجنوبها، انعكست أيضاً في انهيار منظومة الخطاب الرسمي وحصول إرباك في توفير هبوط آمن من «الدولة السورية» إلى «الإقليم المفيد» لتستقر سردية مسؤولي النظام في القاموس الإيراني.

في المقابل، بدت سردية مقاتلي المعارضة، على الأقل الإسلامية منها، أكثر تماسكاً. بعض هذه الفصائل يقاتل على الأقل عن تأسيس «إمارة» ضمن حدود سورية فيما بعضها الآخر يقاتل عن «الخلافة» التي لا تعترف بالحدود السورية.

لا شك في أن تصاعد العقيدة القتالية عند فصائل معارضة مقابل تراجعها عن قوات النظام والفرق بين النظر إلى الموت لدى كل طرف وا

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى