الرئيسية / صفحات مميزة / انهيار محادثات جنيف 3 –مقالات وتحليلات-

انهيار محادثات جنيف 3 –مقالات وتحليلات-

لماذا فشل “جنيف”؟/ ميشيل كيلو

قد يقول قائل إن “جنيف” توقف أو علق ولم يفشل. والحقيقة أنه فشل، مع أن إعلان فشله قد يتأجل أياماً أو أسابيع.

هذه هي المرة الثانية التي يُفشل الحلف الأسدي/ الإيراني/ الروسي فيها الجهود الدولية لإيجاد حل للصراع الداخلي/ العربي/ الإقليمي/ الدولي، الدائر في سورية منذ نيف وخمسة أعوام، ويواجه احتجازاتٍ أقوى وأكبر بكثير من فرص حله بنجاح، منها تلاعب هذا الحلف بالحل ورغبته في إفشاله، لارتباط الحل بحساباتٍ تضمن لأطرافه حواراً بالنار والكلمات، ضد خصومها، من دون أن ينتقل إلى بلدانها بتكلفته الجسيمة التي لا تستطيع دفعها، ويمكن أن تخرج الأحداث عن سيطرتها.

فشلت جولة جنيف الحالية، لأسبابٍ أهمها أن الحلف الأسدي/ الإيراني/ الروسي لا يريد بعد حلاً سياسياً في سورية، لاعتقاده أن جهده العسكري يحسّن مواقعه، ويخدم مصالحه السورية المباشرة التي تحسن بدورها مصالحه البعيدة: الاقليمية والدولية، المتشابكة إلى الحد الذي يجعل حلها صعباً، بل مستحيلاً، عند المستوى الراهن من علاقات القوى: الميدانية والسياسية/ الاستراتيجية.

ليس هذا الاستنتاج اعتباطياً. إنه مبني على متابعة تصريحات أسدية وإيرانية وروسية قالت، بكل صراحة، إنها ترفض حل الصراع في طوره الراهن سياسياً، وتربطه بأهداف تتصل بالمطالب الخاصة بكل واحد من هذه الأطراف، فالأسد يرهن الحل بالقضاء المسبق على الإرهاب الذي قال، في حديثٍ معروف، إنه يضم ملايين السوريين، ممن يجب القضاء عليهم قبل قبول حل سياسيٍّ مع القلة من الشعب التي ستبقى، عندئذٍ، على قيد الحياة. بينما يكرّر المعتدلون من ساسة إيران أن الدفاع عن الأسد كشخص هو دفاع استباقي عن كراسيهم في طهران، ويقول الروس إن مشكلاتهم مع أميركا لن تحل دون ممارسة ضغوط عليها في سورية والمنطقة، وبما أن حل هذه المشكلات لم يتحقق بعد، فإن استمرار الحرب لاستمرار ضغوطها يصير مسألةً حتميةً، ولا يكون ثمة من مسوغ لحل سياسي، إلا إذا أردنا أن يهزم الروس في الصراع السوري، كما في علاقاتهم مع أميركا وبقية الدول الغربية.

لا داعي لإضاعة وقتنا على شرح ما تعانيه الأمم المتحدة من عجزٍ تجاه وضع سورية المعقد، والذي يتخطى قدرات المنظمة الدولية، وما تستطيع اتخاذه من مواقف حيال دولٍ تحتقرها، ولا تلتزم بقراراتها، بينها نظام الأسد المتهالك، ولكن المحمي إقليمياً وروسياً، والحصين بالتالي ضد قراراتها التي صدرت لكبح إجرامه، فلم يأبه لما قرّرته أو يبدي أي امتثال له واحترامٍ لمن قرّره! إذا أضفنا إلى ذلك ارتباط مصير المعارضة السورية بإراداتٍ غير سورية، وارتباط هذه الإرادات بحساباتٍ دوليةٍ، وتناقض مصالحها المباشرة والبعيدة، أدركنا أن فشل المفاوضات قد تسبب به التناقض بين غموض سياسات الأطراف المنخرطة في الصراع السوري والتباسها، ووضوح القرارات الدولية حول حله الذي يجعل أي التزام بتطبيقها جالباً للحل، بما أنها تحدّد بكل جلاء أدواته، وآليات بلوغه، وجداوله وفتراته الزمنية، ومساراته، وأهدافه ، ولا تتطلب من المتفاوضين غير أن يكونوا حسني النية، ويوافقوا على تطبيقها بحذافيرها.

يفتقر الأسد وملالي طهران وقياصرة روسيا إلى حسن النية. لذلك، يتنكّرون لقراراتٍ وافقوا عليها. أخص بالذكر هنا روسيا التي وافقت منذ يونيو/ حزيران عام 2012 على أن تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية بتراضي طرفي الصراع هو بداية الحل السياسي، لكنها عملت المستحيل، لمنع تطبيق ما وافقت عليه، لأسبابٍ سبق ذكرها، يتطلب تجاوزها تغييراً جذرياً في سياسات أميركا تجاه الثورة، كما في علاقاتها مع روسيا.

فشلت مفاوضات جنيف، لأنه لا مصلحة لأحد في نجاحها، ولا مصلحة لأحد من أصحاب القرار الدوليين في وقف الحرب ضد السوريين. السؤال هو: ما العمل، ومتى نبدأ، نحن السوريون، تعبئة قوانا لوقف موتنا وانتزاع مصيرنا من أيدي قتلتنا؟

العربي الجديد

 

 

 

تعالوا نلعب في جنيف/ عمر قدور

تذهب المعارضة السورية إلى جنيف من دون أمل حقيقي بالحل، تذهب تحت ضغط الحلفاء، وهؤلاء بدورهم يضغطون عليها تحت ضغط الإدارة الأميركية التي تعد بالحل، ولا يُستبعد أنها تكذب وتماطل بخاصة مع اقتراب موعد رحيلها. لكن، للضرورة أحكام، فالإدارة نفسها يبدو أنها حازمة إزاء عدم تمكين الفصائل المعارضة، وهو أمر لا تتهاون فيه إطلاقاً مع حلفائها. قد يظهر هذا كأنه نوع من العبث السياسي، غير أنه الواقع كما هو. فالإدارة جازمة في شأن عدم السماح بإسقاط النظام عسكرياً، وحتى جازمة في شأن عدم دخوله المفاوضات تحت التهديد العسكري الجدي، وفوق ذلك تقول للحلفاء ولوفد المعارضة: اذهبوا لتنحية بشار في قاعات التفاوض، وبقبول متبادل!

إذاً، يذهب وفد المعارضة، ومن خلفه حلفاؤها، ليثبت للإدارة الأميركية عدم جدية وفد النظام وحلفائه وعلى رأسهم الحليف الروسي. يذهب الوفد ضمن لعبة يعرف مداها، ويدرك تدني فعاليتها طالما أن التفاهمات الحقيقية تبقى طي الكتمان بين الثنائي لافروف/كيري. اللعبة متعددة المستويات، أقلها شأناً ذلك المستوى الذي يلعب فيه وفد المعارضة ضدّ وفد النظام، فاللعبة الأعقد هي مع الحليف اللدود الأميركي، وفيها مكمن الخطورة إذ تراهن المعارضة على الخروج بأقل الخسائر.

يذهب وفد النظام إلى جنيف ليظهر أكبر قدر من الوقاحة. قد يخيل لنا أن هذا سبب غير كاف، لكن في منتهى الواقعية أن يفعل الوفد ذلك طالما هو مطمئن إلى أن إسقاط النظام لا يمكن أن يتم في قاعات التفاوض. الوقاحة هي تجاه وفد المعارضة، وأولاً تجاه مطالب السوريين بالتغيير، ومن استخدم مختلف أصناف الأسلحة وصولاً إلى الكيماوي لا تعيبه الوقاحة اللفظية. في المقابل، يحافظ النظام على خطاب مرن تجاه الإدارة الأمريكية حصراً، وثمة قناعة لدى النظام بأن ملفه طالما بقي في عهدة هذه الإدارة فهو باقٍ. لكن صيغة البقاء الحالية غير كافية، لأنه بقاء في دائرة الشك. النظام يريد بقاءً تتعهد به الإدارة، وتضمن التزام حلفائها التام به.

وقاحة النظام مدعومة أميركياً، لإدراكه بأن ساعة تنحية أو تصفية رأسه لم تحن، ومجرد وجود وفده في جنيف دليل على ذلك. لذا يذهب النظام لتحسين شروط بقائه، ظناً منه أنه قادر على ابتزاز الراعيين الروسي والأمريكي بصفته الطفل المدلل لديهما.

يذهب الراعي الروسي إلى جنيف وهو أمام واحد من انتصارين، فإذا اقتصرت المساومة بينه وبين الإدارة الأميركية على سوريا فستنص على بقاء بشار في الحكم، وسيعلن حينها نجاح عمليته العسكرية التام إذ فرضت بقاء النظام على الضد من الرغبة “الظاهرة” لأميركا. ستكون هذه النتيجة بمثابة تعويض عن الجرح الأوكراني، حيث كان انتزاع “القرم” مغمساً بفقدان بقية أوكرانيا وبالعقوبات الغربية. أما إذا توصل بوتين إلى مقايضة بشار بسلة من المكاسب، منها رفع العقوبات الغربية، فسيقدم الأمر بمثابة تحقيق الانتصار الصافي في أوكرانيا أخيراً مع تعزيز موقعه كشرطي جديد معتمد في الشرق الأوسط.

يذهب الراعي الأميركي إلى جنيف، وأهون الشرين بالنسبة له إجبار المعارضة السورية على منح بوتين نصره الصغير. إقصاء الأوروبيين عن الملف السوري يعني أن المقايضة الكبرى غير واردة، وحتى ممانعة انتصار بوتين في سوريا غير واردة، طالما أنه في جزء كبير مما يرتكبه يلبي المشيئة الأميركية أيضاً. الإدارة ليست متلهفة لتنحية بشار، هي تفضّل بقاءه بلا “أنياب” على رحيله، ولسان حال بعض مسؤوليها إبداء الندم على إسقاط طاغية مثل صدام حسين. لا تملك الإدارة ورقة ضغط باستثناء الفيتو على تسليح المعارضة، أي أن نفوذها الأساسي مستمد من منع انتصار المعارضة ليس إلا.

فوق ذلك، إدارة أوباما متلهفة لتصفية القضية السورية وإقرار تسوية تصوّرها بمثابة نصر خاص لرؤيتها عن الحل السياسي، نصر تباهي به كأنه إنجاز كبير قبيل رحيلها. لكنها لا تملك وقاحة وفد النظام لتعلن على الملأ عدم ممانعتها بقاء مجرم حرب كبير. تريد من المعارضة القيام بهذه المهمة الشاقة نيابة عنها، وعلى أمل أن يؤدي جيش بوتين واجبه التأديبي إزاء الفصائل “المشاغبة”.

في الظاهر، إيران “غير المدعوة” هي الغائب الأبرز عن جنيف، لذا تعوض بإرسال المزيد من أفراد ميليشياتها وأخيراً جيشها النظامي، وتحضّر لما يسمى معركة حلب الكبرى. السلوك الإيراني يخلو من المراوغة إذ تتصرف طهران على أن الانتصارات العسكرية هي التي تفرض طبيعة الحل، ولا بأس في أن ينشغل الآخرون بقاعات التفاوض بينما تنجز هي التغييرات على الأرض. ثم إن طهران ممثلة جيداً بالحليف الروسي، إلا إذا دخل مقايضته الكبرى، وحينها سيصطدم بعقبة سيطرة طهران على مفاصل أساسية لنظام بشار وامتلاكها مفاتيح التغيير.

بالطبع فصائل المعارضة، على قلة تسليحها، هي التي “تفاوض” الإيرانيين والروس في الميدان. وإذا توخينا الدقة، فإن المعارضة شبه وحيدة في جنيف، بينما على الطرف الآخر من الطاولة تجلس وفود الراعيين الأميركي والروسي جنباً إلى جنب مع وفد النظام. الأنكى من ذلك إقرار الجميع بأن التفاوض بين وفد المعارضة والنظام ليس له قيمة، وإذا كان من تفاوض حقيقي فهو يدور في قاعات مغلقة أخرى. ما هو ظاهر من جنيف لا يعدو كونه لعبة، ودعوة المعارضة إلى جولات التفاوض لم تتضمن أساساً أكثر مما يمكن اختصاره بالقول: تعالوا نلعب لعبة اسمها “جنيف”.

المدن

 

 

 

 

معنى جنيف: حرمان السوريين من حِداد/ ياسين الحاج صالح

للصراع السوري طوال خمس سنوات خاصية نادرة، قد لا يكون ثمة ما يشابهها في ثورات وحروب دول وحروب أهلية أخرى. ولا شبه لها حتى في الأقرب إلينا من صراعات كالحرب اللبنانية والحرب العراقية والحرب الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين، مجتمعاً وأرضاً: لم تتح للسوريين خلال خمس سنوات طويلة فرصة يوم واحد لالتقاط الأنفاس، للنظر في ما حولهم وتفقد أنفسهم وجيرانهم، لتقييم وضعهم، وجوهرياً للقيام بحداد وفتح صفحة جديدة. لم يمر يوم واحد، خلال نحو 1860 يوماً من دون وقوع ضحايا، بين آحـادٍ كل يـوم في بداية الثورة، إلى عشرات طوال معظم سنواتها، وإلى مئات في بعض مذابحها، وإلى نحو 1500 في الغــوطة وحــدها في يــوم من أيام آب (أغسطس) 2013، إلى ما بين أحاد وعشرات كل يوم بعد «وقف إطلاق النار» قبل نحو شهرين. وهذا في عشرات مواقع البلد كل يوم، وعملياً في كل منطقــة خارجة على سيطرة النظام، ودومــاً مع دمار واسع.

نحن في حاجة عامة ملحة إلى حداد، لنودع من رحلوا، ونتصالح مع فقدِنا، ولنبدأ في التعافي، أفراداً وأسراً وبيئات اجتماعية وبلداً. في الحداد لا نأسى على من فقدنا فقط، ولا نجتمع للتواسي فنوثق رابطتنا الاجتماعية فقط، وإنما نعلن أيضاً انتهاء الفقد بوداع الفقيد، ثم العودة إلى «الحياة الطبيعية». نحن لم نحُدّ لأن الفقد لم ينتهِ، ولم نجتمع ونتواس لأن الدم لا يزال يسيل، ولم نشرع بجديد لأن الصفحة القديمة لم تطوَ. يتجمع موتانا في داخلنا، وتتحول نفوسنا إلى أحياء مدمرة، ولا نتلقى أي عون من أجل الانفصال عن الموت والدمار. والقاتل العام معروف الاسم والعنوان، مقيم هناك، وهو يبدو اليوم محصناً من عقاب واجب أكثر من أي يوم مضى.

ككسر لإيقاع الحالة العادي وتفرغ وقتي لوداع من ماتوا، الحداد يحمي أيضاً التمايز بين الحياة والموت، فيسهم في صون حرمة الحياة وحماية الأحياء. هذا لم يتسنَّ للسوريين، ليس على الصعيد الجمعي وحده، ولكنه قلما كان متاحاً حتى على صعيد الأُسر، لاستحالة إقامة جنازة لائقة حيناً، ولمنع الجنازة أحياناً (معظم من سلمت جثثهم ممن قتلوا تحت التعذيب في مناطق سيطرة النظام)، أو تعذر جمع جسد القتيل أو القتلى ودفنهم، أو تفرق الأسرة بين البلدان، أو إيقاع القتل اللاهث الذي لا يسمح باكتمال الانفصال عن راحل قبل أن يتلوه آخر.

ما وقع على الصعيد العام، بالأحرى، هو عكس الحداد إن كان للحداد من عكس: تسيير عادي جداً، مبتذل، لـ «الأزمة»، يمنع معاقبة القاتل ووقف القتل طوال خمس سنوات، ثم يضغط اليوم على أهالي المقتولين بكل السبل كي يقبلوا بالابتذال مخرجاً من صراعهم التراجيدي، حتى من دون أدنى ضمان بوقف القتل.

هذا هومعنى جنيف.

ما هو الخطير في ذلك؟ فوق التسليم بالعدد المهول من الضحايا، وبأنهم سقطوا من أجل لا شيء، هناك أيضا حرمان تضحية السوريين من أن يكون لها أي معنى عام، ولو حتى «قيمة قربانية»، على ما يقول جيورجيو أغامبن عن «الإنسان المباح». يساعدنا المعنى على أن نتحمل رحيل من رحلوا وننسب إلى رحيلهم قيمةً وشأناً: لقد كانوا قرابين للحرية، لسورية الجديدة، للترحيب بالمستقبل والتخلص من قوى وأجهزة القتل القديمة. عبر الفصل بين صراعنا المرير والمعنى، نخسر قضيتنا ومعنانا، فوق خسارة شهدائنا ودمار بلدنا وتحطيم مجتمعنا وتهجير نصف السكان في الداخل والخارج، ونقبل أن كل هذا راح هدراً.

كان أول التجريد من المعنى هو فعل التسمية. وُصِف صراعنا بأنه «أزمة»، «حرب أهلية»، «صراع طائفي»، ما يعني أن الأمر يتعلق بصراعات غير عقلانية بلا معنى، تنشب بين أناس غير عقلانيين، ويجب أن تتدخل القوى الدولية النافذة لتسويتها. من يفرض التسمية يقرر التسوية، ويمحو الفارق بين القاتل والضحية، فلا يعاقب ذاك، ولا يحد على هذا.

لكن بالإصرار على مخرج مبتذل من صراعنا وبحرماننا من حداد، فإننا لا نحرم فقط من الأسى على ضحايانا والتواسي في ما بيننا، ولا من التضامن الذي قد نلقاه من شركاء لنا، وإنما كذلك من إعلان وقف الفقد أو انتهائه، وما يعقبه من تكيف مع الخسارة وإعطاء أنفسنا بداية جديدة. الحداد مستحيل من دون معاقبة القاتل، ومن دون حداد يحترم الضحايا ويودعهم، يجري إغراق التوقف المحتمل للصراع في العادية والابتذال، فيكون هو ذاته توقفا مبتذلاً هشاً، فلا يكون هناك فرق مهم بين توقف واستمرار، بين سلم وحرب، بين صراع ولا صراع، وبين بداية ونهاية. وفي ذلك قلة احترام لصراعنا ولضحايانا، ولا مبالاة كاملة بحياتنا وموتنا.

وقف إطلاق النار الساري منذ ما يقارب الشهرين هو من هذا الصنف. والعملية السياسية في جنيف لا تعدو كونها إدارة لـ «الأزمة»، مؤداها نقل الصراع السوري من «أزمة عالية الحدة» إلى معتدلة أو منخفضة الحدة، حسب التعبيرات المبتذلة لمراكز أبحاث غربية. إدارة الأزمة تقتضي بقاء الأزمة، والاحتفاظ بمنابع التأزم من أجل أن يحتفظ المديرون بموقع مهيمن، يتحكم بتفاعلات «هذه المنطقة المتأزمة من العالم».

من دون عقاب ومن دون حداد، يتمّ تبديد الأثر التأسيسي للصراع، وتجريد موت السوريين، وتالياً حياتهم، من القيمة.

انفراد الصراع السوري بامتناع الحداد الفردي والجمعي طوال أكثر من خمس سنوات لا يعزله عن نسق مطرد لكل ما رأينا من تسويات لصراعات الإقليم، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى التسويات الفلسطينية، إلى التسوية اللبنانية، إلى التسوية السورية التي يتمّ طبخها من قبل أقوياء غربيين وروس لمصلحة غربيين وروس وإسرائيليين، وشركاء محليين للثلاثة. هذا النسق يتمثل في ابتذال التسويات قياساً إلى مأسوية الصراعات، و»نجاح» التسويات الثابت في ألاّ تطوي صفحة الصراعات التي يفترض أنها تُسويها. هذا النسق يتمثل جوهرياً في الحرمان من العدالة ومنع معاقبة المجرمين، بل مكافأتهم أحياناً (إسرائيل دوماً). ومؤدى النسق هو حرمان الضعفاء عملياً من أن تكون لهم سيادة، وبالتالي سياسة. وفي العمق حرمانهم من أن يكون لهم كرامة وتاريخ.

محصلة هذه العمليات التي تفصل بين السلم والعدالة استحالة السلم عملياً، والعيش في شروط من الحروب المتكررة التي تعالج بتسويات من الصنف المبتذل نفسه، يشترك فيها وكلاء مبتذلون للنظام الدولي، ما يؤدي إلى انحطاط السياسة في المنطقة، وإلى أوضاع مثل القائمة اليوم، تجمع بين صفتين متناقضتين: الإعضال والابتذال، مزيج من الاستحالة والتفاهة. أليس المستحيل التافه أو التفاهة المستحيلة هي جوهر بشار الأسد وممثلي نظامه جميعاً؟ ابتذال وتفاهة، وسفاهة في الواقع، تحظى بتغطية من نظام دولي لم يمتنع عن حماية السوريين فقط، وإنما هو يوفر رصيد قوة وحماية مضمونة لقتلة تافهين. كان ممثل النظام، الجعفري، يُشبِّح بكل سفاهة في جنيف، ولم يظهر مسؤول دولي واحد ليقول بكلام واضح: إن هذا غير محترم وغير مقبول!

وغير انحطاط السياسة، انحطاط الثقافة. شرط التفاهة المستحيلة المديد، المفروض قسراً، ينعكس في أذهان «مفكرين» عندنا، خصوصيةً للمنطقة ومجتمعاتها وثقافتها وعقلية سكانها. وهو ما لا تكف عن نشره وتعميمه أيضاً مراكز أبحاث وخبراء غربيون. يغيب كل ما له علاقة بالسيادة، بالقوة الفعلية، بالتحكم بحياة عشرات ملايين أو مئات ملايين البشر، باستثناء الإقليم من العدالة، بحصانة مكفولة دولياً لقتلة السكان المحليين. وتبدو التفاهة المستحيلة التي صنعت شروطها خلال قرن نتاجاً تلقائياً لتكويننا، ويبدو سحق مقاوماتنا وتجريدها من المعنى انعداماً ذاتيا لمعنانا. هذا التفكير أسوأ من أن يكون خطأ، إنه مساهمة الابتذال في الثقافة والفكر، مساهمة في ألا تكون هناك ثقافة وفكر ولا بعد ألف عام.

مساهمة أيضا في تغذية شروط الحرب المستمرة التي تدوم أجيالاً أو قروناً. قد يكون الصراع السوري علامة ولوج زمن وحشي من العنف القاتل المغطى دولياً، من تسهيل أمر التخلص من الضعفاء من دون حداد بكفالة دولية، ومن الابتذال واللامعنى المفروضين دولياً بدورهما.

أكثر ما تلح الحاجة إليه هو القطع مع هذا المسار، الخروج من تناسل التفاهة المستحيلة الذي لا ينتهي، والدخول في المأسوي، حيث هناك حداد على الضحية وعقاب للمجرم، وحيث السلم سلم والحرب حرب، وحيث هناك كرامة وعدالة وسياسة. وتاريخ.

هذا شيء يمكن، ويجب، أن نعمل على تحقيقه في الفكر والفن والثقافة، اليوم ودوماً.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

المفاوضات والشرعية والنظام السوري/ سلامة كيلة

بعد أن ظهر أن المفاوضات السورية تتقدّم، لأن روسيا باتت معنية بالوصول إلى حل، بعد أن سرّبت إمكانية التخلي عن بشار الأسد، وسحب جزء من قواتها، وأن أميركا باتت تشدّد على تحقيق الحل على ضوء أزمة اللاجئين التي أوجدت مشكلة في أوروبا. الأمر الذي كان يشير إلى توافق أميركي روسي، ينطلق من تشكيل “هيئة حكم انتقالي” من دون بشار الأسد، حيث باتت المسألة الأولى في المفاوضات. بعد ذلك، وصلنا إلى وضعٍ يشير إلى تراجع المفاوضات، واحتمالات العودة إلى الحرب، على الرغم من أن أشكالاً من الحرب ظلت قائمة من النظام وروسيا. فقد أرسل النظام الإيراني قوات من جيشه علناً، ليعزز جبهة حلب، كما جرت الإشارة، وتحدث النظام عن حسم السيطرة على حلب، مؤكداً أن ذلك تمّ بالتوافق مع روسيا. وأصبح الأمر يتعلق بقضم المناطق واحدة وأخرى، تحت مسمى وقف إطلاق النار الذي لم يتوقف أبداً. وهذا يشير إلى أن الحسم العسكري ما يزال هدف النظام وإيران، وأن المفاوضات هي فقط لاستقطاع الوقت والتغطية على الدور العسكري.

كما عادت روسيا تماطل، وتصرّ على “انتقال شرعي” في السلطة، أي أن يتحقق ذلك من خلال الدستور الحالي. وبهذا، وجدت أن في الدستور ليس هناك نص يقول بتأسيس “هيئة حكم انتقالية”. بالتالي، لا بد من البدء بالدستور. وأخذت تميل إلى تشكيل “حكومة وحدة وطنية”، كما كانت تكرّر منذ البدء، وهدّدت باستجلاب وفد تفاوضي، يمثل “المعارضة”، صنعته في قاعدة حميميم العسكرية، وبإعادة إحياء الحديث عن دور مؤتمري موسكو والقاهرة بوصفهما يمثلان معارضة.

يعني ذلك كله أن المسألة الجوهرية لم تُلمس بعد، فروسيا تنطلق من “شرعية النظام”، وتُقرّ بأنه “منتخب شعبياً”، وأن الدستور القائم أُقرّ في انتخابات “شرعية”. وهي، بالطبع، ترفض أن ثورة نشبت، وأن “الشعب يريد إسقاط النظام”، فهي ترتعد من ثورةٍ في روسيا، وككل إمبريالية ترفض حق الشعوب في الثورة. لكن، حدثت في سورية ثورة، أسقطت شرعية النظام. بالتالي، لم يعد ممكناً استمراره. وأنهت الثورة شرعية كل النظم التي حدثت فيها، وحتى النظم العربية التي لم تشهد ثوراتٍ، حيث ظهر أن الشعب يريد التغيير. ولا يغيّر في ذلك كل مواقف النظم الإقليمية والدول الإمبريالية.

فـ “شرعية” النظام قامت على القوة، من خلال السطوة الأمنية والسيطرة على كل مجالات المجتمع. وإذا كان ذلك مقبولاً شعبياً، في الفترة الأولى من حكم البعث، نتيجة ما حقق من تغييرات، فقد أدى النهب المتسارع للمجتمع إلى أن تصبح القوة “الأساس الشرعي” للنظام، بعد أن أقامت السلطة قوة أمنية كبيرة، وسيطرت على الجيش والنقابات والهيئات والمدارس والجامعات. ولم تكن هذه “الشرعية” نابعةً من دستور أو انتخابات، التي كانت النتيجة المنطقية للسطوة الأمنية، والشكل الذي تظهر السلطة فيه، ربما لكي تخفي السطوة الأمنية. وكان الحزب الذي “يقود الدولة والمجتمع” الشكل الذي يُراد منه إخفاء ذلك كله.

فالانتخابات هي الإطار الصوري لأشخاص معينين مسبقاً من الأجهزة الأمنية، فالأمن هو الذي يختار أعضاء “مجلس الشعب”، وكانت نسبة المشاركة في التصويت هزيلة دائماً، وهذا ما أشارت إليه جريدة الأخبار التابعة للنظام في الانتخابات أخيراً، وفي انتخابات سابقة. وأشارت جريدة الأخبار كذلك إلى نسبة التصويت على تعديل الدستور سنة 2012، حيث كانت المشاركة هزيلة. يعني أن نسبة من يشارك في التصويت هامشية لا تسمح بإعطاء شرعية للنظام. بالتالي، لا الدستور الذي يكرّس سلطة مطلقة لـ “الرئيس”، ولا مجلس الشعب، يعطيان شرعية للنظام الذي يقيم شرعيته على القوة، القوة فقط هي أساس شرعيته.

لهذا، حين تراجعت قوته نتيجة الثورة، استعان بحزب الله والمليشيا الطائفية العراقية وغيرها، وعلى الحرس الثوري الإيراني، ثم على الجيش الإيراني، وكذلك على القوة الروسية. لكن ذلك كله من دون جدوى، فسيسقط. لم تكن الثورة قادرة على إسقاط النظام، نتيجة عفويتها وكل التدخلات الإقليمية والعالمية، لكنها لا تسمح بالوصول إلى حلٍّ يبقي بشار الأسد ومجموعته. هذا أساس كل تفاوض.

العربي الجديد

 

 

 

 

مسرح جنيف أو التفاوض من أجل حل مسبق الصنع/ بدر الدين عرودكي

هل من المبالغة القول إن ما نشهده اليوم بجنيف، مما أطلق عليه وصف المفاوضات بين ممثلي النظام الأسدي وممثلي المعارضة بإشراف الوسيط الأممي وبمعونة مستشاريه من النساء والرجال الذين على زعمهم المعارضة لم يحظوا بشرف التواجد ضمن الوفد الممثل لمعظم أطيافها، ليس إلا مسرحيات مُعدّة بإتقان، بعضها يعرض أمام العامة وتنقله وسائل الإعلام وبعضها أمام الخاصة ويُسرَّبُ منه ما شاء له المخرج أن يُعرف وثالثها أمام خاصة الخاصة لا يُعرف منه شيئاً إلا استنتاجاً أو بالأحرى تخميناً؟

يدرك كل من بذل جهداً بسيطاً في متابعة مجريات الحدث السوري منذ بداياته أنّ كل محاولات العثور على ما أطلق عليه منذئذ «الحل السياسي» لم تكن إلا ترويضاً على قبول ما لم يكن وما لا يمكن أن يقبل به شعب يكابد القتل اليومي والتهجير والحصار والتجويع منذ خمس سنوات من دون أن يتنازل عن حقه الأساس الذي خرج يطالب به في إسقاط النظام من أجل تحقيق الحرية والكرامة.

إسقاط النظام يعني، من دون أي مواربة أو مراوغة أو لعب بالألفاظ: إسقاط النظام الأسدي بكل رموزه وممثليه، أشخاصاً ومؤسسات؛ يعني: إسقاط نظام المصالح الفردية/الفئوية الذي أقامه الأب المؤسس من حول شخصه وأسرته وحفنة من طائفته، بعد أن جمع عصبة من الأفراد والجماعات ذوي انتماءات قومية ودينية وطائفية مختلفة، مدنية وعسكرية، وربطها إليه بمصالح أتاحها لها، فصارت من بعدُ جزءاً لا يتجزأ من هذا النظام بحيث بات دفاعها عنه هو، في الوقت نفسه، دفاعاً عن نفسها بالدرجة الأولى. لم يكن الأمر، وليس هو بأي وجه من الوجوه، عبودية بقدر ما هو تماهي أشخاص ومصالح ومصائر في نسق عصبة مصلحية، وهذا ما يفسر هذا التلاحم من حول شخص رئيس النظام ماضياً وحاضراً، وما يؤدي بالتالي، منطقياً، إلى جعل مطلب إزاحته أساساً جوهر أي عملية انتقالية لابدّ لأي حلٍّ تفاوضي يوصف بالسياسي أن يتضمنه كاملاً غير منقوص.

لكن البعض ممن يقدمون أنفسهم بوصفهم «المعارضة البناءة» ويضعون قوسين صغيرين من حول كلمة الثورة كلما تطرقوا في أحاديثهم إلى ثورة السوريين يأخذون على من تصدّوا لحمل هذا الحق والدفاع عنه أمام من ينكرونه عليهم محاولين تجسيده قولاً وفعلاً وممارسة أنهم لا يزالون يراوحون عند مطلبهم الأساس في الوقت الذي «تفوّق» فيه خصمهم على نفسه و»تطور» فصار ينطق بما يريد سادته وحُمَاتُه منه أن يقول.

كما أن البعض من القوى الإقليمية والقوى الدولية ممن لم ينظروا يوما إلى ثورة السوريين إلا بوصفها حادثاً طارئاً يمكن السيطرة عليه وتكييف مآلاته أو إعادة صنعه عملت ما بوسعها كي ترتقي بمطلب وقف القتال إلى مقام أولوية مطلقة بالنسبة إلى المطالب الأخرى بما فيها الحرية والكرامة وإسقاط النظام، ليسهل بعد ذلك الالتفاف على الجرائم المرتكبة وإعادة تأهيل مجرمي الحرب حكاماً يكتسبون الشرعية عن طريق صناديق اقتراع ما كانت يوماً أكثر من سجل استبدادهم ونفاقهم وتزويرهم والتي لم يتوقفوا يوماً عن الاستناد إليها من أجل تبرير بقائهم أو تفسير عودتهم التي يطمئنون إليها بفضل حلفائهم وحماتهم.

وكان مدخل هؤلاء وأؤلئك إلى هذا التكييف الحديث عن «مؤسسات الدولة» وضرورة المحافظة عليها؛ والإصرار على ضرورة «احترام الشرعية» التي لم يتقدّم أحد منهم لشرح معناها أو التذكير بمصدرها بله تبرير شرعيتها ذاتها! والحقيقة أن هذه «الشرعية» بالذات، التي نودي بها منذ البداية وحُكيَ عن «فقدانها» و«ضرورتها»، لم تنكرها، باستثناء الغالبية العظمى من الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية، الغالبية العظمى من الدول الكبرى أو الصغرى الفاعلة بدليل استمرار وجود النظام الأسدي ممثلاً لدولة كاملة العضوية ضمن منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها وكذلك استمرار التعاون الأمني الدولي معه سراً أو علانية. كما بقي الحديث طوال السنوات الأخيرة إما رفضاً صريحاً لموضوع رحيل رئيس النظام من قبل ممثلي النظام الأسدي وكذلك من قبل سادته الإيرانيين والروس معاً ومن ورائهم سيد البيت الأبيض الذي ما برح يكرر القول عن «فقدان الشرعية» ويفعل كل ما يعززها، وإما رفضاً ضمنياً معطوفاُ على «الشعب السوري» الذي يعود إليه أمر تقرير مصير «رئيسه»، وكأنّ أحداً لا يعلم من هو هذا «الشعب» الذي قام بانتخاب رئيس النظام عام 2014 وهو يُقتل ويُشرّدُ ويهجَّر، وكيف دُعي في الظروف ذاتها مؤخراً إلى «انتخاب ممثليه» في مجلس الشعب!

على غرار النظام الذي أتقن لعبة الشكليات في كل مجال من مجالات السياسة والحكم والدبلوماسية: الانتخابات الرئاسية والنيابية أو النقابات او الدستور المُفصَّل على مقاس سيد النظام وتبعاً لرغباته على الصعيد الداخلي، والابتزازات المالية ذات الطابع المافيوي على الصعيد الإقليمي، وكذلك ممارسة لعبة المفاوضات أيضاً بعد أن سبق له ممارستها على الصعيد الدولي، بدعم مكشوف وفعلي من حلفائه الذين صاروا اليوم سادته، يقوم هؤلاء السادة بالتعاون مع خصومه المفترضين وعلى رأسهم الإدارة الأمريكية باستخدام لعبة الدلالات والشكليات ذاتها: الانتخابات، و»قرار الشعب السوري»، وسوى ذلك من الترهات التي صدعوا والحق يقال رؤوس السوريين بها، فضلاً عن رؤوس مواطنيهم.

لكن السؤال الأهم، أو إن شئنا السؤال/العذاب، يبقى: ما طبيعة هذه المفاوضات؟ وبين مَن ومَن تجري فعلاً؟ ومَنْ يُراد له أن يقوم بدور شاهد الزور؟

يُقال إن الحل بات جاهزاً. وربما كان الأدق القول إن الحل كان مقرراً سلفاً ولم يبق سوى إخراجه على نحو يبدو معه وكأنه نتيجة مفاوضات عسيرة وتنازلات متبادلة! سوف يُستعاض في صياغة هذا الحل عن بعض التعابير أو عن دلالاتها بتعابير أو دلالات أخرى. فبدلاً من «هيئة انتقالية بكامل الصلاحيات»، ستكون ثمة «حكومة انتقالية مشتركة بكامل الصلاحيات» يرأسها الأسد الذي سيقرر «الشعب السوري» مصير بقائه من عدمه. وسيكون هناك دستور تشرف على وضعه هذه الحكومة، ثم انتخابات رئاسية ونيابية.. إلخ.

يُحكى في سوريا دوماً عن «عقدة النجّار»! تلك التي تحول بينه وبين إنجاز عمله على النحو الذي يريد وبالسرعة المُلائمة. العقدة هنا كانت، ولا تزال، وستبقى «بشار الأسد» شخصاً ونظاماً. ذلك أن العناصر التي تسكت عنها المقترحات الأممية، أكان مصدرها حلفاء النظام الأسدي أم «أصدقاء» الشعب السوري، تجهل أو بالأحرى، وهو الأدق، تتجاهل طبيعة النظام التي أشرنا إليها في مستهل هذا المقال: «العصبية المصلحية، أي تلك التي تتجاوز العائلة إلى حلقات أكثر عدّة وعدداً. فكيف يمكن لنظام قوامه هذه العصبية على وجه التحديد أن يسلك سلوك نظام عقلاني قوامه النهج الديمقراطي أو المؤسساتي الذي يزعمه نهجه؟ وكيف يمكن لحلفائه وخصومه المُفترضين أن يجعلوا منه في صياغة مقبولة شكلاً مرفوضة قواماً لقمة سائغة في فم شعب عانى مرارة مذاقها خلال نيف وأربعين عاماً؟

وحدها الصياغة الواضحة البليغة تقول شيئاً ذا معنى: هيئة انتقالية بصلاحيات كاملة من دون الأسد وزمرته. لكنها ليست على جدول الأعمال.

إذ من الواضح أن الاستغباء الذي يمارسه النظام الأسدي بات قانون الجميع اليوم بجنيف: مسرح يراد أن يكون أبطاله دمىً يجسدها كلٌّ من النظام والمعارضة. من الواضح أن النظام وقد فقد على الأرض كل شيء وبات بفضل حلفائه قادراً على أن يقف على أقدامه بعض الوقت قد استحال دمية كاملة الأوصاف لا ينطق إلا بما يريد له حامله أن ينطق به. أما ممثلو المعارضة فهم يملكون حرية اختيار رهان الشعب المصيري الذي تصدّوا لتمثيله: الانتقال من الاستبداد إلى الحرية والكرامة: الخيار الوحيد.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

وهم التفاوض واستمرار الموت السوري/ سلام الكواكبي

حسناً فعل وفد المعارضة السورية الأساسي بمغادرة جنيف، إثر وصول المحادثات مع فريق المبعوث الدولي، دي ميستورا، الوسيط التقني المحايد إلى درجة الهلامية، إلى حائط مسدود، نتيجة فقدان أي أمل بجديةٍ ما من وفد النظام المعزّز بغياب الرؤية الشامل لدى المبعوث الدولي، كما جزء من فريقه. وربما سيمكث على ضفاف بحيرة ليمان للتسوّق بعضٌ من معارضي القواعد العسكرية الروسية “الوطنيين”، أو نظراؤهم من متسلقي الوهم بلعب أي دور، ولو إعلامي على الأقل، في الساحة السورية، منذ بدء المقتلة.

ترافق هذا التعليق الصريح ممن يُمثّل غالبية اتجاهات المعارضة، بشقيها المدني والمسلح، مع ثبات حقيقة عدم تنفيذ أي خطوة يمكن أن تسجل في حقل حسن النيات، ولو الشكلي، من النظام. فلم يتم وقف الأعمال العدائية، فقد تم تسجيل أكثر من ألفي اختراق للهدنة المزعومة، منذ إعلان بدايتها بتوافق دولي يوم 27 فبراير/ شباط المنصرم. كما غابت أي مبادرة لإطلاق سراح ولو بعضٍ من آلاف المعتقلين القدامى والجدد. إضافة إلى فشلٍ ذريع في إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي يحاصرها النظام، وهي بالعشرات. فشلٌ توّج بدخول مُهين لمجموعة من موظفي الأمم المتحدة العاملين، تحت إشراف الأجهزة الأمنية السورية، إلى مدينة داريا المجوّعة منذ أكثر من سنتين، بدون اصطحاب أية مساعدة، ولو رمزية، بحجة تفقد الاحتياجات، والتأكد من وجود المدنيين.

مراوحة في المكان مرفقة بتصريحاتٍ أمميةٍ كثيرة غير قابلة للصرف، حتى في أسوأ أسواق القطع المزوّر. ففي جملة تحمل كل تناقضات موقفه، والذي اختار أن يلتزم بحياكته بعناية، ذكر دي ميستورا ما معناه أن الهدنة في وضع جيد، على الرغم من تسجيل خروق عديدة، ومن الهجمات العسكرية الإيرانية/ الروسية/ المليشياوية على مدينة حلب، أو ما تبقى منها. ودونما حتى استرشادٍ بتعليمات المرشد الروحي للعمل الأممي، بان كي مون، لم يجرؤ المبعوث الدولي أن يُبدي ولو قلقاً مشوباً بالانزعاج الدبلوماسي مما يحدث. وسيُتاح له قريباً مشاهدة عرضٍ خاصٍ، مع بعض المُسليّات، لما ستسجله طائرات “الدرون” الروسية من المقاطع التاريخية، والتي ستُظهر فاعلية أسلحة التدمير الروسي في سورية، متيحةً بيع مزيد من السلاح الروسي، الفعّال حتماً في إحالة حلب الشهباء إلى حلب الشهداء.

وإمعاناً في تسلية الأمميين، من موظفين ومبعوثين ومنتفعين ومراقبين، لا حول لهم ولا قوة، قصف الطيران السوري، يوم تعليق المحادثات، مدينتي معرّة النعمان وكفرنبل في الشمال، باستهدافٍ واضح لم يكلّ ولم يملّ للمدنيين في الأسواق الشعبية. وسقط في الهجوم، غير المباغت إلا للسذّج، ما يقارب 60 ضحية، ترامت أشلاؤهم على عربات الخضار والفواكه.

تعليق المشاركة في المفاوضات الخطوة الوحيدة التي يمكن لوفد المعارضة أن يخطوها، في

“مراوحة في المكان مرفقة بتصريحاتٍ أمميةٍ كثيرة غير قابلة للصرف” ظل توافق دولي وعربي على استمرار عملية التفاوض للتفاوض، والتي لا يملك أحدٌ، عدا الروس، تصوراً لمآلاتها. وبالطبع، لم يمنع الموت المصوّر، خصوصاً مع سابقة عرض منظمة العفو الدولية مقطعٍ لسقوط برميل متفجر على المدنيين، أياً ممن يوجدون في جنيف من “المعارضة” المُشكّلة في القواعد العسكرية الروسية، وهم معيّنون من مساعد أول، في أحسن الأحوال من جهاز أمن غير أساسي، من الاستمرار في تسوقّهم في جنيف. ولم يشعر معارضو مجموعة “أستانة”، والذين يُعدّون على أصابع اليد المبتورة الواحدة، والمسلحون بشبكة علاقات عامة مخابراتية روسية، بضرورة تسجيل موقف أخلاقي، ولو مرة، في مسيرة أدائهم منقوص الالتزام. همهم الأول والأخير لقاء عدسات التلفزة وتوزيع الابتسامات المليئة بضحالة الذكاء. أما موقعو وثيقة القاهرة، فهم، وإن لم يُعلّقوا مشاركتهم بعد، إلا أن تصريحاتهم تدل على تردّدهم في الاستمرار في مسرحية المشاركة بمن حضر. ويبدو واضحاً عدم نيتهم مساعدة المبعوث الدولي على الاستمرار بمسرحيةٍ تحمل مشهداً عبثياً كل يوم، بل وكل ساعة.

تتزاحم الضغوط من كل حدب وصوب على وفد المعارضة السورية، للعودة إلى المفاوضات، ويكاد الأصدقاء يضغطون أكثر من حلفاء الطرف الآخر، ويكاد الأميركيون يهدّدون بأن تعليق المشاركة يضع حداً نهائياً لأي شرعية، يعتقدون أنهم منحوها لهذا الوفد “المسكين”. ويكاد المرء يتخيّل موقف المفاوض الفلسطيني، مع النسبيّة في التشبيه، عندما يخضع لضغوط عدة للقبول بالعدم المطروح أمامه على طاولة مفاوضاتٍ أشبه بالجبن الفرنسي المثقوب.

يُخطئ من يحسم في هذا الأمر، ولا يتساءل عن أقل القرارات ضرراً للمعارضة “اليتيمة”: البقاء ومحاولة الحصول على حدٍّ أدنى، يوقف آلة الموت والدماء، مسؤولية منطقية. والتعليق احتجاجاً على عدم التزام النظام بمقرّرات فيينا ومجلس الأمن الأخيرة، هو أيضاً موقفٌ إنساني ووطني، يتماشى مع حقوق الضحايا المستباحة. أما الاعتماد على من يُسمون أنفسهم أصدقاء فهو رهان فاشل، لم تستوعبه المعارضة بعد. ويبدو أن الحوار مع حلفاء النظام من الروس غير متاح في الأمد القصير. المعارضة في موقفٍ لا تُحسد عليه أبداً، ولو أن بعض النفوس الضيقة تتشفّى، وهي تنتظر فرصة الإحلال.

العربي الجديد

 

 

 

جنيف وتبدّد الآمال/ فاطمة ياسين

لم تصل الوفود السورية دفعةً واحدةً إلى مطار جنيف. القسم الأهم من المعارضة كان في المدينة السويسرية قبل بداية الأسبوع بيومين، بينما فشلت محاولات جادة لإرسال وفدٍ يمثل معارضة الداخل، بعد خلافات عمودية بين أفراده.

يوم الجمعة، الخامس عشر من إبريل/ نيسان الجاري، حطّت على مدرج مطار جنيف طائرة تقل بشار الجعفري ومجموعة من زملائه، سوف يمثلون وفد النظام في المحادثات الجارية. نشر القادمون صوراً مبتذلة لاحتفال رئيس الوفد بعيد ميلاده على متن الطائرة نفسها التي تحملهم إلى مقرٍّ معني بحقن دماء السوريين. بعيداً عن لقطات قالب الكيك الموشّى بالفريز، أصرّ الوفد في توقيت وصوله على بضع تفاصيل بروتوكولية كالمجيء “متأخراً”، برّره الأعضاء بانشغالهم بالانتخابات البرلمانية الجارية في محافظاتٍ سورية. ببساطةٍ كهذه، يختصر النظام على نفسه سلسلة من الشروحات، ويعطي فكرة مسبقة للوفود الدولية عمّا تحمله الرسالة الأسدية للمجتمعين في جنيف.

قَبِل وفد المعارضة السورية، على مضض، بتقاسم قاعات فنادق جنيف مع وفد النظام تحت أوهام تحقيق السلام في سورية. وبرز، بعد الأيام الأولى، الخلاف الحاد على شكل الحكومة المزمع تشكيلها. وجاء خطاب المتحدث باسم قوى الثورة والمعارضة السورية، أسعد الزعبي، تقليدياً. لم يأتِ فيه على ذكر ما تزخر به الصحافة العالمية، هذه الأيام، عن شركات مسجلة في الـ “أوف شور”، حيث ورطة عائلة الأسد كبيرة. ولم يورد شيئاً عن قضية ساخنة يجري الحديث عنها، تتعلق بملف هائل من الأوراق الموثقة التي سربت إلى خارج سورية، بمساعدة سفراء أجانب، تثبت جرائم قام بها رجالات الأسد بأوامر مباشرة منه، يُفترض أن تودي برأس النظام مع مجموعة مساعديه إلى كوريدورات المحاكم الدولية. لكنه، بدل ذلك، أصر على كشف دعم دول إقليمية ودولية تعزيز دور بشار الأسد في المفاوضات. كان هدف الزعبي من هذا الاختزال تجاوز الماراثونات الجدلية، والتركيز على خطط عملية ستنقل سورية إلى الديمقراطية والأمان.

أُفرِد، في صباح يوم الجمعة، مؤتمرٌ جانبيٌّ للمعارضة، أسهب فيه الرائد حسن إبراهيم (أحد أعضاء الوفد) في تقديم براهين تؤكد، بالاسم والمكان والزمان، الصلات التي تربط نظام الأسد بداعش، الأمر الذي سبقه إليه وزير خارجية الولايات المتحدة، جون كيري، عدة مرات في غير مناسبة، لكن الناطق المعارض وجد من المناسب أن يذكّر العالم بذلك، وفق طريقته الخاصة في العرض، ولم ينسَ قبل الختام الإشارة إلى وثائق لديه وعَد أن يقدمها عن خروق النظام الهدنة.

في اليوم نفسه، رمى بشار الجعفري بورقة جديدة تحتوي تعديلاتٍ اقترحها نظام الأسد على خطة المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، وحدّد لهم مهلة يومين لتدارسها. تتضمن الورقة اقتراحات تنزع عن خطة جنيف كل الأهمية المرتجاة، لا انتقال للسلطة، ولا إزاحة لكرسي الأسد، فقط إضافة بضعة معارضين ليشغلوا بعض الأماكن غير الحسّاسة في السلطة.

ينتقد بيان حركة أحرار الشام الذي أصدرته مساء السبت عمل المؤتمر، وتحركات دي ميستورا، وحتى أداء لجنة التفاوض المعارضة، وتخبطاتها، ويقول البيان إن “الحل سياسي وعسكري”، وإنهم سيستمرون في تحقيق أهداف ثورة الحرية حتى اقتلاع النظام. ويوسع الائتلاف السوري هامش تهديداته، فيقول بإمكانية تعليق مشاركته في المفاوضات.

بعد أن نجح نظام الأسد، إلى حد بعيد، بالقضاء على نقاء فكرة الثورة وطهرانيتها في المداولات الغربية والعالمية. يحاول الآن، من خلال وفده في جنيف، أن يظهر قوياً واثقاً بمكانته على الأرض، وبصلابة تحالفاته. وهو يستفيد من مرحلةٍ زمنيةٍ لا يبدو أن غاية المجتمع الدولي الفعلية في أثنائها إنهاء القتال في سورية، والبدء بحل سياسي حقيقيّ كما يُشاع، فتصريحات مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية التي سبقت عقد جنيف تقول إن للدول الراعية هماً وحيداً في سورية، هو المحافظة على عنوان عريض، يحمل اسم “حالة الهدنة”، وإنْ بخروقاتٍ يستطيع دي ميستورا أن يصنفها في خانة “مقبولة”.

العربي الجديد

 

 

 

نظام الأسد مستميت على قتل مبدأ “الانتقال السياسي”/ عبدالوهاب بدرخان

ما فعله الصراع في سورية، عدا ارتكابات نظام بشار الأسد من مجازر وتدمير وتصفيات تحت التعذيب، أن استحالة الحسم العسكري فرضت خيار الحل السياسي، لكنّ حلاً كهذا يفترض وجود «قنوات» اتصال بين الطرفين، وهذه مفقودة تماماً بإرادة الطرفين، وحتى الدور الذي يمكن أن يتولاه مستقلّون متعذّر أيضاً، فهؤلاء قد يرغبون في أدائه إلا أنهم يفتقدون اعتراف النظام والمعارضة بهم كـ «وسطاء»… لذلك، استقرّ إنهاء الصراع في كنف القوى الخارجية، وهو يخضع بالضرورة لمصالحها واصطفافاتها وانحيازاتها، فيما أظهرت المراحل المتعاقبة لمحاولات الحسم، عسكرياً أو سياسياً، أن إدارة الأزمة والكلمة الفصل كانتا دائماً لدى الثنائي الأميركي – الروسي.

تسلّطت الأضواء مجدّداً على الجولة الثالثة للمفاوضات السورية في جنيف، وكان واضحاً أن أفقها مسدود، وأنها آيلة الى «التعليق» أو الانهيار. فالنظام يشارك فيها شكلياً، لأن حليفه الروسي طالبه بلعب اللعبة وحليفه الإيراني لم يمانع، لكنه أقبل على التفاوض بأطروحة مستهلكة تفيد بأن النظام قائم وباق، بل إنه أجرى انتخابات صوَرية للمرّة الثالثة طوال الأزمة، وكل ما يستطيع التنازل عنه هو بضع حقائب وزارية للمعارضة في «حكومة وحدة وطنية» لاستئاف الحكم، كأن شيئاً لم يكن، على رغم أن الرجل الباقي أيضاً على رأس النظام هو صاحب «ملف الأسد» الموثّق الذي لا يثبت إجازته الجرائم فحسب، بل يطلب التشدّد بمعاقبة مَن يقصّرون في استخدام أقسى أنواع التعذيب (وفق لجنة العدالة والمساءلة الدولية/ مجلة «نيويوركر»، وتقارير دولية عديدة). ويستند نظام الأسد الى عناصر عدة لدعم موقفه «التفاوضي»: انقلاب المقاربات الدولية من أولوية إطاحته الى أولوية محاربة الإرهاب ومواجهة تدفّق اللاجئين، تحسّن وضعه العسكري بفضل التدخل الروسي، وصلابة الدعم الإيراني. والأهم، أن المحور الأساسي للتفاهمات الأميركية – الروسية («الحفاظ على الدولة والمؤسسات») عنى دائماً ضرورة الحؤول دون انهيار النظام، على رغم عدم تردّده طوال الأزمة في تقويض تلك الدولة والمؤسسات كما في تدمير كل مقوّمات الاقتصاد.

صيغة «الحل» هذه كما عرضها الأسد في خطبه وأعاد الإيرانيون اختراعها في «مبادرة النقاط الـ4» وأيّدها الروس في كل مناسبة، كانت ولا تزال غير كافية وبالغة الانفصال عن طبيعة الأزمة. ليس هذا مشروع حل أو تسوية يعرضه «رئيس» تعلّم مما حصل، فالأسد يقترح فيه مواصلة احتقار شعبه وإخضاع البلد لمصالح حلفائه، مخيّراً المجتمع الدولي بينه وبين «داعش»، ومهدّداً بفوضى عامة في حال سقوطه أو إسقاطه، فوضى أخطر ما فيها سيكون صراع شبّيحته في ما بينهم، فضلاً عن صراعات الفصائل المعارضة نفسها. هذه الاحتمالات تجعل القوى الخارجية متردّدة حيال خيار «هيئة الحكم الانتقالي»، الذي بني أساساً على فرضيتين: الأولى، أن الأسد يريد التنحّي وسيجد في هذه «الهيئة» مخرجاً «آمناً»، والثانية أن الدعم الدولي لـ «الهيئة» سيشكّل ضغوطاً على الأسد تضطرّه للرضوخ والانكفاء… لم يتأكّد أي من الفرضيتين في أي مرحلة، لا في جنيف 2014 بعد القرار 2118 في سياق التوافق الأميركي – الروسي على تدمير الترسانة الكيماوية، ولا في جنيف 2016 بعد ذروة «التوافق» الدولي في لقاءات فيينا والقرار 2254.

ما تأكّد فعلاً، أن العجز عن الحسم العسكري كان انعكاساً للعجز عن الحسم السياسي، والعكس صحيح. ينطبق ذلك على النظام وإيران كما على المعارضة، على رغم أن الأخيرة قدّمت تنازلاً كبيراً بقبولها تقاسم «هيئة الحكم الانتقالي» مع النظام. لكنه عجزٌ ينطبق أيضاً على الولايات المتحدة وروسيا اللتين تتحكّمان بالحركة الميدانية (مع أفضلية انتزعتها روسيا لمصلحة النظام، بموافقة أميركية مشروطة)، ولا تبدوان متحكّمتين بالتحرّك نحو الحل السياسي، سواء لصعوبة توافقهما على صيغة متوازنة لهذا الحل، أو لأنهما تختلفان علناً على «مصير الأسد» وتتفقان ضمناً على ضرورة وجوده في بداية أي عملية سياسية، حتى لو لم يكن تعاونه مضموناً لتحقيق أهدافها. وعلى رغم أنهما توصّلا الى فرض هدنة «وقف العمليات العدائية»، إلا أن استثمارها سياسياً يبدو متعذّراً حتى الآن، مع افتراض أنهما مصممتان فعلاً على إنهاء الصراع، لكن ما أظهرتاه من «إرادة» لا يؤكّد ذلك.

هناك مفاوضات في جنيف لكنها بين الأميركيين والروس، ويتردّد أنهم يبحثون في صيغة لـ «الانتقال السياسي» يمكن فرضها على الطرفين، صيغة لا تتضمّن رحيل الأسد ولا تمنحه «حكومة وحدة وطنية» كما يصفها ويتوقعها إحياءً لـ «شرعيته»، ولا تلتزم حرفية «هيئة الحكم الانتقالي» بل تتجاوزها لمصلحة «حكومة جامعة» وفقاً لصياغات لقاءات فيينا. قد يدعونها «حكومة انتقالية»، لكن المهم ليس اسمها بل وظيفتها، لذلك ينكبّون على صوغ «إعلان دستوري» بمحتوى يتيح لهم الضغط على الدول الداعمة ومن ثمَّ على الطرفين. إذا اتفقت الدولتان الكبريان على هذا «الإعلان»، فإنه ينزع من الأسد ديماغوجية المحاججة بأن «دستور 2012» لا ينص على «انتقال سياسي» (وهل ينص على تشريع جرائم النظام؟)، كما أنه الطريقة الوحيدة لنقل صلاحيات الأسد الى «الحكومة» أو «هيئة الحكم» الانتقاليتين. أما هل تستطيع الدولتان فرض ما تتفقان عليه؟ فهذا سيكون موضع اختبار.

هناك آليات طرحتها موسكو، وأهمها «المجلس العسكري» المشترك بين الجيش النظامي و «الجيش الحرّ» والضباط المنشقّين الذين لم يشاركوا في القتال، وهو يشكّل عيّنة من الأفكار ذات المنحى الانتقالي الواضح، إذ يُفترض أن تكون إعادة الهيكلة محور عمله، وأن تشمل أيضاً أجهزة الأمن. لكنه غير قابل للتفعيل إلا في ظلّ حل سياسي. لكن هناك أيضاً اقتراح الـ «ثلاثة نواب للرئيس تختارهم المعارضة»، الذي وضعه ستيفان دي ميستورا أمام وفد المعارضة، مع «صلاحيات محدودة للأسد في المرحلة الانتقالية». لم يكن المبعوث الأممي يهَلْوِس أو يستخرج الاقتراح من خياله أو من اجتهادات أحد مستشاريه، كما قال، فهو يعرف أن نظام دمشق لن يمرّر له مثل هذا التعرّض لـ «مقام الرئيس». الأرجح، أن موسكو حمّلته هذا العرض كـ «بالون اختبار» يمكن أن يحدث بلبلةً في صفوف المعارضين. لكن المنحى الإغرائي المكشوف أفشل التجربة وأحبط الإيحاء بأن النظام بدأ يفكّر في «تنازلات» لا لدفع الحل السياسي وتسهيله بل لتغيير وجهته، وبالتالي لنسف فكرتَي «الانتقال السياسي» و «هيئة الحكم الانتقالي» من جذورهما.

كان الهدف من «بالون الـ3 نواب» إظهار النظام كأنه ينخرط جديّاً وإيجابياً في المفاوضات، وجعل من فكرة «حكومة وحدة وطنية» خياراً محفّزاً وجذاباً، بحيث يكون دي ميستورا وفريقه جاهزَين لطيّ صفحة «هيئة الحكم الانتقالي» وتوجيه التفاوض نحو «ما يتوافق عليه الطرفان»، وهذا في أعراف الأمم المتحدة أقوى وأعلى من بنود أي قرار دولي.

لكن طبيعة الصراع في سورية حدّدت وجهة بوصلة الشعب في شكل نهائي، فأي طرح لا يلبي مطلب «رحيل الأسد» هو بالنسبة الى المعارضة، أحزاباً وأفراداً، تجاهلٌ لشرعيتها ومشروعيتها. لذلك، أخفق «الاقتراح» الروسي في إضعاف تماسك المعارضة وزاد من تشبّثها بمطالبها، بل إنه على العكس أظهر أمرَين: الأول، أن النظام مستميت للقضاء على مبدأ «الانتقال السياسي» الذي ثُبِّت كاستحقاق سوري (ودولي) لا بدّ منه. والثاني، أن النظام وحلفاءه يعترفون بأن هذه المعارضة التي ميّزت نفسها بوضوح عن الجماعات الإرهابية، والمستعدة للتفاوض، هي التي تخوض الصراع الداخلي، وبالتالي فإن أي اتفاق سياسي في جنيف ينبغي أن يتمّ معها، خصوصاً أنها تمكّنت من فرض احترام الهدنة، وهذا ليس في متناول أي «معارضات» أخرى… لكن هذه المعارضة تعاني، في المقابل، من غياب إرادة دولية، أميركية – روسية تحديداً، لدعم جديّ ومجدٍ لمقتضيات الحل التفاوضي. بل إنها مدركة أن روسيا تدخّلت في الأساس لضربها وتصفيتها تعزيزاً لوضع الأسد ونظامه، وهذا في حدّ ذاته لا يسهّل أي حل بل يقوّضه.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

موسكو و “الحليف الصعب”/ وليد شقير

إذا صح أن الاتفاق الأميركي الروسي، المدعوم دولياً، على ترجيح مسارات الحلول السياسية للحروب الدائرة في المنطقة، هو من أجل التفرغ لقتال «داعش» في العراق وسورية واليمن وليبيا ومصر وغيرها من دول المغرب العربي ومشرقه، فما الذي يجعل كل هذه المسارات يتعثر، على رغم الحديث عن صلابة التوافق بين موسكو وواشنطن على ترجيح هذا التوجه؟

لا يمكن فهم مشهد العرقلة الذي أصاب مسارات الحل السياسي كما ظهر في الأيام الماضية، لا سيما في جنيف حول سورية، وفي الكويت حول اليمن، والتصعيد الميداني الذي رافق هذه العرقلة بخرق واسع للهدنة ووقف الأعمال القتالية في كل منهما، سوى أن هناك جهة أو جهات إقليمية لا تتناغم مع التوافق بين الدولتين العظميين.

الظاهر في ما يخص سورية أن النظام يتولى نسف أسس التفاوض بإصراره على إحلال صيغة «الحكومة الموسعة» مكان «هيئة الحكم الانتقالي» بصلاحيات كاملة، وفق ما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254 وبيان جنيف 2012، بالترافق مع الضغط لإجبار المعارضة على التسليم بتنصل القوى الدولية من التزامها البحث في الهيئة الانتقالية التي كانت حصلت على وعد من ستيفان دي ميستورا بأن تتصدر البحث كشرط لحضورها إلى جنيف في شهر آذار (مارس) الماضي. وفي ما يخص اليمن، أخر الحوثيون حضورهم إلى الكويت بحجة وقف العمليات والقصف من التحالف العربي لتغطية خرقهم للهدنة، من أجل تحسين موقعهم التفاوضي حيال مبدأ تسليم سلاحهم للشرعية كما نص عليه قرار مجلس الأمن 2216، متنكرين لوجود «شرعية»، وداعين إلى تشكيل سلطة جديدة.

بواطن الأمور تتعدى ذلك، ووجب البحث عن الموقف الإيراني الذي يتلطى خلف انتشاء الأسد جراء المكاسب التي حققها له التدخل العسكري الروسي الذي هدف إلى «استعادة بعض التوازن الميداني لإطلاق العملية السياسية»، وإلى تكريس النفوذ الروسي على سورية، فالرئيس السوري ما زال يعيش الانفصال عن الواقع، بإصراره على «الانتصار» الذي تستبعده موسكو وفق قول سيرغي لافروف عن أن «لا أحد قادراً على الانتصار». والأسد استند إلى المرحلة الجديدة من تصعيد الجانب الإيراني والميليشيات الحليفة بإرسال المزيد من القوات إلى سورية لإعانته على خرق الهدنة بالمجازر وتشديد الحصار على بلدات وقرى للحؤول دون تقديم المساعدات الإنسانية للمحاصرين (بعد أن كان فكُّ الحصارات شرطاً للمعارضة كي تحضر جنيف). الهدف هو دفع الهيئة العليا للتفاوض في المعارضة للانسحاب.

وفي اليمن، واصلت طهران إرسال السلاح إلى الحوثيين وعلي عبد الله صالح بعد قرار الهدنة، كما أظهر الإعلان عن ضبط باخرة أسلحة جديدة من جانب البحرية الأميركية. وأرادت بتأخير انضمام وفد الحوثيين إلى الكويت الرد على استبعادها من البحث في الحل السياسي هناك.

المفارقة أن القوتين العظميين استعانتا بالقوى الإقليمية الحليفة للمعارضة السورية من أجل عدم إفشال المسار السياسي. في جنيف، تولت تركيا على رغم التأزم المستمر بينها وبين موسكو، تشجيع «الهيئة العليا للتفاوض» على العودة إلى المفاوضات (وكذلك دول أخرى على نقيض من سياسة موسكو في سورية)، فالقيادة الروسية تدرك أن «الحليف الإيراني الصعب» وفق التعبير الدارج في موسكو، يذهب بعيداً في التمايز عن أجندتها.

وفي الكويت، طلبت واشنطن من إيران إقناع الحوثيين بحضور المفاوضات، على رغم الانتكاس في تطبيع العلاقات وتباطؤ حصول طهران على أموالها المجمدة التي قضى الاتفاق على النووي باستعادتها وبرفع العقوبات عنها، وفق ما دلت القرارات القضائية الأميركية باقتطاع بلايين منها تعويضات لعائلات ضحايا تفجيرات اتهمت بها هي و «حزب الله» في لبنان في الثمانينات.

ترد طهران على إجراءات الحصار المتصاعدة ضدها وضد «حزب الله»، وآخرها الإدانة الشاملة لتدخلها في الدول العربية، في القمة الإسلامية، عبر عرقلة المسار السياسي الذي توافقت عليه الدول الكبرى في المنطقة، بعدما تباهت بأن يقود الاتفاق النووي إلى التسليم يشراكتها في الحلول، جراء تمددها الإقليمي، فإذا بموسكو تعتبرها «الحليف الصعب»، وواشنطن تتحدث عن «نشاطها الخبيث» في المنطقة وفق قول وزير الدفاع آشتون كاتر في الرياض أول من أمس، في حديثه عن «حزب الله».

يصعب تصور مسار واضح للعملية السياسية لأزمات المنطقة لأسباب كثيرة، بينها أنه بموازاة الاتفاق على هذا المسار، ما زالت موسكو تستريب من المناورات الأميركية في البلطيق، فيما تعتبر واشنطن أن زيادة نشاط الغواصات الروسية في البحر المتوسط وفي شمال المحيط الأطلسي، دليل على أن وسائل الحرب الباردة هي الغالبة. وكل ذلك يحول دون اتخاذ خيارات حاسمة لترجيح الحلول السياسية الإقليمية، ويجعل من المفاوضات عليها وسيلة لإدارة الصراعات.

الحياة

 

 

 

الأسد ينسف «جنيف 3»… كما فعل بسابقيه/ محمد مشموشي

لم يوفر النظام السوري دقيقة واحدة من وقته، خلال الأيام الثلاثة لـ «جنيف 3» بين 17 و19 نيسان (ابريل)، من دون العمل بمختلف الوسائل، السياسية والعسكرية والديبلوماسية، لإفشال المؤتمر أو أقلـــه دفع المعارضة لتعليق مشاركتها فيه… كما حدث فعلاً في النهاية.

تمثلت البداية في تأخر وفد النظام عن الحضور إلى جنيف في الموعد المحدد سابقاً، بحجة مشاركة بعض أعضائه في ما سمي «انتخابات نيابية» أجريت حينها في سورية، لكأن الحضور أو عدمه يؤثرـ في نتيجة الانتخابات، وبالتالي سقوط هـــؤلاء الأعضاء (لم يعرف عددهــــم من بين 14 عضواً في الوفد). ثم كـــرت سلسلة الأفخاخ والعبوات الناسفة بعد ذلك على الشكل التالي:

أولاً، إعلان رئيس وفد النظام، بشـــار الجعفري، أن لا شيء في «جنيف 3» يتــعـــلق بمستقبل رئيس النظام بشـار الأسد، وأن جل ما يمكن بحثه تحت عنوان «المرحلة الانتقالية» التــــي تحدثت عنها ورقة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا هو تشكيل «حكومة وحدة وطنية» من النـــظام والمعارضة والمستقلين بقيــــادة الأسد وتحت إشرافه.

وفضـــلاً عن إدراك الوفد المسبق أن المعارضة ترفض هذا الطرح، فالمعارضة تعرف جيداً بدورها ماذا يعني النظام بتعبير «المستقلين» الذين، كما هي العادة منذ أكثر من 45 عاماً من حكم الأب والأبن، لا يقصد بهم سوى أهل النظام أو من يطلق عليهم اسم «معارضة الداخل».

وأكثر من ذلك، فقد بدا أن الوفد الذي كان مطالباً بتقديم موافقته أو تعديلاته على ورقة دي ميستورا، لم يفعل، إلا أنه رفض هذه الورقة بالكامل، مما دعا المبعوث الدولي إلى التراجع عنها (أو عن بعضها)، أملاً ربما في أن يقنع النظام بها… ليدخل تالياً في نقاش ساخن مع وفد المعارضة، وحتى اتهامه بأنه تراجع عما اقترحه سابقاً قبل تأجيل جولة المفاوضات الماضية.

ثانياً، إطلاق عدد من الإشاعات الكاذبة والملفقة بهدف نسف المؤتمر من يومه الأول. بينها، مثلاً، اقتراح تعيين ثلاثة نواب للرئيس، يعين أحدهما النظام وتعين ثانيهما المعارضة ويترك للمستقلين أمر تعيين الثالث. وبينها كذلك تسريب أنباء عن مسار تفاوضي سري بين واشنطن وموسكو، وتوافقهما على تشكيل ما وصف بـ «مجلس عسكري» للإشراف على المرحلة الانتقالية، وأن يضم هذا المجلس ماهر الأسد وعلي المملوك عن النظام، بانتظار تسمية آخرين من خارجه. ليس ذلك وحده، بل تعمّد إشاعة أن العاصمتين بدأتا اتصالات مع ضباط منشقين وموجودين في الخارج (تركيا والأردن وفرنسا تحديداً) لضمهم إلى هذا المجلس.

وإضافة إلى «المجلس العسكري» هذا، تسريب أنباء عن إنشاء «مجلس وطني» للشؤون السياسية، وثان للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار، على أن تنبثق منه الإثنين حكومة تضم ما سمي «مختلف القوى السياسية والطائفية» في البلاد… ولكن دائماً مع بقاء الأسد وإشرافه على الفترة الانتقالية من أولها إلى آخرها…

وعلى رغم نفي واشنطن وموسكو وجود هذا المسار السري أو هذا «التوافق»، فقد استمر إعلام النظام وحلفائه (خصوصاً في لبنان) في بث هذه الشائعات ونسبها إلى مصادر عليمة أو موثوقة في أوروبا. تماماً كما واصل هذا الإعلام الحديث عن «تحالف» يزداد قوة بين موسكو وطهران ودمشق من جهة، وعن تنسيق بينه وبين إدارة باراك أوباما المنسحبة من المنطقة من جهة ثانية، بهدف محاربة «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية والقضاء عليها في نهاية الأمر.

ثالثاً، شن سلسلة عمليات حربية في حلب وريفها، بعد الحديث عن اتفاق مع موسكو في شأنها (نفته هذه لاحقاً) كما في ريف دمشق ومخيم اليرموك وادلب ومعرة النعمان وكفر نبل، ما أدى إلى مجزرة ذهب ضحيتها أكثر من مائة مدني في يوم واحد.

وفي الوقت الذي كانت تخرج إلى العلن حقيقة وجود حوالى ثمانمئة ألف سوري من دون غذاء أو دواء في عدد من المدن والقرى التي تحاصرها قوات الأسد وميليشيات «حزب الله»، وكانت وكالات الإغاثة الدولية والأمم المتحدة تتحدث عن «وضع كارثي» للناس هناك، وتطالب برفع الحصار عن تلك المدن وتسهيل دخول الإمدادات الضرورية إليها، كان النظام وحلفاؤه لا يشددون الحصار ويمنعون عمليات الإغاثة فقط، بل يتعمدون قصف المناطق المحاصرة بالمدفعية الثقيلة والبراميل المتفجرة أيضاً.

وما حدث، بعد قرار المعارضة تعليق مشاركتها في المفاوضات، وتمثل بإخراج 250 من الأشخاص المحاصرين في الزبداني ومضايا في مقابل 250 من الكفرا والفوعة، انما يعني أن الحصار والتجويع هما جزء لا يتجزأ من حرب النظام للبقاء من جهة، لكن كذلك لإفشال أي حل سياسي يمكن أن يزيح رأسه من جهة ثانية، تماماً كما كانت حال هذا النظام طيلة السنوات الخمس الماضية.

لا يريد هذا النظام سوى أن يكون مصير «جنيف 3» شبيهاً بزميليه «جنيف 1» و «جنيف 2» خلال الأعوام من 2012 حتى الآن: كلام على حل سياسي، لكن في مقابل عمل دائم من أجل حل عسكري ينهي الثورة والمعارضة… ومعها الشعب كله إذا لزم الأمر.

ولعله من هنا يمكن فهم قرار ايران أخيراً إرسال وحدات من جيشها، وليس من «الحرس الثوري» فقط، للقتال إلى جانب الأسد والميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية. كما كذلك فهم كلام وزير الخارجية الروسي فلاديمير بوتين الذي وصف تعليق المفاوضات بأنه دليل على عدم قدرة وفد المعارضة هذا على تمثيل الشعب السوري.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

 

ماذا كان مطلوبا من دي ميستورا؟/ د. مدى الفاتح

يلقي الكثيرون اللوم على مبعوث الأمم المتحدة الخاص بسوريا ستيفان دي مستورا الذي يعتبرونه فشل في أداء مهمته، وقد تصدرت التغريدات وعبارات الكاريكاتير التي تحمل اسمه مواقع التواصل الاجتماعي، حتى نافس بذلك غيره من رموز الحكم والسياسة.

أما مبادراته، من قبيل الأخيرة لإنشاء مجلس نسائي استشاري لنساء سوريا، فقد كانت محل سخرية وهجوم المتابعين، خاصة حين ذهبت أولئك النسوة إلى جنيف مطالبات بضرورة رفع العقوبات عن النظام السوري كأولوية.

سنتوقف هنا لنسأل سؤالاً بسيطاً: ما هو الشيء الذي كان مطلوباً من دي مستورا؟ هذا السؤال مهم، لأنه وبغض النظر عن موضوع نوايا الرجل الداخلية وارتباط تحركاته بخيوط ما يسمى في أدبيات بعض المعارضين، بالمؤامرة الكونيـــة ضد الشعب السوري، إلا أن الواقع يخبرنا أن العديد من العوامل المرتبطة بعمله تحول دون إنجازه أي حل شامل للمسألة السورية.

أهم هذه العوامل هو اختلاف المراقبين والمنخرطين في الصراع على تعريف المقصود بالحل الشافي أو الشامل، فهل هو بقاء النظام للحفاظ على الدولة السورية، ثم إنجاز انتخابات قد تعيد الوجوه القديمة ذاتها؟ أم تنحي النظام ورموزه فوراً وعلى رأسهم بشار الأسد؟ أم عودة الحكاية لنقطة الصفر ونسيان كل ما مر خلال السنوات الماضية مع إتاحة فرصة للمعارضين داخل السلطة الجديدة؟

الدول التي تكوّن الأمم المتحدة التي بعثت بديمستورا غير متفقة على هذا السؤال البديهي، فمن أين يمكن له أن يخرج بقرارات ناجزة وناجحة؟ هل يمكن له أن يخرج بقرارات بدون الرجوع إلى مموليه وباعثيه؟ بالتأكيد فإن هذا غير ممكن، ولذا فليس أمامه سوى تضييع الوقت ومحاولة التقريب وردم الهوة بين الوفدين الرسمي والمعارض عبر تدعيم وتلغيم الوفد الأخير بفرض شخصيات ظاهرها الحياد وباطنها الاقتراب من النظام على طريقة الوفد النسوي أعلاه. الدبلوماسي الأوروبي ذو الخبرة الممتدة في مواقع النزاع لن يخبرك بصراحة أنه لن يقودك إلى أي مكان، لأن لا خريطة طريق متفق عليها أمامه، بل على العكس سيحافظ على حماسه ورونق كلماته، وسيقدم الكثير من التصريحات التي تلي الكثير من الاجتماعات والتي ملخصها كلام كثير ومعنى قليل. من تصريحاته مثلاً قبيل مفاوضات جنيف الأخيرة قوله إن الجولة المقبلة من المفاوضات يجب أن تقود بشكل ملموس إلى بداية تحقيق الانتقال السياسي.

طبعاً لن تجد من يشرح لك المقصود بكلمة «يجب» هنا، أو ماذا سيحدث إذا لم تؤد إلى ذلك «الانتقال السياسي» الذي هو بدوره مفهوم يحمل أوجهاً وتفاسير قابلة للتعدد والتمدد. حين ترضخ الأمم المتحدة لرغبة النظام السوري في تأجيل المفاوضات، من أجل تمرير ما يسميها بانتخاباته الداخلية سوف يتم تحميل المسؤولية لدي مستورا وسيتم اتهامه بالتواطؤ. من حق البعض أن يتحفظ على أداء دي مستورا، لكن هذا التحفظ يجب ألا ينسينا أن المشكلة في سوريا ليست معه، كما أنها لم تكن مع سلفه الأخضر الإبراهيمي، فإذا كانا وغيرهما من ممثلي المنظمة الدولية عاجزين أو متواطئين فذلك لأن الدول الإقليمية والقوى العالمية عاجزة في غالبها أو متواطئة.

ربما يكون العجز هو سمة القانون الدولي، الذي يجب القبول به لأي عضو في هذا النادي، فبدون قبول هذا القانون العاجز لن يكون لوجودك أي شرعية وهذا ينطبق على الجميع بمن فيهم المفاوض السوري الذي قبل بالشروط الدولية كأساس للتفاوض، تلك التي على رأسها ذلك المفهوم الجذاب: «الحل السلمي»، من الشروط المفروضة على المفاوض السوري أيضاً الحفاظ على الدولة السورية، وإذا كان الوضع في سوريا هو تماهي النظام مع الدولة فسيصبح ذلك الشرط مفخخاً. مفاوض المعارضة سيعلن أنه سيقبل بكل القيادات التي لم تتورط في عمليات القتل والتدمير. هذا يعني أنه إذا كان هناك ضابط في الجيش لكنه كان مجرد إداري أو متابع للمعارك من على البعد بدون أن يتورط فيها مباشرة فإن ذلك يمنحه فرصة الاشتراك في بناء الدولة الجديدة. المعارضة ستمضي لأكثر من ذلك معلنة عدم ممانعتها في بقاء بعض القيادات والرموز المرتبطة ببشار الأسد، خلال فترة الانتقال المؤقتة، التي يجب أن تفضي إلى برلمان ودستور وحكومة جديدة، بل سيذهب البعض إلى ما هو أكثر من ذلك بقبولهم مقترح بقاء بشار الأسد في منصبه على أن يحظى بثلاثة نواب من اتجاهات مختلفة.

المفارقة كانت أن معسكر النظام السوري لم تكفه كل تلك التنازلات، وعاد مرة أخرى ليتحدث عن شرعيته المكتسبة في حكم البلاد، معتبراً في تصريح لفيصل المقداد، قبيل ساعات من بدء المفاوضات الأخيرة، أنهم يعتبرون أي حديث عن حكم انتقالي انقلاباً. من جهة أخرى نتساءل عن سر ذلك التمسك الدولي بما يسمى مؤسسات الدولة السورية.

هل هو مطلب لروسيا التي استثمرت كثيراً في القوة العسكرية والأمنية السورية، حتى خلقت بينها وبينهم تفاهمات لا يمكن استبدالها؟ أم أنه مطلب إسرائيلي، وبالتالي أمريكي، باعتبار أن الكيان الذي عاش بسلام وباتفاق شبه رسمي على عدم تجاوز خطوط تماسه لا يفضل وجود قيادة أمنية جديدة قد تحمل مقاربات مختلفة للصراع؟

بالعودة إلى مفهوم «الحل السياسي» نقول إنه كان من السهل على مجتمع المراقبين أن يمنع السلاح والتسلح عن المعارضين، وأن ينتقد دفاعهم عن أنفسهم في الوقت الذي كان يصعب عليه فيه محاكمة الطرف الآخر المتمسك حتى الآن بشرعيته الواهية، التي تتيح له ولقواته العسكرية والأمنية حرية التدخل من أجل محاربة من سيسميهم بالمخربين والإرهابيين. هكذا بدا الحديث عن هدنة أمراً غير واقعي، وكما كان الجميع يتوقع، تم تسجيل خروقات فاقت الألف خلال الأيام الأولى فقط، ما جعل أطروحة الحل السياسي السلمي أقرب إلى خرافة لا يصدقها أحد، خاصة أن التنظيمات الإرهابية الفوضوية موجودة وحاضرة وغير معنية بكل هذه الحلول السلمية. هذا الوجود يقدم خدمة مجانية للنظام السوري الذي يبرر عملياته العسكرية بذريعة ملاحقة الإرهاب.

إن استخدام مفردات كـ»الحل السياسي» و»الانتقال» و»الهدنة» لن يشكل تغييراً للواقع الذي يخبرنا أن المأساة متواصلة وأن بلدات كثيرة يموت أهلها وأطفالها جوعاً لعدم وجود أي مواد غذائية. ما يسميه أصحاب الدول الكبرى، التي تتفاوض نيابة عن السوريين، إنجازاً يتمثل في إعلان هدنة لأول مرة منذ سنوات، أمر لا يعني في الواقع الكثير على الصعيد الإنساني. الولايات المتحدة من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، كلها جهات تدعو بصوت عالٍ لإيجاد حل سياسي سلمي، كما أنها الجهات التي تؤثر بقوة على جميع تحركات المبعوث الدولي. المفارقة تكمن في أنها هي نفسها الجهات التي تستخدم أقوى ما تملك من أسلحة في سبيل تهيئة الأجواء لذلك السلام المنشود، أي أن الحل السلمي المبتغى مبني بشكل ما عندها على الحل العسكري. الواقع السوري أكثر تعقيداً من أن يكون مفتاح حله بيد جهة واحدة، فهناك على سبيل المثال المتطرفون الذين يرفعون راية جهاد في سبيل ما سموه بـ»الدولة الإسلامية»، أولئك الذين يجعلون من قتل المسلمين أولوية. وهناك دول منخرطة تؤمن بالحرب والعسكرة كطريق لتحقيق السلام. كما أن هناك أحزابا ومجموعات كانت حتى وقت قريب مصنفة إرهابية وفوضوية لكنها اليوم مدعومة من قبل أطراف مهمة من أجل تشجيعها على الدخول في حرب ضد الإرهاب. أكثر من ذلك لدينا المنظمة الدولية التي يجاهر معظم أعضائها بالقول بأن بشار الأسد قد فقد شرعيته، وألا مكان له ولنظامه في خريطة المستقبل السورية. هذه المنظمة هي نفسها التي تمنح النظام، غير المعترف به، مقعداً أممياً وتسمح لممثليه بالدفاع عنه والترويج لمبرراته وأكاذيبه. هي نفسها التي تستأذن قبل الدخول إلى الأحياء السورية المنكوبة من أجل تقديم الغذاء والدواء حفاظاً على «السيادة» السورية.

إذا كنا نسمي ما يقوم به دي ميستورا من «تمييع» لوفد المعارضة عبر حقنه بشخصيات وأحزاب قد لا يكون رحيل الأسد هدفها الرئيس، جريمة وخيانة، فعلينا أن نتذكر أنه جزء من خيانة أكبر للقضية السورية قامت بها القوى الدولية حين احتفلت بتقدم قوات النظام وسيطرته على تدمر وغيرها بذريعة حرب الإرهاب. الدول والمنظمات التي لم تعترض على إعلان الجيش والمليشيات عن معركة مقبلة بدعم روسي لتحرير حلب رغم سريان الهدنة، كانت خائنة أيضاً، وكذلك أولئك الذين لم يحركوا ساكناً وإيران تعلن تحرك أحد ألويتها العسكرية إلى الداخل السوري من أجل تقوية موقف النظام السياسي والتفاوضي. هذه هي القضية التي يجب مناقشتها أولاً قبل التفرغ لنقد دي مستورا.

٭ كاتب سوداني

القدس العربي

 

 

 

لا أمل في إنقاذ سورية/ ثاناسيس كامبانيس

استؤنفت المفاوضات حول مصير سورية ومستقبلها في جنيف الأسبوع المنصرم. ودار كلام الديبلوماسيين الروس والأميركيين حول أهداف مشتركة، ويبدو أن البلدين عازمان على ليّ يد «زبائنهم» على طاولة المفاوضات. وتقول المجموعات المعارضة أنها رصّت الصفوف وصارت قادرة على انتزاع تنازلات من النظام. وللمرة الأولى، أعلنت أنها ستتعاون مع بعض شخصيات النظام.

لكن المفاوضات تغفل مسألة مهمة: سورية تشظّت، ولن يجمع أي اتفاق سلام أواصرها ولن يعيدها الى سابق عهدها. وعلى رغم الكلام على «النظام» و«المعارضة»، سورية اليوم هي فسيفساء من إقطاعات بالغة الصغر. فالحكومة سلّمت شطراً كبيراً من الأراضي الى إيران وروسيا و«حزب الله». ومعارضوها متباينو الألوان، من «داعش» الى مجموعات معارضة صغيرة، على رأسها أمراء حرب يعتمدون على مانحين أجانب. وعلى جبهات النزاع كلها، ينشر أمراء الحرب نقاط تفتيش هي معابر حدود أقاليمهم. ويكاد أن يكون محالاً أن يتنازل هؤلاء عن أقاليمهم لحكومة وطنية.

ويهدّد انهيار سورية استقرار الشرق الأوسط. فهي كانت لاعباً بارزاً في العالم العربي منذ الحرب العالمية الثانية. وغالباً ما توسلت سياسات تزرع الاضطراب والدمار، وكانت تمسك بمقاليد نزاعات نهشت دول الجوار وتؤدي دور المخلص المنقذ. وأدت دوراً بازراً في نزاع القوى الأجنبية التي تدخلت في حرب لبنان الأهلية، وساهمت في وقف الحرب حين احتلّت البلد كله. وباركت الولايات المتحدة الاحتلال هذا. ولولا دمشق، لم تكن الحياة لتكتب لعدد من الحركات المسلّحة، ومنها «حزب الله» و«حماس». ووجدت مجموعات كثيرة كانت مدرجة على لائحة الإرهاب في الغرب، ملاذاً آمناً في سورية. ورعت حكومة الأسد قيام المتمردين العراقيين على الاحتلال الاميركي، ودعمت المتطرفين الذين يرأسون اليوم «داعش».

وعلى رغم دورها المزعزع للاستقرار، كانت سورية مركز القرار في منطقة تفتقر الى قادة قادرين على إبرام الاتفاقات والتزامها. وفي عدد من الأوقات، تعاونت الولايات المتحدة وإسرائيل مع دمشق. واليوم، يبدو أن نفوذ سورية في المنطقة انقلب من حال الى أخرى، فهي لم تعد محركة الدمى أو الممسكة بالمقاليد، بل صارت في مثابة ثقب أسود. فالحرب السورية تعيث الاضطراب، سواء من طريق ملايين اللاجئين الباحثين عن بر أمان خارج حدود سورية، أم من طريق بروز «داعش» وتجارة سلاح ضخمة ومصدر تمويل للمقاتلين. وقد تكون المرحلة المقبلة أسوأ، ولو أبرم اتفاق بين بعض فصائل المعارضة والحكومة. فالمنطقة التي سيسعون الى حكمها صغيرة وليست سوى جزء من سورية. والدمار غزا نواة سورية الاقتصادية، حلب. وهي كانت أكثر مدنها كثافة سكانية. وقبل الحرب، كانت عجلة نظام الاقتصاد والتعليم والصحة تدور، ولو كان دورانها متواضعاً. ويرجح ألا تعود الى سابق عهدها. ففي مرحلة ما بعد الحرب، الغالب أن تستضيف الأراضي السورية المتطرفين ومقاولي العنف والفساد.

لكن في مثل هذه الأحوال، لماذا الإقبال على مفاوضات جنيف؟ من أسباب هذا الإقبال، سياسة القوى العظمى. وتسعى موسكو وواشنطن الى تهدئة التوتر بينهما، ويحسب ديبلوماسيو هذين البلدين أن الاتفاق في سورية سيؤثر إيجاباً في عدد من المسائل الأكثر أهمية، مثل أوكرانيا. والسبب الثاني، الإنهاك: فإيران و «حزب الله» دعما النظام طوال سنوات، لكن لولا الدعم الروسي لعجز عن الصمود. ودرجت تركيا وأميركا ودول عربية على التراجع عن دعم وكلائها كلما مالت كفتهم، مخافة فوزهم بالسلطة. فهم لا يعرفون ما ستكون عليه سياساتهم إذا قيّد لهم الفوز. والسوريون فقدوا الأمل. وصفوف المقاتلين تنضب. والى اليوم، لا يحمل أحد من اللاعبين السوريين المفاوضات على محمل الجد. فممثلو الأسد يرون أن المعارضين «إرهابيون»، وهؤلاء يدعون الى تنحّي الأسد الفوري.

* باحث في مؤسسة سانتشوري، صاحب «كان يا مكان ثورة: قصة مصرية»، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 16/4/2016، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

جنيف السوري ينهار، التقسيم يتقدَّم!/  راجح الخوري

قبل ساعات من قمة باراك أوباما ودول مجلس التعاون الخليجي، تعمّد البيت الأبيض الإعلان ان الإتصال الهاتفي بين أوباما وفلاديمير بوتين يوم الاثنين “كان حواراً حاداً”، في حين كان رياض حجاب يعلن انهيار المفاوضات في جنيف “لأنه لا وجود لهدنة على الأرض، فإيران تحشد آلاف المقاتلين رغم موافقة النظام على الهدنة… ونحن ندعو مقاتلي المعارضة الى عدم التوقف عن قتال الأسد”!

ماذا كان في وسع أوباما ان يقول لدول الخليج، التي تطالبه منذ خمسة أعوام بالعمل لوقف المذبحة ضد الشعب السوري التي ساهمت في ظهور “داعش”، والتي تشهد إنخراطاً عسكرياً ايرانياً وروسياً متزايداً في فصولها التي دمرت سوريا بشراً وحجراً… لا شيء!

واشنطن أعلنت أمس انها تتفهم قرار موقف المعارضة السورية لكنها دعتها الى الاستمرار في التفاوض الذي ثبت، منذ مؤتمر جنيف الأول، انه ليس مضيعة للوقت فحسب، بل خديعة تتكرر دائماً للتغطية على مضي النظام وحلفائه في الحل العسكري!

إنهيار المفاوضات مرة جديدة ليس مفاجئاً، فرغم الحديث عن تفاهم أميركي – روسي على وقف للنار يوفّر بيئة مساعدة للتفاوض، انهارت المفاوضات منذ بدايتها بعدما قدم دو ميستورا إقتراحاً مفخخاً روسياً هدفه نسف أسس عملية الانتقال السياسي، فقد عرض على وفد المعارضة فكرة بقاء الاسد في منصبه بصلاحيات محدودة مع تعيين ثلاثة نواب له تختارهم المعارضة التي رفضت الفكرة من أساسها.

ليس كثيراً القول ان هناك ما يشبه السباق بين واشنطن وموسكو على ترويج الخديعة كي لا نقول الأكاذيب، وخصوصاً عندما يعلن الجانبان بعد مكالمة أوباما وبوتين انهما عازمان على المساعدة في تعزيز وقف إطلاق النار، في وقت كان النظام مدعوماً بالغارت الجوية الروسية يصعّد عملياته في حلب وأدلب.

وزيادة في التعمية، يكشف أوباما انه أبلغ بوتين ان سوريا تتفكك بسرعة أكبر وان من غير الممكن التحرك الى الأمام ما لم تتفق آراء روسيا والولايات المتحدة، وان هذا لن يخدم مصالح أي منهما، هذا في حين تتراكم تقارير تتحدث عن ان واشنطن بدأت ترصد منذ إعلان موسكو دعمها فكرة الحل الفيديرالي في سوريا رغبة روسية في تقسيم سوريا على غرار جورجيا وأوكرانيا.

ما يجري عسكرياً منذ الاعلان عن الهدنة، والذهاب الى جنيف مرة جديدة، هو تصعيد عنيف من النظام وحلفائه من المنطقة الممتدة من دمشق الى الشمال الغربي مروراً بأجزاء من محافظات حمص وحلب وإدلب، بما يوحي عملياً انها عملية ترسيم للحدود الفيديرالية بالنار الروسية والإيرانية التي لن تعترض عليها واشنطن، اولاً لأنها تخدم التقسيم الذي طالما كان هدفاً مشتركاً مع الصهاينة، وثانياً لأن التقسيم يأتي بغطاء روسي ستدفع موسكو ثمنه غالياً!

النهار

 

 

 

“جنيف” مسرحية هزلية والحسم لموازين القوى العسكرية!/ صالح القلاب

باعتراف بشار الأسد نفسه، أنَّ من انتشله من السقوط والهزيمة الحتمية المنكرة هو الغزو العسكري الروسي لسوريا الذي – خلافًا للإيحاءات الروسية وترويج بعض «المؤلفة قلوبهم» عربًا وغير عرب – لا يزال على ما هو عليه، ولعل ما لا يمكن إنكاره أن القاصفات الاستراتيجية لا تزال هي العامل الحاسم في المواجهات المحتدمة في المناطق الشمالية والجنوبية، وأيضًا في منطقتي اللاذقية وإدلب والمناطق الساخنة الأخرى، إنْ في سهل الغاب، وإنْ في المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق نفسها.

ربما هناك من يعوِّل على بعض التغيير الملموس في اللهجة الروسية تجاه تطورات هذا الصراع الذي ازداد احتدامًا في سوريا، لكن واقع الحال يؤكد أنَّ مواقف أصحاب القرار في روسيا، فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، لا تزال على ما هي عليه، إنْ لجهة محاولات تفتيت المعارضة السورية و«تفخيخها» من الداخل بإضافة مجموعات طارئة ومصطفة إليها، وإنْ لجهة الحديث المعسول عن الحلول السياسية والسلمية المنشودة مع الاستمرار بالتصعيد والمواجهة العسكرية.

وهكذا، فقد واصل الروس التصعيد وتشجيع نظام بشار الأسد على مواصلة العمل العسكري كلما لاح بصيص أمل بإمكانية وضع هذه الأزمة على بداية طريق الحل السياسي وفقًا لـ«جنيف1» و«قرارات مجلس الأمن الدولي»، وكلما أفلح المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في استدراج طرفي الصراع إلى جولة مفاوضات «عدمية»، وهي لن تحقق أي إنجازٍ، لا فعلي ولا وهمي، طالما أنَّ جيش هذا النظام ومعه القوات الإيرانية النظامية يواصل خرق الهدنة المتفق عليها بغطاء جوي روسي فاعل، لتحقيق مستجدات في ميادين القتال ستحسم الأمور وستتحكم بسيْر هذه المفاوضات العدمية والعبثية.

لقد جاء وفد نظام بشار الأسد إلى مفاوضات جنيف ببضاعته السابقة نفسها: «لا لهيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات، بل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة بكل أطرافها إلى جانب النظام وبمشاركة ديكورية من المستقلين المرتبطين بخيوط خفية بالجنرال علي المملوك وبالمخابرات السورية» وكل هذا، بينما تواصل القوات الحكومية، ومعها حراس الثورة والجيش الإيراني وعشرات التنظيمات الطائفية والمذهبية، وبالطبع «حزب الله» اللبناني، خرق الهدنة المتفق عليها وعلى كل الجبهات وتواصل عملياتها العسكرية لخلق معادلات مستجدة وموازين قوى جديدة في ميادين القتال، لإنهاء وساطة دي ميستورا، وطي صفحة الحلول السياسية بصورة نهائية.

ولهذا، فإنه مع المعارضة السورية ومعها أجنحتها العسكرية الحق كُلُّه في أنْ تُهدِّدَ بالانسحاب من العملية السياسية إنْ لم يوُقف النظام عملياته العسكرية، وعلى الجبهات كلها، وإنْ لم يضع الروس حدًا لتدخلهم العسكري الذي هو في حقيقة الأمر لم يتوقف ولا للحظة واحدة منذ إعلانهم عن انسحابهم «المسرحي» الوهمي، وأيضًا إنْ لم يواجه الإيرانيون ضغطًا عربيًا ودوليًا فعليًا لسحب قواتهم النظامية وغير النظامية من سوريا، ويضعوا حدًا لتدخلهم السافر في شؤون هذا البلد العربي وفي الشؤون العربية الداخلية.

لقد كان واضحًا منذ البدايات أنَّ هذا النظام الاستبدادي، مدعوم بالتدخل العسكري الإيراني بأشكاله كافة، وبالاحتلال الروسي الغاشم الذي يشكل إهانة للعرب كلهم، غير معني بأي حلٍّ سياسي وبخاصة حلِّ «جنيف1»، وأنه في حقيقة الأمر يراهن على عامل الوقت لإلحاق هزيمة مدمرة بالمعارضة السورية، ويخلق واقعًا جديدًا يمكّنه من البقاء في الحكم كما بقي والده، وبحيث ينقله إلى ابنه «حافظ» الصغير كما نقله أبوه إليه، ويبدو أنَّ الروس لا يعارضون هذا الأمر فعليًا، خاصة إذا بقي الأداء الأميركي تجاه هذه الأزمة كئيبًا ومزريًا، الذي من المنتظر أن يزداد كآبة وبؤسًا كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية.

كان الرئيس السوري السابق حافظ الأسد قد واجه تحديات قريبة من كل هذه التحديات التي يواجهها ابنه، خاصة في سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، لكنه كان مستفيدًا من دعم الاتحاد السوفياتي، ومستفيدًا من إتقان فنِّ التلاعب بالمتناقضات العربية والإقليمية والدولية، وقد تمكن من «تفكيك» كل هذه التحديات، وأخطرها تحدي شقيقه رفعت قائد سرايا الدفاع في عامي 1983 و1984 وهذا هو ما يراهن عليه ابنه بشار الأسد الذي لا يحظى بما كان يحظى به أبوه من التفاف فعلي، إنْ من قبل ضباط الطائفة العلوية الذين كانوا يسيطرون على كل شيء في «الجيش العربي السوري» وفي الأجهزة الأمنية، أو من وضع عربي وإقليمي ودولي مريح.

إن هذا هو واقع الحال، وإنَّ هذه هي مراهنات بشار الأسد وأيضًا مراهنات حلفائه الروس والإيرانيين، ولذلك فإنه على المعارضة السورية، التي أُدخلت ربما مرغمة في دوامة هذه المفاوضات المسرحية العدمية، أن تعتمد على مواجهات ميادين القتال كي تجبر هذا النظام ومن يسيرون على طريقه ويحاربون حربه على الإذعان لحل «جنيف1» وتوابعه وتجلياته وملحقاته، إذ ليس بالإمكان إسقاطه بضربة عسكرية حاسمة بعد إغراقه في ظروفٍ كالظروف التي كان يغرق فيها قبل التدخل العسكري الروسي، الذي تحول إلى احتلال كأي احتلال عسكري عرفه التاريخ القريب والبعيد.

لا يمكن أنْ يرضخ هذا النظام ويقبل بحل «جنيف1»، الذي تصر عليه المعارضة السورية ومعها بعض العرب وبعض دول الإقليم، إلا بعد إجبار الروس والإيرانيين على الانسحاب من سوريا، وهذا يستدعي تغيير موازين القوى العسكرية على الأرض، ويستدعي دعمًا عربيًا عسكريًا حقيقيًا، ويستدعي أيضًا إفهام الأميركيين بأن هذه السياسات البائسة التي اتبعتها هذه الإدراة القصيرة النظر إنْ في الشرق الأوسط، وإنْ في المنطقة العربية، سوف تبقى تلاحق أي إدارة جديدة، عليها أن تدرك منذ اللحظة الأولى أن باراك أوباما قد ترك لها خصمًا قويًا هو روسيا الاتحادية التي أرادها فلاديمير بوتين نسخة من الاتحاد السوفياتي «العظيم» عندما كان في ذروة تألقه وعنفوانه وقوته.

إنه لا يجوز أن تبقى المعارضة السورية تتمسك بهدنة عسكرية ركلها هذا النظام السوري، معتمدًا على حلفائه الروس والإيرانيين، بحذائه، ثم إنه سيكون مقتلاً حقيقيًا أن تبقى هذه المعارضة تدور في حلقة هذه المفاوضات العدمية المفرغة، وكل هذا بينما بشار الأسد، ومعه روسيا وإيران، ماضٍ في هذا المخطط المشار إليه آنفًا، فالحل المعقول الذي هو حل «جنيف1» يعتمد أولاً وأخيرًا على موازين القوى العسكرية، وعلى ما يمكن تحقيقه في ميادين المواجهة، وهذا يتطلب الاهتمام بالجوانب العسكرية أكثر كثيرًا من الانشغال بهذه المفاوضات المسرحية العقيمة!

الشرق الأوسط

 

 

 

 

انهيار المفاوضات يكرّر تجربتي 2012 و2014؟ النظام يخرق الاتفاق فتتوتّر بين واشنطن وموسكو/ روزانا بومنصف

انتقلت الصورة فجأة من أهمية المفاوضات السورية-السورية في جنيف والاتصالات المتواصلة بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف لمواكبة المفاوضات والسعي الى الضغط لإنجاحها- وهو لم يظهر كثيرا الى الواجهة في الجولة الأخيرة من هذه المفاوضات- الى انهيارها مع انطلاق التطورات الميدانية التي بدأها النظام السوري بجملة عمليات أودت بحياة عدد كبير من المدنيين وتطورت الى تقارير اميركية تحدثت عن قلق واشنطن من معلومات تفيد بنقل موسكو المزيد من العتاد الى سوريا وجوار حلب لدعم بشار الاسد. هذه التقارير ردت عليها موسكو في وكالتها الرسمية للانباء تحت عنوان اطلاق غير معلن للخطة “ب” في سوريا، ونسبت الى أوساط مراقبة أن الولايات المتحدة شرعت في تنفيذ الخطة “ب” التي تتضمن توفير الدعم للمعارضة السورية المعتدلة. ويبدو أن هذا الامر يعيد الامور الى نقطة الصفر رغم الكلام على تعاون واتصالات تنسيقية متواصلة بين الجانبين الاميركي والروسي على أكثر من مستوى دفاعي واستخباراتي. فالمفاوضات عادت فاصطدمت بما اصطدمت به المحاولات السابقة للتفاوض في 2012 و2014، أي حول عملية الانتقال السياسي ومصير بشار الاسد الذي قال مندوبه في جنيف إنه ليس مخولا البحث في هذه المسائل. فهل المرحلة الحالية من المفاوضات ستتوقف كما المفاوضات السابقة عند هذا الحد، وتستأنف الحرب على غرار ما حصل في المراحل السابقة؟

ليست الجولات الحالية من المفاوضات هي التي ستؤدي الى حل لسوريا، علما أنها قد تستغرق سنوات بين مد وجزر متواصلين، وفق مصادر ديبلوماسية معنية، ولكن ثمة مصلحة أكثر من السابق في استمرار العمل باتفاق وقف الاعمال العدائية وإعادة العمل به بالنسبة الى أفرقاء عدة. لذلك، ومع أن الدول الداعمة للمعارضة السورية تفهمت مواقفها، فإنها طالبتها بعدم مغادرة طاولة المفاوضات في جنيف. ولعل ذلك رغبة في إبقاء المفاوضات حية وعدم تقديم ذريعة للنظام لإفشال المفاوضات، ولكن أيضا خوفا من استئناف القتال بما يعيد ضخ موضوعي اللاجئين والارهاب بزخم إضافي، والبعض يقول لأن في المقلب الآخر من المنطقة ضغوطا تمارس من أجل إجراء مفاوضات حول اليمن، وهذه الضغوط تمارس ازاء الحوثيين في شكل خاص من اجل التزام المشاركة في المفاوضات، بحيث ان الانسجام في الموقف من المسألتين السورية واليمنية يتعين ان يوحد المعايير لجهة الضغط على كل الافرقاء من اجل التحاور والتفاوض على الحل.

وتنقل مصادر سياسية عن اوساط ديبلوماسية ان هناك مخاوف حقيقية لانهيار وقف الاعمال العدائية التي بدأت في 27 شباط الماضي. فمع أن المنسق الدولي لسوريا ستافان دو ميستورا كان أعلم مجلس الامن أن وزير الدفاع لدى النظام أبلغ روسيا ان النظام لن يعمد الى قصف المدنيين، فانه لم يتوان عن ارتكاب المجازر مجددا في خرق مقصود ومتعمد لاتفاق وقف الاعمال العدائية، كما حصل يوم الثلثاء في 19 نيسان الجاري في ادلب. وكان النظام عمد الى الاسلوب نفسه على اثر الجولة الاولى من المفاوضات حين قصف مدرسة ومستشفى في دير العصافير في 31 آذار الماضي موقعا كما في ادلب اخيرا اكثر من 30 مدنيا. وتقول المصادر إن الولايات المتحدة اصطدمت مع روسيا حول الصمت على هذه المجازر، علما أنه سبق لواشنطن ان سعت الى اصدار اعلان صحافي عن مجلس الامن يدين الاعتداءات التي يرتكبها النظام لكن عرقلته روسيا. وهذه احدى ابرز نقاط الاختلاف انطلاقا من ان الدول الداعمة للمعارضة واجهت احراجا في ابقائها على طاولة المفاوضات، في حين ان هناك التزامات سابقة بعدم استهدافها او استهداف المدنيين والقوى المشاركة في المفاوضات، وذلك في الوقت الذي رفضت فيه روسيا ادانة النظام ومنتقدة المعارضة، شأنها شأن النظام على قاعدة انها هي التي تخسر. وسعت روسيا الى تخفيف وطأة الارتكابات التي قام بها النظام قبل ايام بالضغط عليه من أجل إتاحة المجال امام وصول المساعدات لبعض البلدات المحاصرة لحجب الانظار عن المجزرة ضد المدنيين أخيرا ونقل الاهتمام الى مكان آخر، وإظهار انه ملتزم اتفاق وقف الاعمال العدائية وتسهيل وصول المساعدات الانسانية على عكس ما تقوم به المعارضة. إلا أن المشكلة أن النظام يحاول أن يمتحن القدرة على تجاوز الحدود المرسومة وينجو كل مرة بذلك، من دون أي رد فعل حازم يذكر، مما يزيد الاستياء من الولايات المتحدة التي لا تظهر قدرا من التزام اتخاذ مواقف صارمة او تنفيذ تهديداتها بوجود الخطة “ب” فعلا على الطاولة. كما تنقل هذه المصادر عن الاوساط تساؤلاتها عن إمكان ان تكون روسيا تساوم او تبتز الرئيس الاميركي باراك اوباما في المدة الفاصلة عن رئاسته. ففيما ساد منذ مدة اعتقاد أن روسيا حين أعلنت سحب جزء من قواتها من سوريا بغرض الدفع في اتجاه حل سياسي، أرادت أن تمهد لوضع الخطوط العريضة لتوافق أميركي – روسي قبل تغيير الادارة الاميركية الحالية.

ولذلك، على هامش القمة الخليجية – الاميركية، اهتمّ كثر بما هو ابعد من اصرار الرئيس الاميركي على أن لا مستقبل لبشار الاسد في سوريا.

النهار

 

 

سوريا… لم يحن أوان التسوية/ سميح صعب

لا يحين أوان التسويات للحروب الأهلية ما دام الأطراف المحليون يرون أنفسهم قادرين على الانتصار وتحقيق غاياتهم بالوسائل العسكرية، فكم بالحري إذا ما كان هؤلاء الأطراف المعاندون لإيجاد تسوية سياسية لا يزالون يحظون بدعم إقليمي تمويلاً وسلاحاً؟ والحرب السورية ليست شواذا عن هذه القاعدة على رغم ان ثمة رغبة أميركية – روسية في “الحل السياسي” ولكن لا يبدو ان ثمة قدرة على فرض هذا “الحل” على الداخل السوري.

في مجرى هذا السياق للاحداث لا يعود مستغرباً تعثر صيغة جنيف والعودة الى الميدان في محاولة لحسم صراع أكثر تعقيداً بكثير مما تعتقد واشنطن وموسكو، فلا “التناغم” الذي دعا إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما مع الروس كاف وحده، كي يقنع تركيا ودول الخليج العربية بأن أوان التسوية السياسية قد حان في سوريا، ولا دعوة الكرملين الى مراقبة دولية على الحدود التركية – السورية بالأمر المتاح. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تظهر الصواريخ المضادة للطائرات من طراز “اف أن – 16″ على أكتاف مقاتلي المجموعات السورية المعارضة وقت إنعقاد آخر جولات جنيف.

ويمكن أن يقرأ الموقف الاقليمي المعارض للتسوية السياسية، ليس من خلال تزويد المعارضة السورية أسلحة جديدة نوعية، بل يجب التدقيق جيداً في ما قاله منسق وفد الهيئة العليا للمعارضة رياض حجاب في معرض تبريره للانسحاب من جنيف ألا وهو أن التسوية غير ممكنة مع بقاء الرئيس السوري في الحكم بأي صيغة من الصيغ، وذلك رداً على إقتراح المبعوث الاممي تعيين ثلاثة نواب للاسد من المعارضة على ان يتنازل لهم عن بعض صلاحياته.

ما تريده المعارضة السورية أو هؤلاء الأطراف الداعمون لها ولا سيما منهم الاقليميون، هو سوريا من دون الاسد. ولأن هذا هدف من المستحيل أن يتحقق من طريق المفاوضات سواء في جنيف أو في غيرها، فإن الحرب السورية لدى المعارضة وداعميها الاقليميين لم تحقق غرضها بعد.

وهنا تتبدى محدودية الضغط الأميركي – الروسي للتقيد بوقف الاعمال العدائية او للمضي في حوار جنيف. إذن هي حرب من أنواع الحروب التي لم تستنفد أغراضها بعد، على رغم كل التحذيرات من المخاطر المترتبة على إستمرارها سواء في صعود التنظيمات الارهابية أو في امتداداتها على دول الجوار وحتى على أوروبا.

لذلك لا يعود مستغرباً تعثر جنيف والعودة الى الميدان لتحسين الشروط السياسية. ولا يكفي أن تقتنع روسيا وأميركا بـ”الحل السياسي” وإنما المطلوب أن يقتنع الأطراف المحليون ورعاتهم الاقليميون بذلك أولاً.

النهار

 

 

 

هل تضحّي موسكو بطهران مقابل صفقة جنيف؟/ هشام منوّر ()

رغم ما يبدو من تحالف بين موسكو وطهران لدعم نظام الأسد في سورية، إلا أن العلاقة بين روسيا وإيران أضعف كثيراً مما يتخيل، والوضع الحالي في سورية يمثل صورةً غير حقيقية لطبيعة الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري بين إيران وروسيا.

فكرة التحالف الروسي الإيراني ذات قيمة حقيقية بالنسبة لهما من حيث الظاهر، لأسباب عدة، منها أن كلتا الدولتين تهدفان بالأساس إلى إنهاء الهيمنة الأميركية من خلال بدء حرب باردة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فضلاً عن انحياز الروس لصالح إيران في المفاوضات النووية، حيث تدعم روسيا برنامج طهران النووي من خلال مساعدتها في بناء المفاعلات لتحصل إيران على المزيد من الامتيازات، مثل رفع العقوبات خلال مفاوضات الاتفاق النووي. كما ترى روسيا في إيران الكثير من الفرص الاقتصادية، وبخاصةً بعد رفع العقوبات عنها.

الفترات التي تحسنت فيها العلاقات بين الولايات المتحدة من جهة، وبين روسيا وإيران من جهة أخرى، قد صحبها هدوء نسبي في العلاقة بين طهران وموسكو، فالهدف الأساسي لروسيا هو تحقيق توازن عالمي بينها وبين الولايات المتحدة، بما يضمن لها تحقيق مصالحها دوليّاً، ومع تحقق هذا الهدف، تختلف الاتجاهات الروسية بالتبعية، ما قد يجعل إيران أداة في يد روسيا لتحقيق هذا التوازن المنشود، وقد لا ترغب روسيا في التحالف معها بالأساس في حال وصلت إلى العلاقة المطلوبة مع الولايات المتحدة، وهو ما حدث سابقاً عام 1995، حيث تم توقيع اتفاق تعاون بين روسيا والولايات المتحدة، ومرت العلاقة الإيرانية – الروسية على إثره بفترة برود طويلة.

وعلى الرغم من قيام الدولتين بحملات عسكرية موسعة لصالح نظام الأسد، فإن كلاً منهما يملك نموذجاً مختلفاً لما يريده بالنسبة لسوريا، حيث تسعى روسيا من جانبها من خلال الحفاظ على نظام الأسد إلى الإبقاء على أحد عملائها الكبار في المنطقة، في حين ترغب إيران في أن تكون سوريا خاضعةً بالكامل لقبضة طهران، ما قد يعني ترجمة تلك الرغبات إلى أفعال مختلفة، فطريقة روسيا لتثبيت حكم الأسد ونظامه هي دعم مؤسسات النظام، وتسليح وتقوية قوات الجيش الموالية للنظام، فيما بشار الأسد نفسه قد لا يكون عنصراً أساسياً بالنسبة للروس، بل حتى إن سقوطه قد يحوّل سورية إلى وحدة لخدمة المصالح الروسية في الشرق الأوسط.

على النقيض، تسعى إيران من خلال تدخلها في سورية إلى استمرار بشار الأسد نفسه، وتقويض سلطة الدولة في الوقت ذاته، وزيادة اعتمادها على إيران. فرغبة إيران القوية في استمرار الأسد نفسه تنبع من قناعتها الكاملة بأن نفوذها الحالي في سوريا مرتبطٌ بوجوده، في الوقت الذي يدين فيه الأسد بالولاء التام لإيران بسبب الدعم الكامل الذي يحظى به عسكرياً واقتصادياً.

إرسال النظام الإيراني قوات عسكرية خاصة إلى سورية، للمرة الأولى منذ عام 1979، هدفه زيادة نفوذ طهران وتأثيرها في سورية، في ظلّ ما وصفته بالخلاف الواضح بين النظام السوري والقيادة الروسية حول كيفية إدارة محادثات جنيف.

وجدت إيران في هذا الخلاف فرصة مناسبة للتقرب أكثر من نظام الأسد، تنفيذاً لتعهدها بألا تسمح بأي مساومة حول مصير بشار الأسد في المحادثات، مصرّةً على عرضها بأن يتم إدخال وجوه معارِضة في حكومة وحدة وطنية بدل حلّ هيئة الحكم الانتقالية صاحبة الصلاحيات التنفيذية الكاملة التي نصّ عليها اتفاق جنيف 2012.

المسؤولون الإيرانيون قلقون من اتفاق محتمل بين الروس والأميركيين ينص على إطاحة الأسد قبل انتهاء ولايته في عام 2021، وهو ما جزم به علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى، علي خامنئي، الذي وضع مصير الأسد في خانة «الخط الأحمر الإيراني».

لا يهدد الخلاف بين إيران وروسيا حول سورية حتى الآن على الأقل التحالف القائم بينهما، فطهران هي من جاءت بالروس عسكرياً لمنع سقوط نظام الأسد ولموازنة النفوذ الأميركي، كما يرى الإيرانيون. بالنسبة للنظام في إيران، أي محاولة لإطاحة الأسد ستضرب النفوذ الإيراني في سورية، وسنقاوم ذلك مهما كان الثمن، ما يفسر التغيير الاستراتيجي للسياسة الإيرانية التي كانت قائمة، منذ عام 1979، على إدارة المعارك المعنية بها في منطقة الشرق الأوسط بالوكالة من خلال الحرس الثوري والميليشيات المحلية التابعة له سواء كانت في العراق أو سورية أو لبنان، فهل تتحول إيران إلى عقدة الحل السياسي في سورية بسبب مواقفها وطموحها السياسي، وهل تصطدم برغبة أميركية – روسية مشتركة لإيجاد حل تخرج فيه إيران الخاسر الأكبر والوحيد؟!

() كاتب وباحث

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...