الرئيسية / صفحات الثقافة / بؤس المثقف: من كلب الحراسة إلى الترجمان

بؤس المثقف: من كلب الحراسة إلى الترجمان


د. صبري حافظ

اتسم عصر مبارك المخلوع بالانحطاط والفساد في كل المجالات، فقد عاشت مصر على مد أربعة عقود مرحلة مستمرة ومتواصلة من التردي والهوان.

التردي في جميع المجالات من التعليم الأساسي والجامعي إلى الصحة والمستشفيات، ومن الزراعة إلى الصناعة والاقتصاد، ومن العمران الذي تحول إلى عشوائيات تحيط أحزمتها القبيحة بالمدن إلى المواصلات وحوادث القطارات والطرق وغرق العبارات. فقد أصبح الفساد فيه هو القاعدة وليس الاستثناء، فانهارت معه القيم واستشرى ما دعوته في دراسة سابقة بسلم القيم الاجتماعية والأخلاقية المقلوب، حيث أصبحت القيم النبيلة التي ينهض عليها ازدهار كل المجتمعات السليمة، من صدق وأمانة وعلم واجتهاد ونزاهة في قاع السلم، بينما ارتفعت القيم المنحطة من الكذب والجهل والنهب والفهلوة والصفاقة والضعة إلى قمة السلم حيث ارتفع مردودها جاها وأموالا للكذبة والانتهازيين، وترديا وانهيارا للمجتمع ككل. أما الهوان فحدث عنه ولا حرج، حيث حول النظام الساقط مصر إلى ‘الكنز الاستراتيجي’ للعدو الصهيوني، فعاث في المنطقة فسادا. وهان شأنها حتى تجاسرت عليها بغاث الدول، وتطاولت عليها بلاد لم يكن لها مكان على الخريطة من قبل.

لذلك لم يكن غريبا أن تنحط الثقافة هي الأخرى طوال العقود الأربعة الأخيرة، كما انحط التعليم وهانت السياسة، وأن يدخل المثقفون إلى حظيرة هذا النظام الفاسد الفاقد للمصداقية والشرعية معا. وبدلا من أن ينهض المثقف بدوره العقلي والنقدي في تعزيز الوعي، وإرهاف الضمير، وقيادة مجتمعه إلى التطور والازدهار، أصبح خادما للاستبداد، ومبلورا لخطاب هيمنته المغشوش وحارسا لأيديولوجية الانحطاط، وتحول إلى أداة لأحكام قبضة السلطة الأمنية على الواقع، وانتاج خطاب تدليسي يعزز هيمنتها عليه، ويجمل وجهها القبيح. وبدلا من أن يكون المثقف ممثلا لضمير الأمة وحارسا لقيمها العقلية والأخلاقية، أصبح كلب حراسة لحماية النظام، ينقض بشراسة على من يعارضه أو يكشف عريه من المصداقية والشرعية. وينطلق بنباحه الكريه في وجه من تسول له نفسه قول الحقيقة وكشف تدليس خطابات سكان الحظيرة الفاسد.

هكذا تحول المثقف، الذي أغدق عليه النظام الفاسد الساقط أمواله ومناصبه وجوائزه المغشوشة التي تنفخ في قيمته وتمنحه رأسمالا رمزيا مزيفا أيضا، إلى تابع بائس لأجهزة الأمن التي تسيّره وتوجهه كالدمية. يتباهى بصداقته الحميمة للجلاد، ويتحول إلى كاتب تقارير تافه يلهث وراء فتات ما تقدمه له النظم الاستبدادية العربية التي استخدمته بذكاء طوال عقود الانحطاط الأخيرة. يأكل على موائدها جميعا، فقد كان أعلام نظام مبارك الثقافي هم في الوقت نفسه نجوم الجنادرية، أو ضيوف المربد، أو قناص جوائز العقيد المجنون ومبرري خطاب هيمنته، والمحللين للكتاب الأبلة، أقصد الكتاب الأخضر، ونقاد انتحار رائد الفضاء في قصص العقيد. بينما عانى المثقف الحقيقي وحراس شرف الكلمة من التهميش والحصار، لا من النظام وحده، وإنما أيضا من كلاب حراسته ممن يعتبرون أنفسهم من المثقفين. وكان المثقف الحر والمضطهد يعرف أنه يدفع ثمن خياراته، وأن مثقفي حظيرة النظام وأتباع ‘الوزير الفنان’ يجنون أيضا ثمار اختياراتهم.

لكن المثير للحزن والسخرية، أن مثل هذا المثقف التابع البائس لم يسقط مع سقوط النظام بعد الثورة، ولم يكتف بما جناه من رأسمال رمزي أو فعلي مغشوش إبان حراسته الأيديولوجية للنظام الساقط. ويدفع بعد الثورة ثمن خياراته البائسة فينزوي بعيدا يلعق جراح خزيه. وإنما سارع بصفاقة لا نظير لها في أي مكان في العالم، للحديث باسم الثورة والدفاع عنها، والزعم بأنه كان لمرارة المفارقة، من المبشرين بها. مع أن دلائل انحطاطه تملأ ‘اليوتيوب’ والانترنت، وأن الحبر لم يجف بعد عن آيات تملقه للنظام الساقط الكريه. وتحول خطابه المغشوش في مدح الثورة إلى العملة الردئية التي تطرد العملة الجيدة من السوق. وتبشر بضرورة استمرار الاستبداد الذي لا حياة له ولا دور إلا بخدمته. وأخذت الثورة تعاني من خطاب هذا المثقف التدليسي كما تعاني من مؤامرات الثورة المضادة عليها وفلول النظام. فهو الطليعة الثقافية الممثلة لهما معا وقد ارتدى قناعه الجديد، حسب نظرية فرانز فانون الشهيرة ‘جلد أسود وأقنعة بيضاء’، ولكن بعد أن زالت مرحلة الاستعمار القديم الذي تحدث عنه فانون، وأصبحنا في عصر الاستعمار الجديد الذي لم يتورع المثقف البائس عن دهان وجهه بأصباغه القبيحة.

فقد طالعتنا الصحف المصرية صباح جمعة طرد سفير العدو الصهيوني في مصر والمطالبة بقطع تصدير الغاز له، بصورة مثقف بائس، هو جمال الغيطاني، وهو يقوم بدور الترجمان للسفيرة الأمريكية الجديدة، آن وودز باترسون، التي قابل الكثيرون تعيينها في مصر بالاستهجان. وقد شاء الحظ أن تكون المفارقة مريرة إلى هذا الحد، ففي الوقت الذي يتظاهر فيه الثوار ضد العدو الصهيوني، يقوم المثقف الذي يزعم بصفاقة أنه مع الثورة، بدور الترجمان للسفيرة الأمريكية، أي سفيرة ميتروبوليتان نظام الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وحامية صلفه وغطرسته الأولى. وهي نموذج فريد بين سفراء الميتروبوليتان الاستعماري الجديد. فالسفيرة Anne Woods Patterson التي كانت قبل قدومها إلى مصر سفيرة لبلادها في باكستان إبان تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية فيها وتنفيذ عملية اغتيال بن لادن بها، وكانت قبلها ممثلة لبلادها في الأمم المتحدة أيام حشد التأييد لتأخير أي وقف لأطلاق النار أو إدانة للعدو الصهيوني إبان حربه المجرمة على لبنان عام 2006، معروفة بأسلوبها المقتحم وبتدخلاتها السافرة في الشؤون الداخلية للبلاد التي تعمل بها وتتعامل معها كمندوبة سامية للقوة العظمى، وليس كسفيرة أو دبلوماسية عادية تتذرع بالدماثة الدبلوماسية والكياسة. سواء أثناء عملها في أمريكا اللاتينية التي أشعلت فيها قببل مغادرتها لها نيران العنف والتدمير، أو باكستان التي يعتبرها البعض مسؤولة عن تصاعد العنف فيها، وتزايد العمليات العسكرية (غارات الطائرات الأمريكية بلا طيار، وفرق بلاكووتر Blackwater/Xe سيئة الصيت، وجيش من جنود المخابرات المركزية الأمريكية يتجاوز 3000 عنصر مخابراتي) بها بصورة ضج معها الباكستانيون منها. وأدى أسلوبها لتعكير صفو علاقات الولايات المتحدة مع باكستان، وإرسال سفير آخر معروف بحنكته الدبلوماسية ودماثته هو كاميرون مونتر كي يصلح ما أفسدته باترسون.

ومن يكشف عن تاريخها وسيرتها في الانترنت يجد ما يسره! فهي عضو بارز منذ فترة طويلة في مركز الأمن الأميركي الجديد، وهو أحد مراكز المحافظين الجدد، أو قل غلاة الصهاينة الأمريكيين الجدد، لذلك لم يكن غريبا أن يحظى تعيينها كسفيرة جديدة لمصر مابعد الثورة، بإجماع الكونجرس الذي يسيطر عليه المحافظون واللوبي الصهيوني. وهناك تقارير لويكيليكس تثير الشبهات والتكهنات حول دورها في رفض حماية بنازير بوتو والتواطؤ في عملية اغتيالها في باكستان. ومن يراجع الصحف الأمريكية والباكستانية التي تناولت سيرتها سيعرف كيف شكت منها دوائر الصحافة والسياسة بسبب أسلوبها الفظ وتدخلها السافر في السياسات والتعيينات. ربما لهذا رافقها الترجمان فقد ترشحه لوظيفة جديدة لو نجحت في ممارسة ما فعلته في باكستان بمصر. فهي معروفة بأسلوبها الفظ ومنهجها الاستعلائي كمندوبة سامية لبلادها، تأمر فتطاع.

وقد بدأت حياتها الدبلوماسية في مصر بطريقة غير دبلوماسية على الإطلاق حينما توجهت لزيارة المجلس العسكري، قبل أن تقدم أوراق اعتمادها، لتفرض عليه إملاءاتها، مطالبة إياه بالتراجع عن إثارة قضية التمويل الأميركي لمنظمات المجتمع المدني كي لا يؤجج مشاعر العداء لأميركا. ومؤكدة أن ما نشر عن تمويل أميركا لتلك المنظمات بأربعين مليون دولار، لن ينقص بل سيتصاعد إلى أكثر من مئة مليون قبل نهاية العام. مما دفع البعض إلى وصف الزيارة بالخطيرة وبالتدخل السافر في الشؤون الداخلية المصرية. هذا قليل من كثير سيجده من يبحث عن سيرة السفيرة في الإنترنت. وآخر ما سيجده حينما يبحث عنها هي هي صورتها مع جمال الغيطاني، وقد ملأت ابتسامة الغيطاني العريضة وجهه، وبدت عليه علامات الحبور بشرف مصاحبة المندوبة السامية الجديدة.

أما الترجمان الذي ظهر بجوارها أمام مسجد السلطان حسن بحي القلعة في القاهرة، يشرح لها وقد ‘فشخ’ فمه، وبانت عليه أمارات النجاح والحبور فإن الحديث عنه يطول. والترجمان لمن لا يعرف هذه المفردة من أبناء الثورة، وجيل المرشدين السياحيين والإنترنت، هو شخصية شبه أمية، قبل أن يصبح الإرشاد السياحي مهنة تتطلب معرفة وتعليما جامعيا. شخصية كانت تتسم بالفهلوة، والقدرة على التقاط بعض الكلمات الأجنبية، مع قليل من المعلومات السياحية، ثم تحوم كالهوام حول من يترددون على الأماكن السياحية، تتسول بتلك المعلومات رضاهم، وتقدم لهم تطوعا معلوماتها المغشوشة مقابل ‘بقشيش’ يتفق حجمه مع نوع السائح ومكانته.

أقول لم استغرب إطلاقا حينما شاهدت صورة جمال الغيطاني الذي أنهى حياته الوظيفية بفرض التطبيع البغيض مع العدو الصهيوني على الحياة الثقافية التي قاومته ببسالة طوال أكثر من ثلاثين عاما. وتخصيص صفحة للثقافة العبرية كل أسبوع في (أخبار الأدب) المطبوعة الأدبية الحكومية الوحيدة في مصر، في وقت لا تحظى فيه الثقافة المغربية أو السودانية أو العراقية (التي عاش على خيراتها في مرحلة من عمره) أو السورية أو اللبنانية أو حتى الليبية (التي ذهب إليها كوصيف لجابر عصفور وهو يستلم جائزة القذافي في العام الماضي، كي يحجز مكانا لنفسه في الدورة التالية للجائزة) بصفحة كل عدة أشهر. وها هو يبدأ حياته بعد المعاش بالعمل كترجمان للسفيرة الأمريكية الجديدة، وهو يتجول معها حول معالم القاهرة القديمة. فهو غير مؤهل لأن يكون مرشدا سياحيا، فتلك تحتاج إلى شهادة جامعية لا تتوفر له، وهو الذي لم يحصل حتى على الثانوية العامة. والواقع أنني من مشاهداتي لممارسات هذا الترجمان في مواقف سابقة، أتصور أن جهله قد أغواه بأن يحادث السفيرة الأمريكية، وهو يعرض عليها معلوماته المحدودة والتي تنم عن جهل كبير بتاريخ هذا الجامع العريق وعمارته، (أقول هذا لأنني شاهدته وهو يستعرض هذا الجهل في برنامج تليفزيوني يقدمه عن آثار القاهرة قببل أسابيع)، بإنجليزيته الركيكة والمثيرة للضحك، فيقر في ذهنها أن هذا هو حال المثقف في مصر.

وأنا لا تهمني هنا اختيارات هذا المثقف البائس. فقد استمرأ مثقفو عصر مبارك البغيض الولوغ في الوحل. كما كانت مكاناتهم في هذا النظام الساقط القديم تتحدد لا بمدى قربهم من رموز النظام وعائلته الحاكمة وسيدة الحرملك فحسب، ولكن أيضا بعدد الدعوات التي وجهتها لهم السفارة الأمريكية إلى حفلاتها ومناسباتها المختلفة. لكنني استهجنت كثيرا أن أرى هذا المشهد بعد الثورة، حيث كنت أتوقع أن يكون عند هؤلاء المثقفين البؤساء ‘دم’ كما نقول بالعامية المصرية، أو ذرة من الحياء فيتوارون خجلا بعد أن فضحتهم الثورة وأطاحت بالنظام الذي خدموه بإخلاص طوال عقود. واستهجنت أن تصف الصحف الغيطاني الذي ضبط متلبسا بالقيام بدور الترجمان، بأنه ‘روائي شهير’ أو ‘كاتب كبير’ (لأن في هذا الوصف إهانة للرواية وللكتّاب معا).

واستهجنت أيضا أن هذا ‘الترجمان’ البائس يتمتع بصفاقة يزعم معها أنه مع الثورة، وأنه من الذين دعوا إليها، ويكذب في الصحف الفرنسية خاصة قائلا إنه من مطلقي شرارتها. ثم يستخدم هذا كله في المحاججة بضرورة استمرار المجلس العسكري في حكم مصر لأعوام قادمة، فمثله من المثقفين التابعين لا تقوم له قائمة إلا في ظل الاستبداد، لأن هواء الحرية يفضحه. وهذا كله ليس غريبا على المثقف الذي بدأ يساريا، وأنهى حياته العملية تطبيعيا، أن يصبح بعد إحالته للمعاش أحد أبواق المجلس العسكري، وترجمانا للمندوبة الأمريكية السامية! لكن هذا في نهاية الأمر هو المصير الجدير بمن اختار ألا يحترم شرف الكلمة، وأن يكون أحد كلاب حراسة نظام هوى. فقد كان يصدع رؤوس القراء بصداقته الحميمة لحمدي عبدالكريم، الذراع الأيمن للجلاد، حبيب العادلي، والمسؤول عن أمن الصحافة والثقافة. فمن لا يهمه شرف الكلمة، لا يبقى له إلا شرف مصاحبة المندوبة السامية الجديدة، والتي جاءت إلى مصر تسبقها سمعتها في التدخل الفظ في أمور البلاد والعباد التي مثلت بلادها فيها.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 70 = 71

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...