الرئيسية / صفحات الحوار / باتريسيو غوزمان: يلزمنا قرن للشفاء من الديكتاتورية!

باتريسيو غوزمان: يلزمنا قرن للشفاء من الديكتاتورية!

 

 

هوفيك حبشيان

“الذاكرة في التشيلي معدومة.. في بلادنا، لا نتكلم عن الماضي إطلاقاً”

“لو لم أعش انقلاباً عسكرياً في حياتي ومأساة وطنية دامت قرناً”، يقول المخرج التشيلياني باتريسيو غوزمان، “لأنجرتُ أفلاماً أخف”. بيد أنّ القدر شاء ولادة الرجل في بلاد مرّت بعذابات كان لها دور في صياغة ملامح أرض جديدة عاشت العذابات بالصمت والنكران والتجاهل أحياناً، ولا تزال الى اليوم تعاني صعوبة النهوض.

سينمائيٌّ شجن، حالمٌ ورقيق المشاعر، شهد وهو في الثانية والثلاثين من العمر بلداً يمضي نحو الديكتاتورية والقمع والعسكرة بقيادة الجنرال بينوشيه. لم تكن في اليد حيلة سوى التوثيق، ولاحقاً اختيار المنفى الاسباني. غوزمان، هذه القامة الكبيرة في السينما الوثائقية على غرار فريدريك وايزمان وكريس ماركر، عاش في 1973، كالعديد من التشيليانيين، لحظة مصيرية ومنعطفاً تاريخياً، رسما مساره الحياتي والسينمائي برمّته. نحو 17 فيلماً أخرجها غوزمان منذ نهاية الستينات، تتصدرها تحفته “معركة تشيلي” بأجزائها الثلاثة، دارت في شكل أساسي حول شخصيتين سياسيتين هما سالفادور ألليندي وأوغوستو بينوشيه. إنما اهتمامه بالذاكرة الجمعية أخذ يتبلور في السنوات الأخيرة، فأنجز رائعتين وثائقيتين: “نوستالجيا للضوء” (2010) و”الزر اللؤلؤة” (2015) الذي نال جائزة السيناريو في مهرجان برلين الأخير، وسينزل إلى الصالات مطلع السنة المقبلة.

بخياله المشتعل الذي لا حدود له، يقوم غوزمان في “الزر اللؤلؤة” بمرافعة ضد النسيان. يحملنا عبر روابط زمانية ومكانية غير متوقعة، بدءاً من الفضاء والنجوم والمياه وصولاً الى انقلاب بينوشيه والمجازر التي ارتكبها مَن كانوا رهن أوامره في السبعينات. يعتمد غوزمان نظرية العالِم الألماني تيودور شفينك الذي يقول إنّ للماء ذاكرة. فما بالك أنّ المياه في تشيلي تخبّئ كلّ تاريخه؟ من قعر المحيط، ينتشل فريق غوزمان ضحايا العنف والاقتتال البغيضين، راوياً التاريخ من وجهة نظر الخاسرين المنبوذين، وطارحاً نفسه فناناً ومعلّماً تنويرياً، من دون أن ينسى أبداً أنه إنسان.

وأجرت “المدن” معه الحوار التالي..

* في أحد أقوى مَشاهد الفيلم، تقول إحدى السيدات خلال مقابلة لكَ معها إنه لا وجود لكلمة الله في لغتها الأم. هذا المشهد أجده ذروة التعبير عن القلق الذي يعانق أفلامك!

ــ هذه السيدة اسمها غابرييللا باتيريتو، وهي تتحدّر من إحدى القبائل التي تقطن في جنوب باتاغونيا، في قرية صغيرة اسمها بويرتيه دين تقع على الساحل. إنها الممثلة الوحيدة لهذه القبيلة التي لا تزال قادرة على الحديث عن ماضيها وأسلافها والحياة التي كانوا يعيشونها سابقاً. لدى هؤلاء فهمٌ شامل لتاريخ الشعب الذي ينتمون اليه. هناك أيضاً أربعة ممثلين آخرين عن السكان الأصليين، وإنما ليست لديهم هذه الرؤية.

* الفيلم شبيه بـ”نوستالجيا للضوء”، مع فارق واضح هو أنّ رمال الصحراء هناك تتحول إلى مياه هنا…

ــ مبدأ هذا الفيلم وعنصره الأساس هو الماء. وردتني الفكرة بعدما اطلعتُ على أعمال عالِم ألمانيّ اسمه تيودور شفينك الذي كان ألّف كتاباً في الستينات عنوانه “فوضى حسّاسة”، إذ نراه يدافع عن نظرية مفادها أنّ الإنسان يتفاعل مع حركة الكواكب بسبب أنّ جسمه معبأ بالمياه. هذه الفكرة الأولى خطرت على بالي عندما باشرتُ العمل على هذا الفيلم. طبعاً هناك تشابه كبير مع “نوستالجيا للضوء”، ويشكلان معاً ثنائياً قد يتحول إلى ثلاثية. لا أزالُ غير أكيد من ذلك.

استطراداً، أودُّ القول إنّه من أجل الحديث عن الإبادات التي حصلت عبر التاريخ الحديث، من سوريا الى الأرجنتين ففلسطين وتشيلي، والعبور بها إلى التراجيديا المطلقة، من المهم جداً بالنسبة إليَّ كسينمائي اللجوء إلى لغة الاستعارة. الاستعارة أكثر تعبيراً عن آلامنا من أي وسيلة سردية أخرى، هي تقول ما لا يتمكّن من قوله أيُّ طرحٍ مباشر. كلّنا شاهدنا صوراً ولقطات تلفزيونية من معسكرات الاعتقال النازية وألفناها الى حدّ ما، ولا نزال الى اليوم نشعر الحاجة الى الحديث عنها، ولكن علينا أيضاً تطعيم أطروحتنا بلغة الشعر، هذا طبعاً إذا أردنا منح التراجيديا دلالات أعمق. ما يهمني في الحقيقة هو استنباط الألم من المأساة، وأيّ لغة أكثر من اللغة الشعرية قادرة على ذلك؟ اليوم، في زمن الانترنت، نحن نعجز عن فعل هذا. نتابع صور الموت والقتل على الانترنت. ثم ماذا؟ لا شيء!

* عاش جيلكم في الخوف ولم يكن قادراً على مواجهة الحقيقة. كيف تتمظهر هذه الحقبة في المجتمع التشيلياني اليوم؟ هل هناك انكباب على موضوع الذاكرة؟

ــ دعني أقول شيئاً باختصار شديد: الذاكرة في التشيلي معدومة. في بلادنا، لا نتكلم عن الماضي إطلاقاً. الماضي لا يشهد أيّ نقاش، كأنه غير موجود أو لم يحصل. هناك نكران رهيب في هذا الصدد. المرتكبون لم يعترفوا يوماً بمسؤولياتهم تجاه كلّ ما حصل في الحقبة الديكتاتورية. هناك ما يشبه “عُرْف الصمت” (يستعمل كلمة “أوميرتا” الخاصة بالمافيا). مثلاً: مئات المدنيين شاركوا في الفصل الذي أصوّره في الفيلم حيث نرى انتشال الجثث التي رُميت في قعر البحر. أحدٌ من هؤلاء المدنيين لم يتم اقتياده إلى القضاء أو محاسبته لاحقاً. إحدى الصحف الكبرى في التشيلي، “ال مركوريو”، التي دعمت بينوشيه وهاجمت ألليندي هجوماً ممنهجاً، نفت مراراً أن يكون هناك مَن تعرّض للتعذيب في زمن الديكتاتورية. صحيفة مثل هذه روّجت البروباغندا وضلّلت الرأي العام وهي لا تزال تصدر في تشيلي، ولا أحد حاول أن يقاضيها. تم احتساب هذا النوع من الصحافة على الديموقراطية.

هناك قفزة في التاريخ لم تتم بشكل جيد في بلادنا. بهذا المعنى، ليس تشيلي بلداً ديموقراطياً؛ ليس لدينا حرية صحافة، النقابات غير فعّالة، ومع هذا كلّه، ترى أنّ الشركات المتعددة الجنسية تأخذ لها مقراً فيه وبالكاد تسدّد الضرائب. لذلك، أعتبر أنّ البلاد التي أعيش فيها أقرب الى الأسطورة أو الميثولوجيا. طبعاً، لدينا تاريخ عريق. نحن  أصحاب حضارة. إذا ذهبتَ الى سانتياغو، فسترى أنّها شبيهة بأيّ مدينة في الولايات المتحدة. بيد أنّه ثمة عدم توازن اجتماعي هائل يُلقي بظلاله علينا. نشعر بالعار إذا ألقينا نظرة مثلاً على المنهج الدراسيّ أو النظام الصحيّ المعمول بهما في تشيلي.

علينا الإكثار من الحديث عن الماضي والذاكرة الجمعية كي نتجاوز الإرث الذي تركه بيننا الانقلاب العسكري.

أعتقدُ أنّ فيلمي هذا يجب أن يُعرَض في المدارس. المشكلة أنّه في كل مرة يتقدم أحدهم باقتراح مماثل، فيصيح الناس في وجهه “آه، غوزمان يساري، لا نريد أدلجة أطفالنا، الأفضل أن يبقى بعيداً”. النقاش مطلوب، هكذا يمكن بناء جمهورية حقيقية وإرساء قيم جديدة. نحن، مخرجي الوثائقي، جاهزون لاسترداد الحكايات التي كان مصيرها التعتيم فترة طويلة. أؤمن فعلاً أنّ آثار الانقلاب والديكتاتورية ستبقى ماثلة في وجداننا لقرن من الزمن. نحتاج وقتاً طويلاً كي تزول وكي نشفى منها. ولكن، كل شيء يتم تدريجاً. لا يمكن طمر الذاكرة. لا بد أن تظهر يوماً ما عبر تجليات أخرى. الخطوات الصغيرة مضمونة النتيجة، لا يمكن الاستهانة بها. الحقيقة تظهر عاجلاً أم آجلاً، إذا لم تظهر في هذا الجيل، فستظهر في الجيل الآتي. أراهن على هذا. أنا شبه متأكد أنّ فيلمي “معركة تشيلي” سيكون له مكانٌ خاص وسيضطلع بدور مهم في تعزيز الذاكرة، ولكن هذا لن يحصل إلا بعد موتي. لستُ الوحيد الذي يجب أن يختفي عن الوجود كي يحصل هذا التغيير، بل الجيل الذي انتمي اليه بأسره.

التشيلي بلد الخوف بإمتياز. عندما يمرّ الموسيقيون في الشارع وهم يعزفون نشيد الاتحاد الوطني، ترى المارة يهربون مرعوبين. اليوم، بدأ يظهر جيل لم يعش الرعب والخوف، هؤلاء يمكن التعويل عليهم. هناك عملية تسليم واستلام ضرورية في كلّ مجتمع، في كلّ زمان ومكان، من دونها لا مستقبل. هذا ما ينقصنا في تشيلي، وأعتقد في أماكن أخرى من العالم. الأفلام لا تفيد اذا لم يكن هناك من ينقلها ويبثها ويعرّف عنها، من جامعيين، سياسيين، الخ.

* يتردّد أنّ التاريخ يكتبه المنتصرون. أما في ما يخصّ السينما التي تصنعها، فالتاريخ فيها يكتبه المظلومون وأولئك الذين ظلوا على هامشه…

ــ ما تقوله صحيح جداً. هذا منطق ينسحب على أميركا اللاتينية برمتها. لدينا مؤرخون سيئون لا يقومون بعملهم كما ينبغي. البحوث في مجال التاريخ نادرة، وإذا وُجدت فيتولاها أشخاصٌ مؤدلجون لا يتناولون التاريخ بموضوعية. هناك معالم أخرى ظاهرة لكلّ مَن تطئ قدماه أرض أميركا اللاتينية، تتجسّد في كلّ هذه التماثيل لجنرالات يرفعون سيوفهم ويبدون كأنهم جاهزون لخوض معركة. بالكاد نعرف شيئاً عنهم وعن تاريخهم الشخصي، وإنما تماثيلهم في كل مكان، في كل زاوية من كل بلد أميركي لاتيني. والتشيلي ليس استثناء. الطبقة الحاكمة هي التي كتبت التاريخ. الأمل الوحيد ينبعث من هذا الجيل الجديد من المؤرّخين الذين يمتلكون نظرة أكثر عمقاً للتاريخ. غابريال سالازار وهو واحد من هؤلاء المؤرّخين الذي يظهر في الفيلم، يطمح الى بلوغ عمق الحقيقة في بحوثه ودراساته، طمعاً بقراءة جديدة لتاريخنا. منذ تأسيس الجمهورية التشيليانية قبل نحو 200 عام، شهد تشيلي 15 مجزرة. ولكن، يا للفظاعة، هذه المجازر أُقصيت من التاريخ وتم التعتيم عليها! كانوا يقتلون الناس بلا رحمة. تم التنكيل بالسكان الأصليين في الجنوب، هؤلاء تمت إبادتهم، حرفياً، من قِبل الطبقة الحاكمة. فقط الآن، نبدأ في استجواب التاريخ، نحن حديثون جداً في هذا المجال (…).

عندما نشق باباً، ثم نفتحه، العودة الى الوراء تصبح مستحيلة. الانقلاب العسكري لا يمكن أن يتسرب من ضميري، لا يمكن ان أتخلى عنه احتراماً لذكرى الأصدقاء الذين فقدتهم. لكن طريقة تعاطيّ معه في الأفلام تغيرت.

* كيف التقطتَ مَشاهد الكون؟ إنّها لقطات مدهشة…

ــ هذه الصور التي تراها لتشيلي التُقِطت من علو 40 ألف متر. ولكنّها أُنجزت بمساندة فريق من خبراء المؤثرات البصرية. يجب القول إنّ الأرض مغطاة دائماً، وعملياً من المستحيل التقاط مَشاهد لها بالأقمار الصناعية. كنتُ أريد لقطات جوية لإظهار المدى والعمق. وددتُ منظراً عاماً لِما يمكن أن يكونه هذا الأرخبيل. نحن نتكلم عن 72 ألف كيلومتر من الساحل والجزر المدهشة. إنّه أكثر إثارةً للدهشة من منطقة الأمازون، لأنّه فارغ تماماً لا يقطنه أحد. أخذنا أيضاً بعض الصور لـ”السوبرنوفا” من الـ”ناسا”،  و”ولوكالة الأوروبية للفضاء” أعطتنا أيضاً ما نحتاج إليه.

* ما رأيكَ بظاهرة اختيار الأفلام الوثائقية في المسابقة الرسمية للمهرجانات الكبيرة في السنوات الأخيرة. هل الوثائقي ينال حقه أخيراً من الانتشار؟

ــ في السبعينات، سادت ما تُسمى “سينما مباشرة”. كان هذا الأمر نتاج زمن معين. اليوم، على الأقل في ما يتعلق بالسينمائيين المستقلين، بتنا نُدخل عناصر روائية الى الوثائقي. صرنا نستعمل الوصف والحركة والموسيقى تماماً كما في أيّ فيلم روائي. أصلاً الحدود بين النوعين لم تعد واضحة تماماً كما في السابق. نلجأ الى مفردات متشابة، هذا صحيح، ولكنّ هدف كلٍّ من النوعين يختلف عن هدف الآخر. مع ذلك، لا نزال مخلصين لفكرة إنجاز الفيلم الوثائقي و”عقيدته” المتمثلة في البحث عن حقيقة معينة. الوثائقي ليس للترفيه. لنكنْ واقعيين: غابرييللا باتيريتو لن تنجح البتّة في منافسة جولييت بينوش وسرقة الأضواء منها على البساط الأحمر. في هذا المجال، هناك حقيقتان لن تذوب الواحدة في الأخرى. في أيّ حال، لستُ الوحيد الذي تُعرَض أفلامه في مسابقة مهرجان مثل برلين. هناك أيضاً أرول موريس وغيره. مع أنني، بصراحة، أفضل أن تُعرَض خارج المسابقة.

(…) اعتدتُ المعاناة في صناعة الوثائقي. فيلمي السابق، “نوستالجيا للضوء”، كلّ المحطات الفرنسية رفضت انتاجه. التلفزيونات ايضاً في أزمة، ما يجعلها تعرض أفلاماً هابطة. واللافت ان هذا التردي في المستوى لا يرفع من نسب المشاهدة. الفيلم الوثائقي هو ايضاً تغير واستُبدلت النظرة تجاهه. فيلم عن الحرب في افغانستان، الكلّ يرحب به، ولكن اياك ان تقول انه في نيّتك أن تنجز فيلماً عن الشجرة التي في حديقة بيتك. مع انه قد تجد في تلك الشجرة حقائق ايضاً.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...