الرئيسية / صفحات المستقبل / بازار الأوهام في الثورات والأحلام/ خليل عيسى

بازار الأوهام في الثورات والأحلام/ خليل عيسى

 

كتب السفير السابق للولايات المتحدة الأميركية في سورية، روبرت فورد، في 26 أغسطس/ آب الجاري، مقالاً في موقع “سي إن إن”، عقّب فيه على الكاتب الأميركي، توماس فريدمان، وهذا من المهلّلين التقليديين لمهمة بلاده الإلهيّة في “تصدير الديمقراطية” منذ غزو العراق عام 2003، وكتب في “نيويورك تايمز”: “من الجنون اعتقاد أنّنا نستطيع مساعدة المعارضين المعتدلين في سورية على إسقاط نظام الأسد”.

يصوّب السفير فورد له قائلاً: “لكن إسقاط النظام لم يكن هدفنا من قبل، ولن يكون كذلك في المستقبل”. ثم يزيد ناصحاً: “ما علينا فعله هو مساعدة المعارضة السوريّة على إلحاق الأذى بالنظام، إلى الدرجة التي، وعلى الرغم من الأسد، يقبل فيها النظام بتشكيل حكومةٍ تكون أولى مهماتها محاربة “الدولة الإسلامية” وإخراجها من سورية”. بالفعل، لم يكن هدف الإمبراطورية، في أيّ لحظة، تغيير نظام الأسد، وليس أبلغ من أن يعبّر عن الأمر بهذا الوضوح شخص مثل روبرت فورد، والذي تمسّك به معارضون سوريون كثيرون بسذاجة، على أنّه “إلى جانب الثورة السورية”. لا بل إنّ العملية العسكرية الأميركية ـ السورية المشتركة، أخيراً، لمنع وقوع مطار “الطبقة” العسكري في أيدي مسلحي “الدولة الإسلامية”، والتي باءت بالفشل، عنت، في ما عنت، أنّ الأميركيين لم يعودوا، من الآن فصاعداً، يسترون محاولتهم التحالف العسكري مع النظام. كل ما في الأمر أنهم انتقلوا إلى العلنية في الأمر، بعد علنيّة تحالفهم مع الإيرانيين!

الاستراتيجية الأميركية الطويلة الأمد لتطويق الثورة السوريّة تمثّلت، في نهاية المطاف، وفي الظاهر، بفرض أحد خيارين على السوريين: نظام الأسد أو “الدولة الإسلامية”. لكنّ التفاهم الاميركي السريّ والدائم مع الإيرانيين كان قد حسم مسألة الوصول إلى هنا منذ مدّة لا بأس بها. وبهذا المعنى، فإنّ جوهر ما قام به الثلاثي “أميركا ـ إيران ـ النظام السوري”، هو التلويح للجميع بدمية “ماتريوشكا” روسيّة ـ وكم من المناسب أنّها كانت أيضاً “بوتينيّة”! ـ تسلّى وانْشَدَه بها المعارضون السوريون كثيراً، وكانت تحوي عند فتحها كلّ مرة على دميةٍ أصغر منها: أوّلاً كانت دمية “منطقة الحظر الجويّ”، ثم دمية “قصف سورية”، ثم دمية “حظر الأسلحة الكيماوية”، ثم دمية “منع السلاح من الوصول إلى المتشددين” ثم، أخيراً، “تهديد الدولة الإسلامية”.

لو حسبنا أنّ إسقاط النظام السوري لم يكن يوماً هدف الأميركيين، لعرفنا أنّ آخر حقنة أفيون تتوالى على أوردة السياسيين السوريين المعارضين تمثّلت في تحويل ثورةٍ وقوداً “لحرب على الإرهاب”، من أجل إنقاذ أهم ركيزتين للبنية الاستعمارية التي نشأت منذ 2003 في الوطن العربي: الأولى، أّنّه ليس هناك من مصلحة قومية للإمبراطورية تفوق أهميّة التشبيك الاستراتيجي العميق القيمة مع الاختراق الاستعماري الإيراني للمجتمعات العربيّة.

ثانياً، من المصلحة القصوى للاستعمارين الأميركي والإيراني معاً، ولـ”تسقيف” عوائد هذه الحلف، تمويه وحرف النظر عنه، بتظهير عداوات موسميّة عابرة، قد تعبّر عن تناقض ما ينشأ في ما يخصّ موقع إسرائيل من الاتفاق. وذلك قد يتمحور لفظيّاً حول تصدير الأوهام الساخنة إلى الشعوب العربيّة، مثل “المشروع النووي الإيراني الذي يهدد إسرائيل والغرب”، و”التهديد بضرب إيران” التي تطلقها منذ أكثر من عقد عجلات الماكينة الاستعمارية الإيرانية الهائلة في المنطقة الممتدة من اليمن إلى لبنان وأكثر!

عبّر المشهد العراقي عن ذلك كله أيّما تعبير، فكان قيام ثورة عشائر العراق، والتي تضمّ أيضاً في جزء منها، مسلحي تنظيم “دولة العراق والشام الإسلامية” الذي بدأ أخيراً، أيضاً، كما في سورية، بمهاجمة الفصائل العراقيّة الأخرى التي تقاتل معه في مناطق مختلفة. كان نجاح هذه الثورة ملفتاً، لأنّ العراقيين ذاقوا، بلحمهم العاري، التحالف الاستعماري الأميركي ـ الإيراني بأمَرّيه في السنوات الماضية، ما جعل الأميركيين يستعجلون قصف محيط بغداد قبل سورية أمام الانهيارات العسكرية للميليشيات الطائفية، مثل “عصائب أهل الحق” و”فيلق بدر”: الإيرانيون يقودون الكتائب العراقيّة على الأرض، والأميركيون يقودونها من السماء.. أما معظم النخب الثورية السورية فهي تشاهد الأوبرا التي تجري أمامها من على الشرفة، وهي تصفّق للأميركيين في منتصف العرض معجبة، وتدعو أن يحدث ذلك، أيضاً، في سورية!

من أجل كلّ ما ذكر، استطابت جميع الأطراف تضخيم تنظيم “داعش”، وتحويله إلى بعبع هائل، فأبدل كثيرون الكلام عن نظام قتل نحو ألفي شخص من السوريين، بكلام لا ينقطع عن “داعش”، ما حقّق حلفاً علنياً للجميع على حساب مصلحة عوام السوريين: الأميركيون يتحالفون علناً مع النظام السوري (كيف لا ننسى المؤامرة الكونية هنا؟)، الإيرانيون يقصفون العراق بطائراتهم، وفي الوقت نفسه يبيعون المملكة السعوديّة تضحيتهم “الهائلة” بنوري المالكي، على الرغم من أنّ الميليشيات العراقية بقيت كما هي، ومجازرها بقيت كما هي، بل زادت، كمجزرة مسجد ديالى التي أوقعت أكثر من 70 قتيلاً، والأكراد أعلنوا تحويل منطقة جبل سنجار إلى المقاطعة الرابعة من دولة كردستان العراق، والنظام السوري سوّق نفسه شريكاً لا يعوّض في “مكافحة الإرهاب” عبر خبرته الثمينة برمي البراميل، والنخب السياسية في الائتلاف تتصوّر أنها بذلك تدفع قضيّة الثورة “إلى الأمام”، وتعمل بذلك في “السياسة”… أما “دولة العراق والشام الإسلامية”، فكسبت تعاطفاً شعبياً لها، من أنها عدوّة الجميع!

الحقيقة أنه، وفي قلب عملية تضخيم “داعش” الإعلامية، هناك مصالح استعمارية مختلفة ومتقاطعة، وأوهام لمثقفين وسياسيين، وهناك مصالح “داعش” نفسها بالطبع في إرعاب أعدائها، وهناك ناس عاديّون لا يعرفون ماذا يصنعون في ظل ذلك كله. لكن، يجب الإشارة إلى أنّه، وفي قلب تلك العملية، توتّر دائم قائم بين أمرين: “داعش ـ الحقيقة” و”داعش ـ الوهم”. الأولى تنظيم عسكري عالي الحرفية واستراتيجي التفكير يشلّ أعداءه بالحرب النفسية، ويحاول أن يقيم “دولة” بالمعنى الكامل للكلمة، لكنّه يمكن، أيضاً، أن يخسر أو يربح، كأي تنظيم آخر، بينما “داعش ـ الوهم” هي، في الوقت نفسه، كلمة السرّ المشتركة لجميع اللاعبين، المتحالفين بشكل أو بآخر، في هذه المعركة الضخمة، وهي كذلك أداة البروباغندا لديهم. وعلى الرغم من أنّ المسافة بين هذين الواقعين تتغيّر باستمرار، بحسب الأطراف التي تبيع الوهم، لكنّ الثمن المدفوع سيكون دائماً من حصّة الشاري!

أما مَن هو المصنّع الأكبر لهذه الأوهام؟ إنّه ليس سوى الولايات المتحدة. قال باراك أوباما، في أحدث مؤتمر صحافي له: “لا استراتيجية للولايات المتحدة بعد في سورية” وأنّ دولة العراق والشام الإسلامية “سرطان يجب استئصاله”. ليس من الدقة، هنا، نعت أوباما بالكاذب بهذا الشأن، فهو لا استراتيجية “جديدة” لديه سوى في الإبقاء على الاستراتيجيّة “القديمة” المستندة على تينك الركيزتين، وذلك يتحقّق، الآن، برفع سعر “داعش ـ الوهم” على حساب حجب سعر “داعش ـ الحقيقة”. لا يريد الرئيس الأميركي لهذه المعادلات أن تتغيرّ، بعدما أصابت كلّ تلك النجاحات المنقطعة النظير، خصوصاً أن آخر تجلياتها كان قراراً سوّقته بريطانيا، وجرى التصويت عليه في مجلس الأمن، تحت الفصل السابع، بعنوان ضرب “الدولة الإسلامية في العراق والمشرق” (لاحظ إبدال كلمة “الشام” بكلمة “المشرق”) فصّل أنّ الهدف، أيضاً، هو “جبهة “النصرة”، وكلّ الأفراد والمجموعات والتعهّدات والوحدات الملتحقة “بالقاعدة”. الجملة المفتاح، هنا، هي “وكلّ الأفراد والمجموعات والتعهّدات والوحدات”، وهو تعبير مطاط جداً، سيسمح للأميركيين، الذين تقوم طائراتهم من دون طيار بتصوير “الأهداف” فوق سورية، بقصف كلّ “الإرهابيين”، حتى لو عنى ذلك، لنقل مثلاً… قصف الأطفال والنساء “الإرهابيين”، كما حدث في الأنبار في العراق، أو فصائل من “الجيش الحرّ”؟

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيينا تحذف سوتشي/ إياد الجعفري

    فشلت المقايضة بين فيينا وسوتشي، التي جرت بين الغرب وروسيا، في تحقيق تفاهم ...