الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدرالدين عرودكي / بانتظار سوريا الجديدة… ماذا عن الألغام الموقوتة؟/ بدر الدين عرودكي

بانتظار سوريا الجديدة… ماذا عن الألغام الموقوتة؟/ بدر الدين عرودكي

 

 

منذ أقدم العصور وحتى بدايات القرن الماضي، وباستثناء قرن شَغَلَهُ الأمويون لم يكتمل، خلال تاريخها الطويل (661 ـ 750)، لم تكن سوريا، أو بلاد الشام، إلا ممالك عديدة مستقلة على غرار أوغاريت، وماري، وإيبلا، وأفاميا، كانت تغطي مساحتها أو تتوالى عليها. تقوم بينها الحروب تارة، وتجري بينها المبادلات الاقتصادية تارة أخرى. أو ولاية من ولايات الإمبراطورية الرومانية/البيزنطية حتى الفتح العربي عام 638، ثم الإمبراطوريات التي توالت على الأمويين حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية.

ومع ذلك، كان من المفارقات التي عاشتها أجيال عديدة من السوريين طوال السنوات المائة الأخيرة أنهم لم يقبلوا، بوصفهم أبناء بلاد الشام التاريخية، حصْرَ سايكس بيكو لهم ضمن حدود سوريا المعروفة اليوم، فحاولوا بشتى الوسائل، عبثاً، انتهاز الفرص لكسرها بصورة أو بأخرى، وأن هذه الأجيال ذاتها، عمدت، منذ أن ثار السوريون ضد نظام غير مسبوق في تاريخ المنطقة، إلى التمسّك بهذه الحدود بوصفها مرجعية تاريخية لا يمكن المسُّ أو العبث بها ولاسيما منذ أن طفقت القوى الإقليمية أو الدولية تتحدث عن التقسيم ثم، أخيراً، عن الفدرالية!

وعلى أن روابط الوطنية السورية نُسِجَت طوال سنوات النضال ضد الانتداب الفرنسي، واستطاع بفضلها السوريون أن يقاوموا خلالها محاولات ممثلي الدولة المنتدّبة تقسيم البلد إلى دويلات يسهل حكمها وأن ينجزوا استقلالاً كامل الأوصاف لا تعتوره ما اعتور استقلال بلدان عربية أخرى في المشرق وفي المغرب من ذيول الوجود الاستعماري في صورة معاهدات ملزمة أو قواعد عسكرية، وعلى أنهم باشروا بفضل هذه الروابط على وجه الدقة بناء «الدولة السورية المستقلة»، إلا أنهم واجهوا، ما إن مضت ثلاث سنوات على الاستقلال وولادة الدولة الغضّة، إعلان دولة إسرائيل ثم أول انقلاب عسكري في العالم العربي يقوم به ضابط سوري ويدشِّن به سلسلة الانقلابات العسكرية التي عرفتها مصر ثم العراق وليبيا واليمن. انقلابات سوف توطد لعشرات السنين استبداداً منتظماً بلغ ذروته القصوى مع الانقلاب الأسدي عام 1970، الذي سيؤسس نظاماً فريداً لا في استبداده أو في شموليته فحسب، بل كذلك وخصوصاً في علاقة غير مسبوقة من العبودية المطلقة أقامها بينه وبين السوريين على اختلاف انتماءاتهم الإثنية والدينية والاجتماعية. وهي عبودية حاول ترسيخ استحالة الخروج منها في لاوعي السوريين زمنياً حين أبَّدَ شخص مؤسس النظام قولاً وتفعيله نظام التوريث «الجمهوري» فعلاً.

لم يُتح الوقت إذن للسوريين كي يقيموا الدولة التي تطلعوا خلال فترة الانتداب إلى بنائها. وكانت السنوات الثلاثون التي تلت الاستقلال، والتي تناوب خلالها العسكر على حكم سوريا، كافية للقضاء لا على هذا الحلم فحسب بل على الطبقة السياسية التي حلمت به كلها. وهو ما أتاح لحافظ الأسد أن يبني ما يُسمى اليوم «دولة» على صورته وللغاية التي نذر نفسه لها: الاستملاك الكامل لبلد وشعب.

تضمنت هذه «الدولة» كل ما واجهته الثورة السورية منذ يومها الأول وما سوف تواجهه عند انتصارها تمهيداً لإعادة بناء دولة أخرى، سوريا الجديدة، تقوم على عقد اجتماعي جديد ينسف جذور «الدولة» الأسدية شكلاً ومضموناً، وتعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي في الحياة العامة وفي مؤسساتها.

ليست القوانين العامة الناظمة لحياة المواطنين هي أهمُّ ما تجب إعادة النظر فيها فحسب، من القانون المدني الذي هو نسخة مترجمة عن القانون المدني الفرنسي فرضه بين ليلة وضحاها الانقلابي الأول حسني الزعيم، بعد أن حذف منه كل ما يتعلق بالأحوال الشخصية التي وضع لها قانوناً خاصاً مستمداً من الشريعة الإسلامية، إلى قانون العقوبات، فضلاً عن القوانين الناظمة للمحاكم العادية والاستثنائية. إلا أن هناك أيضاً ما خلفته هذه «الدولة» من خراب وعاهات سياسية وإدارية واجتماعية واقتصادية لا في التنظيم السياسي (في مجال فصل السلطات بوجه خاص) أو في «علمانية» الدولة المزعومة المفترض قيامها على الفصل بين الدين والدولة، أو التنظيمات المؤسساتية ذات الطبيعة الإدارية والاقتصادية والمناطقية، أو مفهوم الأمن ودور الأجهزة الأمنية في جمهورية ديمقراطية فحسب، بل كذلك على صعيد المفاهيم الأولى التي تقتضيها هذه التنظيمات في الحياة المدنية الطبيعية: المواطنة، والحقوق والواجبات، والخدمات العامة، والتعليم والإدارة حتى في أبسط تجلياتها: العلاقة بين المسؤول والمواطن.

من ذلك كله يبرز مفهوم المواطنة أساساً جوهرياً.

ليست سوريا بلداً استثنائياً بين البلدان في تركيب سكانها الفسيفسائي التاريخي، إثنياً أو دينياً أو طائفياً. لكن الممارسة البعثية ـ الأسدية العمياء عملت على مسح كل هذه الألوان. ولم يكن بوسع سلطة قررت استملاك الأبدية في سوريا أن تعترف بأي واقع غير واقعها وبأي سلطة أخرى غير سلطتها الخاصة. سُحِقَ الفرد السوري قولاً وفعلاً: فهو لا يملك أياً من حقوق المواطن العادي ولا حتى أن يطالب بأيٍّ حق منها. يمكن له أن يتمتع ببعضها، وتحت رقابة شديدة على كل حال، إذا اختار العبودية الكاملة، وأعلن عنها بصورة أو بأخرى، دون أن يعني ذلك حقاً مكتسباً بل مِنَّة من سادته يمكن أن يُحرَمَ منها في كل لحظة.

ولا يقل واقع الجماعات سوءاً عن واقع الفرد في الحقوق الطبيعية أو المكتسبة. فالأكراد الذين يؤلفون نسبة 10٪ من سكان سوريا أرغموا اعتباراً من عام 1965، في إطار مشروع الحزام العربي، على الهجرة من قراهم ومساكنهم في منطقة الجزيرة. وكان هناك ما لا يقل ُّعن ثلاثمائة ألف مواطن كردي لا يحملون الجنسية السورية التي حرموا منها طوال عشرات السنين وقرر بشار الأسد في بداية الثورة، فجأة، تجنيسهم في محاولة منه لكسبهم والحيلولة بينهم وبين الوقوف ضمن صفوف الثورة.

لكن المشاعر الطائفية الكامنة طوال السنوات الأربعين الماضية والتي عمل النظام الأسدي على تأجيجها ما إن بدأت مواجهته العنيفة لمطالب الثورة في عام 2011 هي التي كانت وراء طروحات ما أطلق عليه بعد فقدانه السيطرة على ثلثي الأراضي السورية «سوريا المفيدة» وأدت إلى أن تطرح في المداولات تارة فكرة تقسيم سوريا وتارة فكرة النظام الفيدرالي الذي بدأ الإلحاح عليه منذ التدخل الروسي المباشر في نهاية أيلول الماضي ومع اقتراب تنظيم مفاوضات الحل السياسي في جنيف الذي أخذت روسيا والولايات المتحدة على عاتقهما رعايته والإشراف عليه.

لا يتخذ أيٌّ من الراعيين للمفاوضات موقفاً واضحاً وصريحاً من مسألة وحدة سوريا. ومجرد استدعاء التقسيم أو الفيدرالية على لسان مسؤوليهما كإمكانية يعني أن أحداً منهما لن يقف في وجهها إذا ما تمت ضمن إطار الحل السياسي الذي عملا على صياغة خطوطه العريضة. غير أن ذلك لا يعني أن هاتين الصيغتين لن تستخدما على مائدة المزاودات السياسية من قبل الأطراف ذات المصلحة، لا بل والذهاب بعيداً في استغلال ما يمكن أن يعتبر ظروفاً ملائمة من أجل إطلاق مبادرات من طرف واحد كما فعلت مجموعات من الأكراد في شمال سوريا، حين أعلنت مؤخراً، يوم الخميس 17 آذار، عن إنشائها نظاماً فدرالياً أطلقت عليه اسم «الاتحاد الفيدرالي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا».

على هذا النحو، تواجه الثورة اليوم، وقبل أن تنجز أول أهدافها المتمثل في إسقاط النظام الأسدي، عواقب المشكلات التي ثابر هذا النظام، وقد حاول استملاك الأرض والبشر، على رعايتها أو على مواجهتها بما يكفل تحويلها إلى عاهات بل وإلى معضلات سوف يترتب على أية هيئة حكم انتقالي وضع برامج حلول ضرورية عاجلة يوافق عليها من خلال عملية ديمقراطية شفافة كافة السوريين.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...