الرئيسية / صفحات الرأي / بحثاً عن سوريا… في مكتبات الحي اللاتيني

بحثاً عن سوريا… في مكتبات الحي اللاتيني


جهاد الزين

فترة الانتداب الفرنسي هي تحديدا الفترة التي أعيد فيها تركيب سوريا الحالية التي عادت في انفجارها الحالي لتدخل في فترة تفكيكية – تأسيسية. كيف تتكرر اليوم مقولة “حماية الاقليات” كمقابل دستوري للنص على”دين الدولة الاسلام” و”دين رئيس الدولة الاسلام”؟ وأي سجال دار بين البطريرك عريضة و”سياسيي دمشق” عام 1936؟

عندما ذهبتُ الى باريس مؤخرا كنت اطارد فكرة كانت تطاردني ايضا وشكلت احد اسباب زيارتي هذه المرة، هي ان سوريا التي تمر حاليا بايام عاصفة لا مثيل لها بسخونتها في تاريخها الحديث، تحتاج حالتها وهي مقبلة على فترة “تأسيسية” ايا تكن تحولات مسارها الى اعادة قراءتها مناطقَ وطبقاتٍ وجماعاتٍ ودولَ جوارٍ خلال فترة الانتداب الفرنسي اي عمليا بين العامين 1920 و1943 او حتى 1945.

ودون ان أزعج الحساسية اللغوية لاصدقائي من اصحاب الخطاب العروبي القديم والجديد سأسارع الى القول ان فترة الانتداب الفرنسي هي الفترة التي اعيد فيها “تركيب” سوريا التي نعرف – ولا نعرف – حاليا سواء عبر “الصياغات” الفرنسية في السياسة والادارة والامن او عبر ردود الفعل المحلية المتكيفة والممانعة معا والتي نجحت (اي المحلية) لا شك في توحيد الدولة السورية بحدودها الراهنة. أعني، أنه كان يمكن ان تكون سوريا اقل وحدة لو لم تنجح ما اصبحت تُسمى لاحقا الحركة الوطنية السورية بقيادة أعيان المدن بين الحربين العالميتين في جعلها ما هي عليه اي حصيلة “اندماج” اربع دويلات اقامها الاحتلال الفرنسي بعد فترة وجيزة من ابعاده للملك فيصل عام 1920.

لكن لماذا تحتاج اعادة التنقيب عن سوريا وفي سوريا الى التجول تحديدا في الحي اللاتيني في باريس؟

اظن ان “رهاني” الشكلي والمضموني على الكتب النائمة و اليقظة على رفوف المكتبات القديمة في شوارع وأزقة الحي اللاتيني قد نجح. فما راهنت عليه ليس الوصول الى ابحاث حول سوريا (وطبعا لبنان) خلال الانتداب الفرنسي وانما – لكي اوضح فكرتي – العثور في تلك المكتبات على كتب صدرت – اي كُتبت – في ذلك العهد. والفارق في “مخطَّطي” مهم: ان تلك المكتوبة في ذلك الزمن أكانت صادرة عن عسكري او صحافي او اكاديمي او سياسي هي شهادة حية على مزاج وافكار وقيم وحياة تلك الفترة التي اكرر انها بالمعايير السورية الراهنة فترة تفكيكية – تأسيسية.

لقد كنت محظوظا ان أجد بعض هذه الكتب التي كتبها فرنسيون بنسخ الطبعات الاولى الصادرة في تلك الفترة بين العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين. فهاتِ استمتاعاً بالكتاب القديم الطباعة كأنك تتحسس بصرا ولمسا زغب سجادة عجمية من الصوف الكاشاني او سجادة تركية من الحرير “الهِرِكي”. متعتان في قطعة واحدة. وانت لا تزال واقفا تحت رفوف ذلك النوع من المكتبات التي تشبه مكتبات البيوت ولم تقرأ صفحات الكتاب الذي اخترت بعد او تباشر بقراءتها في مطعم على ساحة ظليلة صغيرة امام مدخل مدرسة البوليتكنيك او في مقهى في ساحة السوربون او لكي تكون بين بشرٍ اكثر في مقهى عند تقاطع بولفار سان ميشال مع نهر السين. فأي متعة اكبر ستغمر كل ما سبقها حين تنجز قراءة الكتاب لاحقا وقد منحك أسراره بما فيها نقاط ضعفه او حتى اخطاؤه الفادحة التي تكتشفها فقط لأنك آتٍ من المستقبل. سر الولع في اكتناه رفوف المتع.

■ ■ ■

سبق ان أشرت تباعا الى بعض هذه الحصيلة “الحيْ لاتينية” التي عدت بها في مقالاتي المتفرقة منذ اوائل تشرين الأول والتي تهيمن على معظمها الموضوعات المتعلقة بسوريا وهي “هيمنة” طبيعية بعدما دخلت سوريا بلا عودة في أخطر أزمة تشهدها شعبيا وسياسيا وامنيا منذ تأسيسها ككيان بحدودها الحالية والمنفجرة ضمن ثورات “الربيع العربي”. ونحن في لبنان، كما يثبت كل يوم، أصبح الموضوع الأهم لحياتنا السياسية هو الموضوع السوري ان لم يكن الموضوع المحوري الوحيد فيها الذي سيقرر مستقبلنا او سيساهم في تقريره.

بين هذه الكتب كتاب مارسيل هومي بعنوان رئيسي: “التاريخ السري للمعاهدة الفرنسية السورية” الصادر عام 1938 في باريس عن منشورات (J.PEYRONNET-Cie, EDITEURS)… مع تقديم من الجنرال اد. بريمون المشار اليه على الغلاف بأنه “من أكاديمية العلوم الكولونيالية”. العمل هو عبارة عن تقارير حية لمختلف جوانب الحياة العامة في ظل الانتداب من داخل الاندية السياسية الفرنسية في بيروت ودمشق والسورية واللبنانية بمختلف تشكيلاتها الاجتماعية والدينية والمناطقية كذلك من الاوساط السياسية الفرنسية في باريس المعنية بالتفاوض على المعاهدة التي ستوقع لاحقا عام 1936 في سياق صراعي بين حكومة ليون بلوم الآتية من فوز انتخابي مدوٍ لـ”الجبهة الشعبية” الاشتراكية وبين وفد من القادة السوريين ابرزهم قادة “الكتلة الوطنية”. هذه المعاهدة التي ستشكل في السنوات التالية ليس فقط اساس استقلال سوريا بل اساس توحيدها بحدودها الحالية. وكل ذلك والكاتب على تماس مباشر مع عدد من “المحرضين” الاساسيين كجميل مردم ونسيب البكري واحيانا سيرافق قادة عسكريين فرنسيين خلال مهمات ميدانية كما حصل عندما نقل صورة انطلاق التظاهرات من قلب اسواق دمشق من نقطة يسميها “السوق الاسود” ويقصد منطقة “بحرة السودا” في دمشق القديمة على الارجح، مع بداية اندلاع الاضراب الشهير عام 1936 وكان بمعية الكومندان كولليه الذي قاد القوة العسكرية المكلفة بضبط الأمن.

في هذا الكتاب كتلتا أخصام رئيسيتان لفرنسا: “سياسيو دمشق” في الداخل حسب تسميته وشخصيات ثلاث هي رياض الصلح وشكيب ارسلان وعبد الرحمن الشهبندر في الخارج بين باريس وجنيف والقاهرة.

لنقرأ ما يكتبه في مجال تحديده لـ”القوى السياسية الاهم” في “دول المشرق” التابعة للانتداب الفرنسي في ما يتجاوز “ثلاثين تشكيلا أقل اهمية”… في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين.

يعتبر ان هناك خمس قوى أساسية هي حسب صياغته:

1 – الكاثوليك اللبنانيون بمن فيهم الموارنة مع الروم الارثوذكس والارمن الذين يشكلون أكثرية مجلس النواب اللبناني (13 مسيحيا مقابل 12 مسلما).

2 – حزب البطريرك الماروني “يعني”حسب تعبيره الحرفي “كبار ملاك الاراضي، عدد معين من المحامين والمهندسين الخ… ومعظم كبار التجار، وبالاجمال نسبة من النخبة المارونية”.

3 – “المسلمون الوطنيون في لبنان بقيادة رياض الصلح نظريا وشكيب ارسلان وعبد الرحمن الشهبندر عمليا وهما الشخصان اللذان يرغبان بتيسير كل الطرق لاقامة امبراطورية عربية تشمل دول الليفانت”. بالمناسبة، من الملفت رغم معلوماته الشاملة والحية يومها انه يكرر خطأ متعلقا بطائفة رياض الصلح وعدة مرات في الكتاب ورغم رصده الدؤوب له ومعلوماته الكثيرة عن نشاطه السياسي، فيكرر تسميته “النائب الشيعي” في خمسة مواضع وهي غلطة معلوماتية “فادحة” بمعايير أيامنا هذه! حتى لو كان صاحب نفوذ مؤثر بين نخب جبل عامل (ناهيك عن املاك عائلته الواسعة هناك على غرار العديد من العائلات الصيداوية والبيروتية آنذاك). كذلك لم يكن يومها قد اصبح نائبا عن الجنوب في البرلمان اللبناني. يذكر على صعيد السياق الاساسي للكتاب أنه ليس لدى الكاتب اي التباس في اقتناعه الصارخ بأن رياض الصلح خبير الكواليس الفرنسية والحركة الوطنية السورية كانا يراهنان على فوز اليسار الفرنسي في انتخابات 1936.

4 – “المعتدلون من نوع الامير مصطفى شهاب (او الشهابي) الذين يريدون استمرار الانتداب حتى تصل سوريا الى التطور الكامل”.

5 – “المجموعات الاقلاوية من الجزيرة العليا المسيحية الذين يطالبون بشكل صاف وبسيط بضمهم الى فرنسا، ومن العلويين وجبل الدروز، فطرابلس واسكندرون والمناطق الكردية وكل هؤلاء منقسمون بشكل لا يصدق على أنفسهم الى درجة ان أحدا لا يستطيع تشكيل فكرة صحيحة عن الموقف” (صفحة 109-110).

هذه صورة من صحافي مطلع جدا – رغم أخطائه المعلوماتية – ولكنه قريب من دوائر الانتداب بما فيها العسكرية. وفي كتابه يَظهر احيانا نقدُه للاوساط الفرنسية التي تساهم في الاساءة لِـ”القضية الفرنسية”.

على ان “النقل الحي” الذي يقوم به الكاتب والذي يستحق ان يطلع عليه قارئ اليوم ليس فقط السوري واللبناني بل العربي هو ذلك الحوار الذي دار بين البطريرك الماروني عريضة وبين احد ابرز زعماء دمشق عام 1936 فخري بارودي وخلال المفاوضات في باريس بين وفد الكتلة الوطنية السورية وبين الحكومة الفرنسية وهي المفاوضات التي انتهت لاحقا الى المعاهدة الشهيرة. والارجح ان الحوار الذي رواه الكاتب مصدره البطريرك نفسه او احد معاونيه.

الرواية التي ينقلها في الصفحتين 110 و111 تقول ان البطريرك استقبل فخري بارودي بحضور النائبين فريد الخازن وميشال زكور. “فورا انتقل النائب الدمشقي الى الهجوم طالبا من رئيس الكنيسة المارونية ان يسحب تفويضه الى خليل بيك معتوق” مندوبه الذي أرسله الى باريس، وهو احد الاثرياء المسيحيين، لطلب التأكيد على حماية الاقليات ومتابعة ذلك ليس فقط حول لبنان بل ايضا حول سوريا حين ستصاغ نصوص المعاهدة. فرد البطريرك بأنه ليس في مهمة مندوبه ما يمكن ان يزعج الوفد السوري وهي مهمة مقتصرة فقط على” السهر على حماية الاقليات”. رد فخري بارودي بأن الدستور السوري الجديد سيضمن المساواة الكاملة بين كل المواطنين “وهذا ما كنت قد أكدته سابقا لغبطتك لذلك من غير المطروح وجود فئات ذات امتيازات عن غيرها”. عندها أجاب البطريرك: عظيم… لماذا اذن جعلتم دين الدولة الاسلام ولماذا قررتم الزامية ان يكون رئيس الدولة مسلما؟

– انها وضعية مؤقتة، قال فخري بارودي.

– فليكن النص على “حماية الاقليات” مؤقتا ايضا، رد البطريرك!

هذا الحوار يتجدد هو نفسه جوهريا بعد خمسة وسبعين عاما بل ينتقل اليوم الى مصر مع عودة طرح المسألة القبطية في الشارع وزحف التيارات الاصولية الديموقراطي نحو السلطة. لكن الفارق انه يعود مع آفاق أقل مدنية وأكثر دينية مما كان عليه قبل ثلاثة أرباع القرن.

 ما العمل لكي لا يتقدم التاريخ الى الوراء في بلادنا؟

… الى اللقاء في مكتبة أخرى.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...