الرئيسية / صفحات سورية / بركان جبل العرب الخامد: السويداء والعطالة الثورية

بركان جبل العرب الخامد: السويداء والعطالة الثورية

 

 


خلدون النبواني

قبل بدأ التظاهرات في درعا بعدة أسابيع فقط قام الرئيس بشار الأسد بزيارة إلى مدينة السويداء في جنوب سوريا تحدث عنها الإعلام السوري بأنها زيارة عفوية كانت بدون حرّاس أو مرافقة وبأنها تندرج ضمن الزيارات التي يقوم بها الأسد مع عائلته من وقتٍ لآخر لإحدى المحافظات السورية؛ كما وأكدت أجهزة الإعلام السوريّة الرسميّة أيضاً على أن هدف الزيارة كان الاستماع إلى الناس والإصغاء إلى مشاكلهم ومطالبهم.

الآن وبعيداً عن سطحية وتملّق وتضليل الإعلام السوريّ الرسميّ أود هنا أن أتأمل قليلاً في الأهداف الخفية لمثل تلك الزيارة “المفاجئة” للسويداء وأن أحاول أن أميط اللثام عن أسبابها التي هي أبعد برأيي من أكل الفطائر على الصاج أو تمضية يوم العطلة للعائلة الحاكمة. أعتقد إذن أن الأسد كان على وعيٍّ تام بأن طوفان الثورات العربية قد اقترب من سوريا بشكلٍ حثيث وأنه كان يستشعر، من خلال تقارير الأجهزة الأمنيّة الموجودة بعدد الحصى والرمل والحجر في كل شبر من سوريا، تصاعد الاحتقان الشعبي يوماً بعد يوم في الشارع السوريّ. هكذا أراد الأسد أن يستبق الأمور بأن يغلق النافذة التي توقع أن تهب منها رياح الثورة السوريّة التي كانت قد هبّت من قبل على تونس ومصر ولا تزال تعصف بنظامي اليمن وليبيا. كانت أجهزة الاستشعار الأمنيّة تتوجه لاقطاتها تجاه السويداء دافعةً بالرئيس السوري إلى أن يعتقد خاطئاً أن بداية الثورة السوريّة الثانية ستكون من حيث اشتعلت الثورة السورية الأولى ضد الاحتلال الفرنسيّ أي في جبل العرب. للوهلة الأولى، يبدو أن لمثل هذا الظن وجاهته فللسويداء تاريخ نضالي طويل ومعروف ضد الاستعمار لا ينكره أحد ابتداءً من مقاومة الاحتلال العثماني وصولاً إلى الثورة السورية الكبرى ضد المستعمر الفرنسي التي قادها من بلدة القريا سلطان باشا الأطرش. وهناك سبب وجيه آخر يبدو أنه كان يثير مخاوف الرئيس الأسد من السويداء وأقصد به تلك الأحداث التي وقعت في بداية حكمه في عام 2000 والتي أقلقت نظامه حيث سقط الكثير من أبناء تلك المحافظة قتلى، ليس فقط على يد البدو وإنما أيضاً بالرصاص الحي الذي أطلقته قوى الأمن، حين ثار أهالي السويداء على ما اعتبروه تعدّياً سافراً على ممتلكاتهم من قبل البدو المدعومين أمنيّاً. وكعادته قام النظام السوريّ حينها باحتواء الموقف وذلك باعتباره مؤامرة تحيكها قوى خارجية ثم عزله وجعله حدثاً خاصّاً ثم تشكيل لجنة قامت ﺑ “محاسبة” محافظ وقائد شرطة السويداء وكأنه بذلك العلاج الموضعي قد قضى على سرطان الفساد الذي يعيث بجسد الدولة ويلتهمه؛ هذا وقد طلبت السُّلُطات السورية حينها أن يتم دفن القتلى بدون مراسيم وعلى عجل خوفاً من تفاقم الاحتقان الشعبيّ. إذن لكل هذه الأسباب أزعم أن الرئيس الأسد أراد أن يتقرب من سكان جبل العرب المعروفين بثوريتهم وأن يتفادى غضب السويداء الذي كان يتوقع أنه سيكون بؤرة الإعصار الشعبي القادم، ولكن حدسه قد انحرف به قليلاً وبدل أن يحاول أن يغلق النافذة الصحيحة التي يمكن أن تهب منها رياح الثورة والتغيير وأقصد بها درعا قام بإغلاق النافذة المجاورة والمُغلقة أصلاً منذ زمنٍ بعيد. لو كان الأسد قد سأل مختصاً في علم النفس الاجتماعي، لكان هذا الأخير قد خفف عليه عبء تلك الزيارة ولوجهه إلى درعا مثلاً المدينة المنسيّة بدلاً من أن يحرف انتباهه تجاه السويداء.

أقول هذا بدون أية نيّة أو محاولة في الانتقاص من السويداء، هذه المدينة العريقة أو في الانتقاد المجاني لأهلها وكيف لي أن أفعل وأنا ابن السويداء ومجبول ذهنياً ونفسياً بشمسها وهوائها؟ بيد أن هذا لن يمنعني هنا من البحث عن أسباب خمود بركان الثورة في هذه المدينة والذي كان ثائراً دائماً. إنني أعتقد أن الحضور الكثيف لتاريخ الثورة السوريّة الكبرى وزعيمها سلطان الأطرش في ذهنيّة أبناء جبل العرب وفي كل مناحي حياتهم وتفاصيل أحاديثهم وأغاني أعراسهم وتربيتهم وووووووالخ، قد أدى إلى حالة عطالة ثوريّة بدل أن يكون عاملاً محفزاً على الثورة. ولكن كيف؟ حسناً، إنه التعويض النفسي أو ما أسماه أرسطو في كتاب “السياسة” بالتطهير Katharsis حين رأى أن التراجيديا بعرضها لمشاعر الخوف والشفقة تقوم بتطهير نفوس المشاهدين من كل الانفعالات العدائية والغرائز المكبوتة وتوجيهها نحو الهدوء والسكينة وقد التقط علم النفس هذه الفكرة وعرف بفضلها كيف يتخلص من عدوانية الإنسان عبر دفعه لمشاهدة أفلام الأكشن مثلاً فهو يعوّض بهذه الطريقة الإيحائيّة عن العدوانية التي يمكن أن لها أن تظهر في الواقع الحياتي. بنفس الطريقة، فقد لعب الحضور الكثيف والمبالغ فيه لذكريات الثورة السورية الكبرى ولزعيمها ولثوار جبل العرب في الأحاديث والأشعار والأفراح والمآتم دوراً مهماً جدّاً في تفريغ شحنات التمرّد والثورة لدى الأجيال التالية لأبناء جبل العرب. يكفي للمرء مثلاً أن يجلس في مضافة من مضافات السويداء أو أن يحضر عُرساً تقليديّاً فيها حتى يلحظ بسرعة كثافة أغاني الثورة على المستعمر الفرنسي والتذكير بمعارك النصر في الكفر والمزرعة والمسيفرة وو وكيف يتم تحفيز النّاس للمعركة وإعداد العُدّة لها عبر الأغاني الملتهبة والرقص المحموم كما لو أننا عشيّة حرب ضروس سنطرد فيها المستعمر الفرنسيّ غداً من سوريا ونحررها منه. يُذكرني هذا الاستحضار التعويضي للماضي بقصة دون كيشوت الذي من كثرة ما كان مغرماً بتراث الفروسية وأجداده الفرسان صار مهووساً بهم وفقد الصلة مع الواقع فراح يحارب طواحين الهواء. في الحقيقة لقد أدى هذا الحضور الكثيف لتفاصيل ماضي ثوّار السويداء الذين تحوّلت شجاعتهم عبر المخيلة الشعبية المفتونة في سرد يقرب من الأسطورة إلى عطالة نفسية في الواقع ليتحول الماضي عند الأجيال التي تلت الثورة على المستعمر الفرنسيّ إلى حالة تعويض نفسي إيحائي تُعاش به الثورة تخيّلاً وتذكراً مما يؤدي إلى تنفيس الانفعال وتثبيطه تماماً كما في التراجيديا عند أرسطو أو في التصور النفسي الحديث للتخلص من العدوان عبر مشاهدة أفلام الأكشن. هكذا للأسف تحوّل سلطان الأطرش رمز الثورة السورية الكبرى عند الأجيال اللاحقة إلى مجرد ذكريات جميلة يلجؤون إليها لمواجهة الواقع بالركون إلى ماضٍ كان فيه أبناء الجبل يثورون على الظلم ويرفضون الجور. ولعل منتهى الأطرش ابنة قائد الثورة السورية الكبرى هي من القلّة الذين ورثوا عن أبيها الإباء ورفض الحيف والظلم فهي لا تني ترفع صوتها بشجاعة في وسائل الأعلام دفاعاً عن كرامة الإنسان وحريته ولعلها تتألم من صمت مدينتها ومدينة أبيها وتلكئها في مشاركة بقية المدن السورية في المطالبة بفتح الحريات لشعب يستحق الكرامة ويستحق الحياة.

لا أحاول في نصي هذا أن أحرّض أحداً على أحد، ولكنني أردت فقط أن أفهم فأسئلة من قبيل: لماذا وكيف هي لعنة الفيلسوف؟ كما أنني لا أريد أن أقلل من شجاعة بعض الشبان في السويداء الذين يثورون على عطالة الماضي المتخيّل متوقفين عن محاربة طواحين الهواء فينزلون إلى الشوارع للتعبير عن أنفسهم بشكلٍ سلميِ وحضاريّ متحدين الحصار الأمني الخانق ومتعرضين لبطش بلطجية الأمن. إذن كل التحيّة لهؤلاء الذين يحلمون بغد أفضل ليس فقط لهم ولأبنائهم بل ولأبناء خفافيش الأمن ومخبري الدولة وحرّاس الموت والباحثين عن غدٍ نستطيع فيه أن نتنفس الهواء النقيّ فقط حين يصبح الوطن ملكاً للجميع.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...