صفحات الناس

عن اسطنبول، المنفى والوطن ../ نواف القديمي

 

 

لإسطنبول قدرة فائقة على التماهي

لم يعرف اسطنبول من يكتفي منها بالتجوال في شوارعها حاملاً كاميرته ليلتقط صوراً للجامع الأزرق ومضيق البوسفور، والتردد على مطعم نصرت ومقهى المعماري سنان… فهذه المدينة الضخمة والمكتظة والأجمل من بين مدن العالم لم تعد خياراً مُفضّلاً للسواح والمستثمرين فقط، بل باتت أيضاً تجمّعاً كبيراً للمنفيين والمنكوبين… 

أعرفُ اسطنبول جيداً مذ كنت طفلاً أزورها مع عائلتي للسياحة، وعلى امتداد السنين شهدتُ كثيراً من متغيّرات الحياة السياسية في تركيا وهي تنعكس على أرض هذه المدينة وفي فضائها الاجتماعي والثقافي. غير أنها تغيّرت كثيراً بعد موجات الربيع العربي، وغدت جزءاً صميماً من عالمنا العربي بأزماته وقضاياه وناسه. مجتمعات وطبقات وأنتلجنسيا عربية شديدة التنوع باتت حاضرة في هذه المدينة الكبيرة، من العراق وضفاف الخليج شرقاً وحتى المغرب البعيد، ومن الإسلامي ذي النزعة الجهادية حتى اليساري اللائكي والفوضوي العدمي…

في السنتين الماضيتين، وبسبب ظروف عملي، لم أكن أغيب عن اسطنبول أزيد من شهرٍ أو شهرين، وصار لي فيها عشرات الأصدقاء، وبتُ أعيش في ثناياها كل حينٍ تجربة جديدة. هي ليست كالقاهرة أو بيروت أو الرباط، بل وطنٌ مؤقتٌ لآلاف المنفيين والمكلومين والناشطين والثوّار وسواهم ممن صنعوا لهم مجتمعاتٍ خاصة فيها كثيرٌ من الحنين لأوطانهم…

قبل أسابيع، وبينما كنت أمشي ليلاً في طرقات اسطنبول برفقة صديقٍ مصري من المقيمين بها بعد الانقلاب، حكى لي بعضاً من قصص الشباب المصري فيها، عشرات من الشبان الصغار – في المراحل الثانوية والجامعة – الهاربين من الأحكام السياسية والمطاردات يُقيمون في شقق جماعية ولا يجدون فرصاً للعمل ولا إكمال الدراسة، يأس وتشرد وشعور باللاجدوى وبؤس العيش بلا دخل ولا عمل ولا تعليم ولا أفق سياسي، حتى السكن الجماعي المتواضع هم مهددون بالطرد منه في أي وقت…

وعندما حصلت نكبة حلب وأيام حصارها، والتي انتهت بإخراج الثوار والأهالي من أحيائها الشرقية المحررة، غدت اسطنبول وكأنها مجلس عزاء. كان القلق بادياً على وجوه السوريين، والخوف من المصير الذي ينتظر آلاف المدنيين والمقاتلين، والخشية من سقوط مدينةٍ كانت دوماً عاصمة للثورة في الشمال، والخيبة من حجم الانكسارات…

لإسطنبول قدرة فائقة على التماهي، أن تنحاز لك في كل حالاتك. حين تشعر بالحُزن، ستجدها أمامك تهرَم وتشيخ، الأشجار والشوارع والمآذن ووجوه الناس كل شيء لحظتها يوحي بالحزن. وحين تفرح، ستشعر أن النوارس تُغني لك، وأن القمر يدنو منك، وأن المطر الخفيف العذب ينزل لأجلك، وأنها مدينةٌ يفيضُ فيها الإلهام على الصوفي، وينزل الوحي فيها على الشاعر…

في مساءات اسطنبول الهادئة، وفي مقهى شعبي لطيف ألتقي فيه عادة بالكثير من الأصدقاء، نشرب الشاي، ونلعب طاولة الزهر، ونتكلم في السياسة والثقافة والأدب ويوميات الحياة، ونضحك. كنت أتأمل أحياناً ما وراء هذه الابتسامات، وكيف صارت هذه المدينة مستقراً لكل هؤلاء.

صديقٌ لي استُشهد أربعة من إخوته في الثورة، آخر عاش حصار حمص لعام ونصف العام، ثالث بقي في حصار حلب حتى خروج آخر المقاتلين، رابع كان يتفحّص الجثث المحترقة بعد مجزرة ميدان رابعة وهو يُفتش عن جثة أخيه، خامس ترك بيته في صنعاء خِفية وهرب متسللاً بعد معرفته أن الحوثيين وضعوه على قائمة المطلوبين، سادس أمضى أعواماً في سجون القذافي ثم لما اشتعلت الثورة أصبح قائداً لفصيل عسكري يحمل الثأر وأشواق الحرية، ثم لما سقط القذافي وبدأ الانقسام والاقتتال كاد أن يكون ضحية محاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، سابع والده وأخوه معتقلان، ونصف أصحابه بين معتقل وشهيد، ثامن كان معتقلاً لسنين بسجون الاحتلال الإسرائيلي ثم خرج ونُفي إلى اسطنبول بعد صفقة شاليط، تاسع خرج من الموصل خائفاً يترقب ولا يعرف من أين سيأتيه الرصاص من داعش أم من الحشد الشعبي، وعاشر بقي لسنة تحت التعذيب في أقبية سجون المخابرات الجوية في سورية.. وآخرون كُثُر، ولكلٍ منهم قصة تستحق أن تُدَوَّن في رواية…

وفي هذه المدينة أيضاً جانبٌ آخر، هو أكثر خفوتاً وغموضاً ووجعاً، قصصٌ كثيرة لفتياتٍ وسيداتٍ تعرّضن للاعتقال والتشرد وفقد الأهل، فيها كثيرٌ مما يُطوى على أمل النسيان. ولكنّ المظلوم لا ينسى…

وحتى الخليج صار له نصيبٌ من هذا المزيج العربي المُتعَب في المنفى، بعد أن غدت اسطنبول ملاذاً لعددٍ من الناشطين الخليجيين الذين صدرت بحقهم أحكام سياسية، ففضّلوا الهجرة على السجن…

أما الشعور بقيمة أمان العيش في تركيا فقد بلغ ذروته حين تعرضت فجأة لهزةٍ مُرعبة. كان ذلك لحظة حدوث الانقلاب الأخير والذي كاد أن ينجح. تلك الليلة كانت بمُنتهى الاضطراب والقلق والصعوبة على العرب المقيمين هناك، وبدأ كثيرون منهم في التفكير مجدداً: إلى أين سنذهب إذا نجح الانقلاب وطلبوا منا المغادرة؟!

مرة، كنت في مقهى اسطنبولي مع مجموعة من الرفاق العرب، وأثناء استرسالنا في الحديث، تعالى الصوت من الطاولة المجاورة بعد أن تعامل النادل “العربي” بشكلٍ سيّئ مع مجموعة من مرتادي المقهى من الأتراك، فغضبوا منه وتفوَّه أحدهم – وبصوت مرتفع – بكلام عنصري تجاه العرب. عندها ساد الصمت.. رفاقي الذين كانوا منهمكين بالحديث سكتوا جميعاً، وبدت على وجوههم ملامح مُركّبة، مزيجٌ من الخيبة والحُزن وتَذكُر أنهم أغراب ولاجئون، لحظتها خِلتهم يقولون: يبقى الوطنُ عزيزاً ولو كان خراباً…

وسط هذا البؤس العربي الكبير، ثمة مئات من الشبان والفتيات مشغولون بأعمال إغاثية وتعليمية تخص اللاجئين، وآخرون ينشطون في مشروعات ثقافية، وسِواهم منهمكون بمتابعة ما يجري في أوطانهم والمشاركة في النشاط السياسي والإعلامي، وآخرون في توثيق الانتهاكات، وشبانٌ كُثر يسعون لإكمال دراستهم وتجاوز حاجز اللغة التركية.. والجميع مُحبطون، وعلى أكتافهم أثقال التجارب الصعبة وذكرى المعتقلين والشهداء التي لا تغيب، وعلى الوجوه غِلالة رقيقة من الأسى على ربيعٍ وئد قبل أن يكتمل، وعلى انكسار الحُلم، وفداحة الخسائر…

سيبقى هؤلاء أكثر من يعرف وقْع الظلم، ومعنى القَهر الذي ينخر الإنسان ويُبقيه جسداً خاوياً بلا روح، والألم عندما يحفر في الجوف أغواراً وأخاديد، والغضب حين يُشعل في الأحشاء كُل البراكين الخامدة، والشرايين وهي تنزف وجعاً وكرامة.

ورغم ذلك، ما زالوا يفتشون عن شعلة ضوء وسط هذه العتمة، وعن أرواحٍ مشبوبة لم تَهرَم، وأيادٍ لم تتعلّم التصفيق ولا رفع القبعات، وأظافر تستطيع تحطيم الجدران، وحدقاتٍ تُقاوم المخرز، وعن ملامح وجوه لم تُمسخ، وبريق عينين لم ينطفئ…

هم أبناء هذا الخراب الكبير، وبقايا الأمل الذي ما زالت جذوته تشتعل تحت أكوام الرماد، يتيهون في غِمار الناس بلا أمجادٍ وأضواء، يُطاردون المستقبل في الشوارع والميادين، ويقفون على عتبات الحُلم، يحرسون الخيال والفكرة والأوطان المسوَّرة بالدم ورائحة البارود. ينتظرون لحظة الثأر والعودة، وموسم الفرح الذي سينمو غداً في مرابع الياسمين، والورد الذي لا بد من أن يفلق الصخر يوماً ويُزهر…

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى