الرئيسية / صفحات سورية / بصراحة، عن الحل الأمني!

بصراحة، عن الحل الأمني!

 


ميشيل كيلو

يتأرجح قرار القيادة السورية بين إرادتين: واحدة تدعو إلى حل أمني يحافظ على النظام بإخراج الشعب مجددا من معادلة السياسة، بعد أن دخل إليها بقوة مفاجئة وبصورة مباشرة خلال الأشهر القليلة الماضية، على الطريقة التونسية / المصرية، التي تصير أكثر فأكثر حالة عربية عامة. وأخرى تريد حلا سياسيا يحدث تبدلا تقني الطابع في النظام، يحافظ على بنيته الجوهرية، التي يحتج المتظاهرون عليها. في أحوال كالتي نمر فيها، يكون هناك دوما غلبة لهذه الإرادة اليوم ولتلك غدا، وتحدث حالات اختلاط تمزج بين الإرادتين، في حالات كثيرة، كما نلاحظ في التعامل مع الشارع، الذي يتعرض لإطلاق النار اليوم، وتواكبه بسلام القوات التي واجهته بالعنف البارحة!

يستهدف الحل الأمني، الذي يبدو أن مواقف أنصاره تتباين حول درجة وحجم العنف الذي تمس الحاجة إلى استخدامه، تحقيق هدف سياسي يبدو بلوغه في الوضع الدولي والإقليمي والعربي والداخلي الراهن ضربا من المحال، بالنظر إلى التغير المهم الذي وقع في كل مجال من هذه المجالات، والذي سأعرج عليه بأشد إيجاز ممكن.

دوليا: كان العالم يؤمن أن الاستقرار شرط الحرية في منطقتنا، المهددة ببديل إسلامي لا شك في قدومه، إذا ما سقطت النظم المركزية – كي لا أقول الاستبدادية – الراهنة. واليوم، وبعد أن تبين بالدليل الملموس أن البديل ليس إسلاميا بالضرورة، وأن خيار مجتمعاتنا يتضمن لحظة ديموقراطية قوية وواعدة، وأن الإسلام المعتدل يشارك بقية المجتمع طلب الحرية ويلتزم باحترامها، صارت الحرية شرط الاستقرار، وصار دعمها وانتصارها ضمانة سقوط الاستبداد من جهة، والحيلولة دون سيطرة بديل إسلامي متطرف من جهة أخرى. لم يعد الاستبداد كافل أمن العالم عامة والغرب خاصة، بل صار استمراره خطرا مباشرا عليهما، فهو مرفوض في صيغته الحالية، بعد أن فقد الدور الذي كان يؤديه إلى الأمس القريب.

إقليميا: بعد اضطرابات العام الماضي الواسعة والخطيرة في طهران، لم تعد هذه قادرة على ضمان أمن حلفائها واستمرارهم، وصارت بحاجة إلى كامل قوتها كي تضمن أمنها الخاص، وغدا من الضروري بالنسبة لها أن تقلص مساحات الاحتكاك مع الغرب، بما أنها لا تستطيع حماية حلفائها عسكريا، لافتقارها بكل بساطة إلى القوة اللازمة لذلك، ولأن الثورة العربية الحالية، ذات الأبعاد التاريخية والواقعية الهائلة الدلالات والمضامين، تنذر بإخراجها من المجال العربي، وبتحويلها إلى جهة برانية بالنسبة إليه، الأمر الذي يفرض عليها منذ اليوم مراجعة واسعة في حساباتها، جوهرها أنه لن يعود بوسعها بناء دورها العربي على ضعف أو إضعاف العرب، واختراق بلدانهم ونظمهم وطوائفهم وأحزابهم… الخ. بالمقابل، فإن تركيا تجد نفسها مجبرة على ممارسة سياسة تقيها من جهة عوامل الضعف البنيوي لدى جيرانها، لأن لديها ما يماثلها، وتلزمها بالابتعاد ولو جزئيا في مرحلة أولى عن نظمهم، التي أنتجت هذه العوامل أو ضخمتها أو عملت على الإفادة منها أو استخدمتها… الخ، وتحاول هي الحد منها واحتوائها عبر نموذج سياسي مغاير تماما لنموذجها، يقوم على الانفتاح الداخلي والحرية والديموقراطية والتفاعل الخلاق بين القيم العلمانية والإسلامية والقومية والليبرالية، في إطار نظام جمهوري مستقر، متوازن المكونات هو طريقها إلى عالم مصالحها فيه أكبر بكثير من مصالحها في أي بلد عربي، مهما كامن حليفا لها، كسوريا. تبقى إسرائيل، التي تريد حلولا أمنية لمشكلات جيرانها بيد حكامهم، لاعتقادها الصحيح تماما بأنها تورطها في صراع داخلي ضد مجتمعاتها أو قطاعات واسعة منها، يبطل صراعهم معها ويحفظ أمنها، ويعطيها الوقت اللازم للتوسع الاستيطاني واستكمال عملية تمثل واحتواء فلسطين العربية.

عربيا: لا داعي للقول: إن النظام العربي بدأ يرى نفسه منذ انتصار الثورة المصرية بدلالتها. وأن من لم يفعلوا ذلك ارتكبوا خطأ فادحا يدفعون، أو سيدفعون قريبا جدا، ثمنه. ولعل من سخرية الأقدار أن من لم يبادروا إلى قراءة وفهم ما يجري وإجراء ما يلزم من تغيير في نظمهم، واكتفوا بطمأنة أنفسهم إلى أن بلدانهم ليست تونس هم الذين يواجهون اليوم غضب شعوبهم! بعد تونس ومصر، تغيرت معايير السياسة وأدوار الدول وضوابط الأوضاع، ورجحت الاعتبارات الداخلية على الأدوار الخارجية، وحدث انتقال في مراكز ثقل وحوامل النظم، وتضاءلت قدرة السياسة الخارجية على إنتاج الشرعية والإجماع الداخليين، وتناقص الدور الخارجي وبدأ يتلاشى تحت ضغط المسائل الداخلية الصرفة، التي انفجرت كالبركان، وتطاير شررها في كل مكان، حتى بدا وكأنه يجب على السلطة أن تحصر اهتمامها بداخلها وحده، بعد أن بلغت التناقضات الداخلية حدا يجعلها موضوع السياسة الوحيد، الذي يعني الفشل في إيجاد حلول لمشكلاته بقاء الوضع القائم محل شك جدي!.

داخليا: نمت جسدية المجتمع خلال نصف القرن الماضي نموا هائلا من دون أن تجد انعكاسا لها في نظامه السياسي، الذي لم يجد طريقة يضبطه من خلالها غير المزيد من حجره في قفص سياسي ضيق ومتزايد الضيق. بدلا عن معالجة هذه الموضوع كمسألة إستراتيجية من أعلى نمط، تمت معالجتها كمسألة أمنية من أشنع طراز. لو أخذت كمثال يؤكد ما أقول، لذكرت أن نسبة من تقل أعمارهم عن 34 عاما هي 79 % من مواطنات ومواطني سوريا، وأن نسبة عالية من هؤلاء بلا عمل، وأنهم لا يجدون لأنفسهم مكانا داخل نظام البلد السياسي، حتى إن كانوا أعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي. ترى، ألا يغضب إلى درجة الانفجار شاب لا يعمل ولا يستمع إليه أحد ولا دور له في حياته أو في الشأن العام، يعيش في حالات كثيرة جدا عالة على أسرته؟. ركن النظام إلى أجهزة الأمن، وإلى دوره الخارجي بتقاطعاته العربية والإقليمية والدولية، التي أتاحت له حماية حقيقية من الهوة التي فصلته عن مجتمعه، المشتت والمخوف، وضمنت ديمومة عالمه الخاص، المحصن والمنيع، والعصي على المساءلة والمخاطر. فجأة تغير هذا كله، مع أن علامات تغيره البنيوي كانت بادية في كل مجال، ربما كان أهمها واقع الشباب، الذي أوردت قبل قليل بعض الأرقام عنه.

والآن، هل يمكن الإبقاء بالقوة، أي بالحل الأمني، على الواقع الحالي، الذي شهد ويشهد تغيرا طاول ويطاول بيئته الدولية والإقليمية والعربية والداخلية؟. وبالأحرى: هل ينجح حل أمني في حل مشكلات غير أمنية، أهمها مشكلة الحرية وتفرعاتها القانونية والعملية على الجانب الشعبي، ومشكلات الفساد وانعدام لفاعلية والتأخر وانتفاء روح المسؤولية وسوء الإدارة على الجانب الرسمي، ومشكلات التفاوت الاجتماعي وسوء التنمية والاندماج الوطني والتأخر التقني والثقافي على الجانبين، علما بأن تطبيقه سيؤدي إلى انخراط قطاعات داخلية متزايدة الاتساع والانتشار في حركة الاحتجاج، التي ستتحول من دون أدنى شك إلى تمرد كامل الأبعاد؟. إذا كان الحل الأمني سيهزم الشعب، فهل سيهزم أو سيحل مشكلات السلطة والدولة، التي لعبت دورا خطيرا في إنتاج مشكلات الشعب والمجتمع؟ وماذا سيكون مصير سلطة تعامل مع شعبها بالعنف العاري، وتقاتله بوسائل وقوات يفترض أنها مخصصة للحرب ضد العدو الخارجي، وعن أية شرعية ستتحدث بعد «النصر»، على فرض أنها أحرزته، وهو أمر مشكوك فيه، والدليل أن السلطة احتاجت في الثمانينيات إلى أربعة أعوام كاملة من أجل القضاء على تمرد حزب، كانت ظروفها الدولية والإقليمية والعربية والداخلية جميعها لصالحها خلالها، بينما هي ستقضي اليوم على تمرد شعبي يتسع وينتشر بمقدار ما يستخدم من عنف ضده، يخدمه ظرف دولي وإقليمي وعربي وداخلي ملائم، يبدو معه أن حركته هي التي تتسق مع تطور المنطقة والعرب، بينما يظهر النظام في وضعه الحالي بعيدا عن وعي الضرورات التي تفرض نفسها عليه، مجافيا في طبيعته وممارساته لروح العصر البازغة، يقاتل للإبقاء على حال فات زمانها وتقادمت، كان الأسد الأب – رحمه الله – يرى أنه بحاجة إلى إصلاح شامل، بل ويعد العدة للبدء بإصلاحه، من فوق أساسا وبالدرجة الأولى.

لا للحل الأمني ولا للعنف. نعم وألف نعم لبديله: الحل السياسي الآمن والمتدرج والمتوافق عليه. وليكن شعارنا جميعا أين ما كنا: في السلطة أو المجتمع: سلمية، سلمية. علينا أن نكون سلميين وحواريين، لسبب قاهر هو أن الحل الأمني هو مطلب مجموعات هنا وهناك، فوق وتحت، بينما الحل الآخر: السياسي والحواري، هو مطلب الشعب بأسره، إلى أية فئة أو حزب أو جهة انتمى، وحيثما كان موقعه.

لن ينجح الحل الأمني. وإذا نجح، فإنه لن يخرج البلاد من مشكلاتها والنظام من مأزق بنيوي لم يجد أي نظام مماثل له في العالم حلولا أمنية لمشكلاته، وهو سيعقد كثيرا الأمور اليوم، وفي دورة الاحتجاج القادمة، التي يرجح أن تكون وشيكة، إذا لم يتول السلفيون الرد بحل أمني من عندهم، بعد أن يقوض الحل السياسي إلى درجة تحول المشكلة لراهنة إلى أزمة لا نهاية لها، سيفوت خلالها الحلان الأمنيان: الرسمي والسلفي، على السوريين فرصة الخروج من عنق الزجاجة، والذهاب نحو وضع انتقالي يضعهم على مسار حرية ودولة مدنية، هما في نهاية الأمر، وليس أية إمارة إسلامية مزعومة، مطلبهم الرئيس!

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...