الرئيسية / صفحات الثقافة / بعد قليل من الصبر سيزهر الدم

بعد قليل من الصبر سيزهر الدم


محمد كتيلة
آن لك أن تفرح يا غريب الأرض والوطن وأن لك أن تحزن، كما يفعل المنتفضون والمنتفضات في الساحات التي تغص بالحسرات وتفيض بالدم والهامات القوية في أ صقاع  سورية التي مزقها رصاص الإوغاد فاستحالت إلى مقبرة وكفن… فهؤلاء الممسوسون بجنون الحرية والمدافعين عن كرامة وعزة المواطن  والوطن، لم يعد يكفهم وداع الشهداء بالدمع والورد من دون زغاريد.

 ليس دليك لخراب البلاد ما تزيفه خرائط الإعلام التي تقتل القتيل و تحتفي بجنازته، أو أنها تختفي بين الأنقاض لحين يصدر القرار من قائد الحرب وزعيم العصابات بقصد التعمية وتشويه الحقائق في الميدان، لكونك المستمع الوحيد والمستفيد النهائي…من المفيد أن تعلم أن لا عاقل يجرؤ على دعوتك لوليمة يكثر فيها الموت  وتتعدد فيها المجازر، وكإنك في حرب كونية، لكن الواجب يقتضي وحسب الأصول والأعرا ف، أن تقف إلى جاتب المشيعين من أهاليك والأصدقاء والأقرباء وجيرانك، في ليالي القهر ونهارات الفزع والترويع، وما أنت عنهم بغريب إلا إذا ارتضيت العزلة لتحمي خوفك ورعبك وخشيتك من القاتل .

ها هي دمشق وميادينها الغارقة في قدم بسالتها وشجاعتها، من الميدان  مروراً بكفر سوسة ودوما وحرستا صعوداً إلى الزبداني ومضايا وليس نهاية في المزة وعلى مرأى من القصر، وغيرها وغيرها، تودع ماضيها الأليم المثقل بالأوجاع والفجائع،  ولا تشغل بالها في تفتح الياسمين بعد أن إقترن بالدم المراق، والأبيض وحده لم يعد يكفي لصمت المدينة  وخيانتك، منذ أن إخترق الرصاص جدار الحشمة والعرض والكرامة والكبرياء… وها هم القتلة الجبناء الضعفاء الأذلاء، يقتحمون بيتك ويدلفون بخسة ووضاعة إلى غرف نومك وأحلام أطفالك، ومن نوافذك المطلة على الهتاف اليومي المتواصل ليل نهار، يطلقون الرصاص وبإسمك، ويجرجونك برخص وفي أي وقت وحسب الحاجة والشعور بالمهانة والهزيمة إلى الساحات لترقص على دم الأبرياء ولأجل أن تهتف: مرحى لقاتل الوطن المفدى، البطل الأوحد في ساح الجريمة .

كفى.. آن لك أن تنهض من ركام الذل وأن تفتح فمك لتنفس الهواء القادم من حمص وحماة ودير الزور وبقية المدن المحررة،  فالهوة أصبحت شاسعة وأنت على شفيرها، ولن يغفر لك أحد بعد هذه المجازر والفظائع، ولن تكون ببعيد…الهوة وسيعة وسع المدى ولم يعد يصلح فيها وصل أو رتق ولا نقاش أو حوار.. فما جدوى أن يسأل القتيل قاتله: لماذا  قتلتني ولماذا تقتلني، بعد أن أفرغ كل ما في جعبته من رصاص ومعدن ثقيل وبعد أن أجهز عليه وعلى الوطن.

  آن لك أن تحطم المرآة وتخرج من وجهك لترى وتسمع كيف يهلكون وينزفون في كل ثانية من سنة لم يتوقف على أدراجها ومنعطفاتها القتل للحظة واحدة، ولا هدأت في فصولها مجزرة أو مذبحة وعلى مدار الساعة المعلقة على أبواب القيامة … آن الأوان  أن تتعلم لتفهم كيف يولدون ويكبرون في كل هذا الجحيم وكيف يصبرون على الموت والجراح.   يا لحظهم العاثر كيف يُشرَدون ويلاحقون في بلادهم  ويقتلون ويحرقون وينفقون في ديارهم وفي ذات الوطن وعلى  الملأ …يا لأبطال الجيش النسور كيف يردون تحيتهم للوطن بالموت حباً ووفاء… يا لأبناء وبنات الوطن الذبيح، الذين لفح فجر آذار وجوههم فأتت إليهم الطرقات والزواريب الضيقة المنزوية الغارقة في العتمة  والمهانة والذل ولن يعودوا إلى ما قبل آذار والعشرات الصعبة من السنين… جعلوا أصابعهم مشاعل نار، مشوا على أكعابهم المتورمة بالليالي الدامسة ووجوه السجانين الجائرة وما تعبوا، وبدموع القلب الموجوع تداخلوا في لحمهم المنثور، في جنازاتهم الطائرة السريعة الحائرة، في حدادهم المشبوب بالأهوال والأخطار، ألقوا جانباً أكياس التعب وما انحنوا، تلاحموا ومن ثم تقدموا واثقين من الغد،  حملوا قلوبهم على أكفهم وساروا،  ناطحوا الريح، شقوا لأنفسهم طريقاً بثقة العارف  ما شكل الحياة في نهاية الطريق الصعب رغم القهر رغم الموت،  كتبوا بدمهم ما في قلوبهم ومابين الضلوع التي تورمت وصدأت في الصدور … خرجوا من البيوت أشباه البيوت والضواحي، من الأرياف، من مدارسهم التي تحولت إلى مراكز للوصاية والوشاية، من معامل الإحتراق ومؤسسات التدمير والتزوير، من الجامعات  المسورة بالثكنات ومعسكرات الأمن، من الوديان والسهول والحقول، خرجوا من السنابل والحصى، من الأرض الموعودة بهم  من التراب، من الكتب والتاريخ والشعارات الكاذبة، مالوا بأكتافهم على بعضهم وصاحوا: الشعب يريد والشعب لن يعود إلى ما كان عليه، الشعب هو الوطن ولا وطن بلا شعب حر قوي الإرادة  …. تخطوا حواجز الخوف والرعب، حطموها، سطروا ملاحم بطولاتهم التي لا تنسى، تحدوا أنفسهم فبانت لأرواحهم التي تشظت وتتطايرت في كل مكان، دروب الحرية.. ها هم يلوحون بالأناشيد والأعلام، بالزغاريد، بالرايات البيضاء، يطوفون بها في الميادين وحول المقابر، فوق رؤوس المشيعين، في القرى والمدن  والأرياف المحاصرة بالدبابات المسيلة للبيوت والأجساد والدموع، تركوا خلفهم البيوت مغمضة العيون فانكشفت لهم الحياة وها هم  يموتون ويولدون معاً في كل لحظة هاربة من الموت .

من الذي يستطيع أن يوقفهم بعد أن سال دمهم وانهال ومال على تراب الوطن، وبعد أن تهدمت أجسادمهم  المكتظة بكل أصناف العذابات والقهر والغضب،  والتي انجبلت في تراب الأرض وانصهرت في جذورها…

 لا يحق لنا أن نشفق عليهم وهم من يأخذون بنا وبيدنا إلى الساحات لنتعلم منهم صناعة الحياة، وهم لن يكونوا مثلنا أبداً وإن كنا نخاف عليهم، هم بشر وما أجملهم وأروعهم، هم ثوار وما أبسطهم، هم صانعوا الفجر الجديد وما أصلبهم وتحيا تحيا الحياة من بعدهم، كل الحياة…. بعد قليل من الصبر سيزهر الدم وسيعتلي آذار القادم عرش الحرية للأبد بهمة أبطال سورية.

كاتب فلسطيني يقيم في كندا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...