الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رستم محمود / بمثابة رسائل وداع لعمر عزيز

بمثابة رسائل وداع لعمر عزيز

عمر عزيز: الموت بعد التعذيب

ياسين الحاج صالح

خسر عمر مدخراته في مضاربة مالية خرقاء شارك فيها في تسعينات القرن الماضي، فكان أن اضطر إلى العمل في السعودية شيئا لم أفهمه رغم شرحه أكثر من مرة. شيء يجمع بين الإدارة والتخطيط والكمبيوتر ووضع الميزانية. لا مهرب من ذلك، لديه أسرة يعيلها، شاب وبنات ثلاث هم اليوم في عمر الجامعات والتخرج منها.

يتصل يوم وصوله إلى دمشق، ونتواعد للقاء بعد يوم أو يومين في مقهى الروضة.

أليف أغامين وباليبار وجيجك، وفوكو، كان لدى عمر حلم: الديمقراطية المباشرة، وأسف: أنه لا يكاد يعرف شخصيا كثيرين من المشتغلين في الشؤون العامة في بلده، ومشكلة: قلما يتمكن من شرح أفكاره في النقاش الشفهي، وقلما يكتب أيضا. تشعر أن ما يقوله مهم لا يشبه قول غيره، لكنه يفلت منك بصورة ما. يفلت مني على الأقل.

بعد إلحاح، كتب عمر في أواخر عام 2008 مقالة مهمة في “السفير الثقافي” بعنوان: “حالة الاستثناء، القانون، والتوق إلى الحياة”. توافق على رؤيته أو تتردد حيالها، لكن فيها أكسجين نقي 100%. هذا أيضا هو الشعور الذي يعطيه عمر لمن يعرفه: النظافة والنقاء وفرط النزاهة الشخصية… وغير قليل من الخراقة. مزيج نادر قلما تجد له شبيها.

عمر هو صاحب ورقة متميزة جدا عن “المجالس المحلية”، رأى فيها أن المجالس شكل حضور الثورة في الحياة اليومية للثائرين، وإطار للحياة وليس للسياسة وحدها. “المجلس المحلي”، يقول أبو كمال، “تكوين اجتماعي ثوري لإدارة حياة البشر اليومية”، وهو “مجموعة من الوجوه الاجتماعية الفاعلة، يتم انتخابهم من أهالي البلدة أو المدينة (…) ويهدف أساسا لتسيير الحياة اليومية للمواطنين”. ولعله أقرب إلى مقاصد عمر القول إنه المجالس غاية بحد ذاتها، وأنها تجسيد لفكرة الديمقراطية المباشرة التي كان على ولاء عميق لها. والفكرة تستأنف تقليدا عريقا في التفكير اليساري، تميزه عن يسار منحط، سوري وعربي، وعن مزاج ليبرالي يجد نفسه في كل حال قريبا من نظم الطغيان القائمة.

منذ بضع سنوات عمل عمر بجهد للتعويض عن قلة تعرفه على الوجوه الأكثر حياة في المجتمع السوري المعاصر. كانت لديه غريزة صحيحة جدا في هذا الشأن، يميز جيدا أين الحياة وأين الموت، أين المقاومة و”التوسعة” والفرح، وأين الاستسلام والضيق والاختناق. كانت له تجربة تعرُّف محبطة جدا في تسعينات القرن الماضي، لم أكن أوفره من السخرية حين تأتي سيرتها. يضحك بخجل، ويلتمس لنفسه الأعذار، ويحتقر بقوة.

لم ألتق عمر بعد الثورة. ربما مدفوعا بشعور بالذنب لكونه كان خارج البلد عمليا طوال عقود، عمل عمر على الانخراط العملي في الثورة ومحاولة التأثير المباشر، والاتصال والتعاون مع شباب ناشطين على الأرض. كان خياري عكس ذلك تماما: لم أحاول أي شكل من التأثير المباشر.

عمر المحب للحياة، والهش في معالجة مشكلاتها ومشكلاته معها، والرجل الذي جعل من مفهوم الحياة صلة وصله بالسياسة والناس من حوله، هذا الناشط البيوسياسي جعل من الثورة تجربته المؤسسة على نحو ما قد يفعل شاب في العشرين. كأنما كان يستعيد شبابه الشخصي من وراء ثلاثة عقود أو أكثر.

لكن من يفعل هذا يمت أو يجازف بالموت في سورية المتمردة، المكافحة لاستعادة حياتها وزمام أمرها و… شبابها.

عمر مات. خذله قلبه في سجن عدرا الذي كان أحيل إليه بعد نحو ثلاثة شهور من الاعتقال عند جهاز الأمن الجوي، برئاسة القاتل المسعور جميل حسن.

لم يمت تحت التعذيب. مات بعد التعذيب.

– هل هناك فرق؟

– بلى، إنه تعريف مساحة الحرية المتاحة للسوريين في “سورية الأسد”.

موقع المدن

“الشوام”… الذين اكتشفناهم فجأة

رستم محمود

إلى روح عمر عزيز

سمح لنا عقد الصبا أن نتعرّف على الحساسيات المجتمعية السورية كلها، من خلال الدراسة والعمل الأوّل في دمشق. فمع بداية الألفية الجديدة، كانت المدينة قد أصبحت خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل عقدين فحسب. مدينة ممتدّة على أحياء مترامية، تجمع قرابة الخمسة ملايين سوري، قادمين، لسوء الهيكلة التنمويّة والتخطيط الاقتصادي، من الجهويات والحساسيات السورية الشتى. فتحوّلت بنية الاقتصاد السوري من شكله المتنوّع، الزراعي والتجاري وشبه الصناعي، نحو الاقتصاد الخدماتي. ركز التنمية في العاصمة ومحيطها، بما يشبه ما كان جرى في كثير من البلدان خلال حقبة ما بعد  “الاقتصاد المركزي الموجّه”. سمحت لنا سنوات الصبا العشر تلك، نتيجة ذلك الظرف الاستثنائي، التعرّف على سورية، الثقافية والمجتمعية، من خلال العيش والتنقّل بين “بيئات” دمشق الشتّى.

الشوام، كانوا الوحيدين الذين لم نستطع “اكتشافهم” في دمشق تلك. سكّانها التاريخيون التقليديون. فقد بقوا كتلة مجتمعية وحاراتية متكوّرة على ذاتها، غريبة عنا، نحن سكان دمشق “الجدد” (كان الشوام يسمّوننا بـ”الدمشقيين”). بعض الصداقات وأشكال التعارف والتعامل اليومية العابرة معهم كانت تقريباً تعني لا شيء. فالحساسية المجتمعية الشامية العميقة بقيت، غريبة وصمّاء عنا. كانت صورة “الشوام” المتخيّلة، بالغة القسوة في أذهاننا. بدوا تجاريّين محافظين محليّين منغلقين ولا يحبّون الغرباء. كان ثمة ركون، من قبلنا، لتلك الصورة عن الفرد الشامي، وكانت ثمة صور لا تقل قسوة عن تلك، يحملها الشامي عنّا. هاتان المخيلتان كانتا العامل الأكثر حيوية وفاعلية في اغترابنا المتبادل.

ثلاثة عوامل جوهرية كانت قد ساهمت في ذلك، أي في تكوير وعزل كتلة مجتمع دمشق التاريخي عن محيطها الحيوي المجتمعي الحديث. فمن طرف، كان ذلك سلوكاً مجتمعياً “بيولوجياً” طبيعياً، أتى كردّة فعل انعكاسية لتدفّق الحساسيات الجهوية الطرفية الريفية السورية على المدينة، بكثافة ضاعفت سكان المدينة عدة مرات، لعقدين فحسب. تلك التدفّقات التي كسرت هدوء المدينة واستقرارها المديد، وعقودها المجتمعية غير المكتوبة. على طرف آخر، كان ذلك نتيجة لإخراج أهل المدينة التاريخيين من دورة الحياة العامة، وسحب الرأسمال المجتمعي، الرمزي والمادي منهم. حتى القليل المادّي الذي كان قد بقي لهم، في الوسط التجاري الدمشقي، كان رجالات السلطة بدأوا يزاحمونهم عليه. فطبيعة الطبقة البيروقراطية والأمنية والتجارية السريعة “الرثّة” التي كانت تحتاجها السلطة، في عقديها الأخرين، كانت تدفع تلقائياً سكان المدينة لخارج الفعل العام، وبالتالي لتكوّرهم وعزلتهم. عامل ثالث وأخير، كان نتيجة لصعود شكل من الإسلام السوري المحافظ، يخلط بين اليومي المجتمعي والإيدلوجي السياسي. حدث ذلك، في كل المدن السورية الداخلية التاريخية، عقب أحداث الثمانينات، ومنها دمشق.

سيرة معاكسة لذلك تماماً جرت منذ حادثة “سوق الحريقة” الشهير في دمشق، التي وقعت قبل عامين بالضبط، واعتبرت الشرارة الأولى للثورة السورية. تجمّع شباب شوام وردّدوا شعار اليوميات السورية الأشهر: “الشعب السوري ما بينذل” . منذ ذلك الحين وحيوية وآلية مغايرة تماماً تظهر في الفعل المجتمعي الشامي. فالشوام ناشطون في الحقل العام بحيّوية بالغة، وحاراتهم هي الأكثر غلياناً في الحدث السوري. شبابهم غير معزولين عن باقي الشباب السوري، وتظهر منهم يومياً رموز وتعبيرات لا تُختصر. في الشام، ثمة ميل واضح عند طبقتهم التجارية الثرية للانخراط في الشأن العام السوري وأسئلته. في الشام، كسرت العلاقة الباردة بين حلقة الريف الشامي الممتدّ ومركز المدينة. الأهم مع الثورة، أن “الماسونية المجتمعية” الطبيعية في كل المدن التاريخية كدمشق، وتراتبية العائلات وعلاقاتهم، والتي كانت مصدراً رئيسياً للرأسمال الاجتماعي، الأهم أن كل ذلك تحطّم مع الثورة، لصالح انضمام الأفراد “السوريين الشوام”إلى صفوفها.

مع الثورة لم نكتشف فقط أن الشوام ليسوا “تجاريين ومحافظين ومحليين ومنغلقين ولا يحبون الغرباء”، الظاهر أنهم أيضا اكتشفوا أنفسهم. فالركود، الذي كان، كان مصدراً لحالات الاغتراب كلها، حتى عن الذات .

      المدن

عمر عزيز وعجز الرثاء

محمّد العطّار

كيف نرثي عمر عزيز شيخ الشباب الستيني؟ من أين نبدأ وأين نتوقف؟ وهل للرثاء من قيمة سوى مواساة الروح المكلومة؟  في حضور غيابه الطاغي يبدو الرثاء فعلاً أنانياً بحق، مجرد محاولة يائسة للهروب من ألمٍ لا يطاق.

ثلاثة أشهر على اعتقال عمر من منزله من قبل قوات الأمن السوري. ثلاثة أشهر أمضاها أكثر الرجال تفاؤلاً بمستقبل سوريا الحرة في زنازين المخابرات الجوية الصماء. في كل يوم كنا نفتقد ابتسامتك التي لم تفارقك قط، وفي كل يوم كنا نفكر بحبة الضغط التي لا تفارقك أيضاً، هل كنت تتناولها أم لا؟

كيف أمضيت هذه الشهور، قبل أن تنتقل إلى سجن عدرا المركزي، ليخطفك الموت منا هناك؟ لم يعد بإمكاننا أن نعرف. سيُطوى هذا مع رحيلك، كما ستُطوى أحاديثنا التي لم تكتمل حول العدالة الاجتماعية والفلسفة والاقتصاد والأدب. أشياء أخرى كثيرة ستبقى معنا إلى جانب روحك الطيبة، هناك ذكريات اللقاءات الدافئة في دمشق، وكتب مستعارة لم نردها لك، وجعبة لا تنضب من الحكايات. سيبقى معنا أيضاً إيمانك الراسخ بقدرة السوريين على النهوض وبناء دولتهم الجديدة، أنت الذي اختبرت تقلبات الحياة، ولم تبخل علينا نحن الشباب المغرور والمندفع، بتشاركٍ سخي لمعارفك المتنوعة.

في منتصف عقده السادس، كان عمر الأكثر حيوية في مطالعة أحداث الثورة وفي الانخراط في أي جهدٍ من شأنه الإسهام في النهوض بالدولة المقبلة ومؤسساتها. كان من أوائل من تكلم عن أهمية التعليم البديل وضرورة وضع حلول لانقطاع التلاميذ القسري عن مدارسهم، وكان أول من تكلم عن أهمية إنشاء مجالس محلية كخطوة مفصلية لتقدم الثورة. كم كنتَ مُتبصراً وأميناً لكونك مثقفا يا عمر! وكم أشعر بالخجل عندما أستذكر أحاديثك الحماسية في ذلك المقهى الدمشقي وكيف قابلناها مراراً بالإحباط نحن الشباب في أوائل عقدنا الثالث! هو الذي قضى سنوات طويلة يعمل خارج سوريا، قرر أنه باقٍ في دمشق حتى يشهد تتويجها بالحرية، رفض المغادرة هو الذي لم يشكو أبداً من ندرة فرص العمل المغرية في الخارج. أكان حدساً يا عمر أنك ستقضي في مدينتك الأثيرة شهيداً؟ كم هو مبكر ومفجع رحيلك. وكم يشبهك هذا الرحيل! أنت يا من عملت بدأبٍ وصمت، لن تكون حاضراً لتقطف ثمار عملك النبيل. ألم تفعل ذلك مراراً؟ أكان من الضروري تكرار هذا مرة أخرى؟

عندما بلغني رحيلك، خشيتُ التحدث مع عمر وعدي، تكلمنا باقتضاب شديد، كي لا نفضح انكسارنا برحيلك. من سيتحمل الآن نزقنا وقلة حيلتنا في عوالم الفلسفة؟ استرجعتُ رسائلك ومقالاتك القديمة، ونقاشاتك مع عبد الحي السيّد وتعليق ياسين الحاج صالح على النقاش. استعدتُ كلمات عباس بيضون بعد اعتقالك بأيام، أوصانا بأن نلاحقك وأن نعرف أين اقتادوك؟ وحذرنا من مغبة فقدانك هناك؟ أي نبوءة تراجيدية لعباس هذه؟ وأي ذنب سيلاحقنا مدى العمر لأننا لم نفعل شيء لنساعدك، ولم نعرف ماذا حل بك هناك؟

لو تعود يا عمر فأبوح لك بأني مازلت لا أفهم تعقيباتك على كتابات مايكل هاردت وأنطونيو نيغري، ستبتسم كعادتك مُتفهماً. لو تعود لأعترف لك أني في ذلك اليوم في حي الميدان، عندما فشلت كل محاولاتي لثنيك عن القدوم، وكانت قطعان الأمن والشبيحة تحوم وهي  تستعر غضباً، لم أكن أحميك بالادعاء أنك أبي كما قلتُ لك يومها، كنتُ فقط خائفاً كطفل عديم الحيلة، كنت أستمد الثبات منك. لو تعود يا عمر فنكمل المشوار معاً وتبث فينا الحكمة والعزيمة… نعلم أن لا رثاء يليق بك إلا الحرية الكاملة.

لكن… لو تعود يا عمر.

المدن

شمعة لذكرى عمر عزيز
مسعود يونس *
آخر مرة تخابرت فيها مع صديق العمر عمر عزيز على الهاتف، كان متفائلاً بالمستقبل في سورية وسعيداً بعمله في إسعاف المنكوبين وفي تنظيم مجالس محلية في القرى والبلدات في ريف دمشق من أجل هذه الغاية. أجبته بأنني متفائل أيضاً بالمستقبل، لكن كي تكتمل فرحتنا أنتظر أن نكون سوية في الاحتفال بالغد الموعود. وطلبت منه للمرة بعد الألف أن يأتي لزيارتي في بيروت ونتكلم طويلاً ووجهاً لوجه في شؤون الدنيا وشجونها. رفض طلبي، وكان جوابه المقتضب: أنا إذا كنت قد غُيِّبْتُ في ذلك اليوم فأضيئوا شمعة لذكراي.
بعـــد أيام قليلة اعتقلت الاستخبارات الجوية عمـــر في منزله بالمزة واقتادته إلى أقبية التعذيب في أحد مراكزها المجهولة. ثلاثة أشهر انقضت من دون أن يعرف أحد عنه أي خبر، نقل بعدها إلى سجن عفرا، ولم تمض أيام إلا جاءنا الخبر بأنـــه مات في مستشــــفى حرستا بسبب مضاعفات قلبيـــــة. كان ذلك يوم عيد ميلاده الرابع والستين. مات عمر وبقيت الشمعة، على ما أوصانا.
في الحرب الأهلية التي خضنا غمارها في لبنان، لم أخف يوماً من الموت، لكنني كنت أرتعد من فكرة التعذيب، وكنت كلما اضطررت إلى المـــرور على حاجز مشكوك في سلوكه أحتاط، كي لا أقع في الأسر وأنا حي، وكنت أقول في سرّي: بعد أن أموت فليتصرفوا بجثماني كما يشاؤون.
غاب عمر في يوم عيد ميلاده. أنا لا أعرف كيف مات، قالوا إنها مضاعفات قلبية، هكذا وصلنا الخبر. عمر كان مترعاً بحب الحياة، وهو السيد، الذي كان يرى أنها تستحق أن يخاطِر بها من أجل أن يكسبها… لكن غيابه كان إعصاراً اجتاحنا ليرمينا في عمق اللجة، إعصار على قسوته قبلناه، فالموت حق، كما يقول بليغ الكلام.
أما ما لست بالقدرة على تحمله، فتلك الأيام التي قضاها في أقبية التعذيب قبل رحيله. لا نعرف التفاصيل، وربما غداً أو بعد غد سوف نعرف، لكن أن يُحشر هذا السيد مع ثلاثة وثمانين معتقلاً في غرفة مساحتها أربعة أمتار بأربعة أمتار، كما قيل لنا، فهذا عنوان الرسالة، كما يقال، ولا شك في أن الباقي أعظم…
لا يوجد مثقف في الدنيا، إلا المأجور والمرتزق، يمكن أن يبقى مكتوف اليدين أمام هذه المقتلة التي تجري في بلاده. وعمر الصادق الصدوق، ما إن بدأ الحراكُ الشعبي في سورية حتى حزم أمتعته وترك عمله الذي كان يعيل به عائلته في السعودية، ورجع إلى الوطن كي يكون شاهداً على عذابات شعبه. لم يكن يملك غير لسانه وقلمه، لا ثروة ولا حزب ولا عشيرة أو طائفة. ربما ذاكرة تاريخية لعائلة تألقت في مسار حركة التحرر والتنوير، هذا كان كل ما يملك. مثقف حداثي متابع بجد لمجريات الفكر في هذا العصر. كان صدقه وتواضعه يَحُولان دون أن يعتلي برجه العاجي كـ«وجيه ثقافة». هذا الرجل جاء إلى وطنه في زمن النزوح عنه، نزوح المثقفين وغير المثقفين، كي يعمل مع الناس البسطاء من أجل مقاومة الموت والخراب، من أجل استعادة الكرامة المهانة والانتفاض على الإذلال الممنهج، كي يشهد ويعمل من أجل جموع الشعب السوري في الأرياف وأحياء المدن الفقيرة، المهمشين منهم والمضطهدين والمحاصرين بأدوات الإرهاب والقمع. فاجأته الثورة في سورية كما فاجأتنا كلنا، كان يقول لي في زمن الربيع العربي إن الحراك في سورية سوف يبدأ بعد سنتين، لكنه انطلق بعد شهرين، مخالفاً توقعاته، فحمل أمتعته ورجع إلى سورية.
عمر عزيز لم يقاتل، فهو لا علاقة له بالسلاح والعسكر، وهو ابن أواسط الستينات، من سكان حي المزة، الذي يضم العائلات المرموقة، ليس له أواصر علاقات بهؤلاء الشباب الذين كانوا يتظاهرون في محيطهم وبين أقربائهم وجيرانهم في الأرياف والضواحي، كما أنه لم يختر أن يترك سورية، كما فعل كثيرون من زملائه، بعد أن اشتدت وطأة القتال والحصار كي يكتب مدونات في التنظير حول ما يجب أن يكون وألا يكون في سورية.
كان عمر يعمل للحاضر ويتطلع إلى المستقبل. للحاضر أطلق فكرة المجالس المحلية، طرح مشروعه من أجل تبنيه على كل من لهم تأثير في مسار الحراك الشعبي. الحراك الشعبي كان يركز فقط على التظاهر والسلاح، من دون الالتفات إلى الحياة اليومية للمواطنين الذين يعانون ويلات الحرب، الجرحى وعائلات القتلى والمعتقلين ومن تهدمت بيوتهم وفقدوا أعمالهم، فكل ذي شأن كان عليه ان يحل مشكلته على قدر إمكاناته. ولتخفيف الشقاء والبؤس والتشرد، كان من المهم خلق هيئات مدنية تعنى قدر المستطاع بالتعاضد الاجتماعي وتقديم المساعدة. هذه الهيئات عمل على تكوينها مع الشباب في ريف دمشق بعد أن كان أطلق الصيحة لتعميمها على كل سورية، غير أنه كافح طويلاً في وجه مصاعب وعقبات، منها اعتماد الفكرة ولكن بعد تشويهها، ومنها عدم الاكتراث واللامبالاة، باعتبار أنها ليست من الأولويات، تلك التي تقتصر على التظاهر والقتال. نجح عمر في إيصال فكرته بعد طول أناة، والآن نسمع بانتخابات تجري هنا وهناك، الانتخابات التي تجري منذ عقود بحرية تحقيقاً لهذه الفكرة.
هذا عن الحاضر، أما للمستقبل، فكان عمر يحـضــّر دراسات من أجل المصالحة وإعمار الدمار الذي أوقعته الحرب، والخراب الذي أحدثته عقود من سياسات ما قبل الحرب. ويخطط لبرامج مركز أبحاث يضم المتخصصين من أجل هذه الغاية.
مات عمر في مطلع الربيع، هذا الطائر المحلق من دون سرب، سوى سرب شعبه الفقير والمقهور والمهمش. مات، لكن الخلاص آت لا محالة، رغم الدم والدموع وطول المعاناة وقساوتها، في عالم لا يحركه الضمير إنما المصالح الباردة، فما من شعب قدم من التضحيات من أجل حريته وكرامته بقدر ما قدم الشعب السوري في الأزمنة المعاصرة، ولا بد أن يطلع الفجر، ويأتي زمن سورية التي حلم قلب عمر الكبير بها. وسوف تبقى سيرة عمر عزيز حاضرة في ذاكرة شعبه، تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
مات عمر في مطلع الربيع، وليس عندي ما أهديه إليه إلا باقة من الزنبق، زنبق الربيع الأحمر، بلون دمه ودم كل من استشهد من شعبه من أجل سورية الأبية والحرة.
في بداية الحراك الشعبي وعلى تخوم جامع الأمويين في دمشق، هتف الشارع: «الشعب السوري ما بينذل». اليوم وبعد كل هذه التضحيات، أثبت شعب عمر عزيز انه لن «ينذل».

* كاتب لبناني.
الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...