الرئيسية / صفحات سورية / بناء السياسة بدلالة مركز خارجي/ محمد سيد رصاص

بناء السياسة بدلالة مركز خارجي/ محمد سيد رصاص

 

 

في الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979 كان الحزب الشيوعي العراقي من أكثر الأحزاب الشيوعية حماساً في تأييد ما فعله الكرملين في كابول. عندما شكّل الحاكم الأميركي بول بريمر للعراق المحتل عام 2003 ما سمي بـ«مجلس الحكم» كان أمين عام الحزب الشيوعي العراقي أحد الأعضاء في ذلك المجلس.

كان الشيوعيون العراقيون نموذجاً في الحالتين لانتقال الكثير من الشيوعيين العرب، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، من مركب الكرملين إلى مركب البيت الأبيض. لم يكتف أمين عام الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد البياتي، وهو الذي كان خليفة عزيز محمد (عام 1993) الذي أيد السوفيات في غزوهم لأفغانستان، بذلك، بل كان مؤيداً وقابلاً لاحتلال بلاده من قبل الأميركي قبل أن يختار مقعداً خلفياً في باص الاحتلال الذي احتاج إلى غطاء محلي كان الشيوعيون، مع القوى الاسلامية الشيعية والحزب الاسلامي (الفرع العراقي لجماعة الاخوان المسلمين) وحزبي البرزاني والطالباني، من المتحمسين لتقديمه إلى المحتل الأميركي. لم يكتف حميد البياتي ببناء السياسة بدلالة مركز خارجي جديد، وهو كان قد فعل هذا منذ التحالف مع المتعاون العراقي مع الأميركيين وأجهزتهم، أي أحمد الجلبي (منذ النصف الأول من التسعينيات)، بل كان أيضاً في دور المتعاون مع المحتل مثل الماريشال بيتان مع المحتل الألماني لفرنسا ومثل سعد حداد وأنطوان لحد مع الاسرائيلي المحتل لجنوب لبنان.

هنا، لم يختلف البياتي عن سلفه: دشّن عزيز محمد تسلمه دفة قيادة الحزب الشيوعي العراقي عام 1964 عبر تبني وثيقة فرضها السوفيات على القيادة الشيوعية العراقية المجتمعة في براغ سميت بـ«وثيقة آب»، فيها خط جديد لحزب خارج من صدام دام مع العروبيين، من الناصريين والبعثيين وحركة القوميين العرب بدءاً من أحداث الموصل في آذار 1959 وصولاً إلى المجزرة التي ارتكبها البعثيون ضد آلاف الشيوعيين العراقيين عقب استيلائهم على السلطة عبر انقلاب 8 شباط 1963. فرض الكرملين تلك الوثيقة بعد زيارة خروتشوف للقاهرة في أيار 1964، التي تدعو لملاقاة حكم العروبيين في بغداد، بزعامة عبد السلام عارف المقرب من الرئيس عبد الناصر، من قبل الشيوعيين العراقيين على غرار ما فعل الشيوعيون المصريون الذين خرجوا من السجون إثر تلك الزيارة وقاموا بحل حزبهم من أجل الذوبان في «الاتحاد الاشتراكي».

كانت تلك الوثيقة سبباً لاضطراب داخلي تنظيمي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، كانت ذروته انشقاق «جماعة القيادة المركزية» في أيلول 1967، قبل أن يفرض الكرملين ثانية على الشيوعيين العراقيين ملاقاة الحكم الثاني للبعث بعد انقلاب 17-30 تموز 1968 في جبهة أُعلنت عام 1973 كانت مثل «الجبهة الوطنية التقدمية» التي ضغط السوفيات أيضاً على الشيوعيين السوريين عام 1972 للدخول فيها. ذلك كان بمثابة كأس الانتحار للحزبين الشيوعيين في بغداد ودمشق، فيما كانت «وثيقة آب» كأساً غير مميت ولكن مؤدٍّ إلى الاعتلال والفرقة.

صحيح أن الحزب الشيوعي العراقي لم يغير اسمه ولم يتخلَّ لفظياً وشكلياً عن الماركسية إلا أنه كان نموذجياً في إعطاء مثال لطريقة ونهج بناء السياسة على مركز خارجي جديد هو ليس فقط بديلاً من الكرملين بل هو البيت الأبيض، منافسه القديم.

كان الكثير من الشيوعيين العرب في تحولاتهم الإيديولوجية – السياسية في حالة انتقال من المركز السوفياتي القديم إلى المركز الجديد الذي راهنوا واستندوا عليه في بناء «الليبرالية الجديدة».

الأخيرة كانت بمثابة الرداء الجديد لهم في مراهناتهم على الدبابة الأميركية المحتلة لبغداد، لكي تكون في مهمتها المعلنة لـ«إعادة صياغة الشرق الأوسط» انطلاقاً من «البوابة البغدادية»، و«كاسحة» للأنظمة القائمة من أجل «الوصول لنظام ديموقراطي».

هذه النزعة لا تقتصر على الشيوعيين العرب: بعد صدامهم مع الرئيس عبد الناصر عام 1954 راهن «الاخوان المسلمون»، منذ بدء الخلاف السعودي – المصري عام 1957، على مركز خارجي استندوا إليه ضد الرئيس المصري، وهو الرياض. استند «الاخوان» في صدامهم مع السلطة السورية أثناء أحداث حزيران 1979 – شباط 1982 على مركز «بغداد – عمان» كجدار استناد، وفي تفسير آخر انطلقت عملية رسم السياسة بدلالته. أيضاً نجد هذه النزعة عند أقرب الأحزاب الاسلامية الشيعية للنموذج الإخواني، أي «حزب الدعوة» في العراق، لما مد خيوطاً مع شاه ايران ضد سلطة بغداد في الستينيات والسبعينيات ثم الخميني بعد وصوله إلى السلطة عام 1979 كجدار استنادي ضد صدام حسين في نزعة اختلط فيها العداء العنيف للسلطة القائمة في بغداد مع تبني «حزب الدعوة» لمبدأ «ولاية الفقيه». من أجل الدقة، في هذه الحالات الثلاث الأخيرة إذا استثنينا حالة «حزب الدعوة» مع الخميني، فإن الاستناد لمركز خارجي ولو كان يؤدي لبناء السياسات معه، وليس بدلالته كما في حالة عزيز محمد مع خروتشوف وبريجنيف، إلا أنه كان أقرب للضرورة وللمنفعة والحاجة السياسية ولم تكن عملية تختلط فيها «العقيدة» مع «السياسة»، وبالتالي لم تكن عملية بناء السياسة تتم بدلالة المركز الخارجي بل العملية مقتصرة على نوع من التنافع المتبادل، مثلما جرى في أفغانستان 1979-1989 بين واشنطن و«الاسلام الجهادي» قبل أن يجرى الطلاق في التسعينيات ثم يحصل الصدام في 11 سبتمبر 2001. كانت وضعية «الاخوان المسلمين» السوريين مع أردوغان عام 2011 أقرب لحالة الشيوعيين العراقيين مع الكرملين من قربها لحالتهم مع صدام حسين والملك حسين في فترة 1979-1982، وعلى الأرجح كان أردوغان يفكر تجاه رياض الشقفة آنذاك بطريقة تفكير طهران نفسها تجاه «حزب الدعوة» و«المجلس الأعلى للثورة الاسلامية» و«فيلق بدر» في فترة 2002 – 2003.

في هذه المرحلة الراهنة، هناك بعض اليساريين، من «الممانعين» أو من بعض المستمرين بماركسيتهم، من الذين ينظرون إلى بوتين وكأنه استمرار للينين وستالين وبريجنيف، وإلى الكرملين الحالي وكأنه استمرار لكرملين المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي. بغض النظر عن تكسر أوهام هذه النظرات في «فيينا1 و2» وفي القرار 2254 من حيث تجسيد هذه المحطات الثلاث لمدى التوافق الروسي – الأميركي، فإن تلك النظرات تعبّر عن نوستالجيا قديمة إلى «ماض معين»، وعن استمرار لنزعة قديمة لا يستطيع أصحابها حتى الآن الشفاء من نزعة بناء السياسة بدلالة مركز خارجي.

* كاتب سوري

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...