الرئيسية / صفحات الثقافة / بينما أُنزّهُ مخاوِفي من شاطئ إلى آخر/ ناثانيال تارن

بينما أُنزّهُ مخاوِفي من شاطئ إلى آخر/ ناثانيال تارن

 

 

هوامش إضافية من باها كاليفورنيا:

أناشيد الأرض

 

وضيءٌ

سفح سان بينيتوس،

قممٌ ثلاثٌ في المدى

فوق الموج المتكسّر،

أصابع البحر الرمادية،

أصابع البحر الزرقاء،

في تشابكها،

هالةٌ من نارٍ

وضيئةٌ/ وضيئة

وصبار/ براميل خشبية/ ثمار الأغاف

بساطةُ

أرضٍ تتبسّمُ

في نهارٍ من أيام هذه السنة

يمكنني أن أتشرّبَ الحياةَ

في تضاعيف هذا المجاز

الذي هو جسدي-

الضوء، الهواء، النار،

تحت مقعدي تبدو الأرضُ

مثل كرسيّ عرش،

وثمة مطرٌ كيميائي

أحالَ الصحراءَ ذهباً

وأنا مليكها

.

.

فراشات فتّانة

سيّدات فتيّات متبرّجات

كأنما بسرعة البرقِ، جريئةً

لمحتهنّ العين

زهرة الثلج:

أقحوان ممشوق

يفوق في أناقته عارضاتِ الأزياء،

وريقاتُ سكَّرٍ

قد تُصدرُ الصرير لو مرَّرْتَها بين أسنانك،

زهرة ثلج وافدة

تأتي “باها”

فتستوطن الجزرَ

وتتزوج الصخور.

ها هي

تأتلِقُ

في المطر الآتي كنعمة

بين زهيراتِ الشمس

والسيداتِ المتبرِّجات،

سكرى بالضوء والهواء

كالعذارى المسحورات

.

.

“لم يقيض لك أن تسمعها،

لم تعِ

هذه النُّعمى.

لستَ هناك فتسمع.

لو حدثَ

وعشتَ هذا النهار، لبدا كلُّ مكانٍ أَلِفْتَه

بعيداً عن هذه الشمس

موضِعَ حيتانٍ تستصرخُ

من مستنقعات ضحلة شاسعة”

.

.

في النهاية أُضيعُ نظارتيّ

في سان مارتن-

اسم ربِّ الأنعامِ

في مسقط رأسي-

نظارتيّ اللتين طالما أضعتُهما

ثم عثرتُ عليهما من جديد في أمكنة أخرى

في غضون ما لا يقلّ عن أصيافٍ ثلاثة.

لكنني، مهما يكن الحال،

أستطيع الرؤية بعيني حوت،

وعُقابٍ وفأر حقل

وتخذلني الحواس البشرية،

أشتمُّ رائحة آدمية

فأُوليها ظهريَ

صوبَ العالم المنتفِجِ

خارجَ خطّ رؤيتنا.

آخرُ الإرث:

دُوريُّ السافانا

الذي أتذكر أني وصفتُه

بطائر عصيّ على الوصف

تلتبس رؤيته مثل جوهرة

ويُلقي في أذني،

(لحظة يمسّ جناحه أهدابي)،

سلسلةَ لآلئٍ متلاشية الصوت.

“فجأةً

نسيَ أني كنتُ على قيد الحياة

وتحدث عنّي في حضوري

وكأني في عِداد الأموات.

يقرأ طالِعي

وينبئني بالخسارة.

بعيداً عمّا

تكسَّر على الصخرِ من موجٍ

عبْره مضى الحوتُ مُفكِّكاً الليلَ وفْقَ نهجٍ

أنكرَ كلَّ احتمالات النهار،

مصطفياً القريدسَ شبيهَ النجمة

بعظام فكّيه الطويلة كما الأبراج.

هي شظايا معركة. أيّ معركة”

“الفوالِقُ التي جلْتُها

في قاع البحر

بقدمين متشبّثتين بالرمال،

ويدين

مُهتاجتين غير مصدِّقتين

على امتداد الحَيْدِ الصخريّ،

وعينين مترعتين بزهر الصبّار

وزهر الضّرعاء –

حلماتِ الرّبّةِ

الشائكةِ اليومَ،

تنتعشُ الخياشيم بعطر

يسْتَلُّه ضوءُ الشمس

من نخيلٍ جزيل السّعف،

وضفافٍ مترفة بالأشجار المورقة

على الحدّ الفاصل ما بين الرمل والماء.

تحت القدمين،

الحصى قاسٍ

عديمُ الرحمة كنبيٍّ يموت.

آه، قد يأتي الموتُ الآن

مقْلةَ العين

ويُعيد هاتين القدمين

إلى أرصفتهما المذهّبة!

على الممشى الرمليّ الأمامي

ثمة الأسوار الهائلة للموج المتكسّر

الفسيحة كذراعيها-

ذراعيِّ مَنْ وَلَدَتِ البحرَ بكائناته

ومن بينها الحيتان العابثة في الدماغ

تستكنِه تلافيفَه

وتنفذ إلى أثيرِ السّجيّة الصافية:

حيث تسترُ بأجنحتها نهدَ الأمّ،

وباذخَ عريها”

“أسىً آخر.

هزيمةٌ جديدة.

موتٌ آخر.

البحرُ في الخارج،

والموج القصيّ

يزفرُ بكلِّ الأصوات.

بغتةً، أتعرّفُ إلى نقاء قصائدي

التي لم أشهدْ أفراحها من قبلُ.

سأعيش معها كزوج وزوجة

ولتكنِ المنيَّةُ وحدها الخليلةَ.

وسواها،

ليس من منزلٍ آخر”.

 

■ ■ ■

 

يوميات بحيرة سان إغناسيو

 

معمارٌ مهولٌ

ارتفع في السماءِ

أبراجاً وقصوراً

منها ترنو أعينهم،

قاطنو النجومِ

المقيمون في الأعالي

كما يقيمون في الأسفل

يشِيْدون في الهواء

وفي عمق البحرِ

مجازَهم في حياتنا-

انزلاقةً يسيرةً

مثل حلم

إذ لا يدركُ الرجالُ أن شيئاً

بالِغَ الجبروتِ واليسْر في نفس الآن

يستحيل أن يكون إلا حلماً

في عالمٍ كهذا العالم.

أنفاسُ حيتانٍ

حولنا آناءَ الليلِ

وبالتمامِ، ما وراء الأضواء،

أطياف نوارس

تتبعُ السفينة

التي تلُوْح وكأنها تتنفس

غير أنها لا تمخر

في الجنباتِ اللا تُسبَر أغوارُها

للمحيط الهادي العظيم

.

.

تنهض من الصحراءِ الجبالُ

في المدى فوق “باها”

تنهض الحيتان من البحر

تنهض الجبالُ من البحر

تنهض الحيتانُ من الصحراء

الحيتان تبزُّ في طولِها الجبالَ

.

.

يقولون، حدَثَ مرةً أنِ اندفَنَ

رجُلٌ داخلَ حوت،

وجدَ سريراً ومائدةً هناك في العمق

وبعض إفطار،

وجد منضدةً ومكتبة

فنالَ مزيدَ المعارِف

(يقولون إن الحوتَ كاهنٌ شامان).

أُجْليَ من المدينة البشرية

ومضى إلى بحر الحيتان

مكتسياً بكلّ ما استجمعَه

عبر السنين من أثواب القبرِ

المكلَّلة بعِقْدِ الفيروز

وعِقْدِ اليَشْمِ

وخرزة وحيدة من البِرْذَون-

مترعاً جسدُه بالريح الطيّبة،

اندفنَ داخلَ الحوت

وكتَبَ، في موتِه، التراتيلَ المروعة

التي لم ترشح بأوهى ألمٍ منه،

أو تُسحَب غصباً مِن فمه

عبْرَ أسنانه

لمّا يزلْ وقعُها طيَّ وجدانه

.

.

يمسُّ بشرةَ الماء

إذ ينساب عكسَ الماء

زلّة زمن وئيدة

ويومضُ الجلد الأسود كهيكل

(يسمونه “الأشهب”)

موشّى بالفروع،

اللمسة الخيالية

التي كان بوسع الرجال أن يلمسوها عبر القرون

(بدل المجزرة)

رغم أنهم أهرقوا ردحاً طويلاً

لبلوغ الشطآن

لبلوغ البحر

لبلوغ الجبال.

.

.

يا طيور أميركا

نحن على موعد معكِ جميعاً

في “باها” ذات السماء العذبة الزرقاء

التي وَخَطَها لونُ الرماد والرمل،

يأتي نداؤكِ من الجنوب،

من الشمال،

من فوق وتحت خطّ أسرابك المهاجرة،

فلتحطّي هنا، على أرض الصحراء،

حيث تلملم حبيبتي الأصدافَ،

أصدافاً من نوع واحد

أصداف هضبة فينوس،

تشكّلُها في الخارج بطريقة

تواجه الريحَ

كأنها تخطُّ كتاباً

لتقرأه الطيورُ.

تنصرف إلى الأمرِ الصباحَ بطولِه

بهدوء، كأيّ شغّيل،

بينما أُنزّهُ مخاوِفي

من شاطئ إلى آخر

مُهدِّئاً من رَوعها لمرأى الطيور.

في النهاية،

تضعُ ثلاثاً من أرياش البجع

عند رأس التشكيل

إلى جهة جبال سانتا كلارا.

أولُ مَدٍّ قادم

سيُعيدُ تلك الصلاة

إلى البحر

.

.

تقلّباتُ أحوال الحياة البحرية.

لَغْوِيَ قاصرٌ

أحتاج لأن أفقدَ رأسي أو قدميّ

وسماؤه واطئة للغاية

وعليَّ أن أتلاءمَ معها

مثل عملة العشرة سنتات في فتحة آلة البيع الذاتي.

إذا دخلتَ القمرةَ

اكسرْ ظهريَ،

وإذا دخلتُ، أكسر ظهرَك.

لكلٍّ منّا مرفقان مثخنان بالرضوض.

لا مكان تقعد فيه فتقرأ،

والمصابيح معطلة.

يفيض الماء في الحوض.

أما كيف بحق الجحيم أتينا هذا المكان

فذلك يعود لتقدير سيركِ حيواناتٍ ما

.

.

ضوء مبهِر

جبال باهتة، كثبان باهتة

غيوم باهتة في سماء زرقاء باهتة

قبّعة لامتناهية من الضوء فوق الجميع،

يُخرج البحرُ الحسرات

تحت القارب الصغير،

قلبه

مَطويٌّ بين صفحات البحر-

من الأعماق تصعدُ

في رذاذٍ مموسق

قوساً مقنطراً على الحوت

فقراته

تلتمع من خلال الجلد

ترسم دائرة حول

مسار القارب، يقولون،

مرَّ فوق رأسه شطرا الذيل سريعَين

حتى إنه بالكاد لمحهما

(رغم أنهما كانا أوسع من سقف بيته)

لكنه أحسَّ بانثناء

شعر رأسه الذي كانت الريح قد أوقفته من قبل.

وبدوره صعدَ القلبُ

الذي، في خشيته،

ربطَ البحرُ نفسه مسبقاً بأسراره

.

.

غابة من الحيتان،

وأرْزُ لبنان

بجذوره الضاربة في البحر

يتناوشان،

يتطلعان إلى الأسفل في وقت اللهو

على العالم البشري.

غابة رؤوس

تحدبُ على النبيّ

في تابوته المطاطي،

ممدداً بكل ما لديه من جواهر

تطوّق رقبته،

لا تزال أنفاسُ الحياة

في روحه المنفلتة

هي الغشاوة الأكثر رهافة

بين غمام الرذاذ

المتصاعد من الحيتان المبحرة،

ولسوف تميّز تلك الغشاوة

.

.

تتهاوى حيواتُنا،

بيوتُ الماء،

لحظةَ ينزلق الحوت

خارجاً من الماء

لامعاً ومكتملاً

دون أن يكمن ثمة مؤثِّر

وراء لياقته المطلقة

عبر ثمانية ملايين عام

وكلّ رحلة في البحر كما التي سبقتها.

تاريخنا الأخرق

سيلفظ أنفاسه الأخيرة

في سماء تتسع حتى لا حوافَّ لها.

 

* Nathaniel Tarn شاعر وأنثروبولوجي، ولد في باريس (1928) لأسرة أصولها من رومانيا وليتوانيا، وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1970 ودرّس الأنثروبولوجيا والأدب في عدة جامعات، من بينها: “كلية الدراسات الشرقية والأفريقية” و”برينستون” و”يال”. نشر أكثر من ثلاثين كتاباً شعرياً، من بينها : “همجي عجوز/مدينة فتيّة” (1964)، و”عند أقاصي بابل” (1968)، و”بيت الأوراق” (1976)، و”ثلاث رسائل من المدينة” (2001).

** ترجمة أحمد م. أحمد

ناثانيال تارن: شريد الأنثروبولوجيا/ سابينا حنا

كتب ناثانيال تارن (1928) مرة أنه “جاء إلى الشعر متأخراً”، وهي جملة أسيء فهمها، وكثيراً ما سئل عنها في مقابلاته. وهو يقول في حديث مع مجلة Boundary 2 (خريف 1975)، إن علاقته بالشعر بدأت منذ سنوات الطفولة، غير أنه قصد بقدومه المتأخر إلى الشعر: الالتزام، أي “الكتابة المنتظمة والنسقية والمستمرة”، إذ إن هذه الأخيرة لم تحصل إلا بعد الثلاثين.

ويعزو تارن ذلك إلى انشغاله وانغماسه “المتهوّر” في الأنثروبولوجيا، وسفراته المطولة لأغراض إثنوغرافية، كما يقول. ويضيف في مقابلة حديثة له مع مجلة Fact-Simile (العدد 10، 2014) أنه استفاد كثيراً من عمله الأكاديمي في كتاباته اللاحقة، ولم ينظر للشعر كمهنة، “الشعر حياة، الحياة”، وهو بذلك قد “يستفيد من المهن التي قد يزاولها الشاعر”، ويستطرد بأنه غير نادم على هذا “الدخول المتأخر”.

غير بعيد عن هذا الموضوع، يعرّج تارن في نفس الحوار الأخير، على ندمه الدائم الذي لا يخلو من طرافة-جدّية، إذ يقول “لدي مكتبة من 25000 كتاب، أحتاج إلى 500 عام على الأقل كي أقرأ جزءًاً منها، وهذا أمر يسبب لي اكتئاباً مزمناً”، ويضيف: “حينما كنت صغيراً وشاباً، كنت أجلس أرضاً وأنتحب كلما دخلت مكتبة ولم أكن أملك ثمن كتاب ما. لطالما وافقت ملاحظة والتر بنيامين: كل كتاب يضاف إلى مكتبة، هو كتاب تم إنقاذه من البربرية… ندمي الوحيد حول “الحياة الأخرى” هو أن لا مكتبات هناك”.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصيدة لبابلو نيرودا

    أستطيع كتابة الأبيات الأكثر حزناً هذا المساء أكتب مثلا: “هذة الليلة مليئة بالنجوم، ...