الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سوسن جميل حسن / بين الديستوبيا واليوتوبيا السورية/ سوسن جميل حسن

بين الديستوبيا واليوتوبيا السورية/ سوسن جميل حسن

 

 

كانت الندوة الثانية التي شاركت فيها أثناء معرض تونس الدولي للكتاب لهذا العام عن الرواية والحرب، وما أكثر ما انشغل الأدب عمومًا بالحرب، والرواية تحديدًا، ويمكن القول إن الرواية العربية تكاد تكون تيمة الحرب شاغلها الأساسي أو الغالب، منذ نهاية النصف الأول للقرن الماضي، وذلك بفعل التحولات الكبيرة والحروب التي جرت في المنطقة العربية من حروب الاستقلال التي اشتعلت في مجمل الدول العربية التي كانت واقعة تحت الاحتلالات أو الانتدابات،حتى العدوان الثلاثي فحرب حزيران/ يونيو 1967 التي انبثق منها أدب أطلق عليه أدب النكسة أو أدب الهزيمة، فحرب أكتوبر ثم حرب اليمن فالحرب العراقية الإيرانية، ثم غزو الكويت من قبل النظام العراقي، بعده حرب الخليج الثانية ثم غزو العراق من قبل قوات التحالف والاحتلال الأميركي للعراق. من دون أن ننسى الحرب الأهلية اللبنانية والعشر السوداء في الجزائر، مع البؤرة المركزية التي تبقى شاغلاً حاضرًا للأدب وهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن الحروب التي تشهدها المنطقة منذ بداية ما سمي بالربيع العربي، هي حروب غير نمطية بالتالي من البديهي أن يكون التفاعل بينها وبين الرواية مختلفًا عن رواية الحرب في الفترات السابقة.

أما بالنسبة لسورية التي شهدت وما زالت تشهد حربًا من أشرس حروب التاريخ فإن سؤال الكتابة مربك وشديد التعقيد، مثلما هي الحرب مربكة وشديدة التعقيد والتداخل باعتبارها حربًا داخلية وخارجية، تطاول البنى المجتمعية والنفسية والثقافية كما تطاول الإنسان كفرد بما تحدثه من فتن وتأجيج واشتغال على عوامل التفرقة والعنصرية والطائفية والمذهبية، فتخلخل المرتكزات التي تبنى عليها الشخصية.

الجغرافيا بلا تاريخ لا تمنح وطناً، كذلك المكان لا يعني بالنسبة إلى الإنسان بقعة جغرافية تتكون من عناصر طبيعية، بل هي الحاضن الرئيس لنشاطه الإنساني، هي علاقاته مع الآخرين، ماضيه وذاكرته وحاضره وصورة المستقبل لديه، فكيف وكل هذا يدمّر؟ عندما يتكلم الراوي عن مدينته، أو أي مدينة، فهو يعيد خلقها وبناءها من جديد معتمدًا على لبنات من الواقع، ومقتطفات منه يعيد تشكيلها من جديد في عالم متخيل ينشد من خلاله صورة مفادها أن هناك خيارات أخرى لعالم أكثر رحمة وأكثر إنسانية، فكيف سيتكلم الراوي السوري عن مدينته وأماكنه من تحت ركام الحجر والذاكرة؟ كيف يصمد أمام القتل والعنف والخسارات المتلاحقة؟ يقال: “إن أدب المدينة الفاسدة أو “ديستوبيا” أو عالم الواقع المرير هو مجتمع خيالي، فاسد أو مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما. وقد تعني الديستوبيا مجتمعًا غير فاضل تسوده الفوضى، فهو عالم وهمي يفتقد إلى الخير، يحكمه الشر المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته يتحوّل فيه المجتمع إلى مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضاً. وعادة روايات الديستوبيا تسلط الضوء على القضايا الموجودة في العالم الواقعي المتعلقة بالمجتمع والبيئة والسياسة والدين وعلم النفس والقيم الروحية أو التكنولوجيا التي قد تصبح الحاضر في المستقبل، أي إنها روايات خيال أو نبوءة مستقبلية، كما في رواية جورج أورويل 1984، والعديد من الروايات العربية التي تصور بعض الأوطان والمجتمعات مستقبلاً، وذلك انطلاقًا من اليأس والإحباط اللذين كانا نتيجة الهزائم المتلاحقة التي منيت بها الأمة العربية وكانت أكثرها تأثيرًا هزيمة 1967، التي نجم عنها عدد كبير من الروايات، توج هذا الشعور العارم بالهزيمة والانكسار احتكار السلطات من قبل أنظمة ديكتاتورية صادرت الفكر والحريات وحاصرت الإبداع، ودفعت بالمجتمعات إلى مستنقعات الركود والأزمات، وعملت على إفساد الحياة.

كيف ستكون الرواية المكتوبة من رحم واقع ديستوبي بامتياز كما الواقع السوري اليوم؟ هل يمكن القول برواية تستدعي اليوتوبيا السورية المنشودة؟ كيف لإنسان يعيش تحت رحمة التدمير والتفكيك الدائمين، على صوت القذائف والطيران، تحت رحمة التهديد باللقمة والمأوى والماء والمستقبل، يلعب بمشاعره وإدراكه تضليل إعلامي فائق المكر والدهاء، كيف له أن يتأمل ويستثمر خياله في تصور هذه المدن أو الأوطان المنشودة بينما يحاصره الخوف والقلق والموت متعدد الأشكال؟ قبل هذه الحرب المتغولة بوحشية رهيبة لم يستطع الروائي السوري رسم ملامح وطن يوتوبي بالرغم من المحاولات الصادقة في كثير منها، وبرغم الأثمان التي دفعها في وجه الاستبداد المتربص به من سياسي وديني واجتماعي، لقد كانت الصفة الغالبة على منتجه الإبداعي هي روح الهزيمة التي تشل عن ابتكار صور مشرقة، وكان لرواية الديستوبيا حضور راسخ لأن الإحباط والخيبة كانا يستشريان في الوجدان الفردي والجمعي ضمن واقع لم يكن فيه ما يُبنى عليه من واحات الأمل.

الحرب التي تستعر في سورية لا تشبه حربًا أخرى، حرب نسفت كل المفاهيم، حطمت كل المنظومات، حرب خلطت الأوراق ودفعت بالسوري إلى متاهات الأسئلة المنغلقة العصية على استقراء الإجابات، ألقته في حمى الصراع الوجودي والبحث عن المعنى، زجته في استنقاع المشاعر حتى بات يبحث عن كينونته فلا يجدها ولا يدركها؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تتوارد على البال عندما نقف أمام سؤال الرواية والحرب وتفاعلهما في واقع الحرب السورية، فهل يمكن تحدي واقع ديستوبي وإيقاد جذوة أمل وتفاؤل بعيدًا عن الروح المأزومة والهزيمة المتغلغلة في ثنايا النفوس والقول إنه سوف يكون هناك وعي جديد للذات والآخر والعلاقة بينهما، لجهة شرائح المجتمع السوري فيما بينها أو بين الفرد السوري والآخر الأجنبي؟ وهل سيكون هناك وعي جديد بالهوية والوطن والمواطنة، بالماضي والتراث والموروث، بالدين والمذهب والطوائف، بالعلاقات الإنسانية، بالمدينة والحي، وسيكون هناك أنماط جديدة للشخصيات التي ولدت من رحم هذا الواقع؟ الشخصيات المعطوبة جسديًا ونفسيًا وعصبيًا ومعرفيًا هل سيكون لها قولها وحضورها؟ والجسد بكل صراعاته الثقافية سيكون له حضوره القوي أيضًا، مع أن الواقع يظهر مؤشرات عديدة للتحولات في التعاطي مع مفهوم الجسد. وهل يمكن توقع أن يكون لقضية المرأة مساحة كبيرة، فهي أكثر من تأثر في الحرب وأكثر من دفع إلى أسواق البازارات والمساومة، يعني أنها كانت في حمأة الديستوبيا الواقعية.

لا يمكن التكهن بتوقيت انتهاء الحرب، لكن لا يمكن القول إن الروائيين سيتوقفون عن الكتابة، وعن رفد المدونة الروائية بسرديات كثيرة، بين روايات وشهادات وسير وقصص وغيرها، فالمحنة كبيرة والزلزال يولد هزات ارتدادية دائمة، فهل يمكن توقع قدرة الروائي على صنع الجمال تحت رحمة الحرب والدمار؟ هل يمكن صنع الجمال وقد طاولت الحرب النفوس والضمائر؟ الروائي كائن بشري أيضًا، ومهما استنكرنا انزلاقه أحيانًا إلى مناطق ضعيفة، فلا بد من تبرير ذلك وعدم إخضاعه إلى أقسى العقوبات والإدانة إلا إذا تبين ان مشروعه يصب في خانة تخدم سياسة نظام ما، فهل ستكون الرواية المنسوجة في ظروف الحرب حاملة لقيم الجمال التي تخص هذا الجنس الأدبي؟ أم إن الأعمال العظيمة مؤجلة إلى ما بعد الخراب، مرهونة لما تدونه الذاكرة في أرشيفها لتعيد صياغته بنسيج جديد؟ مع التحفظ على ذاكرة تؤرشف على وقع الخراب.

لم يكن الواقع السابق لهذه الحرب أكثر رحمة أو نقاء من الفساد والمفاسد، ولقد كتبت روايات كثيرة من رحم هذا الواقع، تكاد تكون ممهورة بالديستوبيا في غالبيتها. فبالرغم من الأثمان التي دفعت لقاء مقاومة الاستبداد وما نجم عنه من استنقاع للفكر والمخيلة والإبداع، وما ترك هذا الاستنقاع من إحباط ويأس وقنوط وهزيمة، لم يستطع الروائيون بناء يوتوبيا خاصة بشعوبنا وأوطاننا، فهل يمكن انتظار هذه اليوتوبيا والواقع أكثر مرارة في لحظتنا الراهنة؟

أسئلة مفتوحة يدفعنا واقع الحرب إلى طرحها، ربما الإجابات تأتي لاحقًا، لكن الأسئلة دائما لها الحاضر.

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...