بين المواطن و البندقية، عدسه!

 


شيرين الحايك

لقد حوّل الإعلام العربيّ القضية الفلسطينية سابقا ً إلى صور ٍ مستهلكه، صور جثث، أطفال متشردة و أمهات ٍ ثكلى بالدمّ، و في جميع الحالات المذكورة كان للصور الخمسة أو العشرة الأولى القدرة على التأثير بالرأي العام و إيصال الفكرة الحقيقية عن الذي يجري، و كلّ ذلك بعدها لم يكن سوى إستهلاك ٍ أعمى للمشاعر، مشاعر أولئك الذين يتمّ تصويرهم و مشاعرنا نحن ُ المتلقين لتلك الصور؛ لا يكفي أن تمتلك محطه أخباريّة أو صحيفة ورقيّة كي تكون منارة إعلاميّة.
لعبت القنوات العربية و العالمية دورا ً في نقل، أو ربما صحّ القول، انتشار الخبر و الفيديو من سوريا إلى أرجاء أخرى من العالم، حيث ُ قد لا يكون ضمن البرنامج اليومي للمواطن العاديّ متابعه ما يجري في مدينة صغيرة ضمن بلد ٍ صغير ٍ يقع ُ على الشاطئ الغربي ّ لآسيا على البحر المتوسط، في حدوده من الشمال لواء اسكندرون – المقتطع (؟!) – ، و من الشرق العراق – المحتل (؟!) ، من الجنوب الجولان – المحتلّ (!!). في عصر إعلام المواطن كان َ للمواطن الدور الأوّل و الأوحد في نقل الأحداث التي تجري على الأرض في تلك البقعه من الكون، المواطن الصحفي وحده ُ من يصل ُ الموت بوجوه العابرين في الشوارع في أيّ مكان ٍ في العالم، هو من يواجه الموت، هو من يواجه آليات القتل بعدسة ِ كاميرة تعادل ُ حجم إظفره ِ كان يستخدمها عاده ً لتصوير اللقطات السريعه لأفراد عائلته، أصدقائه، أحبته، قطّه تصارع ُ كيسا ً في الشارع أو مشاجرة ٍ بين إثنين في الحيّ. هو ليس َ بالضرورة إحترافيّا ً، و قد لا يهمّه ُ تاريخ التصوير و مكان طباعة أوّل صورة في العالم، يسخر ُ من عناوين الصحف الرنانة بالخطّ الأحمر العريض على واجهات المحلّات متحدّثا ً بلهجة المدرك للحقيقة معلّقا ً بأنه يجب على الصحيفة أن تفعل كذا و كذا و على هذه القضية السياسية أن تهتم ّ بكذا و كذا موجدا ً حلول لأكثر مشاكل العالم تعقيدا ً و هو يشرب ُ الشاي َ مع الأصدقاء بعد الغداء. المواطن الصحفيّ السوريّ الذي يشتري الجرائد مرّة ٍ واحدة ً في السنة فقط، في موسم الشنكليش، كان َ الممرّ الوحيد للثورة إلى العالم، خطّ الوصل الوحيد الذي يمرّ عبر َ كلّ ذلك القمع الإعلامي الذي يمارسه ُ النظام السوري، كلّ تلك الفوضى السياسية التي يصنعها النظام، يعبر ُ تلك الأكاذيب و يصل ُ إلى شاشات الكومبيوترات الصغيرة مبتسما ً ساخرا ً كمن نجا من الغرق بإبتلاع قرش ٍ !؟

بهذه اللامنطقية بدأت الصور و الفيديوهات الأولى للثورة السورية بالإنتشار على الإنترنت و منه ُ على شاشات التلفزة، صور عشوائيّة تحاول أن تلتقط َ مشهدا ً واحدا ً يبيّن ُ الحقيقة، نادرا ً ما تستطيع أن تميّز بين َ إرتجاجها و إرتجاج صورة طفل ٍ أو إصابة رجل. صور تسابق الرصاص و هي تركض ُ مرتجفه ً يـُسمع بين َ ما تلتقطه ُ من ضجّة ٍ، صوت أنفاس من يحملها، ينتهي بعضها إلى السواد و الهدوء و من ثمّ صيحات تنادي الإسعاف إثر إصابة المصوّر أو هتافات أخرى بالتكبير لإستشهاده. كثيرا ً ما ذكرتني تلك الصور و الفيديوهات بالصوت المخنوق الذي يحاول ُ الصراخ عالياً؛ لا يسمع ُ سوى أنينهُ و بعض الضوضاء. و ما كان َ، و زالَ، يزيد ُ من خنقة الخناق َ هو تلك الصور الكاذبة التي تخرج ُ لتمدّ لسانها بوجه الحقيقة التي يموت ُ البعض ُ محاولا ً نقلها.

 قال َ لي أحد الأصدقاء في ألمانيا أنّه ُ لا يستطيع تصديق الكثير من الصور التي تنتشر على أنها في سوريا اليوم، لأنّه ُ كثيرا ً ما فوجئ بأنه يتمّ المتاجره بمشاعره الإنسانيّة عندما يعيد نشر إحدى الصور مرارا ً و من ثمّ يكتشف أنها ليست في سوريا، الصورة ستبقى مؤلمه لكنّ القضية السورية ستفقد مصداقيتها، قال َ بلهجة ٍ معاتبة.

و في الحديث عن إعلام المعارضة السياسيّة قد يصحّ القول، حدّث و لا حرج من إعلام اللاإعلام الذي تتبعه ُ المعارضة السورية بشكل عام، أو إعلام “كل مين إيده إله” الذي تمارسه شخصيات المجلس الوطني – على سبيل المثال و الحصر – و الذي يعتبر الممثل السياسي للثورة السورية التي سبقته ُ بأشواط ٍ على معظم الأصعدة، أوّلها الإعلاميّ.

أمـّا بعض القنوات الفضائيّة الإخبارية أدخلت قضيّة الثورة السورية و محاولة بعض المواطنين الصحفيين بإيصال الحقيقة حتّى الرمق الأخير، ضمن َ أجنداتها و إستطاعت، بنسبة مشاهداتها المرتفعه، أن تؤثر سلبا ً بإعلام الثورة السورية و الضرب بحقيقتها. إحدى هذه القنوات تتخصص بنقل الأحداث في سوريا على أنها حرب مسلّحة ضدّ نظام مسلّح فألتقي بصديق ٍ عربيّ يتابعها ليسألني بأوّل ما يسألني، هل فعلا ً هناك َ ثورة في سوريا، أم أنها حرب عصابات؟ و كيف َ يمكن لها أن تكون ثورة و هي مسلحة بهذا السلاح و ملتحية ً بتلك اللحى و تنادي بالأسلمة بأعلى لافتاتها. يسقط ُ، سهواً، عن هذه القناه و بشكل ٍ دائم، أيّ خبر ٍ لأيّ حراك ٍ مدنيّ يحدث ُ في سوريا، كما يسقط، سهوا ً أيضاً، عنها تغطيه العديد من المناطق الثائرة عدا تلك التي تشهد ُ حشدا ً أكبر من غيرها للسلاح.

بالعودة للحديث عن إستهلاك الصورة و الخبر، استقليت ُ قطار الأنفاق في ألمانيا منذ ُ أيّام ٍ و بينما كنت ُ أنتظر وصول القطار لفتت نظري الشاشة الكبيرة التي وضعت في أعلى إحدى الزوايا في المحطه، شاشة تلفاز تنقل الأخبار عن الدوري الرياضي لكأس أوربا 2012، أخبار الطقس، و بعض الأخبار المحليّة و منها إلى العالميّة. إستوقفني المشهد الخاص بالنشرة العالميّة عندما مرّ بصور جثث مجزرة ٍ في سوريا، مجزرة دوما على ما أعتقد، كانت صور الجثث تمرّ على الشاشه و صوت المعلّق يضيع ُ في ازدحام المحطه. نظرت ُ إلى الناس، نظرت ُ في وجوههم، و في عيونهم، و بدا لي المشهد و كأنني أهوي في الفراغ و الجميع يتزاحم ُ محاولة المرور من حولي، صوت الأحذية تتسارع للحاق ِ بالقطار و نباح كلب صغير ٍ يهاجم ُ الأضواء القادمه من العتمه، قـُبل العشّاق السريعه التي تسابق ُ سرعه القطار. توقف القطار، و حدث َ كلّ شيء بسرعه ٍ كبيرة، صعد َ من صعد و نزل َ من نزل َ و ذهب َ من ذهب َ و جلس َ من جلس َ.

 صحوت ُ من حفرتي عندما إنتهت نشرة الأخبار العالميّة، و بدأت الشاشة الصغيرة تلك تعرض الإعلانات …

تعليق واحد

  1. الاخت شيرين يسلموا ايديكي عالمقال اولا. يلي ذلك القول: بأن الانسان يجعل دائما عواطفه تأخذ المبادرة قبل العقل, السنة الماضية حين كنت اردد هذا الكلام كان من الصعب على الاصدقاء استيعابه, ولو نشرته على صفحة مماثلة لصفحتكم لتم تخويني, والان ارى مقال كهذا على صفحتكم شيء متأخر لكنه يبقى جميل. اتمنى ان لا نسمح لأحد باستغلال عواطفنا فان اردنا ان نقول كلمة حق بوجه ظالم فلنقلها قبل ان نشاهد تقريرا للجزيرة, واذا قالت لي الجزيرة ان قلب الخليج على سوريا سأقول لهم لم تمنع الامارات دخول السوريين? لما لا تفتح السعودية وقطر ابوابها في وجه اللاجئين السوريين,?لما لا يساعد من يدعي الدفاع الاسلام مسلمي اسيا المضطهدين?? لما تحتفظ السعوديه ببن علي وتدافع عن مبارك الخ… لنمنع اي غريب من التدخل بأمورنا ولو بكلمة

أضف رد على Bassel إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...