تأبيد الألم

 


اسكندر حبش

كثيرا ما نتساءل عن دور الأدب في المجتمع المعاصر، وعمّا إذا كان بإمكانه التغيير. ربما، لا ينجح كثيرا بذلك، فالأزمنة تغيرت بدون شك، لكنه، وبالرغم من كلّ شيء، يبقى وسيلة وأداة حقيقية لمعرفة «التاريخ الفعلي» بطريقة مغايرة (إذا جاز القول) عمّا تعرض له بلد وشعب بأسره.

بمعنى آخر، لو أردنا فعلا أن نعرف ماذا جرى في روسيا القرن التاسع عشر، فهل يجب علينا العودة إلى كتب التاريخ، أم يجب أن نقرأ «الحرب والسلم» لتولستوي؟ ولو أردنا أن نقع فعلا على انزياحات الثورة البلشفية وما فعلته بالروس من قمع وإذلال، هل نعود إلى النظريات التاريخية أم يكفينا أن نقرأ «الدكتور زيفاغو» لبوريس باسترناك أو «يوم في حياة إيفان دينوسوفيتش» لسولجنتسين؟

الشواهد عديدة، على هذا الأدب الذي يعرف كيف يعيد صوغ اللحظة الراهنة بكل ما تحمله من تحولات: عتيق رحيمي وخالد الحسيني (أفغانستان)، «أطفال منتصف الليل» لسلمان رشدي (باكستان)، «النمر الأبيض» لأرافيند أديغا (الهند) و.. تطول اللائحة بالطبع.

ما أريد منه من كلّ هذه المقدمة طرح سؤال بسيط: هل قرأنا مثلا أدبا ليبيا كان يبشر بهذا الرعب الذي يحدث اليوم والذي يقوده الزعيم الليبي؟ بالتأكيد، لا يجب قراءة ما كتبه العقيد عن «انتحار رائد الفضاء» (ولا «زبيبة والملك» لشريكه في القتل، الزعيم العراقي السابق، إذ ما أردنا أن نعرف شيئا عن بغداد البعث)، بل أن نعود إلى رواية هشام مطر «في بلاد الرجال» (التي صدرت ترجمتها العربية منذ سنوات عن «دار المنى» في السويد) الذي يقدم فيها هذه الصورة لطفل نشأ في ليبيا السبعينيات في ظل «القائد»، حيث ان أباه، المعارض للحكم، اختفى في الزنازين، ولم يعد يعرف عنه أي شيء.

رواية لا تشذ في أيّ صفحة منها عن كتابة هذه التراجيديا الأشبه بالمأساة الإغريقية، حيث كل كلمة تشير إلى مناخات الموت القذافي الذي شاع، بينما كان يتنقل و«يسحر» العالم بأزيائه الملونة.

بالتأكيد، ليس القذافي الوحيد في ذلك كله، بل غالبية زعماء هذا العالم العربي، لم يفعلوا إلا تأبيد الألـم بطريقة لا مناص منها. ألم، يدفع الجـميع، اليوم، إلى النزول إلى الشارع، وإحالة الربيع الذي نشتهيه، ربيعا أسود. لا أعرف لمَ حين وصلت إلى هذه الكلمة، تذكرت مطلع ما كتبه هنري ميلر في «ربيع أسود» (ترجمة أســامة منزلجي): «أن تولد في الشارع يعنى أن تهيم على وجهك طوال حيـاتك، أن تكون حراً. يعنى المصادفة والطارئ، الدراما، والحركة. وقبل كلّ شيء، يعنى الحلم، تناغم من الحقائق المتنافرة يضفى على هيامك يقيناً من ميتافيزيقيا. في الشارع تتعلم حقيقة البشر، وإلا، أو بعد ذلك، تخترعهم. إن ما لا يوجد في عراء الشارع هو زائف، مستنبط..»

ربما، لا حلم لنا اليوم سوى بالشارع.

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...