تبـــــاً


عباس بيضون

لا أتوخى للبنان أن يلتحق بالربيع العربي: لقد ظل عقوداً طويلة تصميمه الأولي الوحيد بروفا التحديث ونموذج المعاصرة. ظل عقوداً كثيرة مكروهاً لأنه قالب التغريب ومثل السنوبية. كان أيضاً مكروهاً لأنه مكشوف لا يملك التمويه الوطني ولا التمويه القومي ويتصدّع لكل هزة قومية أو وطنية. مع الربيع العربي لم ينتظر أحد منه شيئاً وحين حاول بعض شبان أن ينقلوا ما يجري خارجا بالحرف بدت المحاولة سخيفة تنقصها المخيلة، مع انها في بلد موهبته التقليد وله تاريخ في إشعال الحرائق. لم يكن تجاوز الانقسام ممكناً بهذه الوسيلة وبالطبع أكل الانقسام المحاولة وامتصها. كانت المسيرة المضادة للطائفية قادرة على أن تتعثر بأصغر مزلق طائفي ولم يكن التقليد كافياً. لقد احتاج إلى شيء من أصالة ليست متوفرة على الإطلاق. لم تنفعنا هذه المرة موهبتنا العريقة، لم تكن مسألة تزوير قنينة عطر أو زجاجة ويسكي أو حتى قصيدة اليوتيه أو لوحة لبيكاسو. في هذه كنا نجحنا في إخفاء الأثر وقدرنا على إنتاج شيء أشبه بالأصلي. لكن تقليد التظاهرات ليس بذات البساطة. تنقصنا الروح وينقصنا العزم وتنقصنا المرونة. نسخ تظاهرة ولو في نسخة دقيقة سيبدو هزلياً ان نقصته تلك الروح. لم تنقصنا الخيم ولا اليافطات لكن نقصنا الهدف، رفعنا شعار إسقاط النظام الطائفي وكان علينا أن نبعد من دربنا كثيراً من الأعشاب الضارة، كثيراً من التأويلات المريبة، كثيراً من الانحيازات الجانبية، ليكون هذا الشعار في محله. الانقسام الطائفي مموه بما يكفي من الشعارات الوطنية والديموقراطية لكي يختفي أثره، للطائفية بنى فوقية غائمة ومضللة لكن الانقسام يبقى نفسه، وفي القاعدة ينجح الجميع في التقاط الشعار الذي يخصهم طائفياً ولا يحتارون لحظة واحدة، انها لعبة أيديولوجية تنتهي بأن لا تبقى لعبة والى ان ينكشف الكنه الطائفي تحت ركام الشعارات. الآن لا نملك بطاقة للالتحاق بالربيع العربي، لا نملك استعداداً أو طاقة أو مادة حقيقية. انقسامنا جدي ومشرش ومتأرث ولا قدرة لنا على أن نقفز فوقه. هكذا يفوتنا بدون شك هذا الربيع مع اننا لعقود طويلة كنا الوحيدين الذين نملك حق إطلاقه ونشره، لعقود عديدة كنا الوحيدين الذين نملك البروفا والقالب والتصميم الأولي. الآن سنكون الوحيدين الذين يستحيل عليهم، ولأسباب جدية جداً في الغالب، الانخراط فيه، سنكون الوحيدين الذين ليس لهم ربيع.

سنكون الوحيدين المحرومين منه والذين لا يملكون حقاً فيه، الذين حين يباشرونه فعلى محمل التقليد، والذين حينئذ لن يصدقوا أنفسهم ولن يصدقهم أحد. نحن الذين طالما تباهينا بأننا الأقرب إلى العصر، اننا نكلم العالم الحديث بلغاته الحية واننا نملك بدون شك كل سلوك المتحضرين وكل علاقاتهم بالمكان والزمان. طالما تباهينا بأننا الأوائل الذين مارسنا الديموقراطية، الأوائل الذين عرفوا انتخابات صحيحة بأصوات صحيحة. الأوائل الذين يعيشون في ظل دولة ليس لها دين معين بل لها كل الأديان وتخدم بالتالي كل الأديان وكل الطوائف وترغم اللبناني على أن يمتثل لكل الأديان والطوائف وعلى أن لا يخالف من بين الـ18 طائفة وشيعة أي طائفة أو أي شيعة، بل عليه كل صباح أن يرفع قبعته احتراماً للجميع. نحن الأوائل الذين بعنا العالم واشترينا ديموقراطية، نحن الأوائل الذين بعنا واشترينا تعدداً. نحن الأوائل الذين بعنا واشترينا مواطنة، يحرموننا من الربيع ويعيدون قبلنا وحين تنفجر الثورة الديموقراطية لا نجد لنا مكاناً فيها ولا يستقبلنا أحد، وحين نحاول نبدو أقرب إلى الهزل، وتبدو حركتنا أقرب إلى التهريج، ولا يفوت أحد الانتباه إلى أننا فقط نزوّر وان ما نقوم به لا نملك له أساساً ولا استعداداً ولا إمكانية. فالآن سنبدو أمام أنفسنا وأمام العالم أقل الناس استعداداً للديمقراطية، أقل الناس أهلية للدولة، أقل الناس إمكاناً للمجتمع وللمواطنة، أقل الناس حظاً من ذهنية التعدد والحوار والاعتراف بالآخر. عندئذ سنكمل للمرة التي لا عدد لها الكلام عن الحوار. وللمرة التي لا عدد لها يمكننا أن نفهم ان ليس لنا حق في الحوار ما دمنا جميعاً نجلس وقد قتلنا الآخر في داخلنا، وكفرناه وأبلسناه في قراراتنا. يمكننا أن نفهم عندئذ أن لا سياسة لنا سوى الحرب الأهلية نخوضها بالسلاح فإذا لم نستطع فبعنف من نوع آخر وأسلحة من نوع آخر. قد يغدو الكلام عندئذ سلاحاً وقد يكون له كالرصاص أن يصيب في مقتل وأن يردي وأن يذبح. ما هم ما دام يسجل رأيه وفكرته وهويته. وما دام يقتل بالرمز ويقتل في الفكر ويقتل في اللغة. عندئذ ستكون اللغة مقبرة ويكون الكلام توابيت وأسلحة. عندئذ لن نتكلم إلا مع أنفسنا، انها مونولوغات شيزوفرينيين يقتلون ما في داخلهم وما في خارجهم ويتوحدون مع أنفسهم ولن تكون الحداثة والديموقراطية والتعدد عندئذ إلا أحجاراً وصخوراً تدفننا وتمويهات نختفي تحتها، وأكاذيب نرميها على أنفسنا، وحيلاً تنتهي بأن تغدو أساطير ومعابد أو تنتهي بأن تغدو أحجاراً في الداخل، أحجاراً في الرؤوس وفي القلوب وفي النفوس.

تباً إذن. تباً للنخب التي تبيع وتشتري وتتاجر وتقامر وتكذب وتخادع وتنخدع بذات اللغة. تباً للقادة الذين يهدوننا كل يوم متحجرات ومحنطات ومبيدات عقل ووعي وأساطير جديدة. وصكوكاً بعقولنا ومداركنا ومسميات جديدة لعماواتنا وتهاويمنا وعقدنا. تباً للشعب الذي لا يشبع من التقاسم والتناحر والتعارك ويعمى ويتعامى ويجهل ويتجاهل كل يوم. تباً للديموقراطية التي بعناها واشترينا بها التعايش الذي سممناه، والتعدد الذي يتحول إلى تجزئة بلا حدود. تباً لنا جميعاً. ما أرخصنا على أنفسنا، ما أرخصنا على قادتنا. ما أرخصنا على نخبنا، ما أرخصنا على شعاراتنا وعلى هتافاتنا. ما أرخصنا على يافطاتنا. ما أرخصنا على تهريجنا وابتذالاتنا. على دارجنا ومتحجراتنا. تباً.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...