الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / تجربة الإسلاميين التونسيين في السجون..كتابة الذات بلسان الجماعة/ شكري المبخوت

تجربة الإسلاميين التونسيين في السجون..كتابة الذات بلسان الجماعة/ شكري المبخوت

 

 

 

لا يبدو لنا مصطلح أدب السجون مناسبًا من نواحٍ شتّى. إذ تدرج فيه كتابات تخييليّة وأخرى تجمع بين التأريخيّ وشيء من التخييليّ الذي تقتضيه قواعد الكتابة. فالمتأمّل في هذه الكتابات المهرّبة من السجون أو التي تستعيد محنها ومعاناة الناس فيها في ضرب من التذكّر، لا يسعه بداهة إلاّ أن يدرجها في باب الكتابة عن الذات التي تستعيد أجزاء من مسارات أفراد وقطعا من حياة شخصيّة. لهذا نراها مكوّنا من مكوّنات المجال السيرذاتيّ الواسع الذي يجمع بين البعد المرجعيّ التوثيقيّ والوجه الأدبيّ التخييليّ. فهو من ناحية لون من الشهادة على عذابات من عاش السجن وهو إلى ذلك اختبار لقدرة الكتابة على قول الذات في سياق مخصوص من ناحية أخرى.

ويندرج كتاب عبد الحميد الجلاصيّ “السرقة اللّذيذة، قراءات مهرّبة حول التجربة السجنيّة للإسلاميّين، تونس 1991 – 2002″ (منشورات سوتيميديا، تونس، سبتمبر 2017) في هذا السياق وإن لم يدّع صاحبه أنّه من باب الأدب.  بيد أنّ في هذا الكتاب تشكيلة من الخطابات تستدعي التوقّف لفهم مظاهر من خصائص الكتابة لدى من عانوا السجون.

جمهرة من الخطابات

وأوّل ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب استناده إلى بنية الرسالة. فلجميع فصوله فواتح تمثّل بدايات الرسائل ولخواتمه سمات الرسائل أيضا. لكنّ هذه البنية الرسائليّة خادعة. فالمؤلّف في ثنايا كتابه يتحدّث عن تقارير مهرّبة من السجن من قبيل التقرير المعنون بـ”التجاوزات والانتهاكات في سجن الهوارب”. ونجد ما يقترب من التقرير في ما أسماه المؤلّف “ورقة نقديّة” حول الوظيفة الإصلاحيّة في السجون. لكنّه يقترب أحيانا ممّا سلّمنا به في أوّل كلامنا حين استعمل مصطلح “شهادة” أو عبارة “خواطر”.

فالمفيد أنّنا أمام تعدّد في تجنيس الكتاب محيّر سببه المؤلّف نفسه. وقد اختار عبارة “قراءات” في العنوان الفرعيّ من الكتاب. والقراءة تحتمل كما هو معلوم صيغا قوليّة مختلفة لأنّها تقوم على الفهم الشخصيّ ولا تعتمد المراجع بالضرورة. وهو أنسب لهذه النصوص  التي كتبت تحت ضغط السجن فضاء وقيودا وحالة نفسيّة. وبالفعل نجد الجلاصي في هذا الكتاب يقدّم خلاصة آرائه من داخل السجن عن تجربة الإسلاميّين وواقع السجن نفسه.

وممّا يستوقف قوله في الفصل قبل الأخير من الكتاب: “ليس المقصود تدوين مذكّرات خاصّة يكون محورها الفرد في علاقته بمحيطه الحميم (الرفاق) والمحيط المخاصم (الإدارة) والمحيط المترجرج بين التعاطف والعداء (مساجين الحقّ العامّ) وفيما راوده من أفكار وهواجس وأحلام وإنّما تسليط نظرة شخصيّة على الملحمة التي صغنا فصولها ومراحلها وبكلّ ما نملك من إرادة وعزيمة وصمود وبعرقنا ودموعنا ودمائنا” (ص 107). وفي هذا مربط الفرس الأوّل.

إنّ هذه الرغبة عن الحديث الشخصيّ والإفضاء بما في النفس تدفعنا إلى مراجعة أطراف التخاطب في الرسائل نفسها. فحين ننظر فيها لا نجد إسرارا ولا حديثا ذاتيّا إذ يلغي كاتب هذه الرسائل صوته ويبتلع لسانه الفرديّ ليستعير لسان الجماعة فينطق باسمها. وقد بلغ به الأمر إلى حدّ الإحالة على نفسه أحيانا بالاسم الكامل بدل استعمال ضمير التكلّم، فهو يحدّث زوجته عن الإضرابات التي دخل فيها مساجين الإسلاميّين فيقول: “كما أنّ الأخ عبد الحميد الجلاصي (صاحب الرسالة) أضرب أسبوعا كاملا” (ص 32).

إنّها مفارقة عجيبة بها يستحيل الفرد في سجنه ذاتا تنكر ذاتها لتقول ما يريد الجهاز التنظيميّ والبنية العقائديّة قوله. والرابط بين هذا الفرد والجماعة إنّما هو مفهوم “التكليف الشرعيّ” كما ورد في الكتاب. “فالتكليف الشرعيّ للإنسان لا يسقط وإنّما يتكيّف حسب الأوضاع” (ص 17).

لقد دفعت الصفة القياديّة لعبد الحميد الجلاصي في السجن وخارجه إلى أن يفكّر في مسؤوليّته الأخلاقيّة بإزاء ما آل إليه الآلاف من أتباع الحركة وأبنائها من معاناة فرديّة واجتماعيّة حين حاصرتهم شبكة نظام بن عليّ لتلقي بهم في السجون. فهل هو نوع من نكران الذات أو من الاعتذار أم وراءه أمر آخر أشدّ خفاء؟

فمن المثير المدهش في هذا الكتاب اعتراف الجلاصي بأنّ فكرة “التنظيم لم تمت أبدا لدى الكيان النهضويّ في السجن (…) وقد تجسّدها هنا مجرّد ورقة تطوف من يد إلى يد ومن غرفة إلى أخرى” (ص 18).

وهذان الجانبان العقائديّ والتنظيميّ هما اللّذان يحدّدان المرسل إليه. فظاهر الرسائل يوحي بأنّ المخاطَب هو الزوجة أو الأخ رغم انّه يعرف أنّ مجرّد تفطّن السلطة إليه سيسبّب مشاكل أمنيّة وألوانا من الاضطهاد والتنكيل. وفي هذا بعض ما يفسّر لنا حرص المؤلّف على سرقاته اللّذيذة وحرصه على أن يخفي المرسلُ إليه الظاهرُ في أديم النصّ هذه المسروقات – الرسائل. فقد كان يفكّر وهو في نفق السجن المظلم في “الاستفادة منها يوما” مثلما جاء في إحدى رسائله.

أمّا المرسل إليه الحقيقيّ زمن الكتابة فهو مبهم. إنّه المستقبل! كائن متعال عن فرديّته وذات تعبّر عن كائن جماعيّ عقائديّ وتنظيميّ.

وهذه المفارقة بين مقام الكتابة المغرق في دواعي الإحباط والاستسلام وبين التفاؤل الأسطوريّ بعودة الطائر السجين لهو مادّة للتأمّل والكتابة لم نر الجلاصي قد استغلّها تخييليّا أدبيّا ولا تنظيريّا مفهوميّا رغم أهمّيّتها وطرافتها. لكنّ فهم الدواعي إلى هذا الإهمال هو مربط الفرس الثاني في هذا الكتاب.

عن غياب الذات الفرد

لقد كانت رسائل الجلاصي المهرّبة من السجن تصويرا لهذا المجتمع المصغّر وأساليب التنكيل بالبشر فيه والعلاقة المركّبة بين السجين والسجّان ووضعيّة الكرّ والفرّ بينهما ووسائل المقاومة وأدوات المعركة وغيرها من الخصائص التي تلفت انتباه من لم يعرف عالم السجون. إنّه عالم مصنوع ممّا يمكن للإنسان أن يختزنه من قدرة على الشرّ والانحطاط وممّا لدى الكائن البشريّ الهشّ من قدرة على الصمود وجعل الضعف نفسه سلاحا في إضرابات الجوع والصمود اثناء التعذيب الوحشيّ.

ولئن ذهب الجلاصي إلى أنّ كتابته هذه ضرب من تحرير جزء من الذات (ص 18)  ومن إثباتها (ص 19) ونوع من المقاومة وامتحان الذاكرة بعيدا عن الشكوى والتظلّم (ص 24) فإنّ هذه الجوانب الذاتيّة سرعان ما تضمحلّ مثلما اضمحلّت في مجرّد الإشارة والتلميح المادّة الدراميّة التي تتضمّنها الوضعيّات الإنسانيّة التي ذكرها. فأنا المتكلّم سرعان ما تذوب في نون الجمع إيذانا بأنّها لا تخرج من إسار ما هو أكبر وأعلى وأشمل من الفرد: أي الحركة وجهازها التنظيميّ والعقائديّ.

إنّ مشروع الكتاب كلّه اتّجه نحو تذويب الغنائيّ والدرامي في الملحميّ الذي أسماه “ملحمة مقاومة الإسلاميّين في سجون بن عليّ” (ص 107). ولهذه الملحمة صفتان أساسيّتان هما الصفة الإسلاميّة والصفة السياسيّة وكلتاهما تمثّل عنده خطّا أحمر. لذلك صار ينطق بلسانهما ويخوض غمار حياته بهما ولهما. يقول: “عشنا بعقليّة الفاتحين. نحلم بتغيير العالم: ننشر الرحمة ونحقّق كلّ يوم مكاسب وفجأة نجد هذه المكاسب تتهاوى واحدا بعد آخر ونحاصر في بيوتنا ويفتكّ منّا حتّى أطفالنا”. لكنّ هذه التراجيديا نفسها سرعان ما تنقلب في قلم المؤلّف ملحمة للصمود والانبعاث من الرماد.

ورغم أنّ هذه الكتابات قد جاهد صاحبها لتدوينها وهو سجين وسرّبها من السجن فإنّنا نلمس بوضوح هذا التعالي عن الجرح الفرديّ وعن الذات الموجوعة ليبني المؤلّف هويّة للجماعة أساسها تأمّل جرح الجماعة نفسه. فبدا في أعطاف النصّ نقد محتشم للمجموعة، منه أنّ قيادات كثيرة لا تطالع ولم تترسّخ عندها عادة القراءة. ولا نجد منهم من كتب شيئا تنظيريّا ذا بال عدا بعض التحليلات السريعة.

ولكنّ أهمّ نقد هو ما تشعر به الحركة من “غياب الكتابات الإبداعيّة التي يمكن أن تسجّل وتخلّد العشريّة الماضية بكلّ ما فيها” (ص 49). ولئن أرجع الجلاصي الأمر إلى التسويف وصعوبات الحياة فإنّ المسألة في تقديرنا تعود إلى ما هو أعمق. وهنا مربط الفرس الثالث.

فالكتابة الإبداعيّة تقتضي حضور الذات الكاتبة والإيمان بالفرد المبدع. فهل تعترف التنظيمات الحزبيّة والعقائديّة التي تمارس السياسة بمنطق رصّ الصفوف في الصلاة بالذات والاختلاف والتعدّد؟ هل بلغ تطوّر عقليّاتنا وذهنيّاتنا فكرة قبول الذات بمعاناتها ومخازيها وعيوبها وتردّداتها؟ أم أنّ مثلنا الأعلى هو الفضيلة والخير والاستقامة نتوهّمه إيديولوجيّا ونريد أن نراه في الأفراد الذين ننتمي معهم إلى جماعتنا؟

إنّنا لم ننزّل الذات الفرد بانكسارتها وتناقضاتها منزلتها على أساس الحريّة الفرديّة. ومادمنا نسقط مفهومنا للفضائل الجماعيّة على الأفراد فإنّ المسالك إلى الإبداع مسدودة. فالفنّ الروائيّ في السير الذاتيّة وغير السير الذاتيّة فنّ للنسبيّة والتعدّد والتردّد والتناقض والتمزّق الداخليّ والحيرة. ومن هذا كلّه يصنع الروائيّ عوالمه المعبّرة عن أغوار الذات وهواجس الفرد. فتكون الرواية بذلك على نقيض الملحمة التي يتحدّث عنها الجلاصي.

إنّ دور اللإبداع أن ينزل تجارب الأفراد من عالم المثل والأوهام الإيديولوجيّة إلى دنيا المعيش الفعليّ فينتقل من طهرانيّة الجماعة إلى المسارات الفرديّة الحقيقيّة. لذلك نعتقد أنّ من سيكتب من الإسلاميّين يوما أدبا حقيقيّا لا إيديولوجيّا سيكفّ آليّا عن أن يكون، بمقتضى فنّ الرواية نفسها، منتميا إلى الجماعة. فقد انتهى عهد الملاحم ودشّنت الرواية عهد الإنسان الناقص.

لقد اختار الجلاصي ربّما بحكم موقعه القيادي في الحركة الإسلاميّة أن يخفي ذاته ومعاناته الفرديّة طيلة سنوات عديدة في السجون التونسيّة ليعبّر عن “ملحمة الجماعة” وإن لم يزعم أنّه يكتب نصّا روائيّا. بيد أنّ هذه الرغبة عن الكتابة الذاتيّة في حدّ ذاتها تستدعي منّا سؤالا أكثر جذريّة: هل نستطيع تحرير الجماعة أجسادا وخيالا ولغة ما لم نتحرّر نحن باعتبارنا أفرادا؟

هذا هو السؤال عندي. وما تبقّى يظلّ شهادة قد تفيد المؤرّخين يوما مّا.

عنوان الكتاب: السرقة اللّذيذة، قراءات مهرّبة حول التجربة السجنيّة للإسلاميّين، تونس 1991 – 2002 المؤلف: عبد الحميد الجلاصيّ

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رؤيا محمد خضير الخضراء/ صبحي حديدي

    «ما يمسك وما لا يمسك: إنشاءات سِيَرية»، منشورات المتوسط، 2017؛ هو الكتاب الرابع ...