الرئيسية / صفحات الرأي / تجربة تملك مستقبلا شرعيا

تجربة تملك مستقبلا شرعيا

 


د.طيب تيزيني

أثار نجاح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية الثالثة بتركيا, اهتماما مختلطا بالدهشة والاعجاب, لكن كذلك تساؤلات دينية وسياسية. واذا بدأنا بردود فعل الشعب التركي »وهو هذا المعني بالدرجة الاولى«, لاحظنا ان هذا الاخير يبدو وكأنه وجد ما كان يبحث عنه في حزب العدالة والتنمية عموما, وفي من يمثله ويقوده بكيفية خاصة. فلقد لاحظ ان حدا من الاستقرار السياسي والاقتصادي تحقق في بلده تركيا; اضافة الى حالة نسبية من التقدم الاقتصادي ومن حلول اولية مقبولة لمسألة العمل وما يقترن بها من حلول مقبولة للقضايا المتعلقة بالازمات الاقتصادية. فهذه هي التي راحت تجتاح العالم منذ بضع سنين خصوصا حين انطلقت ازمة 2008 ، ومنذ بدايات العِقد الاول من القرن الواحد والعشرين بعموم الموقف.

وتأتي الى ذلك, نسبة النجاح العالية, التي حققها مرشحو حزب العدالة, لتسجل نموا ملحوظا لهذا الاخير في اوساط الطبقة الوسطى, كما في قاع الجمهور التركي الواسع, وهذا العامل يمتلك اهمية استراتيجية بالنسبة الى اعادة ترميم المجتمع التركي, اقتصاديا وسياسيا وايديولوجيا, واذا ما دققنا في هذا العامل, لاحظنا كم هو فاعل على صعيد التوازن الاجتماعي والطبقي في المجتمع المذكور.

وحين نضيف الى ذلك كله ما حققه حزب العدالة والتنمية على صعيدي الجيش والقضية الكردية من خطوات ايجابية نسبية مهدّئة, ادركنا كم من الارتياح تحقق لمجمل الاتراك في مسيرتهم العمومية, وادركنا كذلك اهمية الخطوات التي تحققت عن طريق دخول تركيا في الاتحاد الاوروبي, اضافة الى تنامي الدور التركي في المنطقة بعمومها (وهذا يظهر في الحضور التركي المهم ضمن الازمة السورية المتعاظمة راهنا).

بيد اننا – في هذا المقام – نرى انه من الاهمية غير الضئيلة بمكان ان نتحرى المسألة الدينية الاسلامية التي واجهها حزب العدالة والتنمية, بل نقول ان تلك المسألة هي التي واجهت هذا الاخير بكثير من التحدي, الواقع في قلب النشاط والكفاح السياسيين وما اقترن بهما من اسئلة وإشكالات وتحديات إيديولوجية ذات ابعاد دينية, على نحو خاص. في هذه الحال, قد يكون مناسبا او واردا ان نذكر ما قد يمثل نقطة منهجية حاسمة في الدراسات النصية: وهي ان قضية النص الديني »وما يدخل في نطاق النصوص المتحدرة من الحقول المتعلقة بالعلوم او بالنظريات السوسيولوجية والانسانية والجمالية وما يتصل بذلك »انما هي – بدرجة ملحوظة منهجيا ونظريا- قضية من يقرأه, قارئه اي ذلك الذي يبحث عن علاقات تتكون بين الفريقين »وكذلك الامر حين يتصل بقضية التراث مثلا«.

ويترتب على ذلك ان تكون هناك احتمالات لقراءات متعددة لنص واحد, وهذا يفسر نشأة التعددية القرائية في النص الاسلامي وغيره.

في ذلك المعقِد يبرز سؤالان اثنان يغطيان حالتين اثنتين, تقومان بين النص وقارئه, اما السؤال الاول فيتعلق بالصَّلات المعرفية التي يقيمها القارئ بينه وبين النص على المستوى المعرفي- مستواه المعرفي الثقافي الذي حصّله; في حين يتحدد السؤال الثاني بمستوى القارئ المصالحي الايديولوجي.

في ضوء ذلك, يمكن القول بأن حزب العدالة والتنمية التركي قدم قراءته للنص الديني الاسلامي, في ضوء بنية ثقافية هي اقرب الى العقلانية والحداثة والتنوير ضمن اطار سوسيوسياسي يسعى الى حد من العدالة والتقدم.

* سورية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

79 + = 85

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...