الرئيسية / صفحات الثقافة / تحقيق: كيف يعبّر الكتّاب السوريون أدبياً عما يجري في بلادهم؟

تحقيق: كيف يعبّر الكتّاب السوريون أدبياً عما يجري في بلادهم؟


ترك الكتّاب السوريون خندق المواجهة الخلاّقة، ورموا خلفهم أوراق الصمت والغضب، وبقي القلق ونقد الثورة بكل جوانبها قاسماً مشتركاً لهمّهم الكبير: سوريا الجديدة. منهم من وقف يترقب بزوغ فجر الحياة على أراضي البلد الجريح، ومنهم من لعن الكتابة ولم تعد تعنيه يوميات الثورة ونص اللحظة الخاوي من التحليل والعمق الفكري والثقافي المختلف. سقطت كل أشكال الثقافة التي رُسمت تحت وطأة الخوف والرقيب، وأصبح النص السوري في مراحله الأخيرة من التحدي، بأن يكون نص الشارع والسياسة والأدب في آن واحد.

الربيع العربي غيّر نظرة الكاتب السوري في أجناس الخلق والصحافة والفكر، وباتت الكتابة الانفعالية مطبّاً وقع فيه بعض الروائيين والشعراء وحتى أقلام الصحافة. أمام مشهد احتراق بطيء وصادم يعاني منه المجتمع، نسأل: ترى كيف أثّرت الأحداث الراهنة في الكتابة الجديدة شعراً ورواية وقصة، وهل انبثقت حقاً كتابة مختلفة عما مضى من الثقافة السورية؟

 لم يعد هناك موضوعات للكتابة سوى هذه الكمية من الصدمة، والإحباط والفرح المغشوش والحزن المؤكد والغموض الكئيب. الدماء ليست مما يستخدم حبراً للكتابة، وليست صورة القتلى والجرحى ومقطوعي الرؤوس من الصور الشائقة للفن البصري. هكذا يقول لنا الشاعر والروائي عادل محمود، “فإذا حللنا الأزمة السورية فسنجد إنها أكبر نموذج في العالم عن “الاستعصاء” الذي لا يجد حلاً. فلا النظام يسقط بالتظاهرات والقتل، ولا التظاهرات والقتل يعودان إلى البيوت. سوريا سمكة كبيرة بكل المقاييس للصيد الإقليمي والدولي”.

يرى الروائي والصحافي خليل صويلح أن الوقت الكافي لإنضاج التجربة الجديدة في الكتابة لا يزال مبكراً، ولا يظن أن ما يكتب الآن هو وجه النص المختلف، لا سيما أنه وليد الرؤيا الانفعالية: “تحتاج الكتابة الخلاّقة إلى وقت لطهي حدث بمثل هذا الثقل، ذلك أن الوقود القديم للكتابة السورية لم يعد صالحاً لإشعال النار. الكتابة المراوغة والزئبقية والمخادعة التي وسمت النص الأدبي في سوريا، خلال العقود المنصرمة، ستجد نفسها اليوم، في مأزق. فالشارع الهائج يتطلب أدباً مختلفاً وحفريات عميقة  لإماطة اللثام عن نص الخوف وتفكيكه وفقاً لآليات مغايرة. كل نص يركب الموجة الآن، سيتلاشى سريعاً، وخصوصاً أن معظم الكتابات التي نُشرت إلى الآن، تفتقر الى بلاغة اللحظة، باتكائها على مقاصد سياسية في المقام الأول”، مضيفاً: “قرأت يوميات هنا وهناك، لكنني وجدت “بوشاراً” يصلح للفرقعة وحسب. وإذا كانت الكتابات التي تزدحم بها صفحات الـ”فايسبوك” هي الوعاء الجديد للكتابة، فإن خسائر فادحة تنتظر النص الأدبي”.

على الجانب الآخر، تعيد الكاتبة الصحافية سعاد جروس النظر في مواقفها ورؤيتها للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي منذ بداية الثورة في تونس، فتجد أن هذا الانفجار الشعبي للشارع هو نتيجة حتمية لحالة الإحباط والطغيان واليأس التي بنتها الأنظمة العربية في مجتمعاتها: “لا يمكن أي كاتب يعيش في خضم أحداث كبيرة كالتي نعيشها سواء في سوريا أو المنطقة العربية عموما، إلا أن تتأثر كتابته بما يجري، وبالنسبة إليّ مذ انطلقت شرارة بو عزيزي من تونس في اتجاه البلاد العربية، بدأت أعيد النظر في كثير من الأفكار والمواقف، وخصوصاً ما يتعلق بطغيان الإحباط واليأس من استفاقة المجتمعات العربية”.

يرى الأديب والصحافي حسن م. يوسف أن الكتابة الثورية الجديدة قد تُفهم على أنها تحريض من نوع ما: “يخيل إليَّ أن الأحداث قد غيّرت من اشتداد صوتي ككاتب،  صحيح أن الظالم ممتزج بالمظلوم فينا نحن بني البشر، إلا أنني في السابق كنت اصرخ بحرارة في وجه الظلم من دون أن أفكر طويلاً في العواقب، أما الآن فقد صرت أحسبها خشية أن تؤخذ حرارة الكلمات على أنها نوع من التحريض وهذا ما لا أريده”.

تقرأ الشاعرة والمترجمة لينا شدود هذا الواقع من رؤية أخرى: “هناك هوس لدى الكاتب لهتك الطوق الآمن لكتابة آلية لم تمنحه إلا بلادة الإحساس، والعجز عن التحليق. لذا، بحواسّه المدرَّبة على التقاط ما هو حي ونضر عند أي إشارة، سيرفد حريقه الخاص بشحنات جديدة تبدّد كآباته المتتالية، وكائناته المتألمة التي اعتادت المكوث على ناصية صبره”. تضيف: “لا أرغب بكتابة النص الانفعالي السريع المحروق بلغة غاضبة. إن لمْ يُذوّب هذا الإحساس بلغة جديدة، ولكن تخصّني؛ فسيكون مصيره التلاشي، كون الحدث أكبر من اللغة والنص”.

الأمر مختلف عند الشاعر والصحافي محمود ديبو: “كتبت بعض النصوص تحت ضغط الأحداث، نشرت بعضها واحتفظ ببعضها لإعادة النظر فيه، لأن الكتابة في ظل الحدث وتحت تأثير الدماء، تجعل النص منفعلا باللحظة، ومنساقا إليها، بعيدا من شرطه الفني. هكذا الآن إذ أعيد النظر في نص لي كتبته في ذروة الانتفاضة، قبل ثلاثة أشهر تقريبا، أرى أنه غير متماسك فنيا، لكنه ابن لحظته، وأنا سعيد به لأنه يعكس توتري وخطئي وصوابي وفوران دمي في تلك اللحظة! أنا مهموم بهذا الذي يتشكل أمامي مئة في المئة، بل يمكن القول إني متفرغ لمراقبته ومتابعته على حساب كل عمل آخر، ساعيا للارتقاء به وصولا إلى لحظة الانتصار الكبرى. كمثقف لا أرى نفسي إلا جزءا من هذه الانتفاضة، بها أتحدد وإليها أنتمي”.

يعتقد ديبو أن “ثمة إشكالاً كبيراً، فأنا ككاتب وشاعر أعيش حدثا كبيرا، قد لا يتكرر إلا مرة واحدة كل قرن، ومن واجبي كمثقف أن أكون فاعلاً فيه، وأن تكون كلمتي محفزة، لأنني من النوع الذي لا يزال يرى أن الثقافة مهمة وجذرية في عملية التغيير، برغم أنها تراكمية وطويلة، أي أن الثقافة فعل تثقيفي وتنويري وتحريضي إن شئت، ولكن ليس بالمعنى السياسي بل الخلاّق”.

لكن أين الخوف من المعلوم والمجهول؟ يقول الشاعر والروائي عادل محمود “هذا الخوف المتعدد يجعل يد الكاتب ترتجف فلا يأتي سطر واحد يخلو من هذه الكلمة الرمز التي خلقت على العصور نصف مآسي البشر”. على حساب صراع الخوف وجنونه يولد النص الجديد، ولعل ذلك يحتاج الى وقت كما يرى خليل صويلح، فهنالك اختمار طويل يجب أن تعيش ضمنه الأحداث ليظهر حبرها الخاص: “المؤكد أن نصاً جديداً سينشأ في المدوّنة السورية، وسيكون مفترقاً حاسماً في الكتابة، شرط ألا يركب الموجة، بقصد شهرة موقتة، وكتابة “لوغو” ثوري، أقرب ما يكون الى موجة الواقعية الاشتراكية التي أرخت بثقلها طويلاً على الأرواح”.

هنالك موجة كبيرة من العقلاء تنتظر حسماً ما، اختلافاً واقعياً بعيداً عن الدم، لعله الوعي! لعله الأمل في خلق سوريا جديدة. هذه الرؤية يمكن أن نستنتجها من كلام سعاد جروس التي تعتقد أن الاستفاقة الشعبية اليوم أطلقت ثورة الأمل، هي أشبه ببركان هائل طالما ظلت نيرانه لسنوات طويلة تحت تراكم طبقات الاستبداد والإقصاء قبل أن تنفجر وتعيد تشكيل وجه الواقع، بكل ما يحمله ذلك من ألم عظيم: ” قدر اختبار الجوهر بمعنى القيامة، أن يكون بالألم العظيم، وكما الموت يضع الإنسان أمام الحق، هي هذه الثورات الشعبية التي تنطلق كإحدى سنن الطبيعة، تضع مجتمعاتنا أمام الاستحقاق الوجودي. نكون أو لا نكون. الكتابة لا يمكن أن تكون إلا في صلب الثورة، تتحرك فيها، تحيط بها، وفي لحظات التجلي تتقدمها”.

يتصرف حسن م. يوسف بمنطق “أديب عاقل”، فهو يشتغل على مشاريع مؤجلة سيقدمها آن نضجها: “قبل حوالى شهرين سألني أحد القراء: أين حرارة كلماتك، فأجبته: من الجنون أن نشغل التدفئة في آب اللهاب، ونحن الآن في حاجة الى الكلمة العاقلة التي تحاول إشعال شمعة بدلاً من إضرام حريق. لديّ مشاريع أفكار كثيرة تتصل بالمحنة التي يمر بها بلدنا، لكنها كلها تبدو فجة وسرابية. ثمة أشياء تتغير في الداخل، لكنها بحاجة الى نار الزمن كي تنضجها”.

يؤكد ديبو أنه توصل إلى معادلة اخترقها مرارا ولم يستطع أن يلتزمها دائما وهي أن يعبر عن غضبه وانفعاله في المقال الصحافي الذي يكتبه، والذي يكون صدى لما يحصل: “أن أسعى للقيام بواجبي تجاه الثورة عبر ما أكتبه من مقالات رأي وفي مكان آخر على الأرض، وأن أحاول قدر الإمكان أن أحيد قصيدتي عن التأثر المباشر، كي لا تكون مجرد محاكاة ولكن حتى هنا فشلت، ولم أستطع، فالنص الذي يكتب والدم السوري يسفك أمامك، بالتأكيد هو نص موجوع ومتوتر ومتحفز”.

تعاكسه الشاعرة لينا شدود في ذلك برغم انشطار كلماتها: “بدأت أشعر أن كلماتي تنشطر رغماً عني، بل وتُشحَذ بصور غريبة متنقِّلة، ولكن بثقل. لا أريد لنصّي أن يكون لهباً لا يضيء، ولا ضجيجاً لا يصل. أريده متماسكاً، ولو أن المشاعر مبتلّة بحزن يسيل. من متابعتي لما يحدث على امتداد الوطن المتألّم، وما يُنشَر من نصوص ومقالات تكاد تغطّي سماءنا الشاحبة؛ أكثرها مليء بالوساوس القديمة، والانفعال الذي لا يخدم النص الأدبي؛ أي كمن يخبط في هواء قليل. البعض يركب الحدث، وبدون أسئلة. الأدب لا ينحاز، هو أدب للإنسانية وليس لأمكنة أو أفراد، لذا تأتي صدقيته من نضجه الذي لا يحققه إلا الزمن اللازم له”.

حكمة الروائي والشاعر عادل محمود قد تكون الأكثر واقعية وتماس لما يحتاج النص السوري الجديد إبان الأحداث القاسية التي تعشش في وجدان كل سوري،  ثمة ما أفرح السوريون وهو هذا العنفوان والغضب، الاحتجاج، استيقاظ القسم النائم، الصابر من الكرامة والمواطنة يقول عادل محمود وقد تجرأ السوريون على نظامهم القمعي، بالغ القسوة، قبل وأثناء وبعد الحركة الشعبية (البعد أصعب). وطالبوا بالحرية، ويستدرك: (لكن، ومن اليوم الأول توقعت أن يأتي ويقطع الطريق بوسائل مختلفة على هذه الحركة: إما بتزوير مطالبها، وإما بعسكرتها. أو الذهاب -عبر ممثلين – إلى الخارج ومن الخارج الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تشويه صورة هذه الحركة ونزوح التعاطف معها، بل والخوف منها أكثر من الخوف عليها!).

 يقول عادل محمود إن الحدث “ليس له كتّاب الآن، ولن يكون في المدى المنظور. ستكون هنالك محاولات “وصف ورصف وقصف” ولكن لا يعول عليها. في ما بعد، وبعد اكتمال دائرة التراجيديا، أو الكوميديا، أو أي تسمية أخرى، ممكن كتابة نصوص عميقة عما حدث وعمن كان ضحية أو بطلاً. أنا الآن مشغول فقط بالقلق على سوريا البلد والجغرافيا والبشر والطوائف والأثنيات، المباني الحكومية والجسور ومؤسسات أخرى دفع السوريون دم قلبهم ثمناً لها. قلق على الصواريخ والصراخ، والصرخات، من القادم المدعي، او من المخلص الغبي، ومن حكومات تأتي على سلّم الخراب، وتغنّي للحرية المنتظرة برأس مقطوع!”.

 معظم الكتاب السوريين يحاولون ترسيخ التعقل حتى في إطلاق أحكام مشاهدتهم لما يحدث في سوريا. ليبيا تفزع الجميع، وسيكون ما حدث لها مسرحية صغيرة بالنسبة الى ما سيحدث في الاحتمالات السورية، التي تحتاج إلى معجزة كي لا يتحقق أسوأ السيناريوات. يقول عادل محمود: “أرجو أن ننجو. ولتذهب الكتابة إلى الجحيم ورقاً وأقلاماً وصوراً وخلوداً”.

دمشق – عمر الشيخ

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...