الرئيسية / صفحات الرأي / تحليل لغة الخطاب الداعشي: الأصالة المتوهمة/ أحمد ندا

تحليل لغة الخطاب الداعشي: الأصالة المتوهمة/ أحمد ندا

 

 

“وليعلم الصليبيون وأذنابهم من المرتدين بأن الفاتورة بيننا وبينهم كبيرة جدا وسيدفعونها من دماء (أبناءهم) أنهارا بإذن الله، فانتظرونا إنا معكم منتظرون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون والحمد لله رب العالمين”.

بصياغة شديدة اللهجة، وبخطئها اللغوي الفادح، أصدر داعش بيانه الذي يعلن مسؤوليته عن تفجير الكنيستين في مصر. دون أن يغيب عنه اقتباس آية من القرآن، بما يبدو أنه بلاغة “قديمة”، لكن البلاغة القديمة لا تقبل خطأ لغوياً مثل المكتوب في البيان! اللغة التراثية في السياق الداعشي إذن، لها استخدام مشهدي، مرتبط بصورتهم الماضوية، أليس الدين “الصحيح” في واحدة من تجلياته منجزاً لغوياً؟ كما في مقولة لأبي عمر الجرمي الفقيه الشافعي “أنا أفتي في الناس من كتاب سيبويه منذ ثلاثين عاماً”. إذن هنالك فكرة عن اللغة في المنتج الداعشي، غير مشغول بفهم اللغة بقدر ما هو معني بشكلها. وهو ما نحاول أن نتصدى له بالتحليل في هذه المساحة. لغة الخطاب الداعشي، عبر بياناتهم وإصداراتهم الصحفية في مختلف الوسائط المقروءة والمرئية والمسموعة.

اللغة كمنتج سياسي واجتماعي

إذا كان ثمة مشترك أساسي بين جميع تيارات وأطياف الإسلام السياسي، على تبايناتها واختلافاتها، فهو النص. تختلف هذه التيارات فيما بينها إلى حد النزاع المسلح، على أيها ألصق بالنص وأقل “تأويلاً” له، وعلى ذلك لا تتباين أيديولوجيا وتنظيميا فحسب، بل تختلف أيضا في مكوناتها اللغوية التي تستخدمها ومفرداتها وبنيتها، ولكل واحدة منها نسخة خاصة عن تصورها لفكرة الأصالة.

عندما ننظر للغة بوصفها خطاباً وممارسة اجتماعية وسياسية، فإننا نلتزم ليس فقط بتحليل النص؛ لكن بتحليل العلاقات بين النص والظرف الاجتماعي والسياق الذي أدى إلى خلق هذه اللغة. وعليه فإن تحليل الخطاب اللغوي لا يقف عند حد البنية السطحية للنصوص، إنما يتجاوزها إلى محاولته قراءة ما لم يقله النص، هو محاولة لقراءة الوعي غير المباشر لهذه الجماعات، ذلك أن المكون اللغوي لبياناتها وإصداراتها يفسر الكثير عن علاقاتها بعدد كبير من المفاهيم حول الدين والسياسة.

أهمية هذه القراءة أوضحها ميشيل فوكو حين ربط الخطاب بالسلطة، فإذا كان هناك ارتباط وثيق بين السلطة والخطاب، فإنّ ذلك ليس مجرّد تخطيط، وتنظيم من قبل السلطة فحسب، وإنما علاقة تجمع بين اللغة وأنماط الهيمنة الاجتماعية.

يناقش بورديو –كما في بحث الأستاذ الزواوي بغوره- مختلف أشكال السيطرة التي يمارسها النموذج اللساني وأن العمليات اللغوية ذات أساس اجتماعي. مقدما مفهومه الأساسي في التحليل اللغوي وهو بنية السوق اللغوية؛ فالنحو لا يحدد المعنى بقدر ما يحدده السوق اللغوي، وأن الرسالة اللغوية لا تفهم إلا بوصفها نتاجا لسانيا، وأن التأويلات تكون على قدر العلاقة التي يقيمها المنتجون. من هنا يعتقد أن السوق اللساني يساهم في القيمة الرمزية وفي معنى الخطاب معا. ولكن ماذا يقصد بالسوق اللغوية؟ يقول بورديو “توجد السوق اللغوية عندما ينتج شخص ما خطابا موجها لمتلقين قادرين على تقييمه وتقديره ومنحه سعرا معينا. والسوق اللغوية شيء ملموس جدا ومجرد جدا في آن واحد. فمن الناحية الواقعية، تعتبر السوق وضعية اجتماعية رسمية، إنها بمثابة مجموعة من المتحاورين الذين يشغلون مناصب عليا إلى هذا الحد أو ذاك في سلم التراتب الاجتماعي”.

ولكن، إذا كانت اللغة تخضع للسوق اللغوية ويحكمها الرأسمال اللغوي بوصفه رأسمالا رمزيا، فإن الأسلوب، بما هو دليل على حضور الفرد وتميزه، هو ما يتحرك داخل الخطاب، سواء في طريقة إنتاجه أو منتجيه أو مستقبِله. فليس هنالك من كلمة محايدة. إن هذه الاختلافات اللغوية لا ترجع إلى أفراد ولكن إلى بنية الفضاء الاجتماعي الذي يكون لاشعوريا وبنية الفضاء الثقافي لقائلي تلك اللغة. ومن ثم فإن كل “قراءة مغرضة” كما يقول كيليطو، أي ذات غرض محدد بإطار اجتماعي أو سياسي أو ثقافي أو كل ذلك معا.

الأزهر يحلل لغة داعش

في تقرير أصدرته دار الإفتاء المصرية قبل عامين، حاولت تحليل لغة داعش، وخلصت دار الإفتاء إلى أن داعش يستغل اللغة العربية في خطاباته الحماسية المنتشرة عبر وسائل الإعلام المختلفة لجذب الشباب والمراهقين المغامرين الباحثين عن الإثارة في الانتماء لتيارات تحمل أفكارا خطرة يغلب عليها الحماس الديني، حيث تتعمد استخدام مفردات غريبة لم تعد دارجة في أيامنا. فيمارس التنظيم استعراض قوته مستخدمًا فحولة لغوية وقدرات بلاغية مستقاة بعشوائية من التراث، إضافة إلى اختيار مصطلحات وتراكيب القرآن في خطاباته.

هذه السطوة اللغوية مردها أنه الأحق بالخلافة والأجدر بها، فيتشدق باللغة شكليا لمحاولة التشبه بأهل الفصاحة من المسلمين الأوائل، من خلال كلمات مهجورة لم تعد تستخدم في أدبيات الخطاب العربي الحديث، مثل النواصب والصوارم والطواغيت والجحافل والضياغم، وغيرها من المفردات غير المتداولة.

هذه المفردات والعبارات تخرج عن سياقها الزماني والمكاني مما يجعل من خطاب التنظيم ظاهرة متداخلةَ السياقات والأزمنة، بل ومتقاطعة مع السياق الطائفي الذي يحاول استغلاله ليصب في صالح مكتسباته المادية والمعنوية. حيث يحاول التنظيم إضفاء شيء من التراث العربي الإسلامي القديم إلى لغته الخطابية ليبرهن على أحقيته بالصدارة ومن ثم الخلافة المزعومة التي أعلنها.

أشار التقرير أيضا إلى أن داعش خَرَج في خطابه عن المألوف في السياق اللغوي بل وخرج عن المدلول اللغوي للمفردات مما يدل على ضعف التنظيم لغويًا رغم تبجحه وزعمه بأنه من أساطين اللغة وأن لغته العربية لا يمكن أن يجاريها أحد. ومن الأمثلة على ذلك واحد من الخطابات الموجهة للرئيس الأميركي السابق (إلى أوباما كلب الروم) فهذا الخطاب خرج من سياقه التاريخي والدلالي، حيث قالها الخليفة العباسي هارون الرشيد مخاطبًا ملك الروم الذي نقض عهد الروم مع المسلمين.

يصح تحليل دار الإفتاء المصرية للغة داعش في بياناتها المتحمسة، وخطب زعمائها مثل أبي بكر البغدادي، أو في فيديوهات الترويج وإعلان القوة التي تطلقها من وقت لآخر. إذن فإن اللغة المتحفية هذه ليست مطلقة، حيث للكلمات الغريبة “رأسمالها الرمزي” وقدرتها على تكريس الصورة المشهدية نفسها، باعتبار هذه الجماعة، هي الألصق للزمن الإسلامي الأول، كما عبر جي ديبور في مجتمع الاستعراض “عند تحليل المشهدية، يتحدث المرء، إلى حد معين، نفس لغة ما هو مشهدي. بمعنى أنه يتحرك داخل المجال المنهجي لهذا المجتمع الذي يعبر عن نفسه داخل المشهد.” والمجتمع الذي يحاول داعش التعبير عنه، هو مجتمع متوهم، قائم على “يوتوبيا إسلامية” تحاول باستماتة أن توصل فكرة عبر لغتها قبل معناها عن استعادة حرفية ودقيقة لتصورات ساذجة عن المجتمع الإسلامي الأول. ذلك ما يجعله تنظيميا يسمي “شرطته” الأخلاقية “مركز الحسبة”، وكيانه الاقتصادي “بيت المال” وجيشه “كتائب المجاهدين” وغيرها من التسميات التي يزايد بها أول ما يزايد على نقاوة إسلاميته في مواجهة إسلام القاعدة والنصرة وبقية الجماعات الإسلامية.

لكن هذه اللغة المشهدية، تتوارى أكثر في النصوص الأكثر عملية من البيانات الزاعقة، خاصة وأن البيان –بما هو إعلان وضجيج- فيه كل عناصر الخطاب المشهدي، وعليه فإنه حمل كل مقومات تصورات الأصالة الداعشية.

الصحف والمجلات: اللغة العملية

ثلاث سنوات مرت حتى الآن، على وجود الصحف والمجلات الداعشية، أهمها وأشهرها مجلة “دابق”، وهي –ويا للغرابة- الإصدار الذي يوليه التنظيم العناية الكبرى في الترويج مكتوب باللغة الإنكليزية. والمجلة على خلاف التصور العام السائد، تخرج بعناية احترافية على مستوى الإخراج الفني، والصياغة اللغوية، بتحقيقات وأخبار وتقارير منضبطة صحفيا ومفهومة لغويا. غير أنه لا غرابة في ذلك؛ حيث إن داعش في نهاية الأمر يحاول التكريس لفكرة الدولة الإسلامية، وكما سبقت مفردة “الدولة” مفردة “إسلامية” في العبارة، فإن أبجديات بناء “الدولة” بمعناها السياسي الحديث، كانت من التحديات التي واجهت التنظيم، وخلقت كيانا موائما بين الفكرة الحديثة للدولة واليوتوبيا الماضوية. ومن ثم فإن “دابق” هي المكوّن الأكثر تعبيرا عن ذلك الهجين. رغم عدم خلوها من ملمح مشهدي مهم وهو اسم المجلة نفسها “دابق” المأخوذ من واحد من الأحاديث النبوية “لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بدابِقَ فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ” لكن في مركز ذلك التصور الملحمي طرح أكثر عملية في تقديم مجلة “للغرب” بأبجديات النشر الصحفي، دون إغراق في التراث.

يتبدى ذلك الخلط الهجين أيضا في الصحيفة الأسبوعية التي تصدر من الرقة “النبأ”، التي تبدو وكأنها تمثلا عمليا لما هم  مقاتلو التنظيم عليه، بلحاهم وعمائمهم وجلابيبهم، غير أنهم يحملون الأسلحة الحديثة ويركبون السيارات. الصحيفة التي تمزج بين مشهدية البيانات واختيارها للمفردات الغريبة، وبين اللغة الصحفية وتركيبها البسيط. التعاطي العملي مع اليومي لا يمكن أن يعتمد كليا على اليوتوبيا اللغوية، لما في ذلك من مشقة إجرائية من جهة، وضياع الهدف الأساسي من وجود مثل هذه الوسائط الصحفية.

بمطالعة العدد الأخير من “النبأ” نجد عناوين صحفية لا تختلف عن مثيلاتها في أي إصدار صحفي آخر، فنبصر عناوين على شاكلة “هجمات من جنود الخلافة واستعادة مواقع في الجانب الأيمن من الموصل” “مقتل وإصابة 7 خبراء متفجرات في الفالوجة”، دون أن يغيب عن محرري هذه الصحيفة إصباغها بالمفردات “الهوياتية” التي تميز داعش عن غيره “صولات المجاهدين وقتل الروافض” “مفرزة أمنية نفذت تفجيرا استشهاديا”.

والحال فإن ذلك التنظيم السرطاني، لا يعبّر بلغة واحدة، لكن لكل وسيط ومقصد لغته الخاصة، دون أن يستطيع أن ينسلخ تماما عن “أثر الحداثة” في تمثلاته اللغوية، وهي ليست فقط ضرورة إجرائية، لكن لأنه وإن كان ينشد تقمص الماضي، فهو ابن لحظة حديثة لا يستطيع الانفصال عنها لغويا، كما لا يمكنه أن يستغني عن الأسلحة الحديثة في توسعاته، والإنترنت كفضاء لترويج صورته. جملة واحدة في واحدة من مواقعهم العديدة على الإنترنت تلخص موقعهم اللغوي: “لتطبيق الحدود على أجهزة الأندرويد”!

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...