الرئيسية / صفحات الثقافة / تخومُ الشعرية الأنثوية/ محمد المطرود

تخومُ الشعرية الأنثوية/ محمد المطرود

 

 

الجهوية الشعرية

الجهوية الشعرية هي بالضرورة الجمالية، وإذا كانت الفلسفة تقدمُ شروحاتها للحياة بإفاضة، فإن الشعرية قدمت مفهومها المرتبط بالإيجاز والإشارة وفتح الطريق أمامَ التأويل ليكونَ الوجه الآخر للفلسفة والعمقِ والاشتباك مع الموجوداتِ، واستنطاقِ الأشياءِ الخام، لتكونَ في لحظة ما سندًا للمنطوقِ الذي يحددُ فكرته ولا يكتفي بها، وهذ ما حدا بهيدغر للإيمانِ بقدرة القصيدة على إنابة الفلسفةِ، وجعل باديو يعنون فصلًا بـ”اللجوء الفلسفي إلى القصيدة”.

لا تتورّعُ الشعرية عنَ الفلتان والتيه، وهو تيهٌ أحسبهُ لا يشبهُ المتاهة، إذ دائمًا ثمةَ إضاءةٌ خفية، خفيفةٌ، تقودُ الضياعَ والضائعَ إلى جهةٍ فيها الإدهاش والمغايرة، فالقول “شعرية” يعني بطبيعةِ الحالِ الإقرار بالمفهوم، المفهوم الذي وفقه وفيه تُحدّدُ إنجازاتِ القصيدة بشكلها وفنها وفكرتها، أي أنني أعني بفهمي للمفهوم أنّه الأقربُ إلى علمية ورياضية الدراسةِ، ولهذا الربط بينها وبين الفلسفة بوصفها أمّ المعارف يبدو جائزًا بل وضروريًا، وهو ما يعللُ تلكَ المكاشفة التي يبديها قارئ الشعر بأنْ يحيلُ النصَّ إلى الفلسفةِ، فإمّا من غموض فيه التبسَ عليه، وإما من عمقٍ لم يَسبر أغواره بما يكفي، وفي الأحوال جميعها ثمة فعالية تنشط، تحسبُ للشعرية ومشاغلها!

الأنثىَ جهةٌ وحصانُ سَبقٍ

ماذا لو لم تكُ الأنثىَ موجودة كطرف في ثنائية ذكورة/ أنوثة، هل كانت الحياةُ ممكنة، هل بالإمكانِ رفدِها بالذي يجعلها مستمرة، متوالدة، خالقة لشروطِ الوجود؟ تبدو هذه الأسئلةُ مرعبةٌ في حيز منها، وتحتكمُ للبداهة في حيزٍ آخر، وهنا إذ أتحدثُ عن الشعرية الأنثوية، لا أقصدُ البتةَ جانبًا فحوليًا في النص، كذلكَ لا أوزّعهُ على ضفتين أو مسميينِ أحدهما الغزالُ باللين واللطافة والخفّة، والثاني الضبعُ بفجاجته وصفة الوحش الغالبة عليه. حينَ نقرأُ عن إقامةِ الرجلِ الشاعر على المرأةِ الشاعرة، كما بينت رجاء بن سلامة في كتابها “بنيان الفحولة”، يتوضّحُ لنا: فكما الرجلُ قوامٌ على المرأة في النص الديني، كونها الضلع القاصر، فهو قوّام على نصّها، وإذا كانت هذه الكتابة من مشاغل نقد “الكتابات النسوية” فقد أردتُ هنا لأنظرَ إلى الرجلِ الذي خرج من ضلعِ المرأةِ، ليس المظلوم وإنّما المقُرّ بريادتها وأهميتها في حياتهِ، فنجدُ نصُه يحفلُ بها وضوحًا وإشارةً، تلميحًا وتصريحًا، وتكادُ الأحرفُ الدالة والضمائر عليها شكلًا من فنيةِ القصيدة وجواز عبورٍ لها إلى المتلقي. لا يتوقفُ الأمر على الأنثى المرأة، بل يتعداهُ إلى الأشياءِ المؤنثةِ لتكونَ قناعًا مشروعًا للتلطي خلفهُ في ضخّ النص بممكنات تواجده وبسالته في أسرِ قارئهِ وتخليص العادي من عاديته، ليكونَ مُضلِلًا وموهمًا وقادرًا على انتزاعِ الدهشةِ الأوليةِ من خلالِ كم العاطفةِ، وملامسةِ هذه الشحنةِ لجوانياتِ قارئ في جزءٍ من تفكيرهِ يولي رسالة الشعر بوصفها رسالة أهمية. لا يكونُ القناعُ هنا، قناع خوفٍ من سلطة التابوهات كما في حالِ المرأة، لكنهُ محاولةُ التفافٍ لاستثمار الثنائية العاطفيةِ والحميمية، وبالتالي فالنص يبقى عائما ما لم يذهب إلى وسط متلقٍ يتوفّر في الأنثى ككائنٍ جميلٍ بالضرورة، والشعريةُ ترومُ تحقيق البعدَ الجمالي والاستئناس به لإنجاز النص. الأنثى غرض شعري وجهة وحصانُ سبق رابحٍ غالبًا، وما تمسكُ الشاعر بها إلّا فوزًا إلى حدٍ ما، والسؤالُ هل حقّا يتوفر مفهوم الشعرية في هذا النصّ الذي يذهب إلى المؤنث بوضوح وبلا المقنّع الذي عنيناه في فكرة سبقت؟!

آثامُ الشعريةِ الأنثويةِ

في الإجابةِ عنِ السؤال الذي يحمل بعض إجابةٍ، أكونُ ومما تقدّم من شروح ليست كافية لكنها تحمل إشاراتٍ من تلك التي تتحملها الشعرية بإيجازاتها وإيحاءاتها، قدْ أشرتُ ولو عرضًا إلى أنَّ الشعرية التي تنحازُ للأنثى كغرض وكخطاب وكدلالة بحدِّ ذاتها لهي أسيرُ الخطابِ والرسالة، وإذا كانَ النصّ النسوي والذي تكتبهُ امرأة (بوّاحة) أو (ندّابة) كما يطلقُ على الخنساء في الجدل حول شعريتها رغمَ إعطائها مساحة في طبقاتِ الشعراء الفحول، فإنّ هذا النص العربي خاصةً في خلافٍ مع النص الغربي، نصُّ الآخر الذي يذهبُ إلى التأملّ ومخاطبةِ الطبيعيات ليست بالضرورة الأنثوية. كانَ (العربي) ينطلقُ إلى اسمٍ يحددُ غرضهُ، ليصبحَ الضمير المرتبط بالأنوثة كافيًا لإيهامِ الكثيرين أنّهم يستوفونَ شرطَ الشعرية، وكافيًا لإيهامِ متلقين بأنّ نصوصًا تقعُ بين أيديهم هي شعرية للسبب ذاته، ليمرّ هذا الاستمراء بوجودِ هذه النصوصِ المنمطةِ بالأنثوي إلى النقادِ والباحثين في شؤون النصّ وعلاماته، بحيث وصلت الحال إلى اعتبارِ هذه الرسائل الأقرب إلى الشفوية رهانًا شعريًا جديدًا يناطحُ في معتركِ الكتابة وله حظوظٌ وإن تكُ آنية وعابرة.

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صرخة سجينة سورية/ عبده وازن

    شعرت بحال من الخجل وربما الإحراج، بصفتي مثقفاً عربياً، عندما قرأت الرسالة المفتوحة ...