صفحات الثقافة

تذكروا كنتم غرباء في ارض مصر

 

وائل خير

للشعب اللبناني ان يزهو بخصال حميدة ومآثر. لكن حذار ان تجعل في عدادها اغاثة المعدوم واستضافة من لا يجرّ وجوده بيننا مصلحة مادية.  اللاجئون السوريون هم احدث ضحية استعلائنا على حساب الانسانية والإنصاف والقانون الدولي وأيضا القيم الدينية.

لم اكن غافلاً بالكلية عن هذا الشعور. فقد قرأت في الصحف وشاهدت على شاشات التلفزيون مقالات وبرامج لا يمكنها ان تصل الى يد القارىء وابصار المشاهد في المجتمعات ذات المستوى الانساني المرهف.  ثم هناك تصريحات بعض السياسيين احدهم في الحكم، وآخر في المعارضة وشت بشعور عرقي عند المسيحيين تركتا فيّ، في حينه، شعوراً بالخجل.  لكن انتشار هذه العنصرية في  المجتمع المسيحي الواسع صدمني اثناء تطوافي اخيراً للتهنئة بالاعياد.

ليس من الانسانية ازدراء ضحايا احدى اكبر مجازر قرننا هذا وإلصاق شتى المثالب بمئات الالوف الذين وجدوا انفسهم وعيالهم يعبرون القفار الى ملاذ آمن. أقطع بأن ما من واحد منهم كان ليختار طوعا قارعة الطريق والاستجداء في بيئة غريبة بدلا من عزة العيش  بين اهله وعلى ارضه. ما اختيارهذه الجموع ارضنا الا بسبب الصدفة الجغرافية.  ففي سوريا تجمعات ديموغرافية رئيسية أربعة: حلب، حمص- حماه، الساحل ودمشق. باستثناء الاولى تجد سائرهم على حدود لبنان الشمالية الشرقية، والشمالية . لكن خاصة حدودنا الشرقية المجاورة للعاصمة دمشق وامتداداتها. القتال المتصاعد في جبهة دمشق سيدفع، دون شك، يعدد ضخم جدا من اللاجئين اذ لا خيار لمن يطلب النجاة على عجل الا الفرار الى اقرب موئل آمن.

ثم ان القانون الدولي يلزم الدول التي ينساب اللاجئون اليها ايلاء حق اللجوء موفّقا بين هذا الالتزام وامكانات الدول المتفاوتة. فعبء الاستيعاب لا ينحصر بالدولة المضيفة بل على المجتمع الدولي والإقليمي والمؤسسات الدولية المتخصصة تحمّل القسط الاوفر، وربما العبء كله. يقع في هذا الاطار نداء الرئيس سليمان في قمة الدوحة وتصريح وزير اردني عن نية حكومته طلب تدخل مجلس الامن الدولي ودراسة اعلان حالة طوارىء في منطقة اللجوء على حدود الاردن مع سوريا.  ان هذا الالتزام الاممي يسير جنبا الى جنب مع مبدأ سيادة الدولة التي تحتفظ بحصرية حق تحديد اماكن تجمعاتهم والإشراف الامني عليهم وتطبيق قوانينها على الوافدين ضمن حقها في حماية مصالحها الوطنية.

هذا التنظيم الدولي، وإن تصاعد في العقود الاربعة المنصرمة، فيعود الى تنظيم اوضاع اللاجئين اثر الحرب العالمية الاولى. وبعد الحرب العالمية الثانية اخذت المعاهدات الدولية شكلا اكثر تطورا في اتفاقية جنيف في تموز 1951  وقيام منظمة الامم المتحدة لشؤون اللاجئين. ثم ان  تطورا على درجة قصوى من الاهمية برز في النصف الثاني من القرن العشرين. ذلك ان حركات التحرير الوطنية والحروب لطرد الاستعمار جعلت الحروب تتحوّل من حروب بين الدول الى حروب ضمن الدول ( في العام 2000 نشب 24 نزاعاً داخلياً مسلّحاً داخل الحدود يقابله نزاع واحد عبر الحدود) ما حدا الى توقيع بروتوكولين اختياريين عام 1977 الحقا باتفاقية جنيف 1949.

ماذا عن الموقف الروحي؟ هل من مبرر لاهوتي لصم الآذان وإغماض العيون على مأساة بهذا الحجم وهذه الوحشية؟  في الاناجيل الازائية (متى ومرقص ولوقا) ما عنونته بعض الترجمات بـ”الوصية العظمى”.  هاك ما  اورده متى 22: سأل فريسي يسوع، يا معلّم ما هي اعظم وصية في الشريعة؟ فاجابه يسوع احب الرب الهك بكل قلبك، وبكل نفسك، وبكل عقلك. هذه هي الوصية الاولى والعظمى. والوصية الثانية مثلها: احب قريبك مثلما تحب نفسك. على هاتين الوصيتين تقوم الشريعة كلها وتعاليم الانبياء.

لكن في العهد القديم رجع صدى لما مر به المجتمع اللبناني.  ففي سفر اللاويين (الاحبار) وصية على بساطتها شديدة البلاغة: “اذا نزل غريب في ارضكم فلا تظلموه. كالوطني منكم يكون لكم وتحبه كنفسك لأنكم كنتم غرباء في ارض مصر”. لاويين 19 : 33.

المهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى