الرئيسية / صفحات الرأي / تركيا والدولة الوطنيّة في سوريا

تركيا والدولة الوطنيّة في سوريا


ألبير داغر

فوجئ المتابعون للوضع الراهن بالتعابير التي استخدمها المسؤولون الأتراك حين كانوا يتحدثون عن الشأن السوري. وضع الأتراك شروطاً وسقوفاً زمنية، وامتلأ خطابهم بالإملاءات والاستعلاء. ما أعطاهم هذه «الداليّة» هو انفتاح النظام في سوريا عليهم، بدون حدود، خلال الفترة القصيرة الماضية. قبل سنوات، وصعوداً حتى الحرب العالمية الأولى وخروج السلطنة مدحورة من كامل المنطقة العربية، كانت تركيا عدواً للعرب، وعدواً لسوريا على وجه الخصوص.

تركيا العثمانية والعالم العربي

حين احتل السلطان سليم الثاني المنطقة العربية في مطلع القرن السادس عشر، كانت هذه الأخيرة شبه فارغة بشرياً. خلال المئتي عام التي تبعت موجة الطاعون في 1347 و1348، استقر عدد سكان الهلال الخصيب بكامله على مليون شخص. يمكن مقارنة هذا الرقم مع عدد سكان فرنسا مثلاً، في منتصف القرن السادس عشر، إذ كان 15 مليوناً. تصلح المقارنة أيضاً مع فترات سابقة من تاريخ المنطقة. عند الفتح العربي، كان عدد سكان المشرق العربي خمسة ملايين. وهو أقل من عددهم خلال الحقبة البيزنطية، لأنّ النصف الثاني من القرن السادس شهد توالي فترات الطاعون والزلازل. وحين فتح العرب مصر، كانت هذه الأخيرة قد فقدت ثلث سكانها بالطاعون. وفي عام 900، أي بعد نحو 250 عاماً من الحكم العربي، كان عدد سكان سوريا الكبرى أربعة ملايين. حصل الانهيار الديموغرافي الشديد خلال القرون التالية، واستمر حتى مطلع الحقبة العثمانية.

عرف القرن الأول العثماني نمواً ديموغرافياً ملحوظاً. ثم توقف هذا النمو في مناطق عديدة. كان الطاعون لا يفتأ يضرب المدن الكبرى للإمبراطورية، كالقاهرة ودمشق وحلب، ويمحو ما حققته من نمو ديموغرافي.

تغيّرت الأمور كلها خلال القرن التاسع عشر. عرف ذلك القرن محاولات بناء الدولة ـــــ الأمة، أو الدولة الوطنية، في عموم العالم، نقلاً عن النموذج الأوروبي الأصلي. وكان القرن التاسع عشر العثماني، وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى، حقبة محاولات فاشلة من قبل السلطنة العثمانية للتحوّل إلى دولة ـــــ أمة حديثة، وإن متعددة الإثنيات، على الطراز الغربي.

كمَن الفشل في العجز عن تحديث جهاز الدولة الإداري، وإعطاء الدولة دوراً في تحقيق «التصنيع المتأخر»، كما كان الأمر في العديد من البلدان الأوروبية، بالإضافة إلى اليابان، في تلك الحقبة. حاولت الدولة العثمانية إجراء عملية «تحديث دفاعية» من خلال «التنظيمات» التي أُقرّت صيغتها الأولى في 1838، وصيغتها الثانية في 1856. أعطت تلك «التنظيمات» حقوقاً متساوية لمواطني السلطنة، بصرف النظر عن الإثنية والطائفة والمذهب. لكن تطبيق ذلك المشروع الإصلاحي ووجِه برفض نخب كثيرة له، وعرقلتها لتنفيذه. وعجزت السلطة المركزية عن فرضه على الجميع. واستدرج حركات اجتماعية استقوت به. وقد جعل ضعف السلطة المركزية تلك الحركات تدفع الثمن، في مواجهة النخب المتضرّرة من الإصلاح. من بين تلك الأثمان مذابح 1860 في لبنان.

الفشل في «التصنيع المتأخر»

اكتفت السلطنة على مدى أكثر من قرن بمحاولات الحفاظ على الوضع القائم وتأبيد نظام السيطرة (Social control) الذي يستفيد منه الأعيان، الذي كان بدون مردود (Zero sum) على صعيد التنمية. بقي الأعيان يجبون الضرائب قبل «التنظيمات» وبعدها، ويهدرون الفائض الاقتصادي في الإنفاق الاستعراضي للبقاء في الساحة. لم تهتم الدولة ببلورة استراتيجية تحويل اقتصادي (Economic transformation) على شاكلة الدول التي وجدت نفسها أمام تحدي تحقيق «التصنيع المتأخر» والخروج من التخلّف. وفي البلدان التي اعتمدت هذه المقاربة، تطلّب الأمر اعتماد حمائية متشدّدة، ووقوف الدولة إلى جانب المنتجين ودعمهم بشتى الوسائل، لبناء القدرة الإنتاجية الوطنية.

ظهر عجز السلطنة العثمانية في أوضح صورة بقبولها إبقاء حالة حرية/ تبادل، وتوسيع نطاق هذه الحرية، لمصلحة القوى الأوروبية التي كانت تهمها أراضي السلطنة، بوصفها مصدراً للمواد الأولية الزراعية، وكأسواق لصادراتها. طبّقت السلطنة مبدأ الدولة الليبرالية في الاقتصاد، ومبدأ «اليد المرفوعة» في علاقة الدولة مع المنتجين. تركت المنتجين المحليين، حيث كانوا موجودين، ينزعون شوكهم بأيديهم.

هؤلاء المنتجون كانوا كثرة في لبنان. جعلتهم حرية/ تبادل المفروضة قسراً على المنطقة، وتخلّي الدولة عنهم، يهاجرون بكثافة ضربت، في مطلع القرن العشرين، كل ما كان تحقق خلال القرن التاسع عشر من تراكم ديموغرافي. ودمّرت حرية التبادل المهن والحرف التقليدية في المدن السورية العريقة، وأحلّت محلها سلعاً مستوردة، وكانت وراء مذابح حلب ودمشق.

تجربة محمد علي باشا

كانت تجربة محمد علي باشا في مصر من التجارب المبكرة في بناء الدولة الوطنية الحديثة. أزال الطبقة السياسية التقليدية، وجعل الدولة قائدة لمشروع «التصنيع المتأخر»، وبناء الدولة الحديثة. تكالبت عليه كلّ القوى العظمى لضرب تجربته، ولإبقاء السلطنة بوصفها «رجلاً مريضاً» مسلوب الإرادة في العلاقات الدولية. قايضت إنكلترا الاستعمارية الدعم الذي وفرته للسلطنة لدحر إبراهيم باشا، بمنافع شتى، لعل أهمها تحرير التبادل على نحو إضافي مع الغرب، ووضع كامل أراضي السلطنة في خدمة الاقتصادات الأوروبية. وحين عادت السلطنة إلى بلاد الشام في 1840، بعدما كانت قد اندحرت في مواجهة إبراهيم باشا، قبلت أن تتقاسم سيادتها على المنطقة مع القوى الاستعمارية الأوروبية. بل تحوّلت إلى نوع من وكيل لتلك القوى في المنطقة.

شعار «دولة الإسلام» العثماني لكبح نمو الدعوة القومية العربية

كان ينبغي طمس كلّ ذلك العجز في بناء الدولة الوطنية وتوفير مقوماتها الاقتصادية، والعجز عن تحقيق «التصنيع المتأخر». وجد السلطان عبد الحميد الثاني الحل في الترويج للسلطنة على نحو غير مسبوق بوصفها «دولة الإسلام»، في مواجهة الغرب وقواه المتغطرسة والفالتة من عقالها. كان لا بد من تعويض عجز «رجل أوروبا المريض» وخضوعه الذليل لإملاءات القوى الاستعمارية، بالمزايدة في ميدان الدفاع عن الدين. كان الهدف من ذلك أيضاً سحب البساط من تحت أرجل النخب العربية التي كانت قد بدأت تكتشف هويتها المستقلة وتفكر بمستقبل مختلف للعرب.

لم يجد الذين انقلبوا على السلطان عبد الحميد الثاني غير «الطورانية» بديلاً من الرابطة الدينية، لتحقيق وحدة مكوّنات السلطنة. أسهموا في زيادة الشرخ مع النخب العربية، وكانوا وراء اندلاع الثورة العربية. وحين سقطت كلّ الأوهام بإمكان الحفاظ على أرث الإمبراطورية، انكفأت النخب التركية إلى مشروع دولة ـــــ أمة متجانسة إثنياً، على شاكلة ما هو موجود في الغرب، كان ثمنه تطهيراً إثنياً للأرمن، تحوّل إلى عملية إبادة لهم.

تركيا «الكمالية»

آخر مرة تدخّل فيها الجيش التركي بانقلاب عسكري لمنع نشوب الحرب الأهلية، كان في 1980. استعاد تجربة كان أولها انقلاب 1960، وجعلت منه نموذجاً بات يصنّف في الأدبيات المتخصّصة في فئة الأنظمة العسكرية التي تتولى الرقابة على النظام السياسي المدني (Gardian Regime). تتميز هذه التجارب بأنّ العسكر يتدخلون لمنع الحرب الأهلية أو لوقفها، ولا يبقون في السلطة إلا ما يكفي من الوقت لإعادة الأمن والنظام، وإعادة صوغ النظام السياسي. ويكون ذلك وفق قاعدة تقوم على معاقبة الأحزاب والأفراد الذين يدفعون ببلادهم لولوج أتون الانقسام الأهلي. ومنذ تجربة عدنان مندريس، الرئيس التركي الأول المستفيد من إدخال التعددية السياسية الذي حققه عصمت إينونو، وريث مصطفى أتاتورك، فهم الجيش التركي إلى أين يمكن أن يذهب الساسة المدنيون لتحقيق مآربهم.

الأمر المثير أيضاً للاهتمام في التجربة التركية، هو صدقيتها كدولة قانون. يمارس القضاء إلى جانب العسكر دور الحامي للمجتمع من مكر السياسيين المدنيين. وقد صان الجيش التركي منذ 1923، حتى اليوم، وحدة تركيا كدولة وأمة، وكان له الفضل في تحقيق التنمية السياسية لهذا البلد، بمعنى تأمين المشاركة السياسية لعموم المواطنين، مع ما يعني ذلك من حرية تعبير وتعددية حزبية وتداول للسلطة.

تضامن الكثيرون مع تركيا لأنّها أظهرت تجربة ناجحة في بناء الدولة، واعتمدت نظاماً سياسياً ديموقراطياً وعلمانياً.

تركيا الحالية، أو بماذا يعدنا أردوغان

استفاد موظفو أجهزة وإدارات العلاقات الخارجية في الدول الغربية، كما استخبارات هذه الدول على نحو غير مسبوق، من الإسهامات النظرية في ميادين العلوم الاجتماعية، التي تؤكد دور الأفكار في بناء الواقع وفي تغييره. كان الخطاب الذي يراد للرأي العام في العالم العربي أن يتشرّبه ويعمل بوحيه، هو الذي يرمي إلى بناء هويات تكون نقيض الدولة الوطنية، وتكون مقدمة لضربها حيث هي موجودة بالفعل.

لم تكن تصريحات أردوغان بشأن سوريا، وخصوصاً دخوله علناً بازار تصنيف المواطنين، على قاعدة دينية ومذهبية، وليدة نقص في المعرفة، أو زلّات لسان. كان المراد إحلال طريقة جديدة في النظر إلى الأمور، يراد بها إنتاج أجندة سياسية محدّدة. اعتمد خطاباً ينتزع شرعية الدولة الوطنية. وقد استخدم لغة الشحن المذهبي والطائفي، في وقت كان فيه هذا الشحن هو أخطر سلاح يمكنه استخدامه تجاه سوريا.

لم يتوقف الأمر على تصريحات وإملاءات، بل تجاوزه إلى أفعال. تبيّن في مناسبة معركة جسر الشغور أنّ الأتراك كانوا قد أعدوا العدّة لتدخّل في سوريا ينطوي على إقامة منطقة عازلة، ويتضمّن تدخّلاً للحلف الأطلسي، على شاكلة ما حصل في ليبيا. تدخلت إيران بحزم، وهددت الأتراك بقصف القواعد الأميركية والوجود الأطلسي على الأراضي التركية (الأخبار، 24/6/2011). هذا التهديد هو الذي جعل الأتراك ينكفئون عن تنفيذ السيناريو الذي جعل منهم أدوات التدخل الغربي، لضرب وحدة سوريا وتدمير الدولة الوطنية فيها.

رمت سياسة أردوغان المتعلقة بسوريا إلى استعادة أمجاد السلطنة، من خلال ممارسة نفوذ في المحيط العربي، يوضع في خدمة السياسات الغربية وإسرائيل، كما كان الأمر في القرن التاسع عشر.

هناك بوصلة وحيدة يسترشد بها كلّ الشرفاء العرب، هي الموقف من الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. وقد رسب أردوغان وحزبه في هذا الامتحان. من الآن فصاعداً، الحذر من الأتراك ينبغي أن يكون هو القاعدة.

* أستاذ جامعي لبناني

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...