الرئيسية / صفحات سورية / تساؤلات حول مشهد الانتفاضة السورية

تساؤلات حول مشهد الانتفاضة السورية

 


محمود جلبوط

هل تودي الانتفاضة السورية إلى مخاطر حرب أهلية ؟ هل تكرر الحالة السورية الحالة الليبية أو العراقية أو اللبنانية..إلخ؟ هل هناك حظوظ للانتفاضة السورية للنجاح ؟

أسئلة كثيرة مهمة وخطيرة تتداولها الأوساط السياسية المحلية والعربية و حتى الدولية حول مآلات النشاط الانتفاضي للحالة السورية من بين سلسلة لا تنتهي من الأسئلة والأجوبة التي أحاطته منذ انطلاقته , أثارها طبيعة الرد الدموي الذي اتبعه النظام السوري على نشاط احتجاجات شعبية سلمية وإصراره على تجييش المجتمع السوري طائفيا بل نكاد نقر بأن النظام فترة حكم عائلة الأسد بذل جهودا جبارة لتفتيت البنية ليستقيم له الحكم دون منازع بطائفية “غير معلنة” دعمها بما أظهره من استماتة وتعنت وصلابة في عدم الانصياع لأي محاولة إصلاح تفضي إلى فتح آفاق لإمكانية مغادرة عائلة الأسد للسلطة تمهيدا لدخول سوريا المسارب الطبيعية لتداول السلطة وبناء دولة مدنية دستورية يسودها الحرية والقانون.

أسئلة لا تنتهي تحيط المشهد الانتفاضي السوري منذ انطلاقته تنتظر الإجابة عليها , وإلى حين الإجابة فإن ما هو واضح عدم وجود ما يشير حتى الآن إلى وهن أو انخفاض في عزيمة المنتفضين الذين تتزايد أعدادهم في النزول إلى الشارع السوري يوما بعد يوم على الرغم مما يتعرضون له من تصفية مباحة على يد عناصر النظام من عناصر أمن/جيش/شبيحة/حرس جمهوري..إلخ لترتفع حصيلة الضحايا منذ انطلاقة الانتفاضة وحتى إعداد هذه المقالة حسب الإحصائيات المتداولة ما ينوف على 1500 شهيد من المدنيين إلى جانب عدد غير معروف من الجنود والضباط وصف الضباط من عناصر الجيش الذين رفضوا تنفيذ الأوامر التي وجهت إليهم لقتل الناس , وعشرات الآلاف من الجرحى ومثلهم نازحين وما يزيد عنهم معتقلين , إلى جانب ما يترتب عن ذلك من آثار اجتماعية ونفسية نتيجة لحوادث اغتصاب وقتل وسرقة ونهب وتهجير.

ما يمكن قوله في خصوصية المشهد الانتفاضي السوري هو عدم ملاحظة المهتم بالشأن السوري للوهلة الأولى حركة انتفاض الشارع السوري , بل يبدو له المشهد هادئا ساكنا خصوصا إن تابع وسائل إعلام النظام , ربما بسبب غياب الصورة النمطية التي اعتاد على متابعتها عبر الشاشات الفضائية من نقل حي ومباشر لكتل عشرات أو مئات آلاف أو ملايين المنتفضين متجمعة ومعتصمة في ساحات تحرير أو تغيير استماتت الأجهزة الأمنية السورية على عدم تكرارها في المدن السورية (لقد ارتكبت مجزرة بحق الناشطين في حمص عندما حاولوا أن يحاكوا ما حدث في مصر وتونس واليمن في ساحة الساعة الجديدة) عدا عن متابعة العديد من مقابلاتتلفيزيونية متنوعة وعلى الهواء مباشرة لناشطين ميدانيين , لأن النظام في سوريا , وبعد أن قرر تبني نهج الحل الأمني فقط للتعامل مع الحراك الشعبي , أغلق البلد بقبضة أمنية عسكرية حديدية بشكل تام وحازم في وجه وسائل الإعلام العالمية والعربية ومن تسرب منهم خلسة اختطفه أو اعتقله وعذبه وهدده بالقتل أو الاغتصاب , فاقتصرت التغطية الإعلامية على المحطات الرسمية السورية الممولة من ضريبة الشعب السوري إلى جانب وسائل إعلام الأطراف اللبنانية والفلسطينية والإيرانية المساندة للنظام ولروايته : “مندسين” وإرهابيين” و “متآمرين دوليين” .

مشكلة الانتفاضة السورية الأساسية في ظل الوضع الإعلامي الاستثنائي السائد أنها تواجه صعوبات جمة , ذاتية وموضوعية , فلم تتمكن من فرز من ينطق باسمها رسميا ولم يتمكن المشاركون في نشاطاتها من إجراء مقابلات صحفية على غرار ما جرى في النشاط الانتفاضي العربي في مواقع عربية أخرى , هذا إلى جانب افتقار الساحة السياسية السورية أصلا لشخصيات سياسية قيادية كما توفر في مصر وتونس يمكن أن تمثل بديلا مستقبليا للرئيس السوري أو لقيادة سوريا في مرحلة ما بعد النظام الحالي نتيجة ما قام به الأسد الأب على مدار سنوات حكمه لسوريا بالحديد والنار من تجريف التربة المجتمعية السورية من أي حراك سياسي أو ثقافي معارض عن طريق اعتقال/ملاحقة/نفي العاملين عليه من أحزاب وكتاب ومثقفين ومحامين وصحفيين مما أنتج خواء سياسي تام ليقتصر النشاط الاجتماعي والسياسي على ثلة مداحين للنظام بزركشة فكرية هجرية “حامولية” ورجال كشوثيين (طفيليين) رقاصين ودبيكة إلى جانب ما تتميز به طبيعة النظام الحاكم من استثنائية وخصوصية وما تحويه تركيبة سوريا السكانية الفسيفسائية , ويعطف على ما سبق تعقيدات موقعها الجغرافي الخاص وتعقيدات العلاقة مع المقاومة اللبنانية والفلسطينية

أدرك الناشطون في الحراك الانتفاضي السوري الأخير ومنظموه كنظرائهم في الانتفاض العربي أهمية استخدام تكنولوجيا المعلوماتية للاتصال فيما بينهم ولنشر ما صوروه من لقطات وأفلام قصيرة بأجهزتهم التلفونية النقالة أثناء احتجاجهم في المدن والقرى السورية أسوة بإخوتهم في تونس ومصر وغيرها من البلدان العربية .

صعب على امرئ محايد أن يلحظ في الحراك السوري الجاري رؤية مشتركة جامعة أو لنقل برنامجا سياسي واضح المعالم للتغيير تجمع عليه المجموعات المشاركة فيه أو تصورات مشتركة حول المرحلة الجديدة القادمة , ولا يمكن فهم ذلك إلاّ بمراجعة الطريقة من الحكم التي اتبعتها عائلة الأسد على امتداد فترة حكمها , وخاصة بعد نجاح تجربة التوريث فيها , ما تركته من شعور جمعي وقناعة لدى الشعب السوري مفاده استحالة استبدال النظام أو بأبدية حكم عائلة الأسد فيها .

ومع ذلك فإنه لا يعذر المنتفضين ألاّ يتفكروا أو يفترضوا إمكانية تكرار سيناريوهات الانتفاضات العربية السابقة كتونس ومصر واليمن والبحرين وحتى ليبيا كسيناريو سيء . فعلى افتراض هرب الرئيس , غدا أو بعد غد , أو أعلن استقالته , على سبيل الافتراض لكي لا يصاب البعض بالاستهجان أو بالسكتة القلبية , فماذا سيحل بأجهزته الأمنية السرطانية الباطشة ولهيكلية تشكيلاتها الخاصة التي بنيت عليها عهد الأسد الأب وتابعت على هديها عهد الابن ؟ ما مصير مؤسسة الدولة الاستبدادية البوليسية البيروقراطية المريبة ؟ ماذا عن أخيه ماهر الأسد ورامي مخلوف وأفراد عائلته الآخرين؟ ماذا عن الدستور السوري , ومواده المختلف عليها بعيدا عن ضرورة إلغاء المادة 8 منه والتي تضمن الهيمنة السياسية لحزب البعث ؟

هل ناقش الناشطون في الحراك , أو هل فعلت أطراف المعارضة السورية من تجمع وإعلان دمشق وغيرها الاحتمالات المستقبلية , هل ناقشت إن كانت ستحقق الانتفاضة السورية انتصارها بإمكانياتها الذاتية كما فعلت نظيرتاها التونسية والمصرية واستنبطت ىلياتها ةمقوماتها وواجباتها أم ستدخل نفق تعقيدات السيناريو اليمني أو الليبي , أم سيكون لها سيناريو خاص بها آخر ينبغي أن تكون له رؤية مسبقة ولتطوراته ولتداعياته؟ أم تركوها على قاعدة يا ربي تيجي في عينو ؟

من هنا نقول كما كررنا ذلك في حديث سابق أنه من السهل جدا الإطلالة على مسوغات ودواعي انتفاض الشعب السوري ولكن الصعوبة وكل الصعوبة تكمن , وبعد مرور ما يزيد على الثلاثة أشهر من انطلاق انتفاضتها الإقرار بوردية المستقبل . وبالطبع لا يمكن لأي أحد الإدعاء بامتلاك شروط استقراء آفاق الحراك السوري ومستقبله , فهو يتطلب رصد عن قرب ومتابعة نشاطاته ولكن الحاصل عكس ذلك , ففي ظل الحصار التام الذي تفرضه السلطات السورية , لا يمكن للمرء الحصول على معلومات موثوقة لا يشوبها الشك خصوصا في بلد مغلقة بالترباس يسيطر على أهليها الرهاب , حتى أهلنا ينتابهم فزع من الكلام معنا على الهاتف عندما نستفسر منهم عما يجري هناك , بلد ممنوعة حتى على عصفورة صحفية صغيرة تغرد خارج سرب أبواق النظام .

ولذلك فلا يمكن إنكار صعوبة التوصل لرسم صورة حقيقية ومكتملة للحدث السوري من مصادر مستقلة في الظروف الأمنية السائدة , لا يقتصر الأمر على مصداقية وسائل الإعلام الرسمية التي يقتصر دورها على نشر رواية النظام ., حتى مواقع النشاط الاجتماعي للشبكة العنكبوتية كالفيسبوك لم يعد من الممكن الوثوق إلى الكثير من المعلومات المسربة إلى صفحاتها فالعديد منها له أجندات متضاربة ومتباينة , إلى جانب ما توفر من أخبار عن تزايد محاولات أجهزة النظام الأمنية المتواصلة للتغلغل إلى هذه المواقع خداعا بحسابات سرية لناشطين سابقين قد تم استحصالها منهم تحت التعذيب في الأقبية الأمنية بعد اعتقالهم .

لا يتبقى للمهتمين لمتابعة الحدث السوري سوى مبادرات شخصية لمواطنين عاديين يخاطرون بأنفسهم لتصوير ما يجري حولهم كيفما اتفق وقدر ما تسمح لهم ظروفهم من أحداث بتلفوناتهم المحمولة لتحميلها من ثم على الانترنيت بل باتوا يمثلون أهم مصادر المعلومات للنشاط الانتفاضي والحراك الاحتجاجي ولكيفية تصدي الأجهزة الأمنية والشبيحة للمحتجين ودق عنق/قتل/اعتقال بعض المتظاهرين في الشوارع أو تصوير اقتحام الجيش للمدن بدباباته وقصفه لها , وحتى هؤلاء أغلب الأحيان لا يتمتعون بحيادية الخبر لأنه , وكما اتضح في تواتر الأنباء , لدى معظمهم أجندته الخاصة .

 

لقد شهدت سوريا ومنذ استقلالها عام 1946 العديد من الصراعات المريرة على السلطة ولكن لم تؤدي أي منها إلى حرب أهلية , كان أخطرها وأكثرها دموية في ظل حكم الأسد الأب عندما دفع عام 1980 ببعض قطعات من الجيش : الفرقة الثالثة التي كانت تحت أمرة شفيق فياض والوحدات الخاصة تحت أمرة علي حيدر وسرايا الدفاع تحت أمرة رفعت الأسد إلى جانب الأجهزة الأمنية المختلفة لاقتحام العديد من المدن والقرى السورية لإنهاء إضراب معلن في حلب وحمص وجسر الشاغور ومعرة النعمان وصل أوج هذه الحملة العسكرية عام 1982 عندما أمر باستباحة حماة لسحق تمرد سكانها في ظل الصراع على السلطة الذي دار بينه وبين جماعة إخوان المسلمين كان من ثمرة هذه الحملة مجازر جماعية طالت أرواح عشرات الآلاف من الضحايا ومثلها جرحى ومعتقلين ومهجرين ومفقودين وممارسة اغتصاب ونهب واستباحة كرامات , كل ذلك لترويع كل من تسول له نفسه معارضة النظام مما أفضى إلى سيطرة خوف شديد مديد على مجموع الكتلة السكانية أوقفت مده بل خلعته هبة الانتفاضة الشعبية الأخيرة . واليوم يحاول نظام الأسد الابن جاهدا إعادته إلى قلوبهم ثانية من خلال طريقته في معالجة الأزمة السياسية والاجتماعية العامة بالقمع والقتل والاعتقال ودفع الجيش إلى المدن والقرى المنتفضة تكرارا لما فعله أبيه , يخير النظام الشعب الذي انتصر على خوفه أخيرا وانتفض لنيل حريته ومواطنيته المسلوبة وكرامته المهدورة ولتحسين لقمة عيشه وتحرير أرضه بين القبول بعبوديته للنظام أو التهديد بالفوضى والحرب الأهلية بعد أن مهد طيلة حكمه لها بزرع بذورها بانتهاج سياسة التفتيت الاجتماعي ليكون هو الأقوى على قاعدة “فرق تسد” الشهيرة , لم يكن بالطبع الوحيد في ذلك فهذا ما هدد به سابقيه زين العابدين ومبارك , وهذا ما فعله معمر القذافي من خلال قصفه بالطائرات الحربية مواطنيه وما يحاول فعله علي عبد الله صالح في اليمن , ولكن المرء يتساءل كيف قرأ الرئيس السوري تصرف من سبقه من الرؤساء المخلوعين؟ وماذا يعني بالنسبة له مشهد انتصار الانتفاضتين التونسية والمصرية وربما تلحق بهما اليمنية قريبا ؟ أم أنه لم يتعظ

كان رد الرئيس السوري ورجالاته في النظام على تساؤلات الصحافيين في حينه إن كانت سوريا بمنأى عما يجري في مصر أو عما جرى في تونس “أن سوريا شيء آخر” , نفس ما أجاب به مبارك ووزير خارجيته أبو الغيط أن مصر “شكل تاني” تعليقا على ما سبقها في تونس وفعلا إن ما جرى في مصر “شكل تاني” واليوم ما يجري في سوريا أيضا شكل مختلف من العمل الانتفاضي وشكل آخر من الرد عليه ولكن بالرغم من وجود اختلافات هنا وهناك فإن جميع الانتفاضات العربية الحالية والسابقة والقادمة لها مشتركات كثيرة وسياقات ومقابسات واحدة ونفس المبررات . لقد غاب عن ذهن الرئيس السوري الشاب الفطن وعن ذهن من سبقوه أن أي هبوب لعاصفة أو أزمة في منطقة عاصفة مأزومة ومدمنة للأزمات منذ إنشائها على القاعدة الاستعمارية “سايكس-بيكو” ستؤثر على مجمل ساكنيها حاكمين ومحكومين , خصوصا عندما يتعرض مركز هذه المنطقة لبركان واهتزاز كتسونامي الانتفاض العربي , فحتما ما على الآخرين سوى التهيئ والتحسب للخسارة والربح , حتى جيران المنطقة : الكيان الصهيوني وتركيا , وخاصة إيران من بينهم(واستطالاتها اللبنانية والعراقية والفلسطينية) التي تربطها بالنظام السوري علاقات خاصة , بغض النظر عن دواعي نشوئها ودوافعها إن كانت على ولاءات مذهبية أم مصالح متبادلة , ليس من المستبعد أن يعصف هذا التسونامي العربي بها وباستطالاتها بشكل أو آخر .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

94 − = 90

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...