الرئيسية / صفحات الثقافة / تشارلز سيميك في «قصائد مختارة»: حوار مع الإنسان والأشياء

تشارلز سيميك في «قصائد مختارة»: حوار مع الإنسان والأشياء


رولا حسن

«بقعة من ضوء الشمس / على صورة صبي مؤطرة / في قداس العشاء الرباني / الذي تبدو عيناه كعيني / من سيغرق للتو في البحيرة / يمجد المذبح إله المصادفات./ فكل ما هو جميل يقول محذرا / قد انوجد بمحض المصادفة ثم لم تقع عليه عين بعدها / كل ما هو جميل، سهل الضياع».

هكذا يمضي بنا الشاعر اليوغسلافي الأصل الأميركي الجنسية إلى عوالمه بخفة الكائن التي لا تحتمل فنمشي إثر كلماته كالمسرنمين في المختارات التي ترجمها له أحمد م أحمد بعنوان «قصائد مختارة» ـ صادرة حديثا عن دار أرواد للنشر ـ طرطوس. فنذهل حينا ونبتسم حينا آخر تلك الابتسامة المغموسة بالمرارة إزاء صور كالحة لحالات من العنف واليأس الخوف والخواء الشعر الذي صنف النقاد قصائده على أنها «صناديق أحاجي صينية محكمة البناء».

وتشارلز سيميك واحد من الشعراء الذين عاشوا تفاصيل الكارثة التي حلت بأوروبا خلال الحرب العالمية الثانية فتركت أثرها الواضح على تجربته الشعرية، وهو الصربي الذي هاجر إلى أميركا ليصبح أحد أهم شعرائها المعاصرين.

كتب سيميك الشعر بلغة ليست لغته وهي حالة الإبداع التي ميزت سيميك وقد أنتج عبرها أكثر من عشرين ديوانا وأكثر من أربعين كتابا بين النقد والترجمة كان سيميك يكتب بالإنكليزية إلا أنه كان يعتمد على تجربته الذاتية التي مزقتها الحرب في صياغة قصائد تدور حول الخراب المادي والروحي للحياة في هذا العصر على حد تعبير المترجم في مقدمة الكتاب.

انشغل سيميك بكتابة تلك المقالات المميزة التي كانت تظهر بين الحين والآخر في ملحق نيويورك تايمز لعروض الكتب وهي المقالات التي يقدم من خلالها شعراء وكتابا واتجاهات في الكتابة والفلسفة برؤى طازجة تمنح لكل من هؤلاء حياة جديدة.

يعتبر سيميك نفسه من الناحية الفلسفية من أتباع مدرسة «نيو انغلاند» التي كان من أتباعها أيضا «اميلي ديكنسون وروبرت فروست… ناثيل هورثون، اميرسون وثورو.. أي جميع المتذمرين».

دفعة واحدة

ما يميز قصائد سيميك أنها توحي وكأنها كتبت دفعة واحدة بعد تشكلها ككل في خيال الشاعر وهذا واضح من السيولة والتدفق في الأفكار مع غياب انقطاع الفكرة وأن بدا أن هناك انقطاعا زمنيا يخص زمن القصيدة وهي احدي حيل الشاعر اللغوية. فتبدو الصفة الواضحة لدى سيميك هي الوعي الشعري الكامل لما يمكن أن يجعل القول شعريا وتخليصه من عاديته ونقله باتجاه الشعر وهو ما يمثل استراتيجية شعرية تخصه كشاعر بحيث يصبح كل عمل شعري مشروعا بحد ذاته يمكن من خلاله رصد التطور في الكتابة الشعرية لدى سيميك.

وقد لعب اضطلاع سيميك المعرفي واشتغاله في الترجمة والتعدد في أماكن عيشه وهوياته وخلقه لعوالم شعرية مختلفة دورا مهما في أن تخلق لديه نوعا من البساطة وشمت قصائده ومنحتها هوية شعرية مختلفة من خلال لغة شديدة السلاسة والوضوح على مستوى المفردات والتركيب النحوي لكنه دائما يستعمل تركيبا شعريا يدفع القارئ رغم شدة بساطته إلى التفكير العميق».

«حان دوري للاعتراف / بأنني كلب يحاول أن يكتب قصيدة في سر نباحه / هذا أنا، يا عزيزي القارئ / أوشكوا أن يطردوني من المكتبة / لكني حذرتهم، /بأن صاحبي لا مرئي وبالغ السطوة./ رغم ذلك, استمروا بجري من ذيلي نحو الخارج».

يمزج سيميك في قصائده السياسي بالتاريخي والعام بالشخصي لتبرز أكثر فأكثر ذات الشاعر بوصفها محور القصيدة المهم والماسك الوحيد بزمام شعريتها. ملامسا رغم ذلك عزلة الإنسان في العصر الحديث ووحدته الكبيرة إزار عالم تحول إلى قرية صغيرة أمام التطور السريع للميديا والاتصالات معبرا عن فكرة الخواء التي باتت شبحا يهدد حياتنا.

«مضت السنوات بنسق / محطاتها التي لا اسم لها،/ إلى أن أسر لي أحدهم هذا كل شيء / وبسذاجتي التي كنت عليها/ لذت بالرصيف الخاوي / ولم تكن ثمة مدينة على مد النظر». (من قصيدة «في وصف شيء ضائع»)

حوار

من يقرأ قصائد سيميك لا يخفى عليه ميل الشاعر إلى نوع من الكوميديا السوداء أو السخرية بطريقة سوريالية تقرب القصيدة إلى قارئها وتشده إلى عالمها الغريب والمحبب في نفس الوقت.

غير أن الكثير من القصائد هي عبارة عن حوار من نوع ما مع الأشياء والكائنات الحية والجامدة في البيئة المحيطة وهذه الأنسنة إن دلت على شيء فهي تدل على مشاعر إنسانية ـ شعرية يريد الشاعر إضفاءها بدل التصحر الشعوري الذي أخذ يجتاح عوالمنا وبذلك ونتيجة لذلك الإطفاء تصبح الأشياء والكائنات بحد ذاتها جزءا من سلوك بشري يكتسب إنسانيته من إضفائه الإنسانية على الكائنات والأشياء.

«السر العظيم يقبع/ على رف ما / تمرّ به الآنسة جونز/ كلّ يوم خلال جولاتها./ إنها فارعة الطول، لذلك تبقي / رأسها مائلة وكأنها في حالة إصغاء / تهمس للكتب / لا أسمع شيئا، لكنها تسمع».

رولا حسن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 1

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...