الرئيسية / صفحات مميزة / تصاعد العنصرية اتجاه اللاجئين السوريين في لبنان – مقالات مختارة –

تصاعد العنصرية اتجاه اللاجئين السوريين في لبنان – مقالات مختارة –

 

 

لكسر الـ«تابو» في نقاش العنصرية/ سحر مندور

نشرت «السفير» في صفحتها الأولى ليوم الثلاثاء الماضي صورةً لعامليْن سورييْن تم تقييدهما في وسط الشارع عند مدخل بعلبك، انتقاماً للمذبوحين والمخطوفين، وفي محاولةٍ مَرَضية لطمأنة الخائفين. الصورة تدلّ على نمو الكابوس الذي نعيشه بعيونٍ مفتوحة. لا دمّ فيها، ولا رؤوس تطير. الرجلان يجلسان القرفصاء، أيديهما مقيّدة خلف الظهر، وأرض الشارع فارغةً إلا منهما، بينما طرف الطريق يحوي بضع عشرات المتفرجين.

لا بد أن بين المتفرجين من أسِف من الفعل، لا بد أن الآسف وجد من يسكته بسردية الأحداث. جريمةٌ تُسكت أخرى، والحلقة تحكم إقفالها. هذه الحلقة لم تولد اليوم، وإنما تراكمت. وهذا الكابوس لم يأت من خارج هذا الجسم، هذه الروح. وهذه العنصرية لم تظهر فجأة، ليست الإجابة السحرية، وإنما هي قصةٌ بسياق.

وبينما نار الاعتداء تتغذى من الأحداث، يبدو الرأي العام واقفاً عند سطح هذه الأحداث بين دفاعٍ وهجوم، فيكمل بموقعه هذا إحكام الدائرة.

رهاب «سرقة الحياة»

في العام 2005، كان الخطاب المناهض لانفجار غضب لبنانيين ضد سوريين، يقول: لا تحاسبوا الشعب على جرائم النظام، هو يتعرّض لها مثلكم تماماً. وكان «الشعب» الذي يتعرّض للعنصرية حينها، شبه مقتصرٍ على العامل والجنديّ البسيط. في معرض تبرئتهما إذاً، تم تجريد هذا «السوري» من «رشده»، بأدواتٍ طبقية. فالعامل البسيط والجندي المعتّر ليسا النظام، هما أضعف من أن يكونا «النظام»، وإنما تختصرهما الحاجة الاقتصادية. هما آلتان لإنتاج ما يسدّ رمق عائلةٍ هناك في سوريا، ويسدّ حاجة لك أنت هنا في لبنان (عمَّرلك بيتك، نظفّلك حيّك، …). وكان في ذلك ما ينتقص منهما في سياق حمايتهما. اليوم، اختلف الوضع. السوري/ة البسيط/ة، العامل/ة والفلاح/ة واللاجئ/ة في خيمة، ما عاد السوريون وحدهم هنا، وما عادوا أيضاً بسطاء يتيح فقرهم إمكانية تبرئتهم. فزمن سوريا سياسيّ جداً وفي كلّ ركنٍ من لبنان. وبالتالي، فإن رؤية المسؤولية في وجه كل سوريّ/ة، باتت متاحةً أكثر. من الموالاة إلى المعارضة، من الرقّة إلى اللاذقية، من رواد المكاتب والمقاهي إلى سكّان الشوارع والخيم… لكلٍّ منهم دورٌ في القضية التي تُساق ضدهم. وأسباب المعاداة كثيرة.

عندما بدأ توافد السوريين إلى لبنان، استوعبهم الناس بتململ، لكن بأضرارٍ خفيفة. فحينها، كان اللبنانيون يعيشون الخبر السوري بترقّب، بأمل، كلٌّ في طموحه: إما إسقاط النظام، أو إسقاط المؤامرة. كانت تلك ربما مرحلة «ذهبية» في العلاقة الراهنة بين الشعبين، إذ تم إسكات ماضي الكراهية لمصلحة حاضر التغيير. ثم أتى نمو الأيام ليلغي الأمل من كلّ سياق، ويرسي مكانه الخطر. فعاد اللبنانيون، كلٌّ في خندقه، إلى استعادة الماضي، تدعيمه بحجج الحاضر، و«الانفجار غضباً». يبدون كمن يلوم السوريين على حالهم أولاً، ولكن على حال اللبنانيين أيضاً. وهو سياقٌ ليس عصيّاً على الحجج التي تبرره. فالعنصرية لا تولد من العدم الأسود، وإنما من تسلسل أحداثٍ واضحٍ كعين الشمس، تأتي فيه المجزرة كردّ مقنع على عملية اغتيال مثلاً.

اليوم، استقال اللبناني من الأمل بسوريا. تراه يخاف على نفسه المهدّدة أصلاً من خطرٍ ماحق وافد من الحدود السورية. ويخاف على رزقه من أعدادٍ بستة أرقام تشغل كل شيء.. الشعب الغارق في أزماتٍ مزمنة، يعاني من رهاب «سرقة الحياة» من فمه. هذه مخاوف محقّة، لها أرضٌ في الواقع. لكن سوء علاجها وتفاقمها، وامتزاجها بأسس العنصرية التاريخية بين الشعبين، وبماضي العلاقة المستمر، والخطابات المحرّضة والمُدينة، تراها تصبح كتلة نارٍ تنتظر الحدث الخانق أو لا تنتظره لتنفجر أفعالاً عنصرية تكاد اليوم تتشكّل كممارسة مستدامة.

اليوم، يبدو للبنانيين كثر أن السوريين جميعاً ـ موالين أو معارضين ـ شركاء في جريمة الزمن الراهن. لم يعد النظام هو النظام، وإنما بات الشعب هو المسألة. «يبدو أن قوات الردع السورية كانت محقّة في دعسها للبنانيين»، في مقابل «يبدو أن نظام البعث كان محقاً في دعسه للسوريين». الدعس المتبادل، كترجمة فورية للدعس الحاصل. فترانا نوزع «الحق» و«الباطل» على هذه الأقدام. نتراشق تهم العنصرية، لا يهمّ. إن الدائرة المقفلة لن تزداد إلا إقفالاً، والنقاش سيزداد عنفاً، ومنظّري المكاتب سيمتلكون المزيد من المريدين كلما ازدادوا تطرّفاً.

جمودٌ في اللحظة الأولى

يقولون إن اللبنانيين عنصريون، يحتقرون السوريين، عنيفون فوقيون مقزّزون، يستغلون سوء الحال ليمارسوا الجريمة، يضربون ويقتلون الضعيف، زعران يقوون على المهجّرين، ويحكون كلاماً يكاد يكون بسوء الجريمة. ويقولون، في الخندق المقابل، إن اللاجئين السوريين خطرٌ ومصيبة، يحملون مسؤولية إنتاج الإرهاب ومحاصرة آخر مقومات الحياة هنا، تجب محاصرتهم لاكتشاف ما يجري في داخل كلّ فردٍ منهم، كلّ عائلة، كلّ جماعة، كلّ مخيّم.. يجب رميهم جميعاً في أقرب حفرة، لتفادي المزيد من هذه المصيبة.

وبينما جميعهم يقولون، تتفاقم الأحداث يومياً. يلقي الأمن القبض على «داعشيّ» في مخيم، فيطرد أهالي المنطقة آلاف السوريين من خيمهم فيها. يُذبح جنديّ لبناني، فيُضرَب عمّالٌ هنا، تنام عائلات في العراء هناك. تزدحم الأحياء بالغرباء الوافدين، تمرّ الأيام وتصبح سنينَ، تعلّق اللافتات لتقول بتقييد الحريات الشخصية، وتُبرّر بحماية حيّز حياة معلّقيها. تزاحمٌ على وظائف، تزاحمٌ على الأمكنة. تزاحمٌ على الخدمات، الكهرباء والمياه. تزاحمٌ تنفجر فيه جريمةٌ، فتتكاثر. الضحايا يكونون كثراً عندما يقع الانفجار في منطقةٍ مزدحمة. والبلد اليوم مزدحم.

في مقابل ذلك، يأتي الخطاب المعادي للعنصرية بالاختزال المريح: «الشعب اللبناني عنصريّ». جملةٌ تُلقى بكثافة كبديهية لا يمكن نقاشها، يعتصم بها مثقفون وناشطون كثر. يمسكون بأمرٍ معيش كاحتقان العلاقة بين اللاجئ والملجوء إليه، ويحوّلونه إلى تابو، نقاشه جريمة بحق الإنسانية. ممنوع، ولا شيء يضطرهم إلى التعمّق في بحث الأسباب وإدارة النتائج. يكتفون بالقول، بسذاجةٍ قاتلة: «الشعب اللبناني عنصري»، علماً أن هذه الجملة هي بحدّ ذاتها تصريحٌ عنصريّ. لكن السهولة أتاحت لأصحاب هذا القول أن يكرّسوا عنصريةً في معرض مكافحة العنصرية.

هناك حلقة من ردود الأفعال تنشأ بين «مراقبي» الحدث، هؤلاء الذين يجلسون خلف مكاتبهم، ويتمتعون برفاهية التفكير، فيكتفون بالانفعال، يغذّونه. ينفعلون وكأنهم في لحظة الاعتداء الأولى. كثير من الكتّاب والصحافيين والناشطين والمدوّنين والإعلاميين (وليس جميعهم)، السوريين منهم واللبنانيين، مرّت عليهم الشهور، تشكّلت في سنوات، وهم ما زالوا منفعلين، داخل المكاتب. منذ أكثر من سنتين، لم يتقدّموا قيد أنملة في تحليلهم للوضع، لم يساهموا في تغذية النقاش بمبادرات بنّاءة، لم يرفعوا خطاباً يشرح الحال، يشرّحها، يتيح فهمها، يتيح إدراكها. لم يلتفتوا إلى إمكانيات المباشرة في علاجها، تشكيل رأي عام حاضن لنبذ العنف ضد السوريين، تماماً كما تشكّل الرأي العام الحاضن لنبذ العنف ضد المرأة داخل الأسرة، قوّة ضغط تتشكل شيئاً فشيئاً، وتبدأ من أيّ مبادرة، ولو بخطابٍ في الحيّز العام.

معظم الناشطين لم ينتظم بعد في وحداتٍ مناهضة للعنصرية، تعترف بحقّ المضيف بالاختناق في بلدٍ كلبنان، وتحمي حق اللاجئ بالأمان أولاً. لبنانيو المكاتب لم يخرجوا بعد من استغلالهم للوضع من أجل تأكيد صوابية الرأي الأول: كل ما يحدث هو مثالٌ حيّ على صوابية أقوالنا المأثورة. سوريو المكاتب لم يخرجوا بعد إلى سوريي الخيم، لم ينمّوا خطاباً يتوجهون به إلى اللبنانيين، يحمل المسؤولية الجماعية، ويفعل أيّ شيء فيها. حتى بات يبدو وكأن مكافحة ما يُختزل بـ«العنصرية» ما عادت تغري أحداً في مقابل الحشود التي تصطف على ضفتيها، مع وضد. إن المسؤولية العامة تفتقر إلى من يتحملها. نعي الدولة سيستمر في سياقاته الأثيرة. وكذلك الذبح، وكذلك تقييد السوريين في الشارع.

غريزة المتحرّرين من قيد

لا يتوقع المرء أن تأتي مبادرات إيجابية من سكّان البيوت الكثيفة والخيم، لكن سماعها في الظرف الراهن يبدو ممكناً أكثر في الخيم، حيث يمتزج العرق بالعرق، مما تمكن مصادفته على مقاهي الثقافة. وقد حصل أن أوجدت بائعةً في محل نوفوتيه عذراً لمن مارسوا العنصرية ضدها، معتبرة أن الوضع الصعب «يضعنا جميعاً» على أعصابنا. كلامٌ بديهي كهذا، لا يرد على أجندة رواد الشأن العام، من لبنانيين وسوريين. يتفّهونه، مع أنه صانع الحياة الفعلية. يرمونه جانباً، مع أنه مادة صبرٍ عتيق، الناس بأمسّ الحاجة إلى اعترافٍ بها واستثمارٍ بنّاء لها. كأن غريزةً ما، سورية ولبنانية، تفلّتت من عقالها، «زمطت» من القمقم، وتودّ لو تبلغ أقصاها، إن في الإدانة أو التطهّر. وكلاهما مستمرٌ منذ أشهرٍ طويلة، حتى بات تقييد السوريين في الشوارع صورةً في جريدة.

هذه الغريزة، هي لحظةً يشعر المقيّد فيها بأنه حرّ. وإذا كانت الشوارع تظهّر الحريّة الفردية في امتلاك العنف، فإن منابر الحيّز العام تظهّر الحرية في التفلّت من المسؤولية العامة. كأن رواد المكاتب يستغلون لحظة الجنون هذه ليخرجوا عن أصول مهنهم باتجاه انفلاش الغريزة. وأخيراً، سنتمكّن من الانفجار.

ماذا بعد؟ هل سيتشكل اللبنانيون والسوريون في مجموعات مسلحة تحمي نفسها من الآخر؟ سيستباح السوريون حيث هم ضعفاء، وستتدخل القوى لحماية اللبنانيين حيث يقوى السوريون. أكثر؟ سنعلّق مشانق بعض في الشوارع؟ أبعد؟ سننفجر في بيوتنا، سنكره أكثر، سنخاف أكثر، وسيذبح جنود، وسيقتل مدنيون، سيشرّد لاجئون، ولن يتغيّر شيء إلا إلى الأسوأ.

إن الوضع جريمة، لن ترشح عدالةٌ عنه. أقصى ما يمكن فعله هو «حقن الدماء وحصر الأضرار». الحروب الصامتة كهذه الدائرة هنا، تحتاج إلى من يخرج «التابو» منها، يهوّيها، يضعها على السطح، يتخفّف من اختزالاتها، ويعترف لكلّ طرفٍ بألمه، ويدين كلّ طرف بأفعاله، مع احترام الاختلاف في نسب التعب، على اختلاف أوضاع اللاجئين واختلاف أوضاع المضيفين، من منطقة إلى أخرى، ومن طبقة إلى أخرى.

هذا ليس جهداً جباراً، وإنما هو أضعف الإيمان. العاملة في متجر النوفوتيه من السابعة صباحاً حتى السابعة مساءً، يومياً، وجدت الوقت لتبادر بذهنها وحياتها نحوه. أما رواد المكاتب والمقاهي، المتفرغون للتفكير فيتقاضون بدله راتباً، فيطفون على سطح المعاني الأشدّ بريقاً، الأشدّ حدّة.

في وضعٍ كهذا، وفي أيّ وضع آخر يستجد، سلامٌ إلى عاملة النوفوتيه. فهي التي تطمئن النفس إلى ثباتٍ على الأرض، عندما يطبق الأسْوَد على الأفق.

السفير

 

 

 

 

مقايضة الشارع: “العسكريون مقابل اللاجئين”؟ أثمان مضاعفة تتصاعد مع تعقيدات الفلتان/ روزانا بومنصف

لم يكن التهجم على اللاجئين السوريين وضربهم والسعي الى طردهم من بعض المناطق كرد فعل على اعدام تنظيم داعش الجندي اللبناني عباس مدلج اقل وطأة من المأساة التي مثلتها هذه الخطوة على المستوى الانساني في الدرجة الاولى . لكن المشاعر الغاضبة التي لا يمكن لجمها والتي يمكن ان تتفلت من دون القدرة السياسية او ربما ايضاً من دون الرغبة في ضبطها سعياً الى تنفيس الاحتقانات، قد ترتب اثمانا باهظة على لاجئين سوريين لا ناقة لهم ولا جمل في ما يمارسه السوريون الذين خطفوا جنودا من الجيش اللبناني.

تبرز من التطورات الاخيرة التي تفاعلت منذ السبت الماضي على اثر نشر صورة الجندي الشهيد معادلة مقايضة خطيرة ما دامت الحكومة عاجزة ورافضة للدخول في هذا المبدأ. وقوام هذه المعادلة “العسكريون مقابل اللاجئين” الذين سيكون أمنهم وامانهم معلقين بنسبة كبيرة ابتداء مما حصل اخيرا على تطور ملف العسكريين سلباً او ايجاباً. لا تطرح الحكومة هذه المعادلة ولا اي من القوى السياسية على اختلافها والجميع يرفضونها، لكن يخشى ان تفرض هذه المعادلة نفسها بحكم الامر الواقع ان من خلال طرد اللاجئين من مراكز لجوئهم او من خلال تشجيع عملية خطف السوريين في لبنان. وكان وزير الداخلية نهاد المشنوق حذر من احتمالات هذه المعادلة في مرحلة سابقة. لكن التحذير الكلامي يختلف عن التنفيذ الواقعي الذي شهده الشارع في بعض المناطق في عطلة الاسبوع . هناك رفض علني جامع لهذه المعادلة على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي ، كونها تعقد المشهد في لبنان من جهة وتساهم في تعزيز حال الفلتان والفوضى بما قد يهدد استقراره ويدفعه اكثر في انزلاقات خطيرة . لكن رب من قد يجدها ناجعة في مكان ما من اجل افهام الخاطفين ان مطلب حماية النازحين او اللاجئين السوريين، خصوصاً باعتباره مطلباً معلناً من جانبهم على الاقل، لا يمكن ضمانه في ظل الوضع القائم وانه في مقابل استهداف اي عسكري سيكون هناك مزيد من استهداف السوريين الابرياء الذين سيدفعون الاثمان من دون قدرة رادعة للدولة اللبنانية في هذا الاتجاه . وفي الوقت الذي يحرج هذا الامر الحكومة على صعد عدة، اضافة الى التزاماتها امام الخارج بحماية اللاجئين ومساعدتهم وتوفير الامان لهم ، فإن ثمة من يخشى الا يكون التنظيمان الخاطفان للعسكريين يأبهان للاجئين من مواطنيهم ما لم يكن من بينهم من هو مهم بالنسبة اليهم فعلاً. في حال التسليم جدلاً بان واقع الصراع القائم راهناً هو مع التنظيمين الخاطفين للعسكريين اللبنانيين علماً ان للصراع تفرعات اخرى وهناك مصالح متضاربة لافرقاء كثر.

في أي حال، ثمة مخاوف مشروعة لدى سياسيين كثر وبناء على معطيات تفيد بازدياد تعقيد موضوع خطف العسكريين وربما بتضاؤل الاحتمالات باي انفراج على هذا الصعيد في المدى القريب او ايضاً بناء على احتمالات بقتل عسكري آخر من الطائفة الشيعية او من الطوائف الاخرى من اشتعال مشاعر “عنصرية” ضد اللاجئين السوريين لن يكون هناك اي قدرة على ضبطها. لكن لعلها تكون في شكل من الاشكال، وفق ما يرى البعض، بديلا اخف وطأة نسبيا من فتنة سنية شيعية في لبنان خاف كثر من احتمالاتها بعد قتل العسكري مدلج، فلم يكن من مجال سوى توجيه الغضب ضد السوريين بدلاً من توجيهه في الاطار الطائفي او المذهبي علماً ان اشتعال المواجهات بين اللبنانيين والسوريين في لبنان في حال حصولها، لن يكون اقل من حرب اهلية من نوع آخر.

فقد ارتكبت القوى السياسية جميعها وان بنسب متفاوتة باعتبار ان الافرقاء المشاركين في الحكومة السابقة يتحملون مسؤولية مضاعفة، خطيئة عدم تنظيم لجوء السوريين الى لبنان منذ بدء الازمة السورية. اعتقدت الطائفة السنية ان كل اللاجئين السوريين هم من أبناء الطائفة الذين هربوا من الحرب التي شنها نظام الاسد لكي تفاجأ ويفاجأ معها اللبنانيون بالالاف منهم يصوتون لهذا الاخير في مراكز اقيمت لهم في لبنان. ورغب “حزب الله” في رد الجميل للسوريين الذين استقبلوا اهالي الجنوب الذين هجروه في حرب تموز 2006. فيما المسيحيون الذين يخشون وفق ما اعلنوا اقامة مخيمات تذكرهم بالمخيمات الفلسطينية في لبنان التي لم يعد في الامكان ازالتها لم يدفعوا في اتجاه تنظيم دخول اللاجئين وتوزيعهم بل رفضوا ذلك. فكانت النتيجة توزعهم وانتشارهم على نحو عشوائي في كل المناطق والاحياء والابنية بما بات يشكل مخاطر كبيرة نتيجة عدم امكان تحديد اللاجئين الفعليين منهم من اولئك الذين يعبثون بامن لبنان واستقراره او يشكلون خطرا عليه. ولبنان ككل تجاهل احتمال ان يرسل نظام الاسد الى لبنان مليونا او اكثر من السوريين في اطار محاولة تعزيز وضعه من خلال تهديد وضع لبنان وفقا للاوراق التي دأب على لعبها على هذا الصعيد.

في أي حال، اطلق خطف العسكريين نذيرا اقوى في شأن اللاجئين السوريين في لبنان. وثمة مداهمات يقوم بها الجيش اللبناني راهنا للكثير من مراكز تجمعات السوريين في الجرود او في مناطق عدة حيث تثار شبهات حولهم ما يرفع نسبة التحديات التي تواجه لبنان في هذه المرحلة.

النهار

 

 

 

في ذمّ التحريض ومديحه/ حسام عيتاني

تتفرغ قوى طائفية – سياسية لبنانية لتحريض جمهورها وتزويده بالكراهية والحقد اللازمين لجولة جديدة من الحرب الأهلية. وتسخّر لهذه الغاية وسائل إعلام ونواب ووزراء وكتاب.

تنتهي حملات التحريض اليومي إلى استنتاجات قاطعة تتضمن غالباً عبارة «لا حل إلا». «لا حل إلا بطرد اللاجئين السوريين». «لا حل إلا بالقضاء على بؤر الإرهاب في طرابلس وعرسال». «لا حل إلا بتسليح المسيحيين». «لا حل إلا بطرد حزب الله من الحياة السياسية». «لا حل إلا بإعادة النظر باتفاق الطائف». أما التصنيفات الجوهرانية فلا غنى عنها. فالشيعة عملاء إيران، والسّنة إرهابيون إلى أن يثبت العكس… إلخ

قطعية الخلاصات هذه ليست غير وصفة مضمونة لتفجير لبنان وإعادته إلى دائرة الحروب الأهلية. فما من جهة تملك اليوم ما يكفي من القوة والتأييد الداخلي والخارجي لتفرض رؤيتها وتصورها للحل. فلا يبقى من الأقوال المذكورة غير الجزء القائل «لا حل». فالمأزق اللبناني شامل ولا مخرج منه في المستقبل المنظور من دون تدخل خارجي لا تبدي أي من القوى المؤثرة رغبة في التورط فيه.

ترجمة التحريض الطائفي إلى أفعال، ليست بالسهولة التي يتخيلها البعض. فالجهات الواقفة وراء التحريض غالباً ما ترمي إلى تعزيز مواقعها الأهلية أكثر من إلحاق الهزيمة بخصوم تعرف أنهم لا يقلون عنها أصالة في الانتماء الطائفي، بل إن جميع المحرضين يتشاركون في الهيمنة على الدولة وتقاسم غنائمها من أدنى الإدارات إلى أعلى الوزارات. عليه، يمتنع المحرضون عن دفع الأمور إلى حدود الصدام المباشر المفتوح. تسميم أجواء البلد والقضاء على فرص التعايش بين مكوناته ليس بالأمر الذي يقض مضاجع هؤلاء.

ولا مانع من مناوشة هنا واعتداء على مجموعة من اللاجئين السوريين هناك، ما دام كل ذلك يساهم في «تأطير» الجمهور الذي يطالب «بالألعاب» على نحو ما كان فقراء روما يصرخون مطالبين بمشاهدة مباريات المصارعة وهم على حافة الموت جوعاً. وهنا دائماً من يتبرع بتشغيل «الألعاب» وتلبية طلب الجمهور الجائع والعاري، المحروم من أبسط الحقوق الإنسانية.

ضبط مستوى التحريض وسياقاته يشكل مهمة «نبيلة» تقوم بها قيادات الطوائف المسيسة. لضمان استمرار نهبها المنظم، من جهة، ولتجنب الإجابة عن سؤال أعمق يتعلق بصيغة السلطة والدولة والتعايش الطائفي من جهة ثانية.

ويعلم كل ذي نظر أن تحميل اللاجئين السوريين، على سبيل المثال، تبعات التوتر الأمني والأزمة الاقتصادية، ليس إلا الوجه الآخر لفشل «الدولة» في أداء الحد الأدنى من واجباتها بعدما بلغ شللها درجة تحول قيامها بأي عمل. ينطبق الأمر ذاته على الإثارة الدائمة لموضوع بؤر الإرهاب في مناطق بعينها، فهذا ليس غير تعمية على عجز الدولة عن معالجة مسألة السيادة التي يتحداها وجود جيش رديف لا يأتمر بأمرها ويقرر وحده (أو بأوامر مشغليه) أين يقاتل وأين يرسل جنوده ومن يهادن ومن يفاوض.

المخرج المنطقي من هذا الزقاق المسدود هو «الدولة» التي يود الجميع «العبور» إليها. لكنها دولة لا ملامح ولا تعريف لها. بكلمات ثانية، هي الوهم الذي يمكن تسويقه بصفته الخلاصية ويمكن في الوقت ذاته، الاستمرار في نهبه إلى ما شاء الله.

سيرافقنا التحريض بأنواعه، الغبي والمدروس والمجاني والمدفوع الثمن، ما دامت السياسة في هذه الأنحاء تقوم على خداع الناس وما دام أي إطار جامع ممنوع حتى اشعار آخر.

الحياة

 

 

 

 

عنصريّة البُلَهاء/ زيـاد مـاجد

قد لا يكون جميع العنصريّين بُلَهاء. لكن العنصريّة نفسَها في ما يذهب إليه معتنقوها من كراهية للآخرين ومن ادّعاء تفوّق جماعاتي عليهم هي البلاهة بعينها.

وهي، فوق ذلك، مدعاة توزيع مهامٍ بَلهاء وساقطة على أتباعها. فسياسيّوها يصرّحون بوحيٍ منها وبادّعاءات ومصطلحات حقد وازدراء معمّمة تفرضها. والرعاع ينتشرون كعصابات في الشوارع ويعتدون عشوائياً على من يندرج ضمن استهدافاتها. والكتّاب من أهلها يحاولون تبريرها واعتبار مؤدّياتها الميدانية ردود أفعال غاضبة على ما أقدم عليه ضحاياها ومن يشبههم في اعتداءات سابقة.

هكذا، تتحوّل العنصرية الى ماكينة تختلط في مستويات عملها شرائح المنتمين إليها وتتكامل مهامهم.

وهكذا تتحوّل البلاهة المقرونة بالحقد الى مذهب عام يشكّل عنصر التماسك للشرائح المختلفة. ثمّ تتسلّل منه لغة وأمثلة ومقارنات وأحكام يتداولها من هم على ضفاف العنصرية وعياً وبلا وعي.

على أنّ أسوأ ما قد تُنتجه العنصرية هو تحويل مقولات ووقائع الى مواد نقاشٍ تحجب المواد الفعلية اللازم نقاشها. فأن يصير الحديث محصوراً باستنكار أو تأييد سلوك شبّان يهاجمون لاجئين في الشوارع لخرقهم “الحظر على تجوّلهم ليلاً”، وأن يقال إن ضرب عمّالٍ هو ردّ على ذبح “داعش” لجندي لبناني أسير، فالأمر خطير لأنّه يغيّب عن عمدٍ القضايا التي يُفترض باللبنانيّين (والسوريّين) التباحث فيها.

من هذه القضايا مثلاً، أن مبدأ حظر التجوّل على مجموعة من البشر هو في ذاته اعتداء عليها وتمييز ضدّها يجب التصدّي له قانونياً ومقاضاة المجالس البلدية والسياسيّين الذين اعتمدوه؛ ومنها أن الاعتداءات الجماعية على أفراد لمجرّد انتمائهم الوطني أو الإثني أو الديني (أو غير ذلك) هو سلوك إجرامي ينبغي إنزال أشدّ العقاب بمُرتكبيه بمعزل عن أي مُلابسات أو ظروف؛ ومنها أيضاً أن القول بالانتقام من “داعش” عبر مهاجمة سوريّين في لبنان هو قول محمّل بالخبث السياسي والمذهبي عند البعض وبفائض البلاهة عند البعض الآخر. فما معنى اعتبار “داعش” سوريّة الانتماء أصلاً؟ وما معنى القول إن في ضرب عمّال ولاجئين ردّاً على جرائمها؟ ومِن مصلحة مَن تناسي أن “داعش” قبل اعتدائها على القوى الأمنية والعسكرية اللبنانية قتلت أكثر من ستّة آلاف سوري (بينهم ما يزيد على الأربعة آلاف مقاتل من الجيش الحرّ والفصائل الإسلامية وأكثر من 500 رجل من عشيرة الشعيطات – وجميع هؤلاء بالمناسبة مسلمون سنّة)، وأنّها قبل خطفها جنوداً لبنانيّين خطفت مئات الناشطين السوريّين المعارضين للنظام في الرّقة وحلب وغيرهما.

تحويل الأنظار عن هذه القضايا والسعي الى إلصاق صفة “الداعشية” باللاجئين والعمّال السوريّين في لبنان لتبرير الاعتداء عليهم، هو إذن مزيج من مفاعيل “عنصرية البُلَهاء” وسياسات حزب الله وحلفائه مِمّن يبحثون عن تبريراتٍ لاستمرار توافد آلاف مقاتلي الحزب الى سوريا لنُصرة النظام الفاشي فيها (وتوافدهم بدأ قبل ولادة الوحش “الداعشي”).

والواجب في مقابل ما يجري هو تنظيم حملات مدنية وإعلامية مضادة، ليس دفاعاً عن اللاجئين والعمّال السوريّين فحسب، بل أيضاً عمّا تبقّى من قانون وحقوق إنسان في لبنان، وعن لبنان نفسه…

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

السوري هو الآخر/ نصري حجاج

تعرض السوريون في لبنان، منذ أكثر من أربعة عقود، إلى شتى أنواع التعامل الذي يحط من قدرهم كبشر. ولم يكن هذا التعامل دائماً ذا صلة بالتدخل العسكري في الشؤون الداخلية اللبنانية. حتى قبل أن يدخل الجيش السوري في عام 1976 إلى لبنان، بناء على قرار عربي ولبناني ودولي، ليقوم بدور قوة الردع العربية، كان لبنان ملاذاً لعشرات آلاف العمال السوريين الذين وجدوا في هذا البلد فرصاً وفيرة للعمل.

نتذكّر تلك الحقبة، حين كان العمال السوريون يتخذون من الساحات العامة في المدن اللبنانية مراكز تجمع في الصباحات الباكرة، يحملون أدوات صالحة للأعمال الشاقة كافة، ينتظرون أرباب الأعمال بشاحناتهم الصغيرة، حيث ينتقي هؤلاء من يرونه صالحاً بدنياً للعمل. كان العامل السوري خارج أي ضمانات اجتماعية، ويرضى بأي عمل، وبأي أجر. وكم كان ذلك المشهد في الصباحات الباكرة مثيراً لإطلاق التعليقات الساخرة، لأن اللبناني، أو حتى الفلسطيني في لبنان، كان لا يقبل تلك الشروط للعمل.

بعد التدخل العسكري السوري في لبنان، كثيراً ما سمعنا نكاتاً ساخرة عن جنود سوريين تخلصوا من سلاحهم، ووقفوا في ساحات المدن، انتظاراً لفرص العمل. برزت في لبنان، في تلك الفترة، مشاعر الخوف، والاحتقار في الوقت نفسه، حيال السوريين. الخوف من قوة عسكرية مارست القتل والتدمير، واحتقارهوية هذه القوة التي كان أفرادها، إلى وقت قريب، مجرد عمال مياومين. وامتدت هذه النظرة تجاه السوري، الآخر، إلى حين تغير الواقع السياسي، وخرج الجيش السوري وأجهزته الأمنية من لبنان عام 2005، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

بعد الانسحاب السوري من لبنان، سادت موجة من الكراهية والانتقام بحق الجالية السورية في لبنان. والغريب أن الجماعات التي مارست أشكال الانتقام، وسلكت، في تلك الفترة، سلوكاً عنصرياً تجاه السوريين، ستكون هي نفسها التي ستعلن تضامنها مع النازحين السوريين اليوم.

بعد قيام الثورة السورية، والتفاؤل الشديد الذي أصاب كثيرين في سورية ولبنان بنجاحها وإسقاط النظام الذي يحمل له لبنانيون كثيرون تاريخاً من الكراهية، وجد هؤلاء في الثورة السورية أملاً للثأر لذواتهم المهانة، في عهد السيطرة العسكرية على لبنان.

وأستطيع أن أقول إن من أسباب تأييد هؤلاء للثورة السورية الانتقام من النظام السوري وقهره وبطشه في لبنان، وليس انتصاراً خالصاً لحراك الشعب السوري، وتطلعه نحو الحرية والقضاء على الاستبداد.

مع تدفق النازحين السوريين إلى لبنان، وما رافق ذلك من مشكلات اجتماعية وأمنية، تنجم عادة في حالات النزوح العظمى، باتت مشكلتهم وما نجم عنها من تعقيدات طبيعية، ككتلة كبيرة في بلد مضيف، مشكلةً لبنانيةً، أصابت الجميع، مؤيدين ومعارضين، وبمستويات مختلفة. فقد جعل وجود هذا العدد الهائل من السوريين في بلد صغير اللبنانيين، حتى المؤيدين للثورة، أسرى حيرة وقلق. ففي وقت يؤيدون فيه الثورة السورية لأسباب مختلفة، باتوا ينظرون إلى وجود النازحين السوريين عبئاً ثقيلاً، حتى لوحظ أن مثقفين ديمقراطيين متضامنين مع الشعب السوري أبدوا تأففهم من وجود أعداد كبيرة من زملائهم المثقفين والفنانيين السوريين في المقاهي والحانات الليلية، واعتبر بعضهم وجود هؤلاء احتلالاً ثقافياً سورياً من نوع جديد.

لم تكن العنصرية في لبنان تجاه السوريين ممنهجة، ولا شاملة جميع شرائح المجتمع اللبناني، بمعنى أن الدولة نفسها، كمؤسسة، لم تسن قوانين عنصرية، كالتي وضعتها تجاه الفلسطينيين. كما أن هذه العنصرية لم تكن مجرد سلوك اعتباطي وعفوي، بل عنصرية فرضتها طبيعة لبنان، البلد الصغير، المتميز والمتعدد الثقافات والطوائف، والذي يعاني بارانويا مزمنة في علاقاته مع الغرباء، في الداخل والخارج.

العربي الجديد

 

 

 

 

إلى الرعاع في لبنان: تحيتان من البغدادي والجولاني/ ربيع بركات

حقق كل من «داعش» و«النصرة» نجاحاً باهراً. نجح الإثنان في استفزاز لبنانيين مهيئين في العادة للانفجار، عند كل مفترق حدث. لم تكن المهمة صعبة. ففي لبنان شبه دولة يُخطف جندها بالعشرات فيما بعض مسؤوليها يتابعون عيشهم كأن شيئاً لم يكن. وفيه أيضاً ما يكفي من الغوغاء في الشارع لحرف الأزمات عن أصلها، ولوضعها على سكة أكثر تفجّراً.

ليس صعباً فك شفرة ما يصبو التنظيمان إليه من خلال خطف جنود لبنانيين واحتجازهم، قبل الإجهاز على بعضهم بحد السكين، توازياً مع السير بلعبة مفاوضات تبادل السجناء على الشاكلة الراهنة.

«جبهة النصرة» تحاول استمالة «أهل السنة» في لبنان، لذلك أطلقت المنتمين إلى الطائفة وأبقت على «الأغيار»، ودعت في بيانٍ لها، من تزعمُ الحديث باسمهم، إلى الانشقاق عن «الجيش الصليبي». لـ«النصرة» مشروعها السلفي الذي لا يتسع للآخرين من الطائفة، لكنها تديره بذكاء. وهي تعول في دعايتها داخل لبنان، على شرذمة من أدعياء «الثورة» الذين يشتمون «داعش» ويغنون على ليلها بصوتٍ خفيض. كذلك تستفيد من مقارنتها التلقائية بتنظيم «الدولة» لتبرئة نفسها من الغلو، برغم مسارها الحافل بالتطرف، في الأدبيات كما في المسلك. بعد أكثر من شهر على الاحتجاز، نجحت جماعة الجولاني في اللعب على الوتر الطائفي بفعلتها، فأرخت خيط «السنة» وشدت أعصاب الجماعات الأهلية الأخرى، وحققت بذلك «ضربة معلم».

تنظيم «داعش»، في المقابل، فضل اعتماد أسلوب مختلف. لم يفرق بين الجماعات الأهلية أصلاً. هو أكثر صراحة من «النصرة». من لا يطيقهم مرفوضون على الملأ، سواء انتموا إلى «الطائفة» أم لا. يفضل الوضوح منذ البداية، عوضاً عن التمرحل في كشف أجندته وتنفيذها. «الكفر» و«الردة» عنده لا لبس فيهما. يلمعان وضوحاً كحد السيف. أعدم وحوش «الدولة» الرقيب علي السيد بدم بارد، ثم انتظروا الماء في القدر اللبناني ليغلي على مهل، قبل أن يذبحوا زميله العسكري عباس مدلج. تعويلهم كان على الفعل الثاني. فمدلج من «الطائفة الشيعية»، وقتله، مرفق بسباب للطائفة وتهديد لوجودها، ولو في البيانات، فعّال في إثارة أبنائها، وفي إخراج الرعاع منهم عن طورهم.

الوالدان المكلومان أظهرا وعياً رفيعاً. رأى كل منهما أن شهيده يتسع لكل الوطن وقالا كلاماً موحداً. والد الجندي «الشيعي» شدد على رفض الفتنة التي بدأت تطل برأسها من حادثة إعدام ابنه الأسير. فيما زاد رئيس الهيئة الشرعية في «حزب الله» الشيخ محمد يزبك على كلامه، أثناء العزاء، مؤكداً رفض التعرض للنازحين السوريين، ومعتبراً إيواءهم واجباً إنسانياً.

لكن صدى الكلام المذكور لم يخرج عن نطاقه الضيق. فـ«داعش» كانت قد سجلت هدفها ورمت الكرة في ملعب الغوغاء. هكذا، خرج فاقدو العقل من المتسترين بـ«الطائفة» عن طورهم في الشوارع، ليعتدوا على نازحين في بعض الأحياء، وليعطوا مادة دسمة لمن يتمنّونها. في المقابل، أخذ بعض أدعياء «الثورة» يسوّقون على وسائط التواصل الاجتماعي رواياتٍ عن اعتداء «جماعة حزب الله» على السوريين، قاصدين بذلك تعميماً طائفياً مضمراً، وتوظيفاً سياسياً سريعاً.

تحولت المسألة بين ليلة وضحاها من قضية عسكريين مخطوفين لدى جماعات متطرفة، لاقى إثرها الجيش دعم الغالب الأعم من اللبنانيين، إلى هيام الغوغاء في الشوارع بحثاً عما يحقق لهم ثأراً معنوياً.

رد الفعل «الشوارعي» يسير بالبلاد على حافة سكين، شبيه بذاك الذي يمسك به الذابحون. يُفرح هذا الأمر كلا التنظيمين المعنيين بخطف الجنود لا ريب. فأي أمر أعظم من خلط الأوراق وجعل ثلة من المغفلين حصان طروادة للجماعتين من أجل التمدد في ربوع البلاد؟

سبق للبنانيين من أنصار «الثورة» أن انفعلوا على مشاركة سوريين في الانتخابات الرئاسية منذ أمد قريب، فدعا سياسيون وإعلاميون منهم إلى طرد اللاجئين الذي يثبت «تورطهم» في عملية الانتخاب. لكن الأمر لم يتعدَّ الكلام حينها.

ثمة وضع مختلف اليوم. فالاستثمار في الدم المراق، لا في الموقف السياسي فقط. والقضية مرشحة لمزيد من التفاقم مع إتقان الجماعتين اللعب على التناقضات وإمساكهما برقبة الدولة اللبنانية وبجزء معتبر من أراضيها. تُضاف إلى ذلك قابلية للانفجار الأهلي لا يوقفها عند حدها سوى قرار إقليمي – دولي بالحفاظ على لبنان خارج مدار الزلازل.. حتى الآن.

ليس الانفعال سوى جزء من الدائرة المفرغة التي تتفرع عن الأزمة السورية، سواء في موطنها أو في البلدان المحيطة. ثمة منطق يعيد إنتاج نفسه، ببساطة لأن العنف يولّد مثله، ولأن الظروف التي شجعت عليه كانت داخلية سورية وخارجية أيضاً.

هكذا، بعد انطلاق الاحتجاجات السورية بأشهر قليلة، وفي مقابل قمع السلطة، سوّق البعض للعنف كحل للأزمة المتمادية. لم يتورّع كثير من هؤلاء عن الدفع نحو التطييف والعسكرة والتدويل، ملاقين النظام في منتصف الطريق. قام رعاع، تحت راية «الثورة»، بمشاركة الأجهزة الأمنية في القضاء على سوريا، دولة ومؤسسات ونسيجاً وطنياً، بحجة أن التدمير والبطش مباحان في إطار «رد الفعل» على عنف النظام.

اليوم، يقوم رعاعٌ لبنانيون بالاعتداء على سوريين وفق المنطق ذاته. يريد هؤلاء أن تُدفع جزية الذبح، فيتنقلون من حارة إلى أخرى كما يحوم الذباب فوق الدم المسال، باحثين عن ضحية يشفون بها بؤسهم، فيما الدولة العاجزة عن حماية جنودها، أعجز عن وضع تصور يفيد في منع انفلات الأمور من عقالها.

لهؤلاء كلام مستحقٌ من البغدادي والجولاني على السواء: تحية شكر وتقدير.

السفير

 

 

 

 

عن العنصرية اللبنانية والفشل السوري/ نائل حريري

يقولون إن الممارسات العنصرية ضد السوريين تزايدت في لبنان في هذه الفترة تحديداً بعد مواجهات بين «داعش» و«النصرة» من جهة والجيش اللبناني من جهة. هذا أمر متوقع ومفهوم للغاية، بل إن المستغرب هو ألا تظهر هذه العنصرية أساساً في بلد يمارس قسم معتبر من أفراده العنصرية ضد بعضهم. من ساواك بنفسه ما ظلمك، فماذا لو أضفنا إلى هذا الواقع معضلة الوجود المدني السوري اليوم في لبنان، والذي لا بد أن يحرك ذكريات الوجود السوري الأسبق عليه (وجود الجيش السوري في لبنان). وهما رغم اختلافهما ما يزالان في أعين الكثيرين وجهين لعملة واحدة: إنه وجود سوري… في لبنان.

في مقابل هذا الواقع وتلك الحوادث المتكررة التي قد تكون بالعشرات في البلد الصغير، ثمة واقع آخر يتبدى في تصيّد تلك الحوادث ومن ثم تعميمها. ذلك ديدن من يريد لهذا الوقود أن يزيد اشتعالاً، ولهذه العشرات من الحالات أن تتحول إلى مئات ثم آلاف. إنها دعوات جهاد مبطنة في بعض الحالات، لكنها في كثير من الحالات الأخرى لا تخفي نفسها على الإطلاق، بل وتدعو للرد بالمثل، أي مجابهة العنصرية بعنصرية.

اللافت للنظر في هذه القصة هو الصفر المطلق الذي تمثله المجموعات المدنية السورية في لبنان، والتي لا علم لنا بدقيق عددها إنما يحتمل أنها عشرات من المؤسسات الكبيرة والصغيرة، تمول من دافعي الضرائب في دول عربية وغربية وأوروبية شتى. لم نسمع منها حالياً سوى بضع بيانات الشجب والتنديد والتأكيد، على أن العنصرية مرفوضة، وأن علينا أن «نكبِّر عقلنا» ونعود إلى «تاريخنا المشترك»… إلخ. برغم أن تاريخنا المشترك ليس أقل سواداً من حاضرنا المشترك، وكلاهما ليسا أفضل من مستقبلنا المشترك إذا بقينا على هذا النحو.

أمام المؤسسات المدنية السورية اعترافان لا بد منهما للخروج من عدميتها وضياعها. الأول هو أن لبنان «الدولة» لم يكن قادراً ولن يكون يوماً قادراً على تحمل هذه الأعباء الإضافية على كاهله. وهذا لا يعيب أي دولة يتضاعف عدد السكان في أقضيتها خلال ثلاث سنوات. إن الدولة ليست مسؤولة عن رعاية السوريين واللبنانيين معاً، وإذا كانت مسؤولة أخلاقياً وإنسانياً فهي غير قادرة على ذلك لوجستياً ولا تكنيكياً.

الاعتراف الثاني هو أن السوريين أيضاً عنصريون بالاتجاه المقابل، أي أن نسبة العنصريين هنا تقابلها نسبة تزيد أو تنقص من العنصريين هناك. إن الانطلاق من هذا الاعتراف يمسك برأس الخيط الأساسي الذي يضخم المسألة: قسم معتبر من السوريين في لبنان لا يثق بالدولة اللبنانية. بل ما يزيد الطين بلة، هو أن هذه المؤسسات المدنية نفسها لا تثق كثيراً بالدولة اللبنانية، ولم تحاول في هذه الظروف العصيبة أن تقف موقفاً مساعداً لحمل بعض هذه الأعباء عن الدولة اللبنانية نفسها، أقصد رعاية شؤون السوريين بالتواصل مع الدولة.

وبعيداً عن الدور الجيد الذي تقوم به هذه المؤسسات الصغيرة، من إنشاء مدرسة هنا وتعليم بعض الأطفال هناك وتأمين بعض المساعدات الغذائية في أمكنة عديدة، فإن الأهم والأجدر هو أن تخلق نواة للدفاع المدني السوري في لبنان، تقوم بتشارك مسؤوليات الدولة وحمل عبء السوريين عنها من النواحي القانونية والداخلية لتكون هي الصلة المباشرة بين هؤلاء السوريين والدولة اللبنانية، سعياً لتطبيق القانون اللبناني في مصلحة السوريين أو ضدهم. تلك مسألة تحتاج إلى عمل هذه المؤسسات المدنية وتواصلها مع الدولة ومطالبتها بقوننة وضعها وتيسير عملها بالطرق المناسبة، لا مجرد الادّعاءات والبيانات والتصريحات أو ـ في أصدق الحالات نية ـ طباعة منشورات عن التآخي والمحبة والتسامح.

تلك المؤسسات المدنية السورية في لبنان – والتي لا يزال كثير منها لا يعرف الآخر، برغم مرور ما يزيد عن عامين عن نشاطها المستمر ـ تحتاج أن تتحرك اليوم، وأن تطرق باب الدولة اللبنانية لتعرض نفسها كوسيط حقيقي ومشارك في حماية السوريين واللبنانيين من عنصريتهم على حد سواء. وقد يتطلب ذلك أن تتخلص هذه المجموعات من عنصريتها تجاه بعضها أولاً، واتفاقها على أن تعمل بشكل مشترك في ما بينها، وأن تكون تلك الحلقة المتينة التي تصل بين طرفي الواقع اللبناني الحالي الذي لا بد منه ولا يمكن تجاهله ونسيانه. أما الدولة اللبنانية فعليها أن تخرج من حالة اعتباطيتها ومزاجيتها وتخبطها فيما يتعلق بالسوريين اللاجئين في لبنان، وهو الأمر الذي لن تستطيع فعله ما لم تقرر تقاسم هذا العبء مع طرف آخر.

 

السفير

 

 

 

 

اللاجئون السوريون في مهب التفسخ اللبناني/ يوسف بزي

كذّابون.. الوزراء ومراسلو التلفزيونات ورؤساء البلديات والأحزاب وزعماء الطوائف والأجهزة الأمنية. كذابون ومجرمون. هؤلاء ليسوا «شباب المنطقة» ولا «لجاناً شعبية»، هؤلاء ليسوا فقط زعراناً ولا مجرد رعاع وحثالة. هؤلاء أنتم، نتاجكم النقي، عصارة ثقافتكم العنصرية الطائفية، الترجمة الأمينة لسياستكم ولتربيتكم ولغتكم وسلوككم.

كل قطعان الضباع الفاشية، التي انفلتت لتعتدي على السوريين في لبنان، أكانوا مقيمين منذ عقود أو عمالاً أو نازحين أو حتى زائرين، هي نفسها قطعان الشبيحة التي تطعن بالسكاكين عائلات عائدة من تظاهرة سلمية، هي نفسها قطعان توزيع الحلوى عند كل اغتيال أو مجزرة، هي ذاتها «المحلل السياسي» على التلفزيون الذي يهدد ويتوعد ويحرض وينز من فمه لعاب الكراهية، هي نفسها عصابات 7 أيار 2008 في غزو بيروت، هي عينها «القمصان السود» التي توعدت بتخريب البلد. هي هي التي تلهب سماء لبنان بالرصاص كلما ثرثر زعيمها على الشاشة. بل هي نفسها الجحافل التي تجتاح القرى والبلدات السورية، زارعة الموت والدمار مؤازرة نظام الإجرام هناك. وهي أيضاً ذاتها الغوغاء التي تقطع الطرق وتحرق الدواليب وتدمر الممتلكات العامة.

هؤلاء الذين اعتدوا على السوريين بحجة الانتقام للجنود اللبنانيين، هم أنفسهم الذين أذلّوا ويذلون الجيش اللبناني منذ عقود. هم الذين أهانوا ويهينون الجيش اللبناني، ويحاولون إخضاعه كتابع أو كملحق هامشي في جيشهم الخاص ودويلتهم الخاصة. هم قتلة فرانسوا الحاج وسامر حنا ووسام عيد ووسام الحسن، وهم الذين يطلقون صواريخهم التحذيرية على بعبدا، حين يحاول الرئيس أن يكون رئيساً حقاً. هم الذين منعوا الجيش من الذهاب إلى الحدود الجنوبية لأكثر من عشرين عاماً، وهم قبل ذلك الذين قسموا وشقّوا الجيش، وحاربوه وطردوه من مناطق شاسعة من لبنان، ليمكّنوا جيش حافظ الأسد من احتلال لبنان وتركيعه. هم الذين يشيّدون المربعات الأمنية المحظورة على الجيش. بل هم الذين يحظرون على الجيش أن يسيطر على الحدود الشمالية التي يستبيحونها، ويأمرونه أن ينحشر فقط في عرسال، كي ينفذ لهم مشيئتهم ومشيئة بشار الأسد.

هؤلاء ليسوا غوغاء، ليسوا زمرة غاضبين انفلتت غرائزهم، هؤلاء لهم «حركتهم» و»حزبهم» و»تيارهم»، لهم وزراؤههم ونوابهم وتلفزيوناتهم وجرائدهم، لهم «بيئات حاضنة» باتت توزع المناشير: الذبح مقابل الذبح. لهم مذيعات أنيقات يطلبن من الشتاء والجليد أن يميت النازحين السوريين برداً، في خيمهم، بوصفهم «خونة» (خانوا ماذا؟).

هذه القطعان المسلحة التي تنتظر ساعة الصفر لتستبيح وسط بيروت، نهباً وحرقاً، تماماً كما فعلت عام 1976، ليست هي وحدها الموتورة عنصرياً، والحاقدة على كل آخر ومختلف، فثمة أيضاً «الطائفيون» الذين تقطر أرواحهم سماً وضغينة واحتقاراً لكل من ليس من ملّتهم، الذين باسم «خوفهم» يتمنون إبادة كل «غريب»، المتعصبون بثقافتهم التمييزية والطبقية وتشاوفهم الأجوف، وأوهامهم عن «التمايز»، الذي تحول إلى انحطاط مدقع، إلى حد «التحالف» و»التفاهم» مع ميليشيات الدراجات النارية، التي تجول بحثاً عن ضحاياها من عمال وعابرين.

عنصريونا ليسوا فتيان الأحياء الجهلة، هم أيضاً مستعبدو عاملات المنازل الأجنبيات، هم قوانين الدولة اللبنانية التمييزية بحق الفلسطينيين (وهيهات أن نجد متسعاً لتاريخ عنصريتنا مع الفلسطينيين)، هم رؤساء بلديات يفرضون حظر التجول على من هو ليس لبنانياً (بأي قانون؟ بأي حق؟)، هم وزراء يعقدون المؤتمرات الصحافية لطرد النازحين ودفعهم إلى الموت. هم الصحافيون الذين يحرضون «على كل لبناني أن يقتل سورياً»، تماماً كشعار السبعينات «على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً». وما إن يبدأ القتل حتى يتسابق اللبنانيون لذبح بعضهم البعض، في جحيم عنصري طائفي مذهبي مليء بالدماء.

انطلقت وحوش العنصرية في الضواحي وفي القرى والبلدات وشوارع العاصمة، مستجيبة لدعوات مباشرة وغير مباشرة من الإعلام ومن قادة سياسيين، مطمئنة لغض النظر أو التشجيع أو الصمت الذي لجأت إليه الحكومة والأجهزة والأحزاب، وملبية على الأرجح رغبات زعماء، باستطاعتهم أن يعبئوا أو يصرفوا عشرات الآلاف من المستنفرين بحركة إصبع واحدة.

هؤلاء، الذين في الشارع وأولئك القابعون في مقرات قياداتهم، شركاء نظام بشار الأسد في حملة قتل وترويع وإخضاع الشعب السوري كله. إنهم الذين ينكرون على السوريين حرية وكرامة، ويريدون تأبيد مذلته وانسحاقه تحت نير الاستبداد، كي تبقى صورة السوري الذي يحتقرونه، صورة الخائف والمهان من رجل المخابرات، تماماً كما خبروا هم في لبنان لثلاثين عاماً. شركاء نظام يعرفون أكثر من غيرهم قذارته وسفالته وإجرامه ويريدونه مؤبداً في الوقت ذاته، متسلطاً على شعبه. يحبون هذه الصورة لأنها تمنحهم أسباب حقدهم العنصري، تماماً مثلما كرهوا «انتفاضة الاستقلال» عام 2005، طالما أنها تكشف تبعيتهم الذليلة في نظام الوصاية الذي اعتادوه.

هؤلاء الذين اعتدوا على مواطنين سوريين لم يثأروا لـ»كرامة الجيش وشهدائه»، فبفعلتهم هذه إنما وجهوا صفعة المهانة والإذلال والعار للدولة التي تبدو عاجزة عن حماية المقيمين على أراضيها، عاجزة عن فرض القانون، عاجزة هي وجيشها في الحفاظ على كرامة الجنود، وفي القصاص من المجرمين، قتلة الجنود. هؤلاء العنصريون يلحقون العار بكل الشعب اللبناني، إذ يسبغون عليه صفات النذالة والاستقواء على الضعفاء، الكارهون للآخر.. هؤلاء أهرقوا ما بقي من كرامة للبنان وجيشه ومواطنيه.

بوجود هؤلاء العنصريين، المذهبيين، العنيفين والمتعصبين، بوجود «رجالات دولة» من طراز ومن طينة الذي يبرر تلك الأفعال الشنيعة، وبوجود إعلاميين وأكاديميين يواظبون على خطاب الكراهية، وبوجود أجهزة أمنية «تتفرج» مبتسمة أمام صور التنكيل بالسوريين، بوجود مجتمع متهالك وممزق ومتخاصم ومحبط وضعيف يطارد مستضعفين…ما حاجتنا أصلاً لـ»داعش».

المستقبل

 

 

في الاستقواء اللبناني علينا/ عمر قدور

سيكون مريحاً للجميع القول بأن الاعتداءات التي تعرض لها السوريون، إثر جريمة داعش بذبح الجندي اللبناني عباس مدلج، قام بها زعران، بدلالة وجود عدد ضخم من السوريين الذين لم يتعرضوا للاعتداء أو القتل. وسيكون مريحاً لبعض الفئات على جانبي الحدود، الحدود التي لم يعد لها وجود فعلي إلا في وجه النازحين والهاربين من بطش النظام السوري، التركيزُ على اعتداءات بعينها، لوضعها ضمن الصراع الذي يخوضه حزب الله ضد السوريين، وتبرئة الآخرين من شبهة العنصرية. وبالتأكيد كان من المستحسن النوم على عسل النفاق، لو أن المسؤولين اللبنانيين وزعماء الطوائف أدلوا ببعض الإنشاء، مستنكرين حوادث الاعتداء، أسوة باستنكارهم حوادث الخطف المذهبية، غير أنهم إزاء السوري لم يعودوا يطالبون أنفسهم بمثل هذه اللياقات.

لم تُجرَ تحقيقات في حوادث الاعتداء لتقيَّد حصيلتها ضد مجهولين، مع أن الكاميرات التقطت صوراً للتنكيل بالسوريين وسط الشارع في البقاع، أي أن مَن قاموا بفعلتهم يشعرون بالحصانة التامة، ويستندون إلى إرث من الاعتداءات على السوريين، بقيت من دون أدنى ملاحقة قضائية. الاعتداءات كانت متوقعة، ومن الترف القول بأن الأجهزة الأمنية لم تبادر أصلاً إلى تطويقها قبل حدوثها، فما همّ إن قُتل سوري هنا أو هناك؟ لعلّ هذا يربّي الباقين منهم، ويردعهم عن البقاء في لبنان، ويردع أمثالهم عن القدوم إليه. وما دام ضبط الحدود، أو إغلاقها، أمام الوافدين غير متاحين لاعتبارات لوجستية وسياسية، فعلى «الزعران» القيام بواجبهم، الواجب الذي لم يتوانَ عن التصريح به كتّاب وإعلاميون ضخوا سمومهم تجاه السوري طوال الأشهر الأخيرة.

التهمة: سوري. ما تبقى هي ذرائع وتلفيقات يُراد بها التغطية على العنصرية المجردة. في سوريا أيضاً تهمتهم أيضاً هي أنهم سوريون، ولأنهم كذلك تجري إبادتهم بلا هوادة، ولأنهم يتعرضون للإبادة في بلدهم، لا بأس إذا تعرضوا لها هنا أو هناك من بلدان النزوح القريب. لندع الرياء جانباً، تنظيم داعش لم يكن موجوداً عندما بدأت الاعتداءات على السوريين، ولم يكن موجوداً عندما بدأ توزيع القلاوة فرحاً بالانتصار عليهم، ولم يكن بهذه السطوة عندما اتفق اللبنانيون على تشكيل حكومة إنجازها الأول هو طيّ بيان بعبدا، والتغاضي عن اعتداء أحد مكوناتها على الأراضي السورية. لا يُستغرب بعد هذا أن يواظب أحد وزراء الحكومة على تصريحاتها العنصرية إزاء السوريين، وألا تجد الحكومة نفسها مطالبة بمحاسبته، أو على الأقل التنصل مما يقول، واعتبار تصريحاته تمثله فحسب.

القول بأن لا وجود لدولة لبنانية سيكون مخرجاً مريحاً أيضاً، وهكذا يمكن لمن شاء من المخاتير أو البلديات إصدار التعاميم في حق السوريين، من حظر التجول مساءً إلى التهديد بالإخلاء خلال مهلة قصيرة. في أثناء ذلك، لا بأس في أن تمرّن عائلة لبنانية طفلها الصغير على ضرب طفل سوري ممنوع عليه الدفاع عن نفسه، ولا بأس في أن تنبري وسائل إعلام للدفاع عن العائلة اللبنانية بحجة أن الطفل السوري معتاد على الضرب أصلاً. قبل شهرين، لم ينتفض اللبنانيون وهم يرون الطفل عباس يُستخدم لممارسة العنصرية على قرينه السوري، لم يروا في عباس الطفل ضحية لا تختلف عن عباس الجندي، طالما أن المضروب هو سوري، وطالما بقيت تمارين الكراهية غير مؤثرة على السلم الأهلي.

في الحديث عن إرث الاعتداءات على السوريين، لا بأس بالتذكير بأن مَن تعرضوا لها في عام 2005 لم يكونوا من زعران نظام الوصاية، ونظام الوصاية نفسه كان سعيداً بتلك الاعتداءات ليغذي عنصرية سورية تجاه اللبنانيين. أحد رموز الوصاية الذين يعرفهم اللبناني، جامع جامع الوارد اسمه في ملف اغتيال الرئيس الحريري، قُتل في سوريا وهو يمارس دوره في قتل السوريين. قائد عنجر، الذي يعرفه اللبنانيون جميعاً، لا يزال أيضاً يمارس مهمته في قتل السوريين، ولا شك في أنه مسرور أيما سرور عندما يرى ضحاياه القدامى ينكلون بضحاياه الجدد. لكن في الإرث نفسه، يستطيع كل فريق سياسي لبناني أن يقول للآخرين: مَن لم يكن منكم يوماً ضد السوريين بلا تمييز فليرمني بحجر. ويستطيع كل عنصري مستجد تذكير أقرانه القدامى بماضيهم، مبرراً لهم ولنفسه، ليخرج الجميع متساوين ومرتاحي البال!

من جهتنا، كنا نبرر ما يحدث دائماً تحت ذريعة الغضب الأعمى، وكنا نجد الذريعة في عدم التفريق بين السوري ونظام الاستبداد الذي يحكمه، مثلما حكم اللبناني رغماً عن إرادته. كنا أيضاً نجد التبريرات في خوف لبناني مقيم من الجار الأكبر، الذي يحيط به من كافة حدوده البرية المفتوحة، خوف قديم من أن يقوم الشقيق الأكبر بابتلاع الأصغر، ويتغذى من الأيديولوجيا القومية التي حملها نظام البعث إلى السلطة، مهددةً الكيانات المجاورة بوحدة لا يريدونها. كان ضعف لبنان ذريعتنا لتبرير استقواء الضعفاء على ضعفاء سوريين، ولأن السوري لا كرامة له في بلده كان من المتوقع دائماً ألا يحظى بالكرامة والاعتبار خارج الحدود، وكانت تعبيرات العنصرية اللبنانية تحظى ببعض القبول السوري المشوب بالحسد، فاللبناني يمتلك حرية لا يمتلكها السوري، بما في ذلك حرية أن يكون عنصرياً عندما يشاء.

ثم، كان النظام بكل استبداده هو من يمثّل سوريا، وهو المناط نظرياً به الدفاع عن حقوق السوريين، لذا كان اللوم يتوجه إلى النظام أولاً، بصرف النظر عن أن وجوده إهانة كبرى لعموم السوريين. اليوم، عندما لم يعد النظام يمثّل سوى قلة من مؤيديه، لم يعد يحق لأحد محاسبة سوري على جرائم نظامه، والأولى بمن تضرروا من النظام أن يستغلوا الفرصة للثأر منه لا من أولئك الثائرين عليه أو الهاربين من وحشيته. أما أولئك الذين انتقلوا من معاقبة السوريين بذريعة نظامهم إلى معاقبتهم بذريعة داعش فلم تعد التبريرات تنفع، ولم يعد بالإمكان التماس العذر لهم على أرضية قصورهم عن التمييز بين الأعداء الحقيقيين والوهميين. قد نسوق مثل هذا الكلام مدفوعين فقط بحسن الظن، لكن حسن الظن لا يكفي وحده لحماية سوري أعزل، ولا يكفي لمعالجة مشكلة برميها على مجموعة من الزعران فحسب. أما المخاوف المقيمة فلم يعد لها ما يبررها، لأن ضعف لبنان صار يوازيه ضعف ودمار شامل لسوريا، فلم تعد ذلك الجار القوي المخيف، وليس أدلّ على ضعفها من استباحتها من قبل ميليشيات لبنانية، ومن استباحة نازحيها على الأراضي اللبنانية. لقد أصبح ما كنا نظنه ضعيفاً مستقوياً في الداخل والخارج، لقد شب «الشقيق الأصغر»، وبلغ مرحلة «النضج» التي تستدعي إعفاءه من الذرائع السابقة.

ثمة شيء اسمه «القانون»، قد يكون هذا التعبير غريباً عن أسماعنا في الشرق، لكنه هو ما يحكم العلاقات في العالم المعاصر، وللتذكير هو أيضاً ما طالب به اللبنانيون في «انتفاضة الأرز« كي يحكم العلاقة بين البلدين. القانون الدولي هو ما يحكم وضع النازحين بين البلدين، والمعاهدات الثنائية هي ما يحكم العلاقة بينهما، ما لم تبادر الحكومة اللبنانية إلى إلغائها، وغالبية السوريين لا يمانعون في إلغائها إذا امتلكت هذه الجرأة، بخاصة جرأة إلغاء مفاعيلها على الحياة السياسية اللبنانية. لندع جانباً أولئك الغوغاء على الجانبين؛ ثمة قانون يحمل الحكومة اللبنانية مسؤوليات واضحة تجاه السوريين جميعاً، فهي مسؤولة وفق الشرائع الدولية إزاء المسجلين كنازحين لديها، وأولى هذه المسؤوليات هي مسؤولية حمايتهم، وفي حال عجزها الطلب من الأمم المتحدة المساعدة أو القيام بهذه المهمة. الجانب الآخر هو مسؤوليتها تجاه السوريين الذين يمتلكون إقامات شرعية وفق القوانين اللبنانية، فإعطاء الإقامة يتضمن تلقائياً مسؤولية الحكومة عن حماية المقيمين، إلا إذا كان على المقيم أن يتدبر حمايته بنفسه.

قد يبدو السوري مستضعفاً الآن من العالم كله، لكن ذلك ينبغي ألا يبعث على الاطمئنان الدائم، فهناك شخصيات سياسية وإعلامية مسؤولة عن التحريض، وتصريحاتها وكتاباتها موثقة، ومن الخطأ الظن أن ارتكاب الجريمة على الملأ يُنجي فاعلها من الملاحقة أمام المحاكم الآن أو لاحقاً؛ الأمر الذي يُرجى صدوره عن اللبنانيين أولاً.

المستقبل

 

 

 

 

الاعتداءات على السوريين: الأمن الذاتي في كل مكان/ نضال أيوب

الثانية عشرة منتصف الليل، ثلاثة شبان لا صفة رسميّة لهم، يجولون منطقة فرن الشباك في سيارة “بيكانتو”، يحاولون البحث عن سوريين. وفي حال كان الشخص المشكوك بأمره من الجنسيّة اللبنانية، يقدّمون إعتذارهم له “ما تواخذونا، عم نحمي المنطقة من السوريين”.

الساعة الحادية عشرة مساءا، يقرر حسام وصديقه علاء الذهاب إلى مطعم قريب في فرن الشباك. أثناء عودتهما، تمشي سيارة دفع رباعي سوداء بالقرب منهما. داخل السيارة خمسة شبان. لم يعرف حسام وعلاء ماذا يفعلان. قررا تجاهل الأمر كونهما “غريبين” عن المنطقة. الأمر الذي إعتبره الشبان تحديّا لهم. يطل أحد الشبان برأسه من السيارة “صرلي ساعة ماشي حدكن، مش شايفيني”. تُركن السيارة أمامهما وينزل منها الشباب. “وين ساكنين؟”، يسألون. “أنا ساكن حد الكنيسة ورفيقي بأول فرن الشباك”. هنا يقرر الشبان أن يبدأوا بلعبة: “ح نعد للتلاتة كل واحد بكون ببيتو”. طلب علاء السماح له ليأخذ أغراضه من عند حسام. لم يلق الطلب هذا إستحسانا لديهم فصرخ أحد الشبان بوجهه “ما عم تسمع؟ ما عم تفهم؟”. صرخته كانت كافية لتجذب رواد إحدى المقاهي القريبة منهم، فخرج منها عشرات الشبان ليشاركوا في “الأمن الذاتي”. “في ناس بلشت تشلح كنزاتها، راكضين يضربونا”. لم يعرف علاء وحسام كيف يردّان الركلات وهما مطروحان أرضا. بعد الضرب قيل لهما “آخر مرّة منشوفكن بعد الساعة تماني، المرة الجاي ما بتمرق ع خير”.

الثانية عشرة والنصف منتصف الليل، يقف أبو غابي، “سوري الجنسيّة”، بالقرب من “هوا تشكن” في انتظار سيارة أجرة. لم يحتاج أبو غابي لقول “سرفسين” لسائق السيارة السوداء، فهو وافق على أخذه من دون مشارطته على زيادة بدل النقل. كان هناك راكبان في المقعد الخلفي للسيارة، لذلك صعد أبو غابي بالقرب من السائق. “انت من وين؟”، سُئل. “أنا سوري”، قال. توقفت السيارة على اليمين، وأقفلت أبوابها بالقفل المركزي. اقترب أحد الركاب من أبو غابي والتقطه من ياقة قميصه. وعندما لاحظ أنّ السائق يحمل مسدسا وأن الراكب الآخر يلبس في يديه قبضة حديد، وجّه السؤال الثاني له “شو إسمك”. “أبو غابي”. لم يسمع الشبان الـ”أبو”. اطمئنوا قليلا للإسم. “مش رح نمد إيدنا عليك لأنك أرمني، ورح نحكيك من الآخر، أي حدا بيقرب صوبنا بدنا ندعوسو، يللا انقلع ع بيتك”. قبل خروجه من السيارة قال له السائق “اذا حدا حكي معك، خبرن إنك من طرف أبو طوني”.

عبارة السائق تؤكد وجود سيارات أخرى غير “المرسيدس” و”البيكانتو” و”الجيب” تجول في المناطق بحثاً عن سوريين، وأنّ هناك شبانا آخرين مجنّدون لحماية المنطقة من السوريين، ولعل أغلبهم يعمل بإشراف “أبو طوني”.

في زقاق البلاط “تحمى” المنطقة بشكل مختلف. أربعة شبان يقفون بجانب الطريق. يصل إلى المنطقة محمد، شاب الدليفري، فيوقفه الشباب. “صف هون، لوين رايح؟” يسأل، فيرد بالجواب البديهي “معي طلبيّة”. “شو اسمك؟” –”علي”. “من وين” – “ريف حلب” – “يعني انت داعشي”. بالتأكيد لم يقتنع الشباب بأنه غير “داعشي”، وانهالوا عليه بالضرب والشتائم. ثم طلبوا هويته، وإسم أمه فاطمة. “إسم إمّك شفعلك هالمرّة، ح نكتفي بكم ضربة”.

إلّا أن قصّة محمد لا تبدأ هنا. منذ شهور قليلة، كان لديه طلبية في منطقة كورنيش المزرعة، وفور اقترابه من المبنى المقصود، هجمت عليه مجموعة من الشبان يحملون سكاكين، أخذوا الطلبيّة وسرقوا منه 700 ألف ليرة، وهو المبلغ الذي كان من المفترض أن يحاسب به المطعم كثمن لجميع توصيلاته. صاحب المطعم الذي يعمل عنده محمد، سخر من هذه الحادثة وكان تعليقه “أكيد هودي جماعتكن السوريين اللي شادين ضهركن فيهن”. وبالتأكيد حسم المبلغ المسروق من راتب محمد.

شاب الديليفري الذي يعمل يوميا 12 ساعة، يؤكدّ أنّ هناك حوادث كثيرة وشبه يوميّة. ينفي محمد وجود أي إجراءات إحتياطيّة لصاحب المحل، فهو ما زال يذهب بطلبيات إلى زقاق البلاط. اذ لا بديل له، ولا يوجد شبان لبنانيون يعملون في المطعم كسائقي ديليفري.

هذه القصص هي نموذج صغير لحوادث لا تحصى. وإدراجها تحت خانة الأفعال الفرديّة ما هو إلّا تنصل من المسؤوليّة، والحديث عن مجتمع “مضغوط” ما هو إلّا تبرير لهذه الإنتهاكات. والأفعال هذه ما هي إلّا نتيجة لكل السياسات التي اتبعتها الطبقة الحاكمة منذ البداية تجاه قضيّة اللاجئين السوريين. وهذا ما كان واضحا في خطابات المسؤولين التي كانت طوال الوقت تبث الخوف في نفوس المواطنين من خلال حديثها عن “الخطر السوري”. وهذا ما ساهمت به أيضا الجمعيات الدوليّة، فمن أجل تبرير تمويلها، تتهافت لإصدار التقارير لتشير إلى تفاقم أزمة اللجوء وتهول بها.

وأمام تنصل السياسيين من المسؤولية، ودعوتهم إلى ضبط النفس وعدم الإنجرار إلى الفتنة، وأمام نكران البلديات أن تكون تلك الأفعال موّجهة من قبلها، يطرح السؤال نفسه: لماذا لم تقم أي من الجهات الرسميّة حتى الآن بمحاسبة الفاعلين؟ ولماذا تغاضت الدولة منذ البدء عن لافتات منع التجوّل؟ الجواب واضح، فكل هذه الممارسات تحدث بالتواطؤ مع الدولة ومباركتها حتى لو كان ذلك بشكل غير مباشر.

المدن

 

 

 

عصابات “منظمة” تستبيح السوريين في لبنان/ ريّـان ماجـد

“كنت سهراناً عند أصدقاء لي في منطقة الجعيتاوي، تركت السهرة عند الساعة الحادية عشرة ليلاً. وأنا في طريق العودة إلى مرسمي في الدورة، وجدت أن حديقة الجعيتاوي لا تزال مفتوحة. دخلت إليها، جلست على أحد مقاعدها لأدخّن سيجارة، وإذ بمجموعة من ستة إلى سبعة شبان، أكبرهم عمره 22 عاماً، يقتربون مني ويطلبون أوراقي. إثنان منهم عرّفا عن نفسيهما أنهما أمن دولة. شككت في الموضوع وطلبت أن أرى أوراقهما. ثبّتوني عندها ونزلوا فيني بوكسات. كلما كنت أحاول النهوض، آكل ضربة. دام الضرب حوالي نصف ساعة. كنت أنزف. بعدها، خرج الشبان عندما سمعوا أن هناك مشكلاً ما خارج الحديقة. أعطوني أوراقي وتلفوني، وأمروني بمغاردة المنطقة فوراً”. هذا ما أخبره الفنان والشاعر السوري سمعان خوام لـ NOW، وهو يعيش في لبنان منذ العام 1988.

حصل ذلك ليلة السبت 6 أيلول. ضُرب “بعنف شديد” كما قال، ومن دون أي سبب على يدّ شبّان اشتبهوا أنه “غريب عن المنطقة” حتى قبل معرفة هويته، وهم، بظلّ الفلتان الأمني وغياب الدولة، اعتبروا أن بإمكانهم فعل ما يشاؤون وفرض “أمنهم الذاتي”.

ليلة السبت أيضاً، خرج فنّان سوري آخر، فضّل عدم ذكر اسمه، من بيته في بيروت. أوقف “سرفيس”، كان فيه شخصان يجلسان في المقعد الخلفي والسائق. عندما سمع الأخير لهجته السورية، سأله عن اسمه، قال له إسماً أرمنياً. “من كان يجلس في خلفية السيارة مسكني من كنزتي وهزّني وقال لي: رح فلتك لأنك أرمني. روح انقلع على بيتك”. كان بحوزتهم، بحسب الشاب، أسلحة بيضاء.

“منذ 15 يوماً، صار معي حادثة سلمية، اقتصرت على السبّ والحكي. السبت، طلعلي شباب غضبانين. الحادثة كانت عنفية هالمرّة. حسّيت متل لمّا مسكتني دورية للمخابرات الجوّية بسوريا. أول ما طلعت من سيارة التاكسي، تذكرت اللحظة يللي طلعت فيها من المعتقل. هكذا احتفلت بمرور سنة على وجودي في لبنان”، قال الفنان الشاب.

ليلة الأحد في السابع من أيلول، انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي صور لمجموعات شبابية تعتدي بالضرب على لاجئين سوريين في مناطق مختلفة من بيروت، وتعليقات عليها حمّلت جزءاً من المسؤولية عما جرى ويجري ابعض السياسيين اللبنانيين ومحطات إعلامية وكتبة يافطات حظر التجوّل الذين حرّضوا ضدّ السوريين وأمّنوا حماية سياسية وطائفية للمعتدين.

من جسر المطار إلى الضاحية الجنوبية إلى فرن الشباك، صور لعشرات الشباب وهم يتجمّعون حول أشخاص ويبرحونهم ضرباً، فقط لأنهم سوريون.

“هذه ممارسات عنصرية مقيتة وبغيضة، تتناقض ليس فقط مع شرعة حقوق الإنسان، وإنما مع القوانين اللبنانية التي تجرّم هذه التعديات ضدّ أي إنسان، سواء كان مواطناً أو أجنبياً مُقيماً أو لاجئاً”، بحسب أمين سر “حركة التجدّد الديمقراطي” أنطوان حداد.

كما أن أخبار إمهال بلديات في الجنوب اللاجئين السوريين 48 ساعة لإخلاء خيمهم، والتحريض عليهم في البقاع وتهجيرهم من أماكن لجوئهم، تتالت في الأيام الأخيرة.

“في العام 2005، بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، تمّ تفريغ الغضب في العمال السوريين على اعتبارهم مخابرات. حين لجأ السوريون بعد اندلاع الحرب في سوريا إلى لبنان، أصبحوا مسؤولين بنظر بعض السياسيين ووسائل إعلامية لبنانية عن كل الجرائم والمشاكل التي تحصل في البلد. عندما خُطف الزوار اللبنانيون في سوريا (منذ أكثر من عام) تمّ الاعتداء على السوريين في لبنان. وبعد الجريمة التي نُفّذت بحقّ عباس مدلج (العسكري اللبناني الذي خطفته “داعش” أثناء أحداث عرسال الشهر الماضي)، اعتُدي عليهم أيضاً. في الوقت الذي يجب تحميل المسؤولية الأولى للنظام السوري و”حزب الله” اللذين هجّراهم من بيوتهم ومدنهم وبلداتهم”، بحسب رزان، ناشطة في الحملات المدنية التي تُنظّم دعماً للسوريين في لبنان.

ما يحدث أخيراً مرتبط، بحسب أنطوان حدّاد “بإطار سياسي عريض هو محاولة توريط لبنان في الحرب التي يقودها حزب الله في سوريا ضدّ الشعب السوري وإلى جانب النظام، وتعبئة شرائح لبنانية عديدة واستثارة حساسيات طائفية عالية ضدّ اللاجئين السوريين. وبالرغم من وجود بعض الممارسات المعزولة العفوية نتيجة التعبئة التي ذكرناها، إلّا أن معظم هذه الممارسات تتم بإطار منظّم وترعاها قوى سياسية نافذة. وقد غذّت الأحداث المؤلمة التي حصلت في عرسال هذا الأمر، وغذّاه أيضاً الخطأ الشديد البشاعة الذي ارتكبته بعض الفصائل المقاتلة في سوريا بخطف عسكريّين لبنانيين”.

هناك اتجاهان في الحكومة اللبنانية، أضاف حدّاد، “الأول يدعو إلى العقلنة والهدوء والتفاوض وصولاً إلى إطلاق بعض السجناء في سجن رومية إذا استدعى الأمر مقابل تحرير العسكريّين، والثاني يريد إشعال النار تحت الأزمة وإبقاء العسكريّين محتجزين ومعرّضين للذبح من أجل استخدام هذه الوقائع لتعبئة طائفية ومذهبية في لبنان”.

وبالعودة الى الاعتداءات على اللاجئين والعمّال السوريين في لبنان، يختم أنطوان حدّاد بالقول: “مواجهة هذا الأمر تبدأ بخوض معركة إعلامية مضادة، تُدين هذه الإعتداءات، وتُسائل السلطات العامة عن سبب سكوتها في أماكن عديدة عن هذه الممارسات وعدم تدخلها في الوقت المناسب، وعدم قيامها بردّ فعّال يضع حداً لها. مساءلتها أيضاً عن ترك الشارع لعصابات منظّمة تنتمي لأحزاب سياسية من دون أن تحرّك ساكناً”.

موقع لبنان ناو

 

 

 

 

 

التضامن الإلكتروني لا يحمي سمعان خوام: سأرحل/ عمر قصقص

“أكثر ما يزعجني انني ضربت داخل حديقة، حديقة صغيرة، مسالمة، ضربت داخل اللون الأخضر وحولي شجرة لا تستطيع مساعدتي بشيء”. كانت هذه الكلمات القليلة التي كتبها الفنان التشكيلي سمعان خوام في صفحته في “فايسبوك”، كفيلة بإشعال موجة تضامن معه. أكثر من ألف رسالة إلكترونية تلقاها، لم توفر له الإستقرار حيث يقيم في منطقة الدورة. تبقى الرسائل إفتراضية. غير ملموسة. غير قادرة على توفير حماية له، بعدما تعرض للضرب في الأشرفية، تنفيذاً لموجة تحريض إلكتروني وإعلامي وسياسي لبناني ضد السوريين.

يأس خوام، ينطلق من غياب تضامن عملي معه، ومع كل السوريين. الكلمة، ليست درعاً.. والصورة ليست خوذة… والهاشتاغ التضامني، لا يحمي من همجية عنصريين أثقلوا بمشاعر الضغينة العبثية بحق السوريين، نتيجة للتحشيد الإلكتروني.

يقول لـ”المدن” بعد تعرضه للضرب: “لا يوجد من يحميني لأني حرّ”. وفي ردّ له على المنشورات المنسوبة الى ما سمي بـ”شباب منطقة برج حمود”، التي تدعو السوريين القاطنين في المنطقة الى اخلائها ومغادرتها، يقول: “أنا ما رح فلّ من الدورة (منطقة في بيروت). أنا رح فلّ من البلد لاني فقدت الامل.. ولا يوجد من يحميني لانني حر.. ولا اتبع لاي حزب.. ولم أعد قادراً على التحمل أكثر”.

وكان خوام، تعرض للضرب في منطقة الجعيتاوي في الاشرفية قبل أيام، بعدما علم الشبان المعتدون أنه غريب عن المنطقة، من غير أن يحصّل له أحداً حقه، على غرار عشرات السوريين الذين تعرضوا للضرب في حملة عنصرية، هي الأسوأ، تضاعفت إرتداداً لذبح “داعش” جنود في الجيش اللبناني. يشرح خوام لـ”المدن”: “لدى مغادرتي من منزل احد اصدقائي، حوالي الساعة 11 مساء، دخلت حديقة اليسوعية لأشعل سيجارة، فاقترب مني ثمانية شبان مدعين صفة أمن الدولة. لم يظهر ذلك عليهم، شككت في الأمر، فطلبت منهم أوراقهم الأمنية. قبل أن أنهي عبارتي، حتى بدأت اللكمات والضربات تنهال علي من كل حدب وصوب”.

ويتابع: “حاولت طلب القوى الامنية وأنا أتعرض للضرب، فأبعدوا هاتفي عني وبحثوا في محفظتي مدعين انهم يعتقدون انني أملك مخدرات، كما تعرضت لتفتيش ليتأكدوا من أنني لا أحمل السلاح”. واضاف: “عندها وقع اشكال ثانٍ عند بوابة الحديقة، فتركني الشبان وتوجهوا الى هناك، لحقت بهم، وطلبت أن تأتي القوى الأمنية، فمسك بي أحدهم وقال “اذا مرت هذه القوى من هنا فلن تنام في بيتك اليوم”، مشيرا الى انه بقي تحت المراقبة الى حين صعوده في سيارة الأجرة ومغادرته المنطقة”.

فور تعرضه للضرب، كتب في حسابه في “فايسبوك”: “أكثر ما يزعجني انني ضربت داخل حديقة، حديقة صغيرة، مسالمة، ضربت داخل اللون الأخضر وحولي شجرة لا تستطيع مساعدتي بشيء”. كلمات أشعلت مواقع التواصل الإجتماعي بأكثر من ألف رسالة تضامنية معه. كتبت مروى كريدية: “لا مكان للحكماء في بلد البلطجة”، فيما كتب مشارك آخر: “يبدو أن الريشة توجع، وأن الألوان تُصيبهم بالعمى! الف سلامة لك…”.

والحملة الإلكترونية ضد السوريين، لا تزال مستمرة. تطالعنا عبارة “إحذروا من التجول خارج منطقتكم”. هذه الجملة بدأ بها بعض الناشطين وبعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي الاسبوع الماضاي، ووُجّهت للسوريين. هي حملة “داعشية” بلغة لبنانية. لعب أصحابها دور الخفير الأمني في بلد فشلت الدولة ببسط سلطتها. ويحملون نازحين سوريين مسؤولية ما تقوم به الجماعات المتطرفة في جرود عرسال بحق الاسرى العسكريين.

الأمور تنذر بالاسوأ، في حال اقبلت “داعش” او “النصرة” على قتل جندي آخر من المخطوفين لديها. واذا لم يتم تدارك هذه الظاهرة التي تعكس داعشية في التشفي، فسيدخل لبنان في دوامة خطيرة من العنف.

المدن

 

 

النزوح السوري: التنظيم أو الفوضى/ حسن عباس

مشاهد الاعتداء البشع الذي طال عدداً من اللاجئين السوريين في الأيام الأخيرة كان يجب أن يدقّ ناقوس الخطر ويدفع الجميع إلى فتح نقاش هادئ ورصين حول أزمة اللجوء السوري. ولكن، بفضل بعض الناشطين اللبنانيين والسوريين وكلامهم السطحي، تم تمييع الموضوع وطمسه مؤقتاً كما طمست من قبل أحداث كثيرة خطيرة لتعود وتظهر بأشكال متنوّعة.

ما جرى ليس أول التوترات بين اللاجئين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة. إذا عدنا قليلاً إلى الوراء نستطيع أن نقرأ الأخبار التالية: تعرّض سوري للطعن تارة في محلّة أبي سمراء وتارة أخرى في القبّة في طرابلس وطوراً في بر الياس، مقتل سوري في طرابلس بطعنات سكّين، سوري يطعن مراهقاً لبنانياً عمره 15 سنة على مفرق بلدة منجز في عكار، سوريان يقتلان شاباً من بلدة العبادية، مراهق لبناني يعتدي جنسياً على طفل سوري عمره 5 سنوات ويقتله ويرميه في حاوية نفايات، سوري طعن زوجة أخيه في بطنها داخل خيمة على طريق تربل وغيرها الكثير من الحوادث التي تؤشر على لاطبيعية الوضع القائم.

ولكن ما جرى في الضاحية الجنوبية والبقاع ينبهنا إلى أن المخاطر الناجمة عن فوضى اللجوء السوري إلى لبنان تضاعفت. في هذه الأحداث سرى الشعور العدائي تجاه السوريين في بعض أوساط طائفة لبنانية هي الطائفة الشيعية وذلك لأسباب تتصل مباشرة بالحرب الأهلية السورية.

في بلدة البرج الشمالي، في قضاء صور، أمهلت البلدية السوريين القاطنين في أحدى نواحيها مهلة 48 ساعة لإخلاء 200 خيمة يسكنون فيها في خطوة تنمّ عن قناعة البعض بأن حلّ مشكلة وجود السوريين في لبنان يكمن بإبعادهم عن التجمّعات اللبنانية. هذه الحادثة ليست فريدة. حصلت مراراً وتكراراً في الشمال اللبناني. كمثال على ذلك، قام، قبل أشهر قليلة، أهالي قريتي الكلخة ورجم خلف في وادي خالد بطرد العائلات السورية التي كانت تستأجر منازل في القريتين. وإذا عدنا في ذاكرتنا قليلاً إلى الوراء سنكتشف أن أولى البلديات التي ضبطت تحركات السوريين القاطنين ضمن نطاقها هي بلديات “صديقة” للثورة السورية ما ينفي “خبرية” أن الأزمة هي محض سياسية.

شرائح واسعة من المجتمعات اللبنانية المضيفة لم تعد تطيق منافسة السوريين لليد العاملة اللبنانية وما أدت إليه من إقفال مصالح صغيرة وتفشي البطالة بين الشباب اللبناني. هل نخفي البحر بإصبعنا ونقول إن هذه الحقائق لا يجب التركيز عليها؟

زيادة نسبة البطالة في لبنان بسبب العمالة السورية الوافدة هي حقيقة تحدث عنها رئيس إدارة التنمية الاقتصادية والعولمة في “الإسكوا”، د. عبد الله الدردري. الدردري سوري الجنسية إذن لا يمكن القول إنه يختلق وقائع لأسباب عنصرية كما جرت العادة في أوساط الناشطين اللبنانيين والسوريين السطحيين. وفي إحدى المناسبات، أشار الوزير وائل أبو فاعور، أحد أبرز السياسيين اللبنانيين الداعمين للاجئين السوريين في لبنان، عن امتعاض أصحاب المطاعم الصغيرة في قرى البقاع الغربي من اللاجئين بسبب بيعهم السندويشات بأسعار لا يستطيع اللبناني منافستها.

لا يريد أحد البحث جدياً عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تولّد ما يسمّونه “عنصرية”. طبعاً، يستسهل أصحاب المداخيل العالية والمتوسطة انتقاد النزعات “العنصرية” الصادرة عن بعض اللبنانيين وهي شعور طبيعي جداً عندما يشعر أبناء مجتمع بأن “أجانب” ينافسونهم على مواردهم المحدودة. فكيف عندما تكون بعض الأصوات تقتات من التمويلات الهادفة إلى “مكافحة العنصرية”؟ هنا حدّث ولا حرج عن تمييع الأمور. عندما نزح بعض أبناء مخيّم اليرموك الفلسطينيين إلى مخيّم الجليل لاحظ مسؤول إحدى الفصائل الفلسطينية وجود توترات كثيرة بين القادمين وأبناء المخيّم فقام بدراسة صغيرة توصّل خلالها إلى أن اختلاف عادات وتقاليد كل من الفئتين هو سبب الشجارات المتكرّرة. هل في حديثه “عنصرية”؟

ليست غريبة البتّة هذه التوترات. الغريب في الموضوع هو عدم تفاقمها وبقائها حتى الآن ضمن السيطرة. أمام هذا الواقع المخيف الذي ينبئنا، في حال عدم ضبطه، بنوع من “رواندا صغيرة” تدور أحداثها بين “قبيلة اللبنانيين” و”قبيلة السوريين” يستمر السياسيون في المماطلة في موضوع إنشاء مخيمات تستقبل اللاجئين السوريين وتوفّر لهم حياة كريمة وتفصل بينهم وبين المجتمعات اللبنانية وتمنع إنعكاس لجوئهم سلباً على مداخيل اللبنانيين وإيجارات المساكن وأسعار السلع.

مع بدايات فرار سوريين من الحرب السورية الضروس، رفض حزب الله فكرة إنشاء مخيّمات. قال وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية محمد فنيش إن “هذا إجراء سياسي لا يمكن أن نقبله ولا نستطيع تحمله”. كان الحزب يمعن في سياسة إنكار وجود أزمة في سوريا بهدف تأمين الراحة لحليفه النظام السوري. هذا عدا عن تصريحات صقور التيار الوطني الحرّ وخاصة الوزير جبران باسيل الخائف من تحوّل “المخيمات إلى مراكز تسليح ومراكز تشكل مخابىء لأشخاص مطلوبين”. في المقابل، دار سجال داخل التيار المستقبل بين خط الرئيس سعد الحريري المطالب بإقامة مخيمات وخط الرئيس فؤاد السنيورة الرافض لذلك قبل أن تميل الدفة لصالح التيار الأول وهو ما صارت تعكسه بيانات كتلة المستقبل النيابية. باستثناء تيار النائب وليد جنبلاط السياسي الذي لم يضع أحد فكرة إنشاء مخيّمات على رأس جدول أعماله.

أما المجتمع الدولي، فقد ترك اللبنانيين يتدبّرون شؤونهم لأنه لا يريد “تبذير” دولاراته. تداعيات اللجوء السوري “هائلة”، يقول المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس. ولكن كلامه لا يلقى صدى لدى الجهات المانحة. حتى فكرة إنشاء المخيّمات تخضع لابتزاز الهيئات الدولية غير المبرّرة لأنها لا تريد تجميع الاجئين السوريين في أمكنة محدّدة كونها لا تريد إنفاق المال على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

في الأيام الأخيرة بلغت العلاقة بين المجتمع اللبناني، أو بعضه، وبين مجتمع اللاجئين السوريين دركها الأسفل. التوترات بدأت تأخذ مظاهر مخيفة وتجاوزت أبعادها الاقتصادية والاجتماعية السابقة. صارت التوترات تتجسّد على إيقاع الحرب الأهلية السورية وولّدت توترات أخرى بين اللبنانيين الشيعة والسنّة كما كان في سعدنايل. لم يعد ممكناً الاختباء. إما مواجهة الأزمة بعقلانية وإما الفوضى.

المدن

 

 

 

قطع الطرق بالسوريين!/ فادي الداهوك

ربما أصبح من حق المساجين اللبنانيين المطالبة بطرد السوريين الذين يقاسمونهم الزنازين. فهذا العدد الهائل من المجرمين والسرّاقين، و”الإرهابيين”، الذين استفاقوا من الخلايا النائمة أفواجاً، ليس بمقدور المجرم حتى أن يتقبّلهم.

منذ خمسة عشر يوماً، لا يمر يومٌ من دون أن يرد فيه خبرٌ عن مداهمات تحصل لأماكن تجمعات سوريين. عدد السوريين الذين تمت مداهمة منازلهم واعتقالهم، بلغ خلال تلك المدة فقط 62 شخصاً: 6 في بدبا وعابا وبصرما وكفرقاهل بقضاء الكورة، 13 في رأس الدكوانة والسلاف، 25 في بترومين ودده وفيع وقلحات بالكورة، 10 في زغرتا، 8 في بطرام وبشمزين وكفرقاهل بالكورة، إضافة إلى حالات دهم أخرى لم تذكر أعداد الموقوفين خلالها، وكل الأرقام منشورة في “الوكالة الوطنية للإعلام”.

أليس هذا الرقم مقلقاً؟ والتهمة الموجهة إلى كل أولئك: نازحون مشبوهون. هل يمكننا السؤال عنهم؟ لا، بالطبع. من يمكنه مساعدتنا في متابعة قضيتهم؟ لا أحد. فهم متروكون، وأصلاً أصبحوا كثرا. أكثر من كل الخيبات التي منيوا بها. فسفارة بلادهم في بيروت هي فرع أمن بصفة دبلوماسية ولا يمكن الاقتراب منها.

العارف بحال أولئك، يستحي أن يحمّلهم مسؤولية الأمن في لبنان، لأن البلاد تسبقها سمعتها في الأمن والأمان اللذين تعيشهما تحت أجنحة حافظيها السياسية والعسكرية و”الثقافية – العنصرية”. ولا أدل على ذلك أكثر من الصور المفزعة التي تباهى أصحابها، اللبنانيون، بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يسلخون جلد مجموعة من السوريين بالسوط والسيف في الضاحية الجنوبية لبيروت.

لا مجال لتعداد تلك الصور، لكن، صورتان، على الأقل، لا يمكن محوهما بسهولة. الأولى، هي قطع الطريق بسورييَن مكبلين، بجبنٍ، في بعلبك، كاستمرار لتداعيات أزمة الأسرى من الجيش لدى “الدولة الإسلامية” التي باتت تحكم ثلث سوريا بحد السيف. هل، مثلاً، انقطعت الإطارات من لبنان؟ على اعتبار أن قطع الطرق بالإطارات المشتعلة، أقصى درجات الاحتجاج، فضلاً عن أنه طقسٌ لبناني، “دوّيم”. أم أن لا فرق بين السوري و”دولاب السيارة”؟ بل أن السوري أرخص، ولا يُدفع أي مقابل للحصول عليه، وقطع الطريق به؟!

والصورة الثانية، هي ذلك الشاب، اللبناني، الذي، لشدّة دماثته، احتجز ثلاثة أطفال سوريين، وآثر إلا أن يمزح معهم ويخيّرهم انتخاب أحدهم ليقطع رأسه، أو أصابعه، ثم وصل الجنون به حد سؤالهم إن كانوا من “داعش”! وفوق كل ذلك، اكتفى الإعلام اللبناني بسلب جنسية الأطفال، وعنون الخبر على “أم تي في”: رجل يهدد 3 أطفال بقطع رؤوسهم، وعلى “ال بي سي”: بالفيديو…هدد 3 أطفال بالذبح فوقع بقبضة قوى الأمن. وهنا لا بد من التذكير أنه في كلّ فيديو، صورة، وحادثة، عندما نقول إن الشاب في هذه الصورة، أو تلك سوري؛ نُواجه بسؤال، ما الدليل؟

مؤخراً برزت أصوات من مناصري الثورة السورية، من المخلصين اللبنانيين لها، تعترض على شتم لبنان، واللبنانيين، من قبل سوريين. هذا السلوك- الشتم- لم يقبل به السوريون أنفسهم، بدليل أنهم أثنوا على تلك “الستاتوسات”، ومن غير العدل حسبان ذلك نقطة على السوريين في “فايسبوك”، مقابل المشاهد الأخرى التي تحصل مع السوريين في الشوارع! لكن هل يمكن فعل شيء آخر غير البيانات، أو نشر المقالات في الصحف والمواقع الإلكترونية؟

إلى أبو حسين، جاري، السوري، الذي تمت مداهمة منزله، يقولون إن هذا الشتاء سيأتي باكراً، سيكون بارداً لا شك. لكن ما لم أتوقعه أنني سأقضيه وحدي. مدينٌ لك باعتذار أنني لم أستطع فعل شيء لحظة تقييدك وحشرك في “طبون” السيارة، أو منعهم من سرقة 4 علب دخان من “فاتيرينا” تلفازك.

المدن

 

 

 

سوريون في الأدغال اللبنانية/ دلال البزري

أبو حسن، ناطور البناية، يعتبر نفسه محظوظاً من بين السوريين. يعمل في لبنان قبل إندلاع الثورة في بلاده، وله شقة في الطابق الأرضي؛ صغيرة صحيح، لكنها تأويه. ترك في الرقة زوجته وأطفاله الثمانية، لأن زوجته مدرسة، وما زالت تقبض راتبها، ولأن الشقة لا يمكن ان تحتوي كل هذه العائلة الكبيرة. بعد الثورة مباشرة، طلب من إبنيه الشابين الإلتحاق به، منعاً لتجنيدهم في جيش بشار، فيما بقيت زوجته وبقية الأولاد هناك. ولكن عندما بدأت الحياة تضيق بهم، بممارسات “داعش”، الحاكم الجديد للرقة، وبالقصف المستجد للبلدة على يد الطيران النظامي، توسلاً من قادته لإشراكهم في الحرب “العالمية” على الارهاب، هرعت بقية العائلة إلى بيروت طلباً للسلامة، واستقرت في الشقة الضيقة في الطابق الأرضي من البناية. إقامة العائلة كلها في هذا المكان لا يقارن باقامة نازحين آخرين تحت خيمة من بلاستيك، أرضها من تراب. ولكن الشقة ضيقة والأولاد يحتاجون الى الركض واللعب. فتوسعت العائلة بخجل في جانب من كاراج البناية، وصارت الأم تنام على كنبة مهترئة في الخارج، تضم اليها آخر أبنائها، فيما البقية يفترشون هناك وهناك أبسطة لقضاء الليل. في النهار، كنتَ تشاهد آخر العنقود هذا يفرح بسيارة بلاستيكية فقدت دواليبها، يحاول بمساعدة شقيقته أن يسيّرها، وهكذا… حتى ليلة السبت المشؤوم الذي تلى ذبح الجندي عباس ملدج على يد “داعش”. في تلك الليلة بالذات، إحتجتُ إلى ابو حسن لفتح باب أشرطة الكهرباء المتدلية من جنبات “ساعاتها”، رُحتُ له، فوجدُت باب الشقة مفتوحاً، والشاي مصبوب في الفناجين، والكنبة التي تنام عليها أم حسن متروكة كما لو نهضت منها لتوها… إلى ما هناك من أوصاف لا تشبه إلا ما يرويه لنا الفلسطينيون عن نكبتهم، يوم تركوا كل شيء في لحظة نكرة، وهربوا إلى أرض الله الواسعة.

انتظرتُ يومين، وعقلي مشغول بأبو حسن وعائلته. ترى؟ ما الذي جعلهم ينسحبون من جلستهم بهذا التسرع؟ أيكونوا تعرضوا لمضايقة؟ إبتزاز؟ تهديد؟ وفي حي لا يوحي أبداً سكانه الراقين بأنهم ممن يمكن أن يتصرفوا كالغوغاء؟ لكنني لا أهدأ. بعد يومين بالضبط، وفي بداية الليل، والكهرباء طبعاً مقطوعة، أروح لشقته، أريد أن اتفقده قبل الصعود الى شقتي. لعلّني أعلم شيئا عن حاله. في الظلام، أناديه “أبو حسن!”. ومن الظلام يأتيني صوته المبحوح، “هون! هون! انا هون…!”، وعيونه مضيئة، تشعّ دماً. ماذا حلّ بك يا أبو حسن؟ أين عائلتك؟ لماذا أنت جالس هكذا في العتمة؟ فيروي باقتضاب شديد حكاية أواخر تلك الليلة اللعينة التي أرغمته على حمل كل العائلة إلى الشمال، ليودعها لأخيه الكبير اللاجىء في إحدى قرى عكار، ويعود الى بيروت، مطمئنا عليهم، وغير مبال بنفسه. فهو يريد ان يعيش، وفي عكار لا عمل ولا رزق. ابو حسن، كغيره من السوريين، لاجئون كانوا أو عمال أو ربما أرباب عمل، هرّب عائلته من الأعمال الانتقامية التي انتشرت ليلة السبت الأسود هذا ضد اللاجئين السوريين، أو بالأحرى انطلقت، ولم تهدأ حتى الآن…

واليكم مسار ابو حسن في الهروب، بصفته مساراً نموذجياً: هو في البداية هرب من الحرب الإقتصادية الدائرة ضد مهمشي وفقراء بلاده، فحضر الى لبنان، وعمل في البناء، ومن ثم أصبح ناطوراً في البناية. ومع الثورة، هرّب ابو حسن إبنيه الشابين خوفاً من تجنيدهم في جيش بشار. وعندما اشتد الوضع في الرقة مع هيمنة “داعش”، هرّب بقية عائلته إلى تلك الشقة في بيروت. وبعد تهديدات الغوغاء اللبناني، هرّب أبو حسن عائلته من بيروت إلى عكار. وهو ما زال محظوظاً، قياساً الى ما مرّ به أخوه، مثلاً، ساكن خيمة البلاستيك.

اللاجئون السوريون تعرضوا خلال العامين المنصرمين لشتى انواع المضايقات. والبلديات المنتشرة في القرى، كانت أول المبادرين الى الحد من حرية تنقلهم، وأكثرهم صراحة. والسياسيون العنصريون لم يقصروا في تحميلهم تبعات فشلهم السياسي؛ فيما سماسرة “المساعدات الانسانية” يمصون دمهم. ولكن مع ظهور “داعش”، وخصوصاً بعد معركة عرسال وخطف الجنود اللبنانيين وذبح اثنين منهم، صاروا كلهم “داعش”، وباتوا حلالاً على الزعران ذوي المشارب المختلفة. قوى أمر الواقع التي على الأرض اللبنانية، الأقوى من اسرائيل ومن “الدولة” اللبنانية، لم تتخذ قراراً بردعهم، فيما الاعتداءات على انواعها وكثافتها، مسكوت عنها. فما ينقله الاعلام عن الاعتداءات والتهديدات بالقتل والضرب المبرح والحد من حرية التنقل والتحرش الليلي بتجمعاتهم المتواضعة… و، و…كل ذلك يحصل يومياً، ويتصاعد يومياً، وكأن الساحة اللبنانية التي شرعتها قوى الامر الواقع لأعتى الرياح السورية، بمشاركتها في حربها، قوى الامر الواقع التي استباحت حدودنا وجذبت “داعش” إلينا… غير قادرة على التدخل وإيقاف جمهورها، ولا، طبعاً، جمهور غيرها. والسبب واضح: اية محاولة لتهدئة هذا الجمهور سوف تثير نقاشا أوليا، وربما “برنامجا أخلاقياً”، سوف يرتد على القيادة، وهي مدركة لذلك. فتسكت. سكوتها الآن من الذهب الخالص، وحده ربما ينقذ عرشها، وعرش نظرائها الأضعف، الممدَّد لهم قصراً…

المدن

 

 

 

 

 

اللبنانيّون والسوريّون:العداء للآخر لا يصون ذاتاً متصدّعة/ حـازم صـاغيـّة

لدى أوساط لبنانيّة واسعة، كما في بيئة عريضة من بيئات النزوح السوريّ إلى لبنان، هناك وهم ينتفخ ويتّسع. مفاد هذا الوهم أنّ العداء للآخر، أي للسوريّ في نظر اللبنانيّين وللبنانيّ في نظر السوريّين، يستر عري الذات وانشقاقها ويقدّمها واحدةً موحّدة.

ولنقل، بادئ ذي بدء، إنّ “الذات” اللبنانيّة ذوات عديدة ومتناحرة جدّاً. فبسوريّين ومن دون سوريّين، يكره الشيعيُّ السنّيَّ والسنّيُّ الشيعيَّ، والاثنان يكرهان المسيحيَّ الذي يكرههما بدوره. ثمّ إنّ الثلاثة يكرهون الدرزيّ الذي يكرههم كلّهم. وهذا يصحّ في أكثر من ثلاثة أرباع أبناء الطوائف المذكورة ممّا لم يوجدْه السوريّون، وإن عملت الحرب والنزوح السوريّان على تظهيره وتعزيزه بالأنياب والأظافر.

وقد أنعش هذه المشاعرَ اللبنانيّة، وهي قائمة دائماً في ظلّ تكويننا الطائفيّ وانعكاسه على الحياة السياسيّة والدستوريّة، انفراطُ عقدي 14 و8 آذار بوصفهما إطارين غير طائفيّين في الظاهر. فحينما تكاثرت الإشارات الدالّة إلى العكس، أي إلى سنّـيّة 14 آذار الحاسمة وشيعيّة 8 آذار الحاسمة، انطلقت الألسنة حرّةً في إفصاحها عن الغرائز، وجهرَ الكلُّ بما أضمروه أو كبتوه خلال سنوات الوهم القليلة.

هؤلاء اللبنانيّون لا يفعلون إلاّ خداع أنفسهم حين يظنّون أنّ العداء المشترك للسوريّين يوحّدهم، أو يستر عورات انشقاقهم، علماً بأنّ هذا العداء للسوريّين إنّما هو استطالةٌ لتكارُههم المتبادل. والحال أنّهم جرّبوا من قبل، تحت وطأة الوصاية السوريّة، أن يخدعوا أنفسهم قائلين إنّ العداء لإسرائيل كفيل بتوحيدهم. وهذا مع أنّ الوقائع كلّها كانت تشير إلى أنّ مثل هذا الإجماع الشكليّ هو نفسه نتاج غلبة أهليّة داخليّة، وأنّ اللبنانيّين، في آخر المطاف، لا يزيدهم كره الآخر، أيّاً كان الآخر، إلاّ تكارُهاً.

وسوريّو لبنان، أو بعضهم الكثير، يتوهّمون اليوم الوهم نفسه. فهم في وراثتهم إحباطَ الثورة وانهيار وعودها، واحتمال زوال بلدهم ذاته، ناهيك عن التصدّع المتعاظم الذي يشقّ صفوفهم، يساورهم أنّ تعزيز المناعة ضدّ لبنان واللبنانيّين يخلق لهم “ذاتاً” أو ينقذ هذه الذات من تآكلها القاتل.

فالنهاية البائسة للثورة تفعل، على نطاق أكثر دراميّة بلا قياس، ما فعلته النهاية البائسة لـ 8 و14 آذار كاحتمالين سياسيّين عابرين للطوائف. وفي الحالتين، لا يجوز أن يتحوّل الإحباط أستاذاً، ولا أن ينحلّ التناول النقديّ لنواقص الذات في تناولٍ هجائيّ لنواقص الآخر.

وهنا لا تقدّم شتيمة “عنصريّ”، ولو أنّها مستحقّة في أحيان كثيرة، أيّة إضافة جدّيّة لنقاش يؤثر أطرافه ألاّ يخوضوه. فهم بدل النظر في الضعف الفادح لأنسجتهم وإجماعاتهم الوطنيّة، يلجأون إلى علاج سهل هو… شتيمة “عنصريّ”.

موقع لبنان ناو

 

السوريون/ عبده وازن
روى كاتب سوري كيف تعرض للإهانة و «التعذيب» النفسي على يد الأمن العام اللبناني، لدى اجتيازه الحدود بين لبنان وسورية. لم يغادر هذا الكاتب الصديق بلاده لاجئاً إلى لبنان، بل كان متوجهاً إلى مطار بيروت ليسافر إلى بلد عربي، ملبياً دعوة للمشاركة في ندوة أدبية. قال إن الذل الذي عاشه في الساعات التي قضاها منتظراً تحت الشمس دفعه إلى لعن اللحظة التي ولد فيها عربياً. أوراقه رسمية جداً، واسمه ليس مدرجاً في قائمة المطلوبين، لكنه النكد الذي بات يمارس الآن على السوريين أين ما كانوا، في سورية أم في لبنان أم على الحدود. لم يتمالك كاتبنا عن ذرف بضع دمعات على النسوة والأطفال الذين منعوا من الدخول، فعادوا أدراجهم إلى بلاد الخوف والموت.
هل دخل اللبناينون زمن «العنصرية» و «الشوفينية» و «الفوبيا السورية»؟ القرار الذي أعلنته بلديات عدة في مناطق لبنانية عدة ويقضي بمنع السوريين من التجوال بين الساعة السابعة مساء حتى السادسة صباحاً، يؤكد أن أطياف «العنصرية» بدأت تلوح في لبنان. هذا ضرب من الإذلال يشبه الأعمال الشنيعة التي مارستها النازية على اليهود في ألمانيا وسواها. أيها السوري الغريب أنت ممنوع من ممارسة حياتك خارج دوام العمل، اشتغل واختبئ، وإلّا…
أما المستغرب فهو أن تُجمع مناطق عدة على هذه «الفوبيا» السورية، وأن يتفق لبنانيون كثر على اضطهاد هؤلاء المواطنين المقتلعين واللاجئين. اللبنانيون الذين يختلفون في كل أمر تقريباً، طائفياً ومذهبياً وسياسياً و «فكرياً»، وفي مفهوم الانتماء والهوية والوطن التقوا حول هذه «الفوبيا». معظم اللبنانيين الآن يلقون على السوريين عبء الأزمات التي يعانونها. يلقون على كاهلهم مشكلة الكهرباء والماء والغلاء… مشكلة الخطف والسيبان الأمني والسرقات والجرائم. وينقص أن تُرمى عليهم أيضاً تهمة تعطيل الرئاسة الأولى. بات السوريون مضطهدين في المناطق المسيحية وفي المناطق الشيعية والسنّية وسواها. لم تبق لهم منطقة يلجأون إليها. المسيحيون ينتقمون من أعوام الاحتلال السوري الذي دمر لبنان وآذاهم، الشيعة يتهمونهم بـ «الداعشية» و «النصرية» والسنّة بـ «البعث» والانتماء إلى النظام. إنهم متهمون في كل الجهات.
لم تبلغ «الشوفينية» اللبنانية إزاء «الغريب» ما تبلغه اليوم حيال السوريين. قد يحق لهم ربما أن يكرهوا النظام السوري الذي احتل لبنان في جريرة الأخوّة والدعم العسكري وكذبة الصمود والتصدي، فنهب ما نهب وقتل من قتل ودمر ما دمر، ناهيك عن إذلال الناس وتحطيم صورة لبنان وقمع الحريات والهيمنة الاستخباراتية… وعندما اجتاح العدو الإسرائيلي لبنان عام 1982، فرّ الجيش السوري بسرعة. لكنّ النظام البعثي الديكتاتوري ليس الشعب السوري ولا هو سورية ، بل إن المواطنين السوريين عانوا كثيراً تحت وطأة هذا النظام، أُذل بعضهم وجوّع بعضهم وسجنوا وعذبوا.
عندما انسحب جيش الاحتلال السوري غداة إعلان «ثورة الأرز» انطلاقاً من قلب بيروت، راح بعض اللبنانيين يعبّرون عن حقدهم الذي كان مقموعاً، على هذا الجيش، فاضطهدوا عمالاً سوريين أبرياء. وسرعان ما تم لجم حركات الانتقام هذه. لكنّ العين كما يُقال ظلت مفتوحة عليهم. واندلعت الثورة السورية من ثم وفتحت أبواب اللجوء، وانطلقت قوافل المهجرين الذين هدم النظام بيوتهم وأحرق حقولهم. كان هؤلاء هم الضحايا الأحياء مقابل الضحايا الذين قتلوا بالمئات ثم بالألوف.
بدت مشاهد اللاجئين السوريين مأسوية وأليمة جداً. صرت ترى في بيروت وشوارعها مواطنين يحملون حقائب، ينامون في العراء، تحت الجسور، في الحدائق المهجورة وبين الخرائب. على الطرق تلمح أطفالاً ونسوة يستعطون، وفي الساحات عمالاً ينتظرون رزق نهار لا يكاد يسد رمقهم… أناس كرام، على وجوههم سمات الطيبة والبراءة، وجدوا أنفسهم بين ليلة وأخرى مشردين وهائمين لا بيت ولا مال… ليس هؤلاء سارقين أو قتلة. لو كانوا هكذا لما تهجروا. وإن ارتكب بضعة أشخاص منهم جنحاً وجرائم وسرقات في أوج فقرهم واحتياجهم، فليس كل السوريين هم من يتحملون هذا الوزر. أما ساكنو الخيام التي نصبت في القرى والمناطق البعيدة لتصنع ما يشبه المخيمات «المرتجلة»، فهي مراتع البؤس الحقيقي، تحت الشمس اللاهبة صيفاً، في البرد القارس شتاء، في مهب النيران الملتهمة وعواصف الثلج الجارفة.
الظلم الذي يقع على السوريين في لبنان قاس ولا يحتمل، والصمت حياله أشبه بخطيئة لا تُغتفر. كل أحقاد الماضي يجب أن توضع جانباً. ليس الوقت الآن ملائماً للانتقام، وممن؟ من الضحايا. آثام النظام ارتكبها النظام ورموزه ضدنا نحن وضد الضحايا السوريين. أما الإشكالات الثقافية والسياسية التي طويلاً ما اعترت العلاقة بين اللبنانيين والسوريين فهي تنتظر الفرصة الملائمة ليعاود الطرفان النظر فيها.
الحياة

 

حقد لبناني ــ سوري قديم/ نادر فوز
لم يميز اللبنانيون يوماً بين الشعب السوري وجيشه وطبعاً النظام الذي يستبدّ بالاثنين معاً. قبل الثورة وقبل الحرب والدمار الذان لحقا بسورية، كانت عبارة “السوري” تمثل جميع من على تلك الأرض، وهي لا تزال كذلك بالنسبة لكثيرين في لبنان. ولا تزال أيضاً ذاكرة اللبنانيين الجماعية تلخّص هذه العبارة بممارسات حواجز “التشبيح” السورية وعناصرها في الأماكن التي حكمتها قبل انسحاب الجيش السوري عام 2006.
يعود كل هذا إلى مرحلتين رئيسيّتين: الأولى في عام 1976 والثانية عام 1990، أسّستا لحقد تجاه السوريين وخوف منهم. لا يقتصر هذا الشعور على المناطق المسيحية التي عرّتها القيادة السورية من أحزابها وقياداتها السياسية وخنقت دورها على هذا الصعيد، بل أيضاً في المدن المحسوبة على الطوائف الإسلامية، حيث لا تزال الأحداث التي تلت مباراة فريق النجمة اللبناني لكرة القدم (محسوب على المسلمين) وفريق الجيش السوري عام 1998، راسخة في الأذهان. انتفض جمهور “النجمة” على خسارته رياضياً بالاعتداء على حاجز للجيش السوري في منطقة السفارة الكويتية بالقرب من ملعب المدينة الرياضية، فاحتلّ الحاجز وشرّد الجنود من بنادقهم وداس على شعاراتهم وصورهم المعلّقة في كل مكان.
أما الأطراف اللبنانية في البقاع والشمال، فتعيش على وئام مبدئي نظراً للحركة الاقتصادية المتبادلة وعمليات التهريب غير الشرعي. وقبل ذلك بعقود، يشير تاريخ المنطقة وكتبه التي تدرّس في المدارس والجامعات اللبنانية، إلى “استقلالية اللبنانيين والحرية التي تمتعوا فيها بعهد المتصرفية”، في حين بقيت المدن السورية تحت الإدارة العثمانية المباشرة. وتلت ذلك، الحربين العالمية الأولى والثانية، و”القلق اللبناني” من دمجهم في سورية لحين إعلان الاستقلال وإطلاق مشروع الفصل النهائي بين البلدين تباعاً، على صعيد العملة والجيش والمؤسسات الرسمية.
كل هذا التاريخ أسّس لخوف لبناني من السلطة السياسية السورية، مصحوباً بـ”الفوقية اللبنانية” المتعارف عليها لكون بلدهم “منارة الشرق” و”سويسرا الشرق” أو “بوابة الشرق إلى الغرب” وغيرها من العبارات التي يتم حقنها في أدمغة الأطفال منذ مقاعد الدراسة. ولعلّ أبرز ما يذكره اللبنانيون، هو رفض الرئيس الراحل فؤاد شهاب لقاء رئيس الجمهورية العربية المتحدة، جمال عبد الناصر، على الأراضي السورية، فنُصبت خيمة على الحدود بين البلدين عام 1958 وتم لقاء الرئيسيْن.
في العام 1976، دخل الجيش السوري عسكرياً إلى لبنان، وأوكل مهمة إيقاف الحرب الأهلية. عاث جنوده فساداً في المناطق التي انتشروا فيها. واستمر ذلك لحين عودة النار إلى الساحة اللبنانية ــ السورية، تحديداً في معركة زحلة (شرق لبنان) عام 1980. لا يذكر أهل المدينة سوى أنّ “السوري” حاصرها وقصفتها دباباته عشوائياً وأغارت طائرته على الأحياء السكنية فيها. تكرّر نفس المشهد في 13 أكتوبر/تشرين الأول عام 1990، يوم دخلت القوات السورية قصر بعبدا لإزاحة رئيس الحكومة المؤقتة ميشال عون. كان الأخير قد هرب إلى السفارة الفر
نسية، إلا أنّ الزحف السوري بشّر ببداية عهد وصاية جديدة كان الأكثر تأثيراً على العلاقة بين البلدين. في ذاكرة أبناء بعبدا، لا يزال مشهد دخول الجيش السوري واحتلاله بيوتاً وقصوراً ومحال تجارية حاضراً في الأذهان. كان الغبار يملأ سماء بعبدا (مقر رئاسة الجمهورية) بينما تدخل أرتال الدبابات السورية. وقف الناس على الشرفات مصدومون بهذا المشهد. على طريق قصر بعبدا، توقفت العربات العسكرية، وصُدِم الجنود كيف أن أهل المنطقة لا ينثرون الأرُز عليهم. قالت قيادتهم لهم إنهم جاؤوا ليحرروا لبنان، بينما الناس هنا لم تر فيهم إلا غزاة.
انتهت الحرب على يد الجيش السوري، وبوشرت عملية إعادة الإعمار على أيدي العمال السوريين. في تلك الأيدي السورية، رمّمت بيروت وسائر المناطق الأخرى، إلا أنّ الحقد والخوف لا يزالان. حكمت القيادة السورية اللبنانيين وقمعتهم. نكّل جيشها بالمواطنين واعتدى عليهم، فدفع المواطنون السوريون ثمن كل ذلك. قُتل العشرات منهم إثر “انتفاضة الاستقلال” عام 2005، وخطف آخرون رداً على “خطف الحجاج في أعزاز”، واليوم عاد التنكيل بهم، عمالاً ولاجئين، بُعيد معارك عرسال. قبل عقدين، كان “السوري” يمثّل بالنسبة للبنانيين “حزب البعث”. اليوم بات محسوباً على تنظيمات “داعش” و”النصرة” فيُخطف ويهجّر من جديد. لم يسأله أحد عن رأيه، لا في سورية ولا في بلد اللجوء لبنان. وفي بيروت، محكوم عليه أنه آتٍ من “تل كلخ”، وهي من أبرز العبارات العنصرية التي يمكن سماعها في الشوارع اللبنانية، بما تمثله هذه المنطقة السورية من فقر وحرمان وتجهيل. لكن الأشد قسوة ان تأتي هذه المذمة من أبناء الأرياف اللبنانية التي لا تقلّ حرماناً وفقراً عن تل كلخ وسائر الأرياف السورية.

عنصرية بلباس القانون… أو من دونه/ نادر فوز
في الدولة اللبنانية، يمارس وزراء ومسؤولون ومعنيون بملف اللاجئين السوريين، عنصرية مقنّعة أو حتى علنية. من دون أن تعني “العنصرية” هنا الدعوة إلى إحراق السوريين في مخيّمات نازية، أو إلى عزلهم في مغاور الطاعون أو السلّ. إلا أنّ التعامل مع الهاربين من الجحيم السوري على أنهم “قوارض” تنهش النسيج اللبناني وتقضم وظائفهم وتهدد بناهم التحتية، هو شكل من أشكال العنصرية. سبقت هذه الممارسات، الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. قبل عامين، كانت لا تزال الحرب في سورية لم تلامس الأرض اللبنانية بعد. لم تكن التنظيمات المتشددة قد دخلت جرود عرسال (عند الحدود الشرقية بين لبنان وسورية) ولا أقامت فيها، وكان يقتصر الأمر على قتال حزب الله في دمشق والقصَير. أي أنّ مبرّرات التعامل برهبة وحذر وخوف لم تكن موجودة أصلاً.
اليوم، آخر ما توصّل إليه وزراء في الحكومة اللبنانية، هو ما أعلنه وزير الشؤون الاجتماعية، رشيد درباس، حين قال إنّ “التعامل الصحيح مع ملف أزمة النازحين السوريين يبدأ بوقف استقبال المزيد منهم”. بالنسبة لدرباس ورفاقه الوزراء في اللجنة الخاصة لمتابعة هذا الملف، “مَن هرب من الاشتباكات قد هرب ولا داعي لاستمرار فتح الحدود”. مَن هرب قد هرب، ومن علق فليرحمه الله أو لتحمه قدرة قادر على الأرض السورية المتروكة لتنافس جزّارين اثنين، الأول اسمه جيش الأسد، والثاني “داعش” وأخواته.

تعدّ الوزارات المعنية بملف اللاجئين السوريين تقارير دورية عن أوضاعهم، لتطلق خلاصات ومشاريع قرارات تنسجم مع ما هو مطلوب تحقيقه سياسياً. وما هو مطلوب اليوم، توجيه الأصبع إلى مخيّمات اللجوء السورية والقول إنّ “الإرهاب يختبئ ويصنّع فيها”. وبحسب أحد هذه التقارير، يفترض على الدولة اللبنانية أولاً ضبط حركة اللاجئين “مع العلم أن التدفق السوري تراجع في الشهرين الماضيين” بحسب التقرير الحكومي الذي يشير إلى دور جهاز الأمن العام والأجهزة الأمنية في الضغط على اللاجئين “لوقف تهديد الإرهاب” الذي يساهم بشكل أو بآخر، بحجة أو بدونها، في تسميم الأجواء ودفع اللاجئين، إما إلى القرف أو إلى التعاون مع مجموعات محسوبة على الإرهابيين. قبل هذا الإعلان الأخير، سبق لدرباس أن عمل على “إقامة مخيّمات تجريبية للنازحين السوريين”.
بعد ثلاث سنوات على التهجير والتشرّد، وجدت الحكومة اللبنانية أخيراً أنّ ثمة ما يجب فعله في هذا الملف. فقررت إطلاق سياساتها التجريبية بوضع مشروع يفترض ان يضم 70 ألف لاجئ في مخيّمين، في العبودية (عند الحدود اللبنانية ــ السورية الشمالية) وعند معبر المصنع (على الحدود الشرقية). علّقت الحكومة إذاً مصير هؤلاء السبعين ألفاً على “التجريب”، من دون ضمانات ولا خطة واضحة. إلا أنّ هذا “التجريب” سرعان ما اصطدم بالوقائع الميدانية والأمنية، فأشارت تقارير صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية وقوى الأمن إلى الآتي: “لا قدرة لوجيستية وأمنية وفنية لإقامة أي تجمع عند الحدود الشمالية. أما عند المصنع، فثمة قدرة فنية لكنها بحاجة إلى مسح ميداني مباشر وإلى التنسيق مع الجهة السورية الرسمية”. وأكد التقرير أنّ الموقع الأخير يمكن ان يستوعب كحدّ أقصى 10 آلاف لاجئ لا ثلاثين ألفاً كما كان يتصوّر “تجريبيو الدولة اللبنانية”. عند هذا الحد انتهى حلم درباس ورفاقه. وبحسب ما يقول مطلّعون على سير هذه النقاشات “انطلق العمل على بلورة أفكار أخرى يُنصح بأن تكون بعيدة عن مبدأ التجريب”.
درباس كان آخر الداخلين على خطّ العنصرية والمطالبين بحتمية إقفال هذا الملف وإعادة السوريين إلى أرضهم ولو كان على حساب تهديدهم أو قتلهم. سبقته إلى ذلك قرارات صدرت عن وزير الداخلية والبلديات، نهاد المشنوق. في مايو/أيار الماضي، أصدر المشنوق قراراً ينص على “فقدان أي سوري صفته كلاجئ في حال دخل الأراضي السورية”. أي أنّ أي لاجئ غير مسجّل لدى الدولة اللبنانية، بات عليه تسديد مبلغ 200 دولار لتجديد إقامته أو المرور على نقطة حدودية بين البلدين وثم العودة إلى لبنان تفادياً لدفع هذا المبلغ. لتعود وزارة الداخلية وتصدر إعفاءً عاماً من تسديد كل إقامات السوريين الموجودين في لبنان.

ممارسات الأمن العام

التضييق الأمني على اللاجئين لامس العنصرية أيضاً في قرارات وإجراءات الأمن العام اللبناني. فاحت هذه الرائحة من منع هذا الجهاز دخول اللاجئين الفلسطينيين من سورية، وتلاه قرار آخر يمنع اللاجئين السوريين العائدين إلى سورية من العودة إلى لبنان قبل مرور شهر كامل من الإقامة في الأراضي السورية. أي أنّ أي لاجئ أو عامل في لبنان، عَبَر الحدود إلى سورية، عليه البقاء فيها ثلاثين يوماً على الأقل حتى يُسمح له بالعودة إلى بيروت، من دون ان يكون لهذا القرار أي تفسير أو تبرير أو حتى مسوغ قانوني. كما استمرّ الأمن العام في التضييق على اللاجئين السوريين، تحديداً المحسوبين على المعارضة.
لم يكن حينها زمن “داعش” ولا “جبهة النصرة” قد حلّ، وكان المعارضون السوريون مؤيدون للجيش الحرّ أو التنسيقيات أو حتى المجلس الوطني السوري. شملت هذه الحملة التي لم تتوقف، مخرجين سينمائيين وكتاب وصحافيين، يتم استدعاؤهم إلى مراكز الأمن العام دورياً، كل أسبوع أو اثنين. لا يُحقّق معهم ولا يتّخذ بحقهم أي أجراء، فقط يُطلب منهم الحضور والجلوس لخمس أو ست ساعات، ثم يُطلب منهم الحضور بعد أسبوع. كأن هؤلاء لا يزالون في سورية، يُستدعون إلى فروع الأمن من دون سبب وبلا نتيجة أصلاً، فقط للقول لهم “نحن نتابع تحركاتكم ونعرف نواياكم”. في السياق، تأخذ إجراءات الأجهزة الأمنية الأخرى، تحديداً في استخبارات الجيش وقوى الأمن الداخلي، منحى شاملاً في عنصريته وتعميم اتهام الإرهاب على كل السوريين، عمالاً ولاجئين.
في قرى جنوبية، اعتقلت القوى الأمنية 47 سورياً، أخلت سبيل ثلاثين منهم، وأبقت على 17 ولو أنه لم يثبت على أحدهم أي تهمة، بحسب ما يؤكد أحد الضباط المسؤولين عن التحقيق. إلا أنه ربما يجب إطالة فترة التوقيف والتحقيق كي لا تظهر القوى الأمنية في موقع المخطئ. حتى أنّ التوقيف باتت يستند على محتوى الأجهزة الخلوية، في إجراء استجدّ على ممارسات القوى الأمنية اللبنانية بحق لبنانيين وسوريين. العنصري الأكبر قد لا يستدعي كل ما سبق اتهام المسؤولين عنه بممارسة العنصرية، لكونها بقيت مبطّنة ولو أنها غير مبررة أيضاً. إلا أنّ وزير الخارجية، جبران باسيل، تربع على عرش “العنصرية الشرعية”، لا بل أنه في كثير من الأحيان قال “لا ضير ان يقولوا عنّا عنصريين، فنحن وطنيون”.
باسيل، صهر رئيس تكتل التغيير والإصلاح، ميشال عون، بحث قبل أشهر عن تحديد نسل اللاجئين السوريين في لبنان. قال ذلك في مؤتمر صحافي أمام الجميع، مطالباً بـ”إسقاط صفة النزوح عن أي نازح في حال أنجب ثلاثة أولاد”. وبشّر باسيل أيضاً بمنع النازحين من ممارسة أمور “لا يحق لهم القيام بها أصلاً، كالتنقل والتعليم”. ويبقى الأهم من كل هذا، مطالبة باسيل من سفراء أوروبيين وقف أي دعم أممي للهيئات الدولية المعنية بمساعدة اللاجئين السوريين في لبنان. كان هدف باسيل دفع اللاجئين إلى مغادرة لبنان، فوجد في هذا الطلب مقدمة لتجويعهم ودفعهم إلى ترك مراكز نزوحهم والعودة إلى سورية، في حين أنّ سياسة مماثلة تضع اللاجئين وعائلاتهم في أحضان أي جهة تملك المال وتوزّعه عليهم، كالتنظيمات المتشددة تحديداً.

العنصريون طبقيون أيضاً/ ثائر غندور
بيروت

في بهو أحد فنادق شارع الحمراء في بيروت، تقول إحدى السيدات السوريات لصديقتها: “لماذا ننتقل من الفندق إلى شقة، هنا يوجد من يُنظف ويغسل، إذا نقلنا علينا أن نجد خادمة”. يطول النقاش لدقائق، قبل أن تخرجا إلى الشارع، تقترب منهما طفلة سورية تطلب مساعدة. لا تنظران إليها. تُصر الطفلة، فتنال نهرة قاسية.
يتكرر المشهد بأشكال مختلفة يومياً في بيروت. يكفي الجلوس في واحدة من المقاهي ومراقبة روادها. تُدرك من اللهجة، أن أعنف من يتعاطى مع أطفال الشوارع هم سوريو الجنسية. عند إشارات السير يلاحظ المارة أن السيارات الفارهة التي تحمل لوحات سورية لا تتوقف لباعة الورد أو العلكة السوريين. تتجاهلهم بتعالي. لا يفتح سائقوها الشباك حتى، في مقابل تفاعل العديد من اللبنانيين مع هؤلاء الباعة. الأمر غريب. هل هي حالة نكران، أم نقل لطبقية حادة من سورية إلى لبنان.
فبعد نحو عام ونصف على انطلاق الثورة السورية وفي الطريق إلى مدينة من ريفها، طال الحديث مع عمر. هو طالب حقوق في جامعة حلب، تحوّل إلى مقاتل في الجيش الحرّ. تحدّث عمر عن الفصل التام في الجامعة بين أبناء المدينة وأبناء الريف. الوصف الذي قاله عمر، كان يشبه مرحلة الستينيات في لبنان.
انتقل الأمر من سورية إلى لبنان، فصار الفقراء السوريون يُعانون إلى جانب التشرد والفقر ومن عنصرية فئات لبنانيّة وسوريّة. تأثرت العلاقة اللبنانيّة السوريّة بهذه المعادلة. فالمواقف السلبية التي يتعرض عموم السوريين من جزء من الجمهور اللبناني، تتراجع عند التعاطي مع الأغنياء من السوريين.
لنأخذ سوق العقارات مثالاً؛ صار صعباً على اللاجئين السوريين استئجار البيوت في العديد من البلدات اللبنانية، وبعض أصحاب المنازل، يُريدون التعرف على أفراد العائلة قبل التأجير. صارت الشروط صعبة جداً. في المقابل، فإن الباب مفتوح أمام رجال الأعمال والمتمولين السوريين لشراء واستئجار الشقق التي يُريدونها وفي جميع المناطق. في أحد محال الثياب في وسط العاصمة اللبنانيّة، كان صاحب المحلّ يشكو من أثر اللاجئين السوريين على الاقتصاد اللبناني، وكيف تراجعت السياحة بسبب “التدهور الأمني بعد ازدياد عدد اللاجئين السوريين”؛ يسكت البائع عندما يلحظ سيارة سورية ركنت بالقرب من محله وتوجه من فيها نحوه، ليرحّب بهم بحفاوة كبيرة قائلا: “أهلا بالجيران”.
لكن الأمر ليس دائماً كذلك، ففي فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، عانى اللبنانيون من زحمة سير كبيرة، فانتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي اتهامات للسوريين بأنهم سبب هذه الزحمة. وصل الأمر بأحد الفنانين، الملحّن والموسيقي اللبناني ميشال ألفتريادس، للقول، في سبتمبر/أيلول الماضي، على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي: “أنتَ لاجئ في بلادي، خفّف كزردة على الطريق، عم تعمل زحمة سير”، كما أن حالات الجنون التي طالت السوريين باعتداءات جسدية في الأسابيع الأخيرة لم تُميّز بين غني وفقير بل طالت الجميع.

————————————-

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...