الرئيسية / صفحات مميزة / تطورات الموقف الروسي وآثاره على الوضع في سورية –مجموعة مقالات-

تطورات الموقف الروسي وآثاره على الوضع في سورية –مجموعة مقالات-

 

صفقة همذان: عرب أطاعوا وباعوا… وفرس وروس اشتروا!/ صبحي حديدي

انطلاق القاذفات الاستراتيجية الروسية من قاعدة همذان العسكرية الإيرانية، لقصف أهداف في سوريا، ليس قراراً سياسياً في المقام الأوّل، كما سارت بعض التحليلات الغربية؛ يستهدف إرسال إشارات (أوضح مما تبدّى حتى الآن؟)، حول طبيعة التنسيق العسكري الروسي ـ الإيراني، في الملف السوري على الأقل.

صحيح، إلى هذا، أنّ الرمزية السياسية عالية، كما أنها غير مسبوقة أيضاً، في هذا الإجراء العسكري؛ وأنّ تشغيل رموز من هذا الطراز يخدم موسكو وطهران على قدم المساواة، في الساحات الجيو ـ سياسية التي تتهدد فيها، أو تتوطد، مصالح البلدين. العاصمة الأولى تقول، أو بالأحرى تشدد على، ما اعتادت تسويقه منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، حين كرّست تدخلها العسكري المباشر في سوريا؛ من أنها قوة كونية عظمى جديرة بمجابهة أمريكا والأطلسي خارج حدود جورجيا وأوكرانيا، ثمّ استطراداً خارج حروب أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية.

والعاصمة الثانية، طهران، تذكّر بأنها قوّة إقليمية عظمى، مستعدة للاتجار بالمصالح الكونية الجيو ـ سياسية مع قوى كونية أخرى غير أمريكا؛ وأنّ الاتفاق النووي الذي وقعته مع «المجتمع الدولي» ليس منتهى تلك التجارة، أو حتى ذروتها القصوى.

من الصحيح، في المقابل، بل لعله الأصحّ في الواقع، أنّ الغاية العسكرية الصرفة هي عماد ذلك الإجراء، وأنّ حال النظام السوري القتالية الميدانية لا تسرّ خاطر رعاته ومسانديه وحلفائه، في موسكو أسوة بطهران وبيروت/ الضاحية الجنوبية.

ما جرى عسكرياً في حلب مؤخراً، وما يجري ببطء أكثر وبضجيج إعلامي أقلّ في ريف دمشق، يستوجب نقلة نوعية في إسناد النظام على الأرض؛ حيث يُتاح لقاذفة الـ Tu-22M الروسية الاستراتيجية أن تلقي 20 طناً مترياً من القنابل أو الصواريخ، ولا بأس أن تحمل أيضاً رسائل سياسية متعددة العناوين: إلى واشنطن، والحلف الأطلسي، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، وسوق النفط، وسوق السلاح… هذا بافتراض أنّ مقاتلات الـ Su-34 الروسية، التي أخذت الآن تنطلق كذلك من قاعدة همذان، لا تحمل الرسائل ذاتها؛ مضاعفة، إذا جاز القول، لأنّ هذا الصنف من الطيران الحربي الروسي يعمل لتوّه، من مطار حميميم في اللاذقية. ولا بأس، في المقابل، من جرعة علاج بالصدمة، تصنعها حقيقة مرور القاذفات الروسية من إيران إلى سوريا عبر الأجواء العراقية (عراق حيدر العبادي، بعد عراق نوري المالكي، للإيضاح!)؛ الأمر الذي يعيد التأكيد على إجراء عراقي سابق (عبور الطائرات الإيرانية التي تشحن العتاد والمقاتلين عبر الأجواء ذاتها نحو سوريا): وأمّا العلاج فهو تعويد العرب على متغيرات التحالف بين العرب، مع غير العرب، ضد العرب أنفسهم (صيغة «فرس وروس» لمن يشاء!)؛ وأمّا الصدمة فهي، بين مقاصد أخرى، فهي تسخيف بعض أساطير العرب، عن التضامن الأخوي العروبي!

طريف، أولاً، متابعة التراشق اللفظي بين واشنطن وموسكو، حول استخدام قاعدة همذان في انطلاق القاذفات الروسية نحو سوريا؛ إذْ بدأت الجولة من تصريح مارك تونر، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، من أن الإجراء الروسي هذا قد (نعم: قد!) يكون انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2231، القاضي بحظر تزويد أو بيع أو نقل الطيران الحربي إلى إيران؛ وأنّ القاذفات الروسية، التي تقول موسكو إنها سوف تستهدف «الدولة الإسلامية، سوف «تستهدف عملياً قوات المعارضة السورية المعتدلة». ردّ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، كان كالعادة دبلوماسياً وساخراً في آن: «هذه الطائرات تستخدمها قوات سلاح الجو الروسية، بموافقة إيران، ضمن عملية محاربة الإرهاب في سوريا، بناء على طلب الحكومة السورية الشرعية». أقلّ دبلوماسية، كما يُنتظر منه، كان ردّ إيغور كوناشينكوف، رئيس الدائرة الإعلامية في وزارة الدفاع الروسية: ليس من عادتنا أن نلقّن مسؤولي الخارجية الأمريكية دروساً في حُسن قراءة القانون الدولي!

والحال أنّ السذّج، فضلاً عن رهط «الممانعين» مكمّمي العقول عن سابق قصد، هم وحدهم الذين يمكن أن يعتقدوا بأنّ الصفقة الروسية ـ الإيرانية، في استخدام قاعدة همذان؛ قد تمّت دون علم، ثمّ موافقة وترخيص، البيت الأبيض والبنتاغون؛ أو دون علم، ثمّ موافقة وترخيص، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصياً، صديق بوتين وحليفه، والحائز من سيّد الكرملين على هدية ثمينة لا ككل هدايا العباد: دبابة سورية! في تفاصيل مثل هذه، تعبر النطاق الجيو ـ سياسي إلى ذاك العسكري الستراتيجي، المحلي والإقليمي والدولي؛ لا مجال للعبث أو المناورة أو المغافلة، لأنّ العواقب سوف تكون وخيمة لا ريب، ولأنها قد تنقلب على أصحاب الشأن قبل سواهم. وفي كل حال، ليس استنتاجاً خارقاً للعادة ذاك الذي يقول إنّ المصلحة مشتركة، بين واشنطن وموسكو وطهران وتل أبيب؛ ليس في قصف «داعش» أو «جبهة فتح الشام» أو «أحرار الشام»، فحسب؛ بل كذلك فصائل الجيش الحر «المعتدلة»، أينما وحيثما توجّب الحفاظ على المقدار المطلوب من التوازن العسكري بين المعارضة والنظام.

وبصدد تقاطع (بمعنى تطابق وتناغم…) السياسات الإيرانية والإسرائيلية حول الملفّ السوري، ليست جديدة تلك المواقف التي تصدر عن كتّاب ومعلّقين وساسة يهود، وتعلن ـ على نحو صريح تارة، ومبطّن خافٍ طوراً ـ مناصرة نظام بشار الأسد، ومعاداة الانتفاضة الشعبية؛ خشية على دولة إسرائيل إذا سقط النظام الذي كفل صمت السلاح في هضاب وبطاح الجولان طيلة 46 سنة، وقدّم خدمات ثمينة لأمن إسرائيل في لبنان وفلسطين والأردن، ولأمن راعيتها الكبرى الولايات المتحدة، لا سيما في تحالف «حفر الباطن». للمرء أن يستذكر مواقف ألكسندر آدلر، المؤرّخ والصحافي الفرنسي اليهودي المعروف، والكاتب في صحيفة الـ»فيغارو»، والمساهم في مطبوعات ومواقع أخرى يمينية غالباً، محافظة، وشديدة الانحياز لإسرائيل.

بصدد العلاقات الإسرائيلية ـ الإيرانية، والبرنامج النووي الإيراني، يقول آدلر: «لا أعتقد أنّ الإيرانيين أرادوا في أي يوم امتلاك القنبلة النووية لتهديدنا، نحن اليهود؛ وأنّ الهدف في الحقيقة كان بلوغ التفوّق على العالم العربي، والعالم العربي السنّي، في موازاة تجربة الباكستان النووية التي تمّ تمويلها بالكامل من المملكة العربية السعودية ودول الخليج». ثمّ يربط هذا التقدير بواقع انتفاضات العرب، ومصر تحديداً، فيقول: «إذا سألتني عن جوهر موقفي، أرى أنّ الشعب الإيراني هو الأقرب إلى الشعب اليهودي، وإذا كان ثمة بلد محصّن ضدّ العداء للسامية، فهو إيران (…) واليوم أعتقد أنّ العدو الرئيسي هو تجمّع المتشددين المسلمين السنّة، العرب، القائم على خليط من الناصرية وعقيدة الإخوان المسلمين، والذين ـ انطلاقاً من مصر، التي كانت على الدوام البلد الجدّي الوحيد في المنطقة ـ يوشك على ترتيب محاصرة إسرائيل، والتحضير للهجوم عليها بين يوم وآخر».

وليست نادرة، بل لعلها الشائعة أكثر، مواقف أمثال آدلر في إسرائيل وأمريكا؛ وكذلك أمثاله في روسيا، مختلطة بنزوعات الفخار القومي والحنين الإمبراطوري القيصري؛ وأمثاله في إيران، ممّن أتقنوا المزج، النفعي، بين المشروع الخميني/ الخامنئي في «تصدير الثورة»، ومشروع التوسع الإقليمي الذي يستلهم جذوراً فارسية صرفة. ومن سماءات إيران، إلى سماءات سوريا، تحت سمع وبصر ـ وبالطبع: ترخيص ـ أمريكا وإسرائيل؛ ثمة هذه الصفقة التي تدفع إلى استذكار محمود درويش: «سقط القناعُ/ عربٌ أطاعوا رومهم/ عربٌ وباعوا روحهم»؛ فكان مآلاً طبيعياً أن يشتري الروس، بعد أن اشترى الفرس، سقط متاع أنظمة الفساد والاستبداد والمزارع العائلية، وتُبّع المذاهب والطوائف والميليشيات، ومجرمي الحرب وقتلة الأطفال!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

روسيا التي تخادعنا/ ميشيل كيلو

لست من دعاة مقاطعة روسيا اليوم، وإخراجها من سورية غداً. لكنني أعتقد، في الوقت نفسه، أن روسيا تمارس سياسات معادية، إلى آخر مدى، للشعب السوري، وأنها لا تراعي، بأي شكل، ما ثار من أجله، فهي، وعلى عكس ما تكرّره دوماً، شديدة الإعجاب بالأسد، وتعتقد أن مصالحها تتطلب تبني مواقف عملية، لا تعترف بإرادة السوريين في اختيار حكامهم بحرية، وترفض اعتبارهم مصدر السيادة، وبالتالي السلطة، الذي يجب أن تحترم القوانين والسياسات الدولية رغباته.

ليس في جداول الأعمال الروسية مكان للشعب السوري، على الرغم من أنه لا مكان لغيره في تصريحات الوزير لافروف ونائبه بوغدانوف. هذه المفارقة لا تؤرق الكرملين، إذ بينما يتباهى العسكريون في وزارة الدفاع بإنجازات طائراتهم ضد المدنيين، الموصوفين دوماً بالإرهابيين، على الرغم مما تتناقله وسائل إعلام دولية بالصوت والصورة حول هوية الضحايا، يعلن ساسة وزارة الخارجية، بكل براءة، أن جيشهم يقنع شعب سورية بالتعبير عن إرادته بكل حرية، على أن يضع نصب عينيه خياراً وحيداً هو العودة إلى أحضان بشار الأسد، وإلا فإن صبيب النار الذي يتعرّض له لن يتوقف عن “إقناع” من بقوا أحياء منه بقبول هذا الخيار الذي ترى روسيا فيه، بالنيابة عنهم، التعبير عن إرادتهم، وتقاتل لفرضه عليهم بعصا القنابل وجزرة الدبلوماسية. سأفترض، الآن، أن الشعب السوري انصاع لقنابل الطائرات الروسية وصواريخها التي يقول الخبراء الروس أنفسهم إنه لم يسبق لأية حرب أن شهدت مثيلاً لفتكها، وأن مبتكري السلاح في الجيش الروسي يعملون لاختراع قنابل وصواريخ من أنواعٍ أشد فتكاً من كل ما هو متوفر منها، ليعالجوا بواسطتها عناد السوريين وتمسكهم بحريتهم. ما الذي سيحدث بعد ذلك؟.

عندما يطالب أحد ما روسيا بضماناتٍ تكفل حدوث انتقال سياسي ما في وطنهم، مقابل التخلي عن الثورة، يرفض ساستها الالتزام بشيء، بحجة أنهم لا يمنون على الأسد، وأن إيران هي التي تمتك القرار السوري، والقدرات اللازمة للحفاظ على سلطته، فإن سئلوا: لماذا تشاركون في حربٍ لستم من يحدّد نتائجها، قالوا إنهم يحولون، بحربهم السورية، دون ذهاب الإرهاب إلى بلادهم ، فإن قيل إن أغلبية من تقتلونهم ليسوا من الإرهابيين، بل هم مدنيون معادون للمجرم الذي تقولون إن أمره لا يعنيكم، أجابوك: أنت مخطئ، تدخلنا لا يؤثر في علاقات السوريين ببعضهم، ولا يحدث أي تحول في موازين القوى لصالح أي طرف منهم.

هذه الأكاذيب تغطي تدمير سورية اليومي الذي لا يعرف أحد كيف يوقفه، بسبب ما تعتمده موسكو من سياساتٍ تجاه المسألة السورية، تترجم جهدها العسكري الذي يعطل الحل، بما يعتمده من رهاناتٍ دولية وإقليمية، لا علاقة لها بالثورة السورية، لكن تحقيقها يمر عبر بحارٍ من دماء السوريين الذين يسقطون بقنابل عسكرها الذي يتفنن في قتل السوريين، وساستها الذين يستخدمون قوة جيشها النارية لسحق شعبٍ لا يتركون له أي خيار غير الموت تحت ركام مدنه وقراه، أو الاستسلام لقاتله المحترف، غاصب القصر الجمهوري في دمشق. مع ذلك، لا حديث للروس إلا عن عزمهم على البقاء خارج التجاذبات السورية، والعزوف عن تقييد حق السوريين في اختيار ما يريدونه، والبقاء على الحياد بين أطرافهم المتقاتلة.

في هذه الأثناء، يعرف الروس أن سياساتهم ليس هدفها حل المسألة السورية، وأن من تدفنهم طائراتهم تحت ركام منازلهم مدنيون، وليسوا إرهابيين. ويعرف السوريون أن موسكو تجنح، بالأحرى، إلى إبادتهم أكثر مما تسعى إلى رفع القتل عنهم، ويعرفون أيضاً أن الحرب لا تتوقف، إلا حين يقرّر المعتدي وقف عدوانه، ويثق المعتدى عليه بصدق نياته، وهذان أمران سيمر وقت طويل، قبل أن يتوفرا في سلوك روسيا الحربي، ومواقف السوريين منه.

العربي الجديد

 

 

 

 

“همدان” معادلاً لـ”أنجرليك”: روسيا إذ تشتهي تركيا/ مازن عزي

منذ ما قبل الانقلاب الفاشل، منتصف تموز/يوليو، وتركيا تعيش فعلياً بلا حلفاء دوليين حقيقيين. ورغم عضويتها في حلف “شمال الأطلسي”، ومحادثاتها اللامنتهية مع بروكسل للحصول على عضوية “الإتحاد الأوروبي”، إلا أنها أجبرت على البقاء في حيّز على تخوم التحالفات الكبرى.

عدم موافقة تركيا على طريقة الغرب في إدارة المسألة السورية، بل وانخراطها كلاعب رئيس فيها، جعلها في موقع التعارض مع دورها الجيوسياسي المُراد منها غربياً. موقع حذر، استغلته روسيا، مراراً، لتحجيم تركيا، عبر الملف الكردي.

الأمر ذاته، كان قد حدث عشية الحرب العالمية الأولى. حينها استثمرت روسيا في الموضوع الأرمني ضمن تركيا، ودفعته إلى حدوده القصوى. وعلى الرغم من اتفاقية برلين في العام 1878، التي وقعها السلطان عبدالحميد، مرغماً، لوقف الزحف الروسي إلى اسطنبول غرباً، وشرقاً إلى شمال الأناضول، إلا أن الطموح الروسي لم يتوقف. حينها تنازلت السلطنة العثمانية لروسيا عن ثلاث مقاطعات جنوبي القوقاز؛ باتوم وأردخان وكارس، التي تضم نسبة أرمنية عالية من السكان.

روسيا القيصرية، التي اعتبرت نفسها وريثة الإمبراطورية البيزنطية وحامية الكنيسة الأرثودكسية، كانت تحلم باسطنبول “كونستانتينوبل”، عاصمة بيزنطة سابقاً. وبعيداً عن المبررات الدينية، فاسطنبول العثمانية، بموقعها بين قارتين، والمتحكمة بالملاحة بين البحرين؛ الأسود والمتوسط، كانت عقبة حقيقية في وجه التمدد الروسي. محاولات الروس لانتزاع أكبر مساحة من العثمانيين، استمرت طيلة الفترة بين اتفاقية برلين حتى عشية الحرب الأولى. ففي العام 1914 طلبت حكومة القيصر نيقولاي الثاني، بالحماية الدولية، للأرمن في ست مقاطعات عثمانية، شرقي الأناضول، ومنها ديار بكر.

سان بطرسبورغ، استمرت في استخدام الأرمن كذريعة للتدخل في الشؤون التركية، ما كان قد رفع مستوى التوتر بين الأرمن وجيرانهم الأكراد، وسط “تجاهل” عثماني، وتسبب في موجة المجازر الأولى في العام 1908، بحق الأرمن. الأمر ذاته، وعلى نطاق أوسع، وبمشاركة جماعة “الاتحاد والترقي”، الحكام الجدد في اسطنبول، عاد للتكرار، بين العامين 1914 و1915، في ترانسفير ومجازر بحق الأرمن، بغرض انتزاع الورقة الأرمنية من يد روسيا، ووقف أطماعها في الأرض العثمانية.

واليوم، يبلغ النفاق الروسي ذرى غير معهودة من قبل، فوصاية موسكو على “القانون الدولي” تكاد لا تتضمن سوى موضوعة “السيادة”، النقيض الموضوعي لـ”حق التدخل” لأسباب إنسانية. وموسكو باتت تخوض الحروب، دفاعاً عن “سيادتها”، أو لحماية “سيادة” حكومات “شرعية”. لكنها وعبر استخدام مزيج هجين، من تكتيك الحروب التقليدية وما يسمى “الجيل الرابع”، تحاول تفكيك نسيج الدول التي تتدخل فيها، كما في سوريا وأوكرانيا وتركيا.

فالدعم الروسي الكبير، لحزب “الإتحاد الديموقراطي” الكردي، شقيق حزب “العمال الكردستاني”، طيلة السنوات الماضية، كان يتجاوز خلق أزمة لتركيا على حدودها الجنوبية مع سوريا، إلى الداخل التركي. استخدام الروس للأكراد ضد تركيا، لم يكن يوماً مختلفاً عن استخدامهم للأرمن، قبل أكثر من قرن. روسيا، رافقت دعمها للأكراد، بتدمير مناطق التركمان السوريين، وتهجيرهم من ريف اللاذقية الشمالي، وريف حلب الغربي. هذا عدا عن قصفها الوحشي لمناطق العرب السنة، في حلب وإدلب، واتباعها سياسة الأرض المحروقة، والتهجير الجماعي، لمئات آلاف السكان.

استفزاز موسكو المتواصل لأنقرة، كان يمكن تجنبه، لو كان لتركيا حلفاء دوليون يُمكن الاعتماد عليهم. لكن اسقاط تركيا للمقاتلة الروسية، التي اخترقت أجواءها، في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أظهر بوضوح كامل، عدم جدّية “الناتو” في الدفاع عن تركيا. كما أن محاولة الإنقلاب الفاشل، حظيت بشكل أو بآخر، بموافقة غربية، للإطاحة بحكومة “العدالة والتنمية”.

في تلك اللحظة، بدت تركيا تماماً بلا حلفاء.

ليس للشهية الروسية من ذروة. فروسيا، ولعدم وجود حدود طبيعية لكيانها الجغرافي، تجد نفسها مدفوعة باتجاه سلوك عدواني دفاعي. هو حال الطبيعية الروسية، منذ تشكلها على يد إيفان الرهيب في القرن السادس عشر. وبحسب ستيفن كوتكين، في الـ”فورين بوليسي”، فإن روسيا منذ عهد إيفان ولمئات السنين من بعده، وسّعت مساحتها بمقدار 50 ميلاً مربعاً، يومياً. ذلك التوسع المستمر، هو سرّ الجيوسياسة الروسية؛ حماية التوسع السابق بتوسع لاحق.

الأمر ذاته، استمر في الحقبة السوفييتية، وإن كانت نهايتها مؤلمة لموسكو، عبر خسارة عدد كبير من الجمهوريات التي استقلت عنها. منحنى الإنحدار وصل إلى نهايته، مع صعود فلاديمير بوتين إلى السلطة، بعد انجازاته الدموية في الشيشان، والحؤول دون انفصالها، ومن ثم الحرب في جورجيا. وحين استعصت أوكرانيا وشقت طريقها لمغادرة الفُلك الروسي، اجتاح الجيش الروسي شبه جزيرة القرم، كمنفذ روسي أخير على البحر الأسود. كما قسمت روسيا شرقي أوكرانيا، إلى دولتين يقودهما انفصاليون أوكران موالون للكرملين.

لطالما مثّلت روسيا تحدياً وجودياً للدول المجاورة لها، حتى وإن فاقت شهيتها قدرتها على الهضم. ولكن الذي دفع الرئيس التركي أردوغان، لزيارة “صديقه” فلاديمير، كان المرارة من الموقف الأميركي تجاه الإنقلاب. الأمر قد يكون مماثلاً، لما حدث أيضاً، مطلع الحرب العالمية الأولى، حين فاوض وزير الحرب العثماني الجديد، و”بطل” استعادة أدرنة، اسماعيل انفر “انفر باشا”، المبعوث العسكري الروسي إلى اسطنبول، بغرض عقد تحالف عسكري بين الطرفين. تحالف يقوم على تعهد سان بطرسبورغ بوحدة الأراضي العثمانية، ووقف الدعم الروسي للقوميين الأرمن، واستعادة الجزر التركية الثلاث التي احتلتها اليونان، ومقاطعة ثراس التي احتلتها بلغاريا، في حرب البلقان الأولى. مقابل ذلك، كانت تركيا ستقدّم دعماً عسكرياً كاملاً، لدول “الحلفاء” في الحرب.

وزير خارجية القيصر سيرغي سازانوف، رفض ذلك العرض، فما بدأ الحديث عنه، من تقسيم للسلطنة العثمانية، بين فرنسا وبريطانيا وروسيا، “الحلفاء”، كان أكثر إغراءً للروس، خاصة وأن اسطنبول قد تكون الجائزة الكبرى لهم، بعد نهاية الحرب.

حينها لم يعد لتركيا، من مهرب، فتحالفت مع ألمانيا، ودول “المحور”، لحمايتها من أطماع “الحلفاء” في السلطنة العثمانية. أطماع ستجد تعبيرها الأمثل في اتفاقية “سايكس-بيكو-سازانوف”. ولم يحل دون ذلك الطموح الروسي، سوى اندلاع الثورة البلشفية في روسيا في العام 1917.

واليوم، ومرة أخرى، يبدو أن الروس لم يُعجبوا بما عرضته عليهم تركيا، وأن لديهم بعد ما يشتهونه. وبعد أيام قليلة من زيارة الرئيس التركي لروسيا، طلب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بمراقبة دولية للحدود السورية-التركية. الأمر وإن لم تعلق عليه أنقرة، إلا أنه يُعتبر تدخلاً روسياً في السيادة التركية، مُجدداً.

الأمور ازدادت تعقيداً، بعد زيارة مستعجلة لوزير الخارجية الإيرانية إلى أنقرة، ومحاولة تقديمه عرضاً إقتصادياً لتركيا. زيارة ظريف التركية، كانت على الأغلب، محاولة لإخفاء عرض إيراني أكثر إغراءً لروسيا. فإيران قدمت، للمرة الأولى منذ “ثورتها الإسلامية” قاعدة “همدان” الجوية لطيران أجنبي. وبهذا المعنى أصبحت “همدان” معادلاً روسياً في إيران، للوجود الأميركي في قاعدة “أنجرليك” التركية.

قصف روسيا للمعارضة السورية في حلب، انطلاقاً من “همدان”، هو تصعيد جديد لحرب الإبادة الروسية-الإيرانية، ضد السوريين، إلا أنه يأتي أيضاً لقطع الطريق أمام “لاعب مؤثر” يدعم “الإرهابيين” في سوريا، بحسب الصحافة الروسية. “اللاعب المؤثر”، هو بالتأكيد، تركيا، التي مازالت تقف على التخوم، بين الأعداء-الحلفاء.

المدن

 

 

 

 

 

فرص تفاهم ثلاثي حول سورية/ مروان قبلان

ما إن عاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من زيارة إلى روسيا، احتل الملف السوري حيزاً مهماً من نقاشاتها، حتى وصل وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، إلى أنقرة، لمناقشة الموضوع نفسه، وقد بات مرجحاً أن يزور أردوغان طهران قريباً.

أثارت اللقاءات الروسية –التركية – الإيرانية تكهناتٍ حول محاولة الأطراف الثلاثة التوصل إلى تفاهماتٍ بشأن سورية بعيداً عن واشنطن، بناءً على معطيين: الأول، أن المسألة السورية شأن إقليمي، على دول المنطقة أن تحلها بعيداً عن أية تدخلاتٍ خارجية (روسيا باتت تعتبر نفسها من دول المنطقة!). والثاني، يستند إلى افتراض أن الأطراف الثلاثة توصلت، بعد خمس سنوات من الصراع على سورية، إلى قناعةٍ باستحالة انتصار طرفٍ على آخر، خصوصاً بعد أن تمكّنت قوات المعارضة، بدعم تركي كبير، من كسر الحصار الروسي-الإيراني عن حلب، من جهتها الجنوبية الغربية.

لكن واقع الحال يقول إن التوتر مع واشنطن، وليس الإحساس بالحاجة إلى التوصل إلى حل للصراع في سورية، هو الدافع الرئيسي للتقارب الراهن بين الأطراف الثلاثة. روسيا مستاءة بسبب اختطاف الغرب أوكرانيا منها، وحرمانها من حلم إنشاء الاتحاد الأوراسي، الذي غدا آسيوياً أكثر بعد خسارة أوكرانيا. تركيا غاضبةٌ بسبب اتخاذ واشنطن الأكراد حلفاء في سورية، ثم بسبب موقفها “المائع” من المحاولة الانقلابية أخيراً، أما إيران فما عادت قادرةً على “مداراة” خيبة أملها في نتائج الاتفاق النووي، بعد أن تبين أن مسيرة رفع العقوبات لن تكون سهلةً أو قصيرة.

مع ذلك، وباعتبار أن الغضب على واشنطن هو الدافع الرئيسي للتقارب الجاري، وباعتبار أن الخلاف حول سورية كان السبب الرئيسي في القطيعة، يصبح السؤال: هل تستطيع الأطراف الثلاثة حقاً التوصل إلى تفاهماتٍ بشأن سورية بعيداً عن واشنطن؟

تركت المواقف الإيرانية والروسية من محاولة الانقلاب الفاشلة أثراً إيجابياً على العلاقة مع تركيا، بعكس الموقف الأميركي المتردّد، لكن هذه المواقف لن تكون على الأرجح كافيةً للتغلب على خلافاتهم في سورية. أقصى ما يمكن أن يتحقق في هذه المرحلة هو العودة إلى الصيغة التي كانت سائدةً قبل التدخل العسكري الروسي المباشر، والمواجهة الإيرانية – التركية حول حلب، أي عزل الصراع على سورية عن مسيرة التعاون الثنائي (الاقتصادي والتجاري)، فحجم التضارب في المصالح بين تركيا وكل من إيران وروسيا في سورية كبير جداً، وهو ناجم أصلاً عن اختلاف حاجات كل منهم في هذا الصراع، إذ تسخره روسيا لخدمة غاياتٍ ومصالح لها خارج المنطقة، أما إيران فتعتبره جوهر مشروعها الإقليمي، في حين تنظر إليه تركيا باعتباره مسألةً تخص أمنها ووجودها.

الأمر الآخر أنه، بمقدار من يمثل الخلاف مع واشنطن الدافع الرئيسي للتقارب، فإن الأطراف الثلاثة تمضي فيه، وعينها على الشريك الأميركي، عسى أن يشعر بالغيرة ويعود أدراجه. والأرجح أن التقارب الراهن، على الرغم من أهميته الاقتصادية لتركيا خصوصاً، ما كان ليحصل، ربما لو أن أنقرة وجدت دعماً أميركيا كافياً في مواجهتها مع روسيا، ولما اضطر أردوغان ربما إلى الاعتذار عما لا يصح الاعتذار بشأنه، وهو الدفاع عن أجواء بلاده التي اخترقتها الطائرات الروسية بصورة متعمدة عشرات المرات.

أخيراً، وهو الأهم، أن واشنطن التي تعد بمثابة الفيل في الغرفة، ليس ممكناً تجاهلها، خصوصاً بعد أن أصبح لها وجود عسكري مباشر على الأرض السورية (تبني قاعدة عسكرية كبيرة في عين العرب وأخرى في الرميلان) ولها أدواتها على الأرض، وهي لن تقبل من ثم أي تفاهمٍ بمعزل عنها. صحيح أن إدارة أوباما أبدت زهداً كبيراً في الصراع السوري، لكن هذا الزهد كان يهدف إلى إنهاك الجميع. أما عندما يحين وقت الاتفاق، فهي لن تسمح بتجاوز دورها، خصوصاً من عين الأطراف الثلاثة التي حاولت إغراقها في الوحل السوري.

العربي الجديد

 

 

 

 

معركة سوريا تقلع من همدان/ سميح صعب

من همدان الايرانية اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إحداث الانقلاب الاستراتيجي في المنطقة. لم يترك له الاميركيون الذين يطوقون روسيا بالانظمة الصاروخية في أوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق واوكرانيا، سوى الاندفاع في الشرق الاوسط ليحدث توازناً عبر علاقة استراتيجية مع ايران من شأنها تصحيح الخلل الذي أحدثته اميركا وتركيا ودول الخليج العربية عبر ثغرة الراموسة والزج بـ”جيش الفتح” في معركة حلب التي هي معركة سوريا، وخسارة سوريا، تعني خسارة استراتيجية لروسيا.

ومع عدم ظهور ملامح أي حل سياسي حتى الان واستمرار الرهانات الاميركية والتركية والخليجية على ان الحرب في سوريا لا تنتهي إلا بتغيير جيوسياسي، يحرم روسيا وايران اطلالة على شرق المتوسط ، لا تملك روسيا وايران سوى الانخراط أكثر في معادلة تغيير الواقع الميداني على الارض السورية لمصلحتهما. وهذا ما تدركه الولايات المتحدة جيداً، ولذلك لوح روبرت مالي مستشار الرئيس باراك أوباما باطالة أمد الحرب السورية الى حين اسقاط النظام السوري. وهذا ما تفعله أميركا منذ خمسة أعوام.

والدور الروسي والايراني المقبول أميركياً في سوريا، هو تسهيل تحقيق التغيير السياسي من طريق اقناع الرئيس السوري بشار الاسد بالتنحي، الامر الذي لا يمكن ان تقبله لا روسيا ولا ايران. المناورات الاميركية في سوريا لم تترك لموسكو وطهران سوى الذهاب نحو علاقة استراتيجية تؤسس لمشهد جيوسياسي جديد في الشرق الاوسط. فالشركة الاستراتجية الروسية – الايرانية لن تنحصر مفاعيلها في سوريا وحدها، إذ أن الخيار الطبيعي للعراق، على رغم الدعم الاميركي الذي تتلقاه بغداد، هو أن يكون أقرب الى طهران وموسكو لينشأ ممر من دمشق الى طهران عبر العراق.

وإذا ما تسنى اقامة ترابط بين دمشق وبغداد وطهران بدعم روسي، فإن من شأن ذلك قلب المعادلات العسكرية – السياسية القائمة حالياً أو على الأقل وقف اندفاع اميركا وتركيا ودول الخليج منذ خمسة اعوام لنقل سوريا الى معسكرها وتوجيه ضربة قاصمة الى ايران وروسيا وارساء معادلات جديدة في المنطقة، ولو بالاعتماد على الجماعات الجهادية.

ومن هنا يصير مفهوماً لماذا ترفض واشنطن العرض الروسي لتوجيه ضربات مشتركة الى “جبهة النصرة” التي لا تزال تمثل حاجة اميركية في مواجهة الجيش السوري وحلفائه.

ان المعركة الاميركية المفتوحة مع روسيا، تواجه اليوم بوقائع جديدة على مستوى العلاقة الروسية – الايرانية، وعلى مستوى الميدان السوري الذي يبقى القول الفصل في تقرير مستقبل سوريا والمنطقة.

النهار

 

 

 

التمدد الاستراتيجي الروسي من همدان إلى حلب وحسابات الداخل/ د. خطار أبودياب

يستمر القيصر الجديد في اندفاعاته وكأنه في سباق مع التاريخ، ويحاول في الأشهر الأخيرة لولاية باراك أوباما تحقيق إنجاز بالنقاط أو الصدمات.. ميدانه يتمدد من شبه جزيرة القرم في البحر الأسود، إلى سوريا على ساحل شرق البحر الأبيض المتوسط، ولأول مرة في قواميس السياسة الدولية تفتح إيران قواعدها العسكرية لقوات أجنبية وتنطلق منها قاذفات موسكو الاستراتيجية. يأتي ذلك بعد أيام على قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعزل رئيس ديوانه المقرب منه جدا سيرجي إيفانوف. هل هي قفزات نوعية لبوتين لاعب الجودو، أم هي قفزات لاعب شطرنج تطمس حركة هروب إلى الأمام وتتمثل في تصعيد خارجي للتمويه على حقيقة الأوضاع الروسية؟

بينما كان مقررا حسب مقررات فيينا بخصوص الأزمة السورية (في مايو الماضي) أن يكون موعد الأول من أغسطس مفصليا لجهة بدء مرحلة انتقالية نحو الحل السياسي، احتدمت معركة حلب وجوارها، واعتقد الحلف الداعم للنظام السوري أنه اقترب من الحسم عبر إحكام الحصار على شرق حلب، لكن هجوم المعارضة المسلحة في جنوب المدينة أربك الحسابات الروسية والأميركية في فرض تصور للحل على أساس ميزان قوى مختل تماما لصالح النظام. بالرغم من متاعب أنقرة الداخلية والاستدارة التركية وقمة سانت بطرسبورغ بين بوتين وأردوغان، وبالرغم من السعي المحموم للضغط على المملكة العربية السعودية من خلال حرب اليمن، لم تُسلّم أنقرة والرياض بقبول الخسارة في الشمال السوري وتسليمه للمحور الروسي – الإيراني، ووجدت واشنطن نفسها في موقع حرج لأن تفاهماتها مع موسكو أخذت تبدد تحالفاتها الإقليمية وتهدد بتغيير المعادلة الاستراتيجية.

إزاء منعطف معركة حلب وجوارها وإصرار واشنطن على إبقاء معادلة لا تسمح بنصر حاسم للمحور الروسي مما يضيق هامش مناورتها، يتعامل القيصر بوتين مع هذه المعركة وكأنه يريد تكرار ما فعله نابليون بونابرت بعد حصار قوات بروسيا (نواة ألمانيا لاحقا) وروسيا في دانتزيغ (بولندا حاليا) في 1807، لكن ذاك الانتصار لم يدم وبدأت حقبة تراجعات الإمبراطورية الفرنسية منذ 1809.

معركة حلب يريدها المحور الروسي شبيهة بمعركة ميسلون 1920 التي طوت الحلم العربي حينها، لكن الأمور تتجه لتكون حلب 2016 أشبه بسراييفو 1914 عشية الحرب العالمية الأولى.

لأول مرة في تاريخ المشرق تدخل الصين الميدان العسكري من خلال تدريب قوات النظام السوري، وهذا تطور رمزي له دلالته ليس فقط بالنسبة إلى تعزيز التحالف الروسي – الصيني حيال سوريا، لكن أيضا لجهة هذا التهافت الدولي. وفي نفس السياق واصلت موسكو استعراض عضلاتها الذي بدأ بقوة منذ صيف 2015، وتكلل منذ 16 أغسطس الجاري باستخدام قاعدة همدان الإيرانية في عمليات قصف داخل سوريا. تبرر الأوساط الروسية ذلك بالرغبة في تقصير المسافة والاقتصاد في مصاريف الوقود، أو لحماية هذه القاذفات من عيون التجسس الذي هو أسهل في تركيا والعراق. لكن الأهم هو تكريس هذا التحالف الاستراتيجي الروسي – الإيراني، وتنازل إيران السيادي لأن أولوية القيادة الإيرانية كسب المعركة الحيوية في سوريا وجر الجانب الروسي لهذه الأولوية المرتبطة بديمومة منظومة الأسد. وهذا يعني أن الكلام عن حلف روسي – إيراني – تركي ليس في محله، ويدلل كذلك على سقوط الرهان “الأوبامي” على ترتيب شراكة مع إيران. على الصعيد الإقليمي تزداد التحديات بالنسبة إلى الرياض التي تواجه معطيات استراتيجية لغير صالحها مع استمرار العزوف الأميركي والوضع الجديد في تركيا والتمدد الروسي في إيران والتصعيد في اليمن.

لكن هذه البانوراما لا تؤشر لاقتراب موعد الحسم كما ترغب “العسكريتاريا” الروسية والإيرانية لأن المحور الآخر يمتلك أيضا أوراقه، ولأن التخبط يبقى سيد الموقف كما لمسنا عند قيام طائرات النظام السوري بقصف مواقع وحدات الحماية الكردية في الحسكة. سنرى إلى أين سيصل استعراض القوة الروسي بعد اجتماع جون كيري وسيرجي لافروف المرتقب في جنيف في 26 أغسطس، لكن مما لا شك فيه أن الشهور القادمة في النزاع السوري ستكون حبلى بالمفاجآت.

بيد أن بوتين المحارب المختال على الجبهات الخارجية، هو بوتين صاحب القبضة الحديدية في الهيمنة على الداخل الروسي لأنه لا ينسى كيف انهارت يوما الإمبراطورية السوفيتية مثل قصر من ورق الكرتون أواخر ثمانينات القرن الماضي.

قبل أربعة أيام من الإعلان عن استخدام العمق الإيراني، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 12 أغسطس بعزل رئيس الديوان سيرجي إيفانوف الذي شغل منذ أربع سنوات هذا المنصب الاستراتيجي في الحكم الروسي.

يشكّلُ استغناء القيصر الجديد عن حليفه القديم سيرجي إيفانوف منعطفا يؤكد التحول الكبير في طبيعة النظام، إذ لم يعد بوتين كما كان الأمر في الحقبة السوفيتية الأمين العام للحزب والناطق الرسمي أو الواجهة للتركيبة المعقدة المؤلفة من أجهزة الأمن والمجمع العسكري والمجموعات المتنافسة في الكرملين وقطاع الأعمال والشبكات الموازية، بل تحول بوتين إلى الرقم واحد على كل الأصعدة، وغدا النظام أحاديا وشخصيا.

ليس هناك من مكان للرجال الأقوياء إذن. إيفانوف الذي كان من الحلقة الأولى حول بوتين منذ أيام “الكي جي بي”، والذي كان المساعد الأول له حينما تولى الرئيس الروسي الحالي منصب رئيس جهاز الاستخبارات الروسية في عام 1998، أصبح منذ ثلاثة أيام رقما منسيا ومجرد ممثل للرئيس في شؤون البيئة والنقل. إيفانوف كان قبل ذلك وزيرا للدفاع بين 2001 و2008، وبعد ذلك نائبا لرئيس الوزراء.

وفي شهر يوليو الماضي أكمل فلاديمير بوتين بسط قبضته الحديدية عبر تعيين محافظين جدد وقيادات جديدة في الأقاليم والمناطق، وحسب المراقبين تدل هذه التطورات على وجود توتر وانقسامات داخل دوائر الحكم الروسي، تعززت بسبب تداعيات تراجع سعر الروبل والأزمة الاقتصادية الحادة.

ترافقت الهزة داخل الكرملين مع عودة اختبار القوة إزاء شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، وأعقبها التمدد في الحلف الاستراتيجي نحو إيران.

ظن البعض أن الأمر استتب للقيصر الجديد في صعود نجمه العالمي، خاصة بعد مجيء أردوغان إليه وإعادة الوصل معه، لكن إقصاء إيفانوف وعودة التوتر في الملف الأوكراني والتصعيد في سوريا، لا تدلل على أن الأمور محسومة لصالح سيد الكرملين.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

العرب

 

 

 

 

 

 

روسيا وتركيا وتبدل التحالفات/ عبد الوهاب بدرخان

أثار استخدام روسيا قاعدة همدان الإيرانية لضرب المعارضة في سوريا، سجالاً غريباً بين موسكو وواشنطن، كما في إيران. وتكمن الغرابة في الجدل أن يتناول «قانونية» هذا الإجراء و«شرعيته»، على الرغم من أن الوضع الميداني في سوريا شهد أولاً كل أنواع الجرائم والانتهاكات على يد النظام، وما لبثت التدخّلات الدولية أن مارستها كلّها وزادت عليها. وقد أدّت توافقات ضمنية أو اتفاقات موضوعية بين المتدخّلين إلى تبادل تمرير تلك الانتهاكات والسكوت عنها. ويتعامل الروس والأميركيون وكأن حسابات النقاط بينهم بدأت في سبتمبر 2015، مع البداية الرسمية للتدخل الروسي المباشر، أما الأعوام السابقة التي قتل فيها ما يقارب أربعمائة ألف إنسان فلا أحد يتحمّل مسؤوليتها، إذ إن روسيا تبرّئ النظام، وأميركا لا تبدي حماساً لمحاسبته بدليل أنها باتت تعتبر «بقاءه» مقبولاً، وإنْ لفترة قصيرة غير محدّدة، أي أنها يمكن أن تطول.

لم يسأل ناطق الخارجية الأميركية لماذا تطلق روسيا أصلاً أحدث قاذفاتها من طراز «توبوليف» ومقاتلاتها من «السوخوي» لقصف مواقع في سوريا، طالما أنها تتحدّث مع أميركا عن «هدنة قابلة للاستمرار» بغية استئناف مفاوضات جنيف للحل السياسي. بل قال إن الخطوة الروسية «مؤسفة لكنها ليست مستغربة»، مبدياً الاهتمام باحتمال أن تكون موسكو «خرقت» حظر الأسلحة المفروض على إيران، ولأن الأمر «يتطلّب تحليلاً قانونياً دقيقاً جداً» فإنه لن يعطِ رأياً حاسماً. وردّ ناطق وزارة الدفاع الروسية بأن الضربات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده أميركا في سوريا انطلاقاً من قاعدة إنجيرلك التركية «تتنافى وميثاق الأمم المتحدة». أي: همدان مقابل إنجيرلك، وللمهمة نفسها، ذاك أن طهران برّرت إعارة القاعدة الجوية للروس بـ «تعاون استراتيجي وضروري في الحرب ضد الإرهاب»… ولكن الغارات الروسية لم تستهدف أي موقع إرهابي معروف، بل ركّزت كالعادة على مواقع فصائل المعارضة.

قبل ذلك وبعده، ولأعوام مضت، لا واشنطن ولا موسكو طبعاً وجّهت أي نوع من الانتقاد للدور الإيراني وكيف أنه حوّل الأزمة في سوريا إلى صراع مذهبي، من خلال توريط «حزب الله» اللبناني، وكيف دفعها بالتالي إلى أقصى التصعيد والتعقيد. فهل كان لهذا التدخّل أي أساس «قانوني» أم أن السكوت الأميركي كان ضرورياً آنذاك لإنجاح طبخة الاتفاق النووي، واستمرّ ضرورياً بعده تملّقاً لإيران في «تطبيع» صعب المنال.

غير أن المفاجأة الهمدانية سلّطت الضوء على إشكالات أخرى، إذ أسف الناطق الأميركي لأن روسيا «تواصل تعقيد وضع خطير بالفعل في حلب»، فيما قالت وزيرة القوات الجوية في الجيش الأميركي إن شنّ هجمات روسية من قاعدة جوية إيرانية يزيد من «تعقيد بيئة معقدة للغاية بالفعل»، مشيرةً إلى ضرورة «التنسيق على مستوى أوسع» من أجل سلامة الطلعات الجوية. فما الذي تعقّد فعلاً؟ الأرجح أن موسكو لجأت إلى هذه الخطوة بسبب تلكؤ واشنطن في حسم خياراتها بالنسبة إلى التنسيق الاستخباري والقيام بحملات مشتركة، خصوصاً أن المحادثات تدور منذ أسابيع وسط تناقضات شبه علنية بين الخارجية والبنتاغون. ولا بدّ أن واشنطن ستجد الآن مزيداً من الصعوبة في التقدّم في هذه المحادثات بعدما أصبح هناك حيّز إيراني غير متوقّع، بل لا بد أنها تقوّم الوضع للتدقيق في ما إذا كان التقارب الروسي- التركي هو ما سهّل لبوتين تفعيل تحالفه مع إيران.

الواقع أن ما يُسمّى حالياً «تفاهماً ثلاثياً» (روسياً- إيرانياً- تركياً) يبدو ماضياً بسرعة إلى اتخاذ شكل «محور دولي- إقليمي»، أضفت عليه تركيا بُعداً تعدّدياً. وليس واضحاً بعد ما إذا كانت واشنطن ترتاح لهذا المحور باعتبار أنه يخدم استراتيجية استقالتها من الشرق الأوسط، أو أنها ترتاب فيه كونه يتبلور بمعزلٍ عنها. كانت طهران وضعت تسهيلاتها للطائرات الروسية «في إطار التعاون الرباعي بين إيران وروسيا وسوريا والعراق». وعلى رغم أن هذا «الإطار» مجرّد عنوان منسي وغير فاعل، وأن المساهمة العراقية فيه غير معروفة (أهي المليشيات المقاتلة في سوريا، أم «الحشد الشعبي» الذي يشوّش على محاربة الإرهاب في العراق؟)، إلا أن روسيا حاولت سابقاً ضمّ تركيا إليه وكان رفضها سبباً لتوتّر واستفزازات انتهت إلى إسقاط «السوخوي» والقطيعة بين أنقرة وموسكو. لن يكون مفاجئاً الإعلان بأن الإطار صار خماسياً، فهو يشكّل إخراجاً لـ«نصف التطبيع» الذي تفضّله تركيا مع النظام السوري، أما الهدف منه فهو معروف: محاربة الإرهاب… أليس كذلك؟

الاتحاد

 

 

توسع الروس في المنطقة/ عبد الرحمن الراشد 

إذا كان مفاجئًا أن يتخذ الروس لقواتهم قاعدة عسكرية في إيران، فإن الأكثر غرابة أن يمنحهم نظام إيران موطئ قدم على أراضيه. فالتعاون بين موسكو وطهران عسكريًا موجود ومستمر منذ فترة طويلة، والروس يستخدمون الأجواء والمطارات العسكرية الإيرانية ضمن عملياتهم المشتركة في الدفاع عن نظام الأسد، فلماذا ترفع العلاقة إلى درجة منح قاعدة عسكرية للروس، وليس مجرد إذن عبور أو خدمات جوية؟ هذا ما يجعل المسألة تثير الشكوك، وسنظل نتساءل عن طبيعة الحلف الجديد حتى توجد إجابات شافية ومقنعة.

أستبعد أن تكون الحرب المشتركة في سوريا هي الدافع الوحيد لمثل هذا التطور في العلاقات العسكرية. فالتعاون موجود قبل وجود القاعدة ويحقق الغرض منه. لكن يبدو أن موسكو تلجأ للغموض وإعطاء إشارات متناقضة. فقد سبق وشاهدنا الكرملين يعلن رسميًا عن سحب معظم قواته من سوريا قبل نحو ثلاثة أشهر، وأنه أنجز معظم مهمته التي جاء لأجلها، وبعد أسابيع اتضح للعالم أن القيادة الروسية رفعت درجة مشاركتها والقتال فوق الأجواء السورية.

هل خطوة موسكو الجديدة باتجاه توسيع نشاطها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك اعتماد همدان الإيرانية قاعدة للقوة الروسية الجوية، له علاقة بالصراع مع حلف الناتو في وسط آسيا وشرق أوروبا، وما كان سابقًا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي؟

ممثل الحكومة الروسية لدى حلف الناتو قال على قناة «روسيا اليوم» إن «الناتو انتقل اليوم إلى تطبيق خطة ردع ضد روسيا. وإن الحلف الغربي يقوم بنشر 4 كتائب في دول أوروبا الشرقية، لتعزيز الوجود الأطلسي في بحر البلطيق والبحر الأسود، وتكثيف أنشطة دوريات الناتو في دول البلطيق».

وإذا كانت مواجهة الغرب هي حجة الروس في اتخاذ إيران مقرًا لنشاطاتهم العسكرية فإنها لا تبرر أبدًا دعم نظام طهران الذي لا يمكن اعتباره ضمن خريطة التوازن الاستراتيجي ضد الناتو. الحقيقة أن إيران تخوض مجموعة حروب كلها لا تهم الولايات المتحدة، مثل سوريا واليمن. ونشاط حلف موسكو مع طهران يتجلى بشكل رئيسي في سوريا، وهي معركة لا تهم الأميركيين الذين رفضوا التدخل فيها. والإيرانيون يتعاونون عسكريًا مع الأميركيين في العراق، كما رأينا في الأنبار والفلوجة وحاليًا في الموصل. وبالتالي فإن كان مبرر الروس بتحالفهم مع إيران أنه خطوة موجهة ضد الولايات المتحدة والناتو عمومًا فهو يخالف كل ما نراه على أرض المعارك.

تقارب موسكو مع نظام آية الله خامنئي الأرجح أنه سيكون على حساب علاقاتها الأخرى في منطقة الشرق الأوسط. ولا أستبعد أنه سيجهض كل الجهود الروسية الأخيرة للتقارب مع الدول الخليجية العربية وغيرها التي شهدت اهتمامًا بالتقارب مع موسكو لم نرَ مثله في قرن كامل. فقد زار الكرملين عددًا كبيرًا من القيادات العربية من ملوك ورؤساء، ووقعت اتفاقيات اقتصادية ومشتريات عسكرية غير مسبوقة في حجمها وعددها، حتى إن موجة الزيارات هذه، والتقارب العربي مع موسكو، أثارا انتقادات في واشنطن من قيادات سياسية وعسكرية لامت إدارة الرئيس باراك أوباما وحذرته من أنه يفرط في علاقات أميركا ومصالحها في المنطقة لصالح الروس.

قد يريد الإيرانيون، عندما منحوا الروس قاعدة همدان العسكرية، مساومة الأميركيين وابتزازهم بعد أن ظهرت علامات مهمة تدلل على فشل الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في منتصف العام الماضي بين إيران والغرب. إن البديل للاتفاق هو التعاون العسكري مع الروس، وهنا نقول ما الجديد؟ فالتعاون بين البلدين قديم ومستمر، لكن الإيرانيين الآن يريدون جعل روسيا دولة حليفة لهم في حروبهم وليس مجرد بائع سلاح.

هذه كل الاحتمالات الممكنة في قراءة الخطوة الإيرانية الروسية، في أن التحالف يعكس رغبة موسكو في توسيع نفوذها العسكري والسياسي، أو أنه جزء من استراتيجية مواجهة الناتو، أو قد يكون التحالف ابتزازًا إيرانيًا تضغط به طهران على الغرب لتفعيل الاتفاق النووي.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

واشنطن ليست قلقة من تقارب روسيا وتركيا.. وهي مخطئة في ذلك

ترجمة وتحرير شادي خليفة – الخليج الجديد

راقب البيت الأبيض والبنتاجون ومسؤولو وكالة الاستخبارات الأمريكية مقابلة التاسع من أغسطس/ آب بين الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» ونظيره التركي «رجب طيب أردوغان» بعين الحذر، واعتبروه نجاحًا محدودًا لا يدعو للقلق. ويعد هذا استكمالًا لسلسة الأخطاء وسوء التقدير في مواقف إدارة «أوباما». ففي حين أن العلاقات بين أنقرة وموسكو تتجه إلى شراكة كاملة، فإنّ العلاقات الأمريكية التركية في أدنى مستوياتها.

ويعد الرأي السائد في الدائرة الداخلية للرئيس «أردوغان» أن إدارة «أوباما» ربما لا تكون مشاركة بشكل مباشر في المحاولة الانقلابية، لكنها بالتأكيد أو ينبغي لها أن تكون قد علمت بالترتيب لهذه المحاولة، ولم تبذل أي جهدٍ لتحذير السلطات التركية. وبالنظر إلى وجود المنافس اللدود لـ«أردوغان»، «فتح الله كولن»، على الأراضي الأمريكية وإصرار الولايات المتحدة أن تتخذ مسارًا قضائيًا طويلًا للبت في مطالبات تركيا بتسليم «كولن»، فإنّ العلاقات بين واشنطن وأنقرة في طريقها للسوء لبعض الوقت.

ويعتقد المحللون الأمريكيون الذين راقبوا باهتمام لقاء سان بطرسبرغ بين «بوتين» و«أردوغان» أن المجال الأكبر للتعاون في العلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا سيكون اقتصاديا وليست جيوسياسيا أو عسكريا. فالمساحة الأكبر لالتقاء المصالح بين البلدين هي اقتصادية من المقام الأول. فروسيا تواجه مشاكل اقتصادية كبيرة، كما تواجه تركيا أيضًا تراجعًا في عائدات السياحة نظرًا لامتناع روسيا عن إرسال السائحين الروس إلى تركيا.

وقبل كل شيء، فإن صفقة خط أنابيب الغاز بين روسيا وتركيا، «تركيش ستريم»، تمثل صفقة اقتصادية كبيرة لـ«أردوغان» إذا تم الاتفاق على شروطها بشكل عاجل، وهي على أجندة القمة بين «بوتين» و«أردوغان». كما اتفق الطرفان على المضي قدمًا في بناء المحطة النووية الروسية بتركيا.

واشنطن مقتنعة أن القضايا الثنائية الإقليمية الأخرى ذات الاهتمام المشترك مستعصية على الحل في الوقت الراهن، ولن تتقدم على المدى القصير. وعلى الرغم من أن وفدًا من وزارتي الخارجية والدفاع التركيتين وجهاز الاستخبارات التركي قد سافر بعد القمة بيومين إلى روسيا لفتح حوار ثلاثي جديد، وإعلان «بوتين» و«أردوغان» أن هناك جلسةً مصغرةً ثانية بعد القمة الأساسية، ولاسيما للمناقشة حول نهج مشترك للتعامل مع الحرب السورية، إلا أنه لا يحتمل حدوث تقدم نحو وضع قواعد جديدة للاشتباك لتجنب الاشتباكات العسكرية في المستقبل.

ولا تظن أي من واشنطن أو موسكو أن تركيا سوف تتخلى عن التعاون الوثيق مع السعودية في دعمها للمعارضة السورية، كما أن أنقرة لن توافق على فكرة استمرار «بشار الأسد» في السلطة لأجل غير مسمى. وهناك أرضية مشتركة في هدف التغلب على تنظيم «الدولة الإسلامية» في معقله بالرقة، وهو نفس هدف إدارة «أوباما»، إلا أنه لا يوجد بعد هذا الهدف ما يدعو التعاون الروسي التركي للذهاب أبعد من ذلك، كما تعتقد الولايات المتحدة.

عندما تم إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، ضغطت إدارة «أوباما» والقادة العسكريون الأمريكيون بتركيا لوقف تصعيد الأزمة، وحث روسيا وتركيا للبدء على الفور بالحديث. ومن هذا المنطلق ترى إدارة «أوباما» أن إمكانية التعاون بين تركيا وروسيا محدودة جدًا في النهاية. وآخر ما يريده «أوباما» في آخر ستة أشهر له في مكتبه أن تحدث حرب أخرى، والتي من شأنها الإضرار بإرثه كصانع سلام.

ولكن البنتاجون أعرب عن قلقه من مسألة كبيرة واحدة خلف استعادة العلاقات الروسية التركية. لقد كانت تركيا قاعدة مهمة للولايات المتحدة في سيطرتها على منطقة البحر الأسود، وبالطبع ستكون العلاقة مع تركيا مفيدة جدًا لـ«بوتين» إذا تمكن من الحصول على مرورٍ غير مقيد للبحرية الروسية عبر مضيق البوسفور.

بيت القصيد بالنسبة لإدارة «أوباما»: بعد أن تحولت العلاقة القوية في البداية بين «أوباما» و«أردوغان» إلى ما آلت إليه الآن، فإنّ تركيا أصبحت بالنسبة إلى واشنطن مشكلة تتطلب اهتمامًا كبيرًا من الإدارة (يسعى فصيل من الأحزاب الأوروبية اليمينية المتمركزة بشرق أوروبا إلى الدفع نحو فكرة وجوب طرد تركيا من حلف شمال الأطلسي، الناتو، كما أوقفوا مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي). ويراهن محللو واشنطن أن الرئيس «بوتين» لن يقدم حلولًا أفضل لتركيا.

لكن يبدو أن واشنطن تفتقد لرؤية الصورة الأكبر. ففي غضون أقل من أسبوع، اجتمع «بوتين» مع نظرائه في أذربيجان وإيران وتركيا وأرمينيا. وتوجه وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» إلى تركيا والتقى بالرئيس «أردوغان». وفي كل هذه الاجتماعات تمت مناقشة قضايا اقتصادية في سياق إستراتيجي. ومشروعات مثل الربط بين الشمال والجنوب، وربط الخليج العربي بروسيا وأوروبا وبحر قزوين، وهي مشروعات يمكن أن تغير التوازن في آسيا الصغرى. وتسعى الصين أيضًا إلى الترويج لمشروعها «حزام واحد، طريق واحد» لتعميق التغلغل في الأسواق الأوروبية، كما عرضت دعم مشروع ربط الشمال والجنوب ماديًا، والذي يتطلب مد 170 كيلومتر من السكك الحديدية. وتنفق الهند استثمارات كبيرة في إنشاء ميناء على المياه العميقة في شاباهار الإيرانية على الخليج العماني، وكل ذلك في إطار الترابط الاقتصادي بين الدول الأوروآسيوية.

وكان الإعلام الروسي قد روج بعد يوم واحد من قمة «بوتين- أردوغان» لإمكانية أن تصبح تركيا العضو الجديد الذي ينضم لمجموعة البريكس التي تضم (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا). وسوف يلتقي رؤساء دول مجموعة البريكس في قمتهم السنوية أول أكتوبر/ تشرين الأول بالهند.

هذه الصفقات الاقتصادية في حد ذاتها قد تكون هبة من الله لـ«أردوغان»، وقد تكون بديلًا عن الرباط القوي القديم بحلف الناتو وأوروبا والولايات المتحدة. وقد أعلن «بوتين» بشكل واضح، خلال تصريحات علنية له ضد محاولة الانقلاب، أن روسيا لن تقف أمام جهود «أردوغان» لتعزيز سلطته الداخلية، وستغض الطرف بالتأكيد عن أي تعدٍّ على حقوق الإنسان خلال إكمال «أردوغان» لعملية التطهير السياسية.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج

 

 

 

 

كيف يمكن للتقارب الروسي التركي أن يؤثر على الأزمة في سوريا؟

ترجمة وتحرير فتحي التريكي – الخليج الجديد

هذا هو موسم إعادة الضبط إذا نظرنا إليه من زاوية المناخ العاصف في سوريا. يبدو أن الولايات المتحدة تتراجع عن هدفها غير الواقعي بالتمسك بتفعيل وقف إطلاق النار بعيد المنال على حساب منح الروس مساحة أكبر للقيادة. أدرك الروس أيضا أنهم إذا لم ينتقلوا سريعا إلى المسار السياسي، فإنهم قد يكونوا في طريقهم إلى مستنقع عسكري كما ظهرت بوادره في حلب. «الأسد» بدوره أفاق من سكرة تقدمه في حلب بعد أن استشعر خطر الهجمات المضادة الناجحة للمعارضة. السعوديون كذلك في طريقهم لقبول تجميد إنتاج النفط لمعالجة آلام المنتجين، بما في ذلك بلادهم. على جانب آخر، فإن «بوتين» والأتراك يقومون بتغيير مواقعهم بسرعة وسلاسة.

ومن الواضح أن معظم هذه الأطراف قد بدأت تدرك أنه لا أحد بإمكانه أن يحقق نصرا، كاملا أو أن يقارب الموقف باعتباره صراعا صفريا. كشفت حلب حدود جميع الأطراف بشكل واضح. سوف يكون كسر زخم «الأسد» وحلفائه بداية لماراثون طويل باتجاه نوع مختلف من المفاوضات السياسية. ولكن من بين كل تلك التطورات المتسارعة، فإن إعادة ضبط العلاقات الروسية التركية يبقى الحدث الأهم في المشهد السوري.

وبعد الاجتماع مع «بوتين» في سان بطرسبرج يوم 9 أغسطس/آب، أكد «أردوغان» أنهما سوف يعملان معا من أجل إنهاء النزاع السوري. وأضاف:«آمل أن تستطيع روسيا وتركيا حل الأمر عبر اتخاذ خطوة مشتركة».

وسرعان ما تبع ذلك بعض التعديلات الملحوظة في سياسة أنقرة في سوريا. «تعتقد الحكومة التركية أن القيادة السورية الحالية من المحتمل أن تشارك في المحادثات الرامية إلى حل الأزمة السورية. نريد أن تشارك القيادة السياسية الحالية للبلاد في عملية التفاوض»، وفق ما نقلته أحد وكالات الأنباء عن سفير تركيا في روسيا خلال مؤتمر صحفي في 11 أغسطس/آب.

على النقيض، صرح وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو» في مقابلة تلفزيونية أن الانتقال السياسي في سوريا ليس ممكنا في ظل وجود الرئيس السوري «بشار الأسد».

«بوتين» يبيع سياسته

قد يبدو من المفارقات أن موسكو، وليس واشنطن الحليف التقليدي، كانت السبب في إقناع قادة تركيا باعتماد الطريق لذي تتبناه كل من واشنطن وموسكو لإيجاد حل سياسي في سوريا. ولكن في واقع الأمر لم يكن ما باعه «بوتين» إلى الأتراك سياسة مشتركة تم الاتفاق عليها بين روسيا والولايات المتحدة، ولكن ما قام بيعه ببساطة هو سياسة موسكو الخاصة، بنفس الطريقة التي دفع بها وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» إلى تبني سياسته.

يصبح قيام روسيا بتسويق مواقفها الخاصة واضحا بالنظر إلى تصريح نائب رئيس لجنة مجلس الشيوخ الروسي لشؤون الدفاع حيث قال: «بعد الاتفاق على وضعها القانوني سوف تصبح حميميم قاعدة عسكرية روسية، وسيتم بناء البنية التحتية المناسبة، وسوف يعيش جنودنا في أوضاع مناسبة». وأضاف: «الاستطلاع والدعم القتالي من وحدات سلاح الجو الروسي تسمح للجيش السوري بإنجاح مهامه. تدرك روسيا أنها إذا لم تتخذ هذه التدابير فإن التهديدات الإرهابية سوق تصل إليها أيضا». وتشير هذه الخطوة أن موسكو تسعى لإقامة وجود عسكري دائم آخر في سوريا بالإضافة إلى قاعدتها البحرية في طرطوس. وقد طلب «بوتين»، قبل وصول «أردوغان» إلى الكريملين، أن يصدق البرلمان على اتفاق وقع مع دمشق العام الماضي لإنشاء قاعدة جديدة.

وبينما كان الروس يشرعون في استخدام قاعدة جوية في إيران من أجل شن هجمات ضد روسيا، كانت الطائرات الحربية التركية تشارك بنشاط في عمليات ضد الدولة الإسلامية بعد أن بدأت تركيا وروسيا في استعادة علاقاتهما المتوترة منذ حادثة إسقاط الطائرة. ووفقا لوزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو»: «إذا لم ننه تواجد المنظمة بشكل مبكر فإن خلايا سوف تنتشر مثل الوباء. لذا فإننا في هذه المرحلة سوف ننضم بنشاط مرة أخرى للعمليات الجوية ضد الدولة الإسلامية».

من الواضح الآن تماما أن «الدولة الإسلامية أولا» قد تحولت إلى سياسة عالمية. هذا الأمر، بالإضافة إلى ضرورة وجود تحالف إقليمي لمكافحة الدولة الإسلامية، كان هو الموقف الروسي منذ اليوم الأول. ويبدو أن خطة «بوتين» كانت تطويع الولايات المتحدة قبل أن يقوم بتعويم استراتيجيته «الدولة الإسلامية أولا». وقد ساعدته الظروف لاحقا في الحصول على دعم الأكراد كذلك. مع هذا الشعار، فإن «بوتين» لم ينجح فقط في تعزيز مصالح روسيا في محاربة الإسلاميين، ولكن أيضا في توسيع نطاق الوجود العسكري المباشر لبلاده في الشرق الأوسط. تستخدم هذه الخطة باعتبارها معبرا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى: وهي تحويل روسيا إلى زعيم تحالف إقليمي وعالمي لمكافحة الإرهاب.

ولكن كيف سينعكس ذلك على الوضع في سوريا؟

حقيقة أن القتال ضد الدولة الإسلامية يأتي أولا، تتطلب أن هناك شيئا ما سوف يأتي ثانيا. عندما ندرس عن كثب مواقف الولايات المتحدة وروسيا وكيف تطورت، فسوق نرى أن الفارق الضمني بين البلدين ليس على البداية ولكن على ما سوف يأتي في المرحلة الثانية. على الرغم من هذه الاختلافات قد تبدو طفيفة لبعض المراقبين في الوقت الحاضر حيث لا نزال في المرحلة الأولى، فإن الخلافات الصغيرة بين القوى الفاعلة في أعقاب التحولات قد تنمو خارج حدود المتصور متسببة في الإطاحة بجميع المساعي. ومن الجدير أن ننظر أن روسيا لا تملك رفاهية الوقت على الإطلاق، وأن الضبابية هي وحدها التي سمحت لروسيا بالتحرك وتحقيق المكاسب من سياستها الأولى بالتركيز على الدولة الإسلامية.

واحدة من التفاصيل التي ستختبر العلاقات بين الجهات الفاعلة الإقليمية منها والعالمية هي جبهة النصرة. من خلال التوصل إلى اتفاق مع روسيا لقصف كل من الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، فإن الولايات المتحدة قد وافقت على قصف معظم الفصائل المعارضة بما في ذلك تلك الفصائل التي تدعمها أنقرة وحتى بعض الفصائل التي تلقت تدريبا أمريكيا. لا يزال هناك بعض المتمردين غير الإسلاميين يحاربون «الأسد» ضمن صفوف الجيش السوري الحر، ولكن معظم فصائل الجيش السوري الحر قد أجبرت على الانضمام إلى جبهة النصرة في تحالف غير متكافئ يعرف باسم جيش الإسلام. خلقت جبهة النصرة هذا التحالف خصيصا من أجل تفادي الضربات الأمريكية عبر إحاطة نفسها بمجموعة من الفصائل غير الإسلامية.

استراتيجية تركيا

من الناحية النظرية، سوف تكون تركيا بحاجة إلى التخلي عن حلفائها الإسلاميين في شمال سوريا ولكن من الصعب تصور حدوث ذلك فعليا. وعلاوة على ذلك، فإن تركيا تخبر المعارضة السورية أن إعادة علاقاتها مع موسكو وطهران جاء نتيجة خيبة أملها من حلفائها الغربيين، وحتى تتمكن من لعب دور وساطة فاعلة. من الناحية العملية فإنه يمكننا أن نختزل هذا الموقع إلى سياسة محكومة باعتبارين:

(1) ليس لدى تركيا أي مصلحة في استمرار الحرب الأهلية في سوريا، بالنظر إلى أنها لم تتسبب لها إلا في صداع مزمن على مدار 5 سنوات.

(2) ترغب تركيا في العودة إلى لعب دورها التقليدي كجسر بين مختلف الأجندات الجيواستراتيجية، وهو الموقع الذي تستفيد منه بشكل جيد.

ولكن القضية ليست في التنبؤ بالكيفية التي سيحول بها «أردوغان» استراتيجياته لأن ذلك واضح بالفعل. القضية الحقيقية هي إلى أي مدى سوف يؤثر هذا التوجه الجديد على الوضع الإقليمي ولاسيما في سوريا. لذلك سيكون من المهم بالنسبة لأنقرة أن تثبت لحلفائها، القدامى والجدد، أن بإمكانها حقا صناعة الفارق.

لن يقوم «أردوغان» بإلقاء صورته القيادية بين جزء كبير من الإسلاميين خارج النافذة. لا طبيعته ولا مصالحه يرجحان ذلك. وبدلا من ذلك، فإنه سوف يقوم بإعادة تقويم وتعديل موقفه بشكل بطيء ومتدرج ليس بأن يصبح عدوا للإسلاميين، ولكن عبر التحول إلى «جسر».

ثم هناك مسألة «الأسد». ما مدى ثقة بوتين أن «الأسد» سوف يرحل بعد إنجاز هذه المرحلة الأولى الذي تحول من «الدولة الإسلامية أولا» إلى «الدولة الإسلامية وجبهة النصرة أولا»؟ هل سيؤدي هذا النهج، المقبول حتى الآن من قبل تركيا وواشنطن، إلى مرحلة «الأسد ثانيا»؟ وما هي فرص إحلال السلام في سوريا في ختام المرحلتين؟

أولا: ليس من المؤكد أن بوتين حقا يريد الإطاحة بـ«الأسد» بغض النظر عما سيقوله خلال المرحلة الأولى. ثانيا، فإن «بوتين» ربما ينتظر ليرى تحولات ميزان القوى على الأرض خلال مكافحة الدولة الإسلامية وجبهة النصرة. ثالثا، يدرك «بوتين»، كما يدرك الجميع، أنه حقق مكاسب كبيرة من استثمارات محدودة. واشنطن غيرت مواقفها وفعلت تركيا الأمر نفسه والعرب يفكرون في التغيير. ولا أحد يفكر بجدية في الخلاص من «الأسد» سوى الشعب السوري.

معضلة «الأسد».. مرة أخرى

النقطة المركزية في أي محاولة للإجابة على مسألة السلام في سوريا بدون الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وفي وجود «الأسد» وإيران وحزب الله بسيطة للغاية: وهي أن المرحلة الأولى لا يمكن أن تتحقق واقعيا دون إعلان نوايا الأطراف ذات الصلة فيما يتعلق بالمرحلة الثانية. وبعبارة أخرى، فإنه من الصعب أن نتصور وحدة بين جميع السوريين في معركة مشتركة ضد الجهاديين دون إبلاغهم مسبقا بما سيتم القيام به مع الدكتاتور الذي ثاروا ضده في المقام الأول. من ناحية أخرى، من الصعب تصور هزيمة الجهاديين من قبل الطائرات الروسية حتى لو انضمت إليها الولايات المتحدة وتركيا. حلب تخبرنا ذلك بشكل واضح.

على العكس من ذلك، يقول بعض الخبراء أنه إذا تم الإعلان أن «الأسد» سوف يرحل في معركة لاحقة، فإن النظام في دمشق قد تنهار في اليوم التالي. كثير من السوريين يعتقدون أن هذا افتراض مبالغ فيه، وأن انسحاب «الأسد» من الساحة ينبغي أن يتم بجهود منظمة. لكن مجرد افتراض وجود انهيار، حتى لو كان غير محتمل، يشكل خطرا جديا.

بطريقة أو بأخرى، من أجل الخروج. هناك العديد من السيناريوهات الإبداعية على الطاولة ويمكن تخفيض المخاطر إلى الحد الأدنى. فقط عندما يعتقد كل سوري أن الديكتاتور سوف يغادر، فإنهم سوف يكونون على استعداد للتحرك معا لمواجهة الجهاديين الذين سيفقدون الحجة الرئيسية التي تبرر وجودهم. هذه الحجة هي محاربة الرئيس الجزار. إذا كانوا يقولون أنهم يريدون أن يحكموا وفق فهمهم الجامد للدين، فإن السوريين سوف يقاومون ذلك. ولقد شهدنا بالفعل صور الاحتفالات في منبج بعد تحريرها من الدولة الإسلامية.

كثيرون في الشرق الأوسط يعتقدون أن «أردوغان» حصل على التزام من بوتين خلال اجتماع سان بطرسبرج أن روسيا لن تدعم قيام أي كيان كردي مستقل على الحدود بين تركيا وسوريا. ويعتقد أيضا أن الحملة الروسية التركية المشتركة لمحاربة الدولة الإسلامية لن تتضمن دورا سوريا تركيا نشطا فوق الأراضي السورية، على الأقل في الوقت الراهن.

الفرق الحقيقي أن الأتراك سوف يلعبون الآن دور «الجسر» في الأزمات الإقليمية وبخاصة السورية. إذا قامت أنقرة بمعايرة خطوات في الأشهر القليلة المقبلة فإنها سوف تعلب دورا بناء. من المبالغ فيه أن نفترض أن «أردوغان» سوف يصعد توتراته مع الغرب. أولا، هذا لا يتناسب مع دور الجسر الذي يتراجع الآن إليه. ثانيا، هناك جذور عميقة بالفعل للعلاقات بين الجانبين سوف تسهم في كبح جماح أي سياسة متهورة. ثالثا، فإن التوتر مع الغرب لا يخدم الموقف التفاوضي لـ«أردوغان» مع روسيا وإيران.

فرص رسم طريق أكثر وضوحا وعملية لحل الأزمة السورية صارت، للمفارقة، أعلى مما كانت عليه سابقا. هذا لا يعني أن العقبات صارت أقل صعوبة، ولكنه يعني أن أحد أهم اللاعبين الأزمة السورية يحرك موقفه إلى حيث يمكن أن يلعب دورا بناء سواء على الأرض، أو في القنوات الدبلوماسية.

وقال رئيس الوزراء التركي إن بلاده وروسيا «تتفقان على حل الأزمة السورية». ولكن «حل» الأزمة السورية هو أكثر مما يمكن توقعه. تهيئة الظروف لنزع الصراع بما يؤدي، خلال عقد أو عقدين، إلى حل الأزمة السورية هي الصياغة الأكثر دقة للهدف. على افتراض أن هذا الهدف يشمل أيضا مكافحة «التطرف».

«الطريق» التي تحددها خريطة الطريق المؤدية إلى الحل ينبغي أن تبدأ بثلاثة عناصر: هزيمة الدولة الإسلامية عسكريا، ثم رحيل« الأسد» ثم موافقة جميع الأطراف ذات الصلة على ما ينبغي القيام به لتطهير سوريا من التطرف العنيف، وكيفية بناء هذا البلد العريق.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج

 

 

 

 

محور موسكو ـ طهران

إن نشر قاذفات روسية في المطار الإيراني العسكري همدان وتنفيذ طلعات يومية من هناك نحو اهداف في سوريا هو حدث تأسيسي في التاريخ الإيراني. فلم يسبق أن سمحت إيران أبدا بمرابطة قوات أجنبية على أراضيها. وتعكس هذه الخطوة عمق فشل نظام آيات الله في الحاق الهزيمة بمعارضي الأسد في سوريا دون مساعدة روسية وقيود القدرة الروسية لحسم الحرب حتى الان. ونحن نجلس على حدود مناطق القتال ونحتك بها.

ان فهم الخطوات الروسية يستدعي عودة إلى اتفاق مولوتوف ـ ريبنتروف في آب 1939، قبل اسبوع من اندلاع الحرب العالمية الثانية. وكان للاتفاق قسمان: الاول ـ اتفاق عدم اعتداء بين القوتين العظميين ـ وكان علنيا؛ والثاني، السري، يتضمن تسوية لتقسيم وسط أوروبا إلى مناطق نفوذ بين الاتحاد السوفييتي والمانيا. في الخطوة الاولى غزا الجيش الاحمر والفرمخت الالماني بولندا، اضعوها بسرعة، أجروا مسيرة انتصار مشتركة والغوا استقلالها. وبعد عشرة اشهر من ذلك الغي وجود ثلاث دول ـ استونيا، ليتوانيا وليتا ـ وقانون سوفييتي قضى بأنها لم تكن موجودة على الاطلاق. الوقود الذي وفره الاتحاد السوفييتي للجيش الالماني سمح له باستكمال احتلال غرب اوروبا. رئيس وزراء بريطانيا، تشرتشل، قدر في حينه في خطاب في البرلمان بأن سقوط بريطانيا في ايدي النازيين هو امكانية واقعية. ولولم يخطئ هتلر ويفتح الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في 1941 لكان ممكنا ان يكون انتصر في الحرب العالمية.

بعد عشرات السنين من انتهاء الحرب كان محظورا في روسيا ذكر الاتفاق. وفقط في العام 1989 اتخذ مؤتمر خاص عقد هناك قرارا بشجب الاتفاق، ولكن هذا بقي سرا ولم ينشر إلا في 1992. ثمة أهمية خاصة لموقف الرئيس الروسي من الاتفاق: في 2008 شجبه بوتين في لقاء أجراه مع ثلاثة رؤساء بلدان البلطيق، قال فيه ان الاتفاق لم يعكس موقف الشعب الروسي وكان «ليس أكثر من موضوع خاص بين ستالين وهتلر».

غير الرئيس الروسي رأيه قبل سنتين ـ حين برر تصفية استقلال بولندا بدعوى انها كانت جديرة بالعقاب على افعالها. والعقاب الذي تم اختياره ـ الموت السياسي. في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع المستشارة الالمانية ميركل قبل نحو سنة، استكمل بوتين مسيرة اعادة الاعتبار لاتفاق مولوتوف ـ ريبنتروف بقوله ان الجهد الروسي لاقامة جبهة موحدة ضد المانيا فشلت في الثلاثينيات. ولهذا فقد كان الاتفاق منطقيا «لضمان أمن الاتحاد السوفييتي».

ان مبادئ اتفاق مولوتوف ـ ريبنتروف حية ترزق اليوم ايضا، وكذا طرق العمل الروسية اياها. فالخطوات الروسية الأخيرة في الشرق الاوسط تتضمن رفعا مستمرا للحاجة إلى ضمان «مناطق نفوذ»، وتأكيد السيطرة في مجالات جغرافية وسلطوية. عمليا، تريد روسيا تجديد الوضع الذي كان قائما حتى 1973، حيث كان لها نفوذ كبير في العراق، في سوريا، في ليبيا وفي حركات تحرر مختلفة، بما فيها الفلسطينيين. وهو يريد أن يعود لان يكون مورد سلاح كبير لدول أساس في المنطقة، وخلق وضع يكون فيه صوت سياسي يجب مراعاته في كل موضوع أو نزاع في الشرق الاوسط.

بوتين هو فنان نادر في استخدام كل رافعات القتال الاستخباري ـ الدهاء، الخداع الاستراتيجي، التضليل والاستخدام المتوازي للعلني والخفي. حتى الان كانت نجاحاته اكبر من اخفاقاته. ليس صعبا ان نفهم ما هي مصالحه الأمنية في منطقتنا وكيف يعمل على ضمانها. معروف أقل للجمهور كيف تحفظ المصلحة الأمنية لإسرائيل في غداة انتشار طائرات توبولوف في همدان الإيرانية. مرغوب فيه إلا نتفاجأ.

أفرايم هليفي

يديعوت 18/8/2016

القدس العربي

 

 

 

 

 

ثعلب الكرملين وإقتصاد روسيا/ عصام الجردي

يتوغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر فأكثر في الحرب السورية. ويستنزف اقتصاداً يترنح تحت ضغط نفقات مالية كبيرة، وتراجع مؤشرات الإقتصاد الكلي وازدياد الإختلالات في  موارد البلاد الأساسية. لا أحد يتوقع تكلفة هذه الحرب النهائية في الكرملين ومدى قدرة الإقتصاد الروسي على تحملها. ليس عامل الزمن حاسماً لمقاربة تلك التكلفة فحسب، بل حجم التدخل الروسي ونوعيته. إقحام بوتين قاذفات “تو22 – إم 33” التي توصف سلاحاً استراتيجياً عبر قاعدة همدان الجوية في إيران، وما أعلنه رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي فلاديمير كوميدوف بأن العراق وإيران ستوفران ممراً جوياً لتحليق الصواريخ المجنّحة الروسية “كليبر” فوق أراضيهما، يمثلان نقلة نوعية للدور الروسي في الحرب السورية. لكنهما يشرعان الباب واسعاً أمام مصادر تمويل حرب مفتوحة خارج المدى الروسي وبأسلحة نوعية.

نجح ثعلب الكرملين في تجييش المشاعر القومية الروسية العميقة للتوسع في الحرب السورية، على حساب التوازن المالي، والنمو، والرفاه الإجتماعي، وسعر صرف العملة الذي تراجع 50 في المئة حتى تموز/ يوليو 2016. لكن حدود التورط في الحرب التي تتيحها الترسانة العسكرية الروسية، لا تماثلها قدرات إقتصادية ومالية ونقدية. لا شك أن بوتين على دراية يومية بمسار المؤشرات الإقتصادية في بلاده. لو اعتقد أنه يستثمر إقتصادياً وسياسياً في مرحلة ما بعد الحرب، لتكون للشركات الروسية حصة رئيسية في إعادة إعمار سوريا، وفي عقود التنقيب واستخراج الغاز والنفط وغير ذلك من المنافع، لسجّل على نفسه مغامرة غير محسوبة النتائج. ينسحب ذلك على المصالح السياسية أيضاً. حين غزا الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش العراق في 2003، راهن على شيء من هذا القبيل في بلد يعوم على موردين استراتيجيين نفطاً ومياهً. أتى بكل شركات حلفائه السياسيين من هاليبرتن وشيفرن وبكتل وغيرها من “عائلة نصّابين” التي احتمت بالقانون (Chapter 11) للنفاذ من الإفلاس. وكانت تكلفة الحرب التي قدرها بوش في البدء بين 50 مليار دولار أميركي ومئة مليار كارثة على الولايات المتحدة. كانت حرب “التريليونات الثلاثة” عنوان كتاب الإقتصادي الشهير جوزف ستيغليتز. والنتائج السياسية كانت تدمير العراق والمنطقة واستيلاد “داعش” وأخواتها. تسلم بوش الإبن من سلفه بيل كلنتون موازنة فائضة من نحو 347 ملياراً. ترك السلطة في 2008 والخزانة غارقة في 16 تريليون ديناً عاماً يوازي مئة في المئة إلى الناتج المحلي.

تراجع النمو في روسيا نحو 4 في المئة 2015. وارتفع الدين الخارجي إلى أكثر من 520 مليار دولار أميركي. إلتزامات الفوائد على الدين زهاء 88 ملياراً سنوياً. تقدرها مراكز البحوث الإقتصادية بعائدات صادرات الغاز خلال عشرة شهور. تقديرات النمو 2016 تراوح سالبة بين 2 في المئة و3. التضخم 14 في المئة ومستوى الفقر ارتفع إلى 15 في المئة في أيار/ مايو الماضي. أنفق بوتين في 2015 50 مليار دولار أميركي من الإحتياط الروسي ليستقر في نهايتها على 355 ملياراً. ولا بد أنه تراجع في 2016. ويواجه مشكلة معقدة في ديون الشركات التي بلغت في مطلع 2016 نحو 359 مليار دولار أميركي من بينها نجو 149 ملياراً على المصارف التي تشكو تراجع السيولة وارتفاع حجم الديون الرديئة و/ أو المشكوك في تحصيلها. ولكون القطاع العام الروسي يمتلك نحو 55 في المئة من المنشآت الإقتصادية، فجزء كبير من تلك الديون مضمون من الدولة.

وضع المصرف المركزي الروسي وزارة المال في ما سمّاه “السيناريو الخطر لأسعار النفط” عند 35 دولاراً أميركياً للبرميل في 2016. اضطرت الحكومة إلى تعديل الموازنة بخفض النفقات لتلاقي 3 في المئة عجزاً. ولم تكن الوزارة والمصرف المركزي على دراية بـ”السيناريو الأكثر خطورة” لبوتين في الحرب السورية. لو صحّت تقديرات تراجع النمو في 2016، مع استمرار أسعار النفط على حالها سيكون على الحكومة الإستعانة بالإحتياط للوفاء برواتب العاملين في القطاع العام.

نزعم أن العقوبات الإقتصادية الأوروبية على روسيا رداً على ضم شبه جزيرة القرم وسيباستبول والأزمة مع أوكرانيا، هي جزء رئيسي في تصعيد الموقف الروسي في الحرب السورية. وقد جدّد الاتحاد الأوروبي تلك العقوبات في حزيران/ يونيو الماضي. العقوبات توصد أبواب الإستثمارات الأجنبية في روسيا وتضيق مجالات التبادل التجاري إلى حد كبير. ويبدو أن الإدارة الأميركية والمفوضية الأوروبية في غير الوارد الربط بين ملفي أوكرانيا والحرب السورية. وكان لافتاً أن ينفي الرئيس باراك أوباما شخصياً الدمج بين الملفين حين أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الأسبوع الماضي إمكان التوافق مع الإدارة الأميركية في الملف السوري.

في الإطار نفسه يمكن استيعاب تسارع عودة العلاقات بين موسكو وأنقرة على خلفية الإستياء من الغرب والأثر البالغ الذي ترتب على شبه القطيعة الإقتصادية. تركيا الشريك الخامس تجارياً لروسيا بنحو 44 مليار دولار أميركي سنوياً سلعاً وخدمات. بالإضافة إلى ملف الغاز والنفط والسياحة المشتركة. المؤكد أن بوتين كان على عجلة من أمره. يقول فاسيلي زاتسبين من معهد غيدار المستقل المتخصص في اقتصادات الحرب أن “الشفافية في نفقاتنا الدفاعية تتناقص من وزير دفاع إلى آخر”. وأن “نفقات الحملة العسكرية في سوريا ستختفي في الثقب الأسود داخل الموازنة العسكرية”. لكن: أيُ عمق لهذا الثقب؟

المدن

 

 

المثلث الروسي التركي الإيراني هل يصمد؟/ روزانا بومنصف

نقل التغيير المتسارع في مسار السياسة الخارجية التركية في الاشهر القليلة الماضية الانطباعات في شأن رئاسة لا بل شخصية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان واحكام قبضته على السلطة في تركيا بيد من حديد من النقيض الى النقيض على المستوى الاقليمي كما الدولي ويمكن قراءة هذه النقلة بوضوح في الحجم الواسع للانتقادات الدولية التي باتت تتعرض لها سياسته ودخوله شخصيا في جدال مع مسؤولي عواصم مؤثرة. الا ان التغيير الذي تعدى الوضع الداخلي في تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف شهر تموز الماضي الى ” محورية” اقليمية دولية على وقع التقاء روسي ايراني تركي هو الذي بات يترك ردود فعل ومقاربات مختلفة مما يحفز على متابعته من زاوية انعكاساته والتغييرات التي يمكن ان يدخلها على المشهد الاقليمي المتطور في المنطقة. وليس خافيا ان هناك بعض المخاوف او الخشية التي يبديها البعض من هذا الالتقاء، الا ان مصادر ديبلوماسية ومن دون التقليل من اهمية ما يحصل ترسم معوقات على خط استمرار وجود تباينات لا يستهان بها بين روسيا وطهران وكذلك بين روسيا وتركيا وبين الدول الثلاث جميعا في ظل حسابات متعددة ينبغي ان يأخذها كل منها في الاعتبار. وعلى هذا الاساس تقول هذه المصادر ان مسألة تحرك تركيا مع طهران وروسيا امر مختلف عما يجمع بين طهران وروسيا في تحالف واحد في شأن سوريا. ولا تبدي هذه المصادر على هذا الاساس قلقا مبالغا فيه من التحول الذي شهدته الايام الاخيرة على اثر الزيارة التي قام بها اردوغان الى روسيا ولقائه رئيسها فلاديمير بوتين ثم التحول في اتجاه اوتوستراد سياسي مفتوح مع ايران. تعتبر هذه المصادر ان ما يجري انما هو محكوم بمجموعة عوامل لعل ابرزها: ان هناك قلقا مشتركا كبيرا يجمع تركيا مع ايران لجهة المخاوف التي بات يثيرها اخيرا احتمال قيام دولة كردية في سوريا على حدود تركيا. فايران من جهتها التي تضم اعدادا توازي 16 في المئة من عدد سكانها من الاكراد والتي اعدمت اخيرا عددا لا بأس به من السنة الاكراد تواجه تحديات بدورها خصوصا ان اضطرابات امنية حصلت في المناطق الكردية في ايران ايضا. وهذا السبب الاساسي والجوهري لا يجوز اغفاله من المعادلة على قاعدة ان نشوء دولة كردية في سوريا انما يعرض مصالح دول الجوار المعنية والمنخرطة في الحرب السورية الى خطر ليس اقله احد الاحتمالات الا وهو تهديد الامن القومي في المنطقة وتشجيع حصول تقسيم في المنطقة لا تحتمله هذه الدول. من هذه الزاوية بالذات يتم تقديم التبريرات لتركيا في ما قد يفهمه البعض انضواؤها من ضمن المحور الروسي الايراني الذي يستفيد معنويا في اطار توسيع هامش التلاقي السياسي ويوظفه من ضمن احتمال البحث عن حل سياسي مقبول في سوريا. وذلك علما ان المصادر الديبلوماسية لا ترى في ما يجري من معارك مستمرة خصوصا في حلب سوى مزيد من اطالة الحرب بين كر وفر فيما يحاول كل فريق ان يعزز اوراقه التفاوضية من دون ان يعني ذلك اقتراب افق الحل. وهذا يجري على خلفيتين احداهما تقوم على ما يعتقده كثر “سذاجة” اميركية (متعمدة او عفوية) لجهة الاقتناع بصدقية روسيا في البحث عن حل في سوريا ورغبتها فيه في الوقت الذي باتت سوريا تشكل ميدانا خصبا لها لتجربة اسلحتها وعقد مزيد من الصفقات على وقع ما بات يقره الجميع لها من نفوذ لا يمكن تجاهله في سوريا. وليس قليلا ان تتمكن روسيا من ان تحظى بقاعدة عسكرية في ايران للانطلاق منها من اجل توجيه ضربات عسكرية في سوريا،. والخلفية الاخرى هي استفادة المحور الروسي الايراني من الوقت الضائع اميركيا في حمى الانتخابات الرئاسية وقبل وصول ادارة جديدة.

التفهم للاسباب الخاصة التركية يخفف من وقع ما يقرأه البعض من تحول سياسي تركي من دون تجاهل او اهمال اهميته والذي تتم قراءته على وقع كل تفاصيل التطورات الحاصلة في المنطقة. لكن المصادر الديبلوماسية المعنية تعتبر ان ما تحصده تركيا راهنا انما يعود الى مسؤوليتها الكبيرة عما وصلت اليه الامور في سوريا خصوصا مع تجاهلها اقفال حدودها امام توجه الجهاديين المتطرفين الى سوريا في الوقت الذي يعتقد انه اضافة الى الهم المشترك مع ايران من نشوء اقليم كردي مستقل في سوريا وما يعنيه ذلك على مستوى المنطقة هناك ما تسعى ايران بدورها الى انقاذه من الورقة السورية التي امتلكتها كليا زمن الرئيس بشار الاسد وبات يتعين عليها ان تأخذ في الاعتبار انها لن تعود اليها كما كانت ايا يكن الاستثمار المالي والبشري الذي ضخته من اجل المحافظة على بقاء الرئيس السوري، وان يكن هناك معلومات ترددها بعض المصادر الديبلوماسية عن وجود رأيين مختلفين داخل ايران بالذات حول موضوع الحل في سوريا. وكذلك هناك المصالح الاقتصادية حول خطوط امداد النفط والغاز والتي يشكل استمرار الحرب وسيلة لتعزيز المواقع والحصص فيها بين الدول المعنية اي روسيا وايران وتركيا ولو ان هذا امر ضخم ويستحق التوقف عنده بالتفصيل نظرا لاهميته الكبرى.

النهار

 

 

 

حمى الدبلوماسية بين تركيا وروسيا وإيران وصلتها بسوريا/ ياسر الزعاترة

بعيدا عن عُقد بعض النخب العربية من أردوغان (يربطونه بالطبع بالإخوان)، والذين يتمنون أي موقف له يناقض توجهات الجماهير الإسلامية، وبعيدا عن تمنيات شبيحة إيران ممن ذهبوا بعيدا في قراءة زيارة أردوغان لروسيا.. بعيدا عن هذين المعسكرين كيف يمكن النظر إلى الزيارة المذكورة، ومن بعدها زيارة جواد ظريف لتركيا، لا سيما تبعاتهما على الملف السوري.

وهو سؤال طرحه أيضا محبو أردوغان، والمتعاطفون بطبيعة الحال مع المأساة السورية، إن كانوا سوريين أم من غالبية المسلمين التي تصطف معهم، في مقابل أقلية ترى خامنئي مرجعا لها، وتؤيد موقفه حتى لو خالف ضميرها والمحسوم من عقائدها.

للتذكير فقط؛ كان الموقف الروسي من سوريا هو ذاته، وكذلك حال الموقف التركي والعلاقات بين الطرفين في أوجها قبل أن يجري إسقاط الطائرة الروسية نهاية العام الماضي، كما أن العلاقات الاقتصادية المتميزة بين إيران وتركيا لم يتغير عليها شيء، وهما يتحاربان في سوريا أيضا، وإلى حد ما في العراق. السياسة مركبة ومعقدة، ولا يمكن تبسيطها على النحو الذي يفكر فيه كثيرون، ومن يتابع التبادل التجاري الرهيب بين أمريكا والصين مثلا سيدرك ذلك، لا سيما إذا تذكر أنهما يعتبران نفسيهما في منافسة حادة على تصدر القرن الجديد.

وفيما تعتبر الإمارات إيران دولة محتلة (لجزرها)، فقد كانت العلاقة الاقتصادية بينهما ولا تزال قوية جدا. والسؤال الجوهري هنا هو: هل ثمة تغير في الموقف التركي من سوريا بعد زيارة أردوغان لروسيا، وزيارة ظريف لأنقرة، وما شكل التغير المحتمل، وما هي الأخبار السارة خلال ستة أشهر التي تحدث عنها يلدريم؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من القول إن الدول الثلاث مستنزفة في سوريا، وإيران في المقدمة؛ هي التي تدفع كلفة الدفاع عن النظام كاملة، فيما نزيف تركيا أيضا واضح للعيان.

أما روسيا، فإنها، وإن بدا نزيفها أقل، إلا أن هاجس التورط الطويل يسيطر عليها، لا سيما أنها تدرك أن أمريكا تريد لها ذلك.   إنها التسوية ولا شيء غير التسوية التي يقبل بها الجميع، وما جرى في حلب مؤخرا أثبت أن الحسم العسكري وهمْ. ومن يعتقد أن التسوية المتوقعة بعد زيارة أردوغان لروسيا تعني تراجعا من تركيا وحدها واهمٌ أيضا، ليس فقط لأنها لن تقبل بهزيمة من هذا اللون تهز مكانتها الإقليمية وبين المسلمين، بل أيضا لأن تسوية لن تنعقد أصلا ما لم تحصل على موافقة من السعودية وقطر، وقبل ذلك وبعده، وهو الأهم؛ من القوى المقاتلة على الأرض، ومن ورائها القوى السياسية.

وحدها التسوية التي تقنع المعارضة السورية (أكثرها على الأقل) هي التي يمكن أن تمضي، وهي تسوية لا بد أن تعني تغييرا حقيقيا في بنية النظام. هنا تتبدى أهمية الموقف الروسي الذي يمكن أن يضغط على إيران وعلى النظام كي يقبلا بتسوية تعيد هيكلة المعادلة على نحو يعيد الاعتبار للغالبية.

إذا لم يحدث ذلك، وهو ما يبدو مستبعدا في الوضع الراهن، بخاصة أن أمريكا تدفع في اتجاه إطالة النزيف، فإن أي تطور ذي قيمة لن يحدث على المستوى السياسي، وسيستمر النزيف، هنا في سوريا، وفي اليمن أيضا، حتى ييأس خامنئي ويتجرع كأس السمّ، كما تجرّعه الخميني بإعلان قبول وقف الحرب العراقية الإيرانية، وبالطبع من خلال تسوية مقبولة مع العرب وتركيا.

المصدر | الدستور الأردنية

 

 

 

الفرسان الثلاثة في الأزمة السورية/ عريب الرنتاوي

سيتعين علينا أن نتتبع حركة ثلاثة نواب لوزراء خارجية بلدانهم، خلال الأسابيع القليلة القادمة، إذ بنتيجة حركة هؤلاء وفي حلّهم وترحالهم، سيتقرر مصير الأزمة السورية، سلماً أم حرباً (مع الاعتذار من عادل الجبير)… اللافت للانتباه، أن ليس من بين هؤلاء “الفرسان الثلاثة”، عربيٌ واحدٌ؟!

الأول، أو الأفعل، هو نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الرجل الذي يتحرك على محور طهران – أنقرة، محاولاً بلورة رؤية ثلاثية مشتركة للحل، وهو إذ يهبط إلى الدوحة في أثناء تجواله بين عواصم القرار الإقليمي، فذلك للقاء بعض أطراف المعارضة السورية، لا أكثر.

الثاني، هو حسين جابري أنصاري، معاون وزير الخارجية الإيراني الجديد، الذي أثار تعيينه في منصبه خلفاً لحسين أمير عبد اللهيان (المقرب من الحرس الثوري) ارتياحاً لدى الديبلوماسية الروسية … الرجل يتحرك على المحور ذاته، مبشراً بالاتفاق على “مبادئ عامة” من شأنها أن تعظّم فرص نجاح العملية السياسية لسوريا.

أما الثالث، فهو أوميتيالتشين، مساعد وزير الخارجية التركي، الذي لعب دوراً كبيراً مع نظيره الروسي في التمهيد لزيارة أردوغان “التاريخية” لبطرسبورغ، ومع نظيره الإيراني للتحضير لزيارة محمد جواد ظريف الهامة لأنقرة، ولا يتوقف عن التنقل بين العواصم الإقليمية/ الدولية الثلاث.

مبادئ الحل، الثلاثة أيضاً، التي يحشد بوغدانوف الدعم لها، هي: الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها … تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة … ترك الشعب السوري يقرر مصيره … ويمكن القول إن هذه المبادئ الهامة، وليست العامة فقط، قد أتى على ذكرها بصياغات وتوضيحات مختلفة، كل واحد من الثلاثة المذكورين. الجانب التركي، كان الأكثر بوحاً عمّا يدور من مفاوضات وما ينبثق عنها من تفاهمات..

رئيس الوزراء بنعلي يلدريم قال إن الحل السياسي لسوريا بات “قريباً”، وأن الأشهر القليلة القادمة، ستشهد تطورات مهمة… من وجهة نظر الحكومة التركية، وحدة سوريا وسيادتها، تعني قطع الطريق على قيام كيان كردي مستقل، وهذا ما تؤيده إيران لأسباب خاصة بها وبأكرادها أولاً، ولا تعارضه روسيا التي تؤثر اللجوء إلى “الغموض البناء” حيال المسألة الكردية، وترحب به سوريا كذلك، سلطة ومعارضة..

هذا يتطلب أيضاً عدم السماح لوحدات الحماية الكردية بالبقاء غرب الفرات بعد تحرير منبج من “داعش”، ودفعها للعودة إلى مواقعها شرقيّه، كاشفاً عن تعهدات أمريكية سرية مقطوعة لأنقرة بهذا الصدد، طالباً الالتزام بتنفيذها…. الأمر الذي يعيدنا للاعب رئيس رابع، الذي وإن بدا غائباً عن المفاوضات والمشاورات مثلثة الأطراف، إلا أنه حاضرٌ بقوة، في كل غرفها وتفاصيلها، وأعني به الولايات المتحدة.

الخطوة الأولى في خريطة الطريق التركية، التي يبدو أن ثمة قدرا عاليا من التفاهم بشأنها مع إيران وروسيا،  تبدأ بحماية حدود تركيا مع سوريا، هنا يمكن الافتراض أن الحديث والتفاهم قد نصّ على حماية الحدود من الجانبين وبالاتجاهين، وإلا ما معنى الحديث عن وحدة سوريا وسيادتها، فتركيا مسؤولة عن تدفق السلاح والمسلحين إلى سوريا، ولا تفاهم بين الأطراف الثلاثة على سوريا، ما لم يشتمل على إغلاق الحدود وضبطها…

عند هذه النقطة، يكتسب حديث بوغدانوف مزيداً من الأهمية عندما كشف أن تركيا وافقت على إخضاع الممرات الإنسانية عند حدودها مع سوريا،لرقابة أممية مباشرة، وهذا أمرٌ إن صح، يشف عن توجه تركي جديد. الخطوة الثانية، تشتمل على إعادة هيكلة النظام السياسي السوري، بحيث لا يُسمح بتفوق إحدى الكيانات المذهبية والعرقية والإقليمية في المرحلة الجديدة على غيرها … هنا تقول أنقرة، أن إعادة الهيكلة تعني “أن الرئيس السوري بشارالأسد لن يكون موجوداً على المدى الطويل”، ما يعني أنه سيظل موجوداً على المدى القصير أو “الانتقالي”…

إيران تفضل الحديث عن “تصويت” السوريين على حكومتهم ونظامهم … موسكو تريد انتخابات يشارك فيها السوريون كافة، بمن فيهم اللاجئون في الخارج، وبرقابة أممية مناسبة … المواقف ليست متطابقة تماماً حيال هذه النقطة، بيد أن الفجوة فيما بينها باتت محدودة للغاية ومن النوع القابل للتجسير.

اللافت للانتباه هنا، أن أنقرة التي تبدو شريكاً في صياغة قواعد الحل الثلاث، لم تعترض على حكاية “الحكومة الوطنية الموسعة أو الشاملة”، وهي التي كانت تدعم مطلب المعارضة بإقامة “هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات”، بما فيها صلاحيات رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة … يمكن القول، إن صحت هذه التقديرات، أن هذه أهم إشارة على التغير في السياسة التركية، وأكبر “تنازل” تقدمه أنقرة لصديقتيها الجديدتين، حتى الآن على الأقل. الخطوة الثالثة، وتتمثل في مشروع إقليمي / أممي لإعادة اللاجئين إلى ديارهم…

تركيا أكبر دولة مستضيفة للاجئين السوريين، وهي تريد الخلاص من هذا العبء الثقيل، والأردن كما لبنان، يشاطرانها الحمل ذاته، ويتطلعان لوقت قريب تجري في عملية إعادة منظمة لملايين اللاجئين السوريين في الدول الثلاث. حركة “الفرسان الثلاثة” على خط موسكو – طهران – أنقرة، ستتواصل وتتكثف خلال الأيام القليلة القادمة، لتظهير هذه المبادئ العامة، وإكسابها بعداً عملياً تفصيلياً، وثمة العديد من المواعيد المضروبة والزيارات واللقاءات…

والأرجح أن دائرة تحرك هؤلاء ستتسع لتشمل عواصم أخرى … أنقرة وموسكو ستتابعان البحث والحديث مع واشنطن، وهما ستتوليان نقل هذه التفاهمات و”المبادئ العامة” إلى بعض العواصم الخليجية بالأخص السعودية، التي من المؤكد أنها تراقب بكثير من القلق وعدم الارتياح، هبوب رياح التقارب والتنسيق والتفاهم بين العواصم الثلاث، أما طهران وموسكو، فخطوطهما مفتوحة مع دمشق والضاحية الجنوبية … فهل تصدق نبوءة بنعلي يلدريم السورية، وهل ستشرع وكالات الأنباء “قريباً” بنقل أخبار “جيدة” من سوريا وعنها، بعد سنوات خمس عجاف، من أخبار القتل والتدمير واللجوء والنزوح؟!

المصدر | الدستور الأردنية

 

 

 

 

المسيحيون والنظام وروسيا: من يحمي من؟/ بشار جابر

لم تكن زيارة الكاهن الروسي، للمشاركة في مهرجان قرية مرمريتا المسيحية التابعة لمحافظة حمص، قبل يومين، خرقاً للتقليد الكنسي المؤسسي السوري فقط، بل خرقاً لطبيعة العلاقة بين الكنيستين؛ الروسية والسورية. فالمؤسسة الكنسية الأرثوذكسية السورية، خلال الأحداث السورية، كانت قد منعت الاحتفالات المُنظمة، أو المشاركة الكنسية الرسمية بالاحتفالات الشعبية أثناء المناسبات الدينية، بسبب الحداد. ورغم ذلك، لم تستطع الكنيسة السورية منع الكاهن الروسي من المشاركة في الاحتفالات، ومن الاستقبال الرسمي الاحتفالي له.

بحسب أحد رجالات الدين في مدينة اللاذقية، فهذا ليس أول فعل من الكنيسة الروسية يتعارض مع إرادة الكنيسة الأرثوذكسية في سوريا. فمع بداية التدخل الروسي اعترضت الكنيسة السورية بشكل واضح وصريح، عبر نشراتها الدينية الأسبوعية على جُملة البطريرك الروسي في توصيف التدخل الروسي في سوريا بأنه: “حرب مقدسة”. لا بل كانت جملة البطريرك السوري يوحنا يازجي العاشر واضحة: “لا حرب مقدسة في المسيحية”.

ومع ذلك، فإن اعتراض رأس الكنيسة الارثوذكسية السورية لم يقطع التعاون بين الكنيستين، خاصة وأن المجتمع المسيحي والمؤسسة الكنسية، لم يعودا يشعران بإمكان إدارة وجودهم خارج مظلة الحلفاء الدينيين. فمنذ القرن التاسع عشر، ومسيحيو المشرق يشعرون بأنهم مدينون ببقائهم في المنطقة لوجود القوى المسيحية الدولية من حولهم.

عاينت الكنيسة الروسية المجتمع المسيحي السوري قبل التدخل الروسي، واستمرت اجتماعات المطارنة ومسؤولي الكنيسة الروسية مع رجال الدين السوريين لشهر كامل. ما أسفر عن تمويل الكنيسة الروسية للكنيسة السورية، وتحويلها لأكبر ممول للمشاريع التنموية والغذائية، ولتأسيس أحد أكبر الأجهزة الداعمة للنازحين والمهجرين الأرثوذكس بالدرجة الأولى. هذا الدعم السخي تحول نحو مدينة اللاذقية سريعاً، واستطاعت البطريركية الأرثوذكسية عبر حليفتها الروسية انتزاع حق المسيحين النازحين من محافظة إدلب بالدخول إلى مدينة اللاذقية بدلاً عن محافظة حماة، وذلك لوضعهم تحت حماية مطرانية الروم في اللاذقية.

وبطلب من الكنيسة السورية، فرض الروس على النظام، تجميع المسيحيين النازحين في مدينة اللاذقية حصراً، خلافاً لخطة النظام في تقسيم مناطق النزوح. ورفع التدخل الروسي من شأن الكنيسة الأرثوذكسية التي حاول أقطاب منها دفع الروس للضغط على النظام لإيقاف ضم المسيحيين إلى الجيش. الأمر الذي رفضت الكنيسة السورية تقديم طلب بشأنه للروس، بشكل رسمي، لخلاف ضمن “المجلس البطريركي” في دمشق.

وكانت الكنيسة السورية قد اشتكت للروس من هرب الشباب المسيحي إلى خارج البلاد خوفاً من السوق للجندية. حينها قدّمت الكنيسة الروسية منحاً طلابية مدعومة في الجامعات الروسية، لأبناء الطائفة الارثوذكسية، كحلّ لتأمين الهروب الآمن والمؤقت من دائرة الحرب. واصطدمت الكنيسة السورية بقلة الراغبين بهذا الحلّ، لانخفاض المستوى التعليمي في الجامعات الروسية. وبحسب كاهن قال لـ”المدن”، إن “المنح لن تتوقف للراغبين من الخريجين، والنسبة المطروحة للدعم جيدة، خاصة أنها ملزمة للعودة إلى سوريا، ومع أفضلية تأمين الوظيفة في المستقبل في الدولة السورية عبر الأقنية الروسية”.

ولا ينفصل الدين عن السياسة في روسيا، منذ التخلي عن العقيدة الشيوعية مع انهيار الاتحاد السوفييتي. وحلم موسكو كـ”روما الثانية” في عقل القيادة الروسية، بدأت معالمه بالتبلور مع الأزمة السورية. وهذا ليس حُلماً صعب المنال في منطقة يشعر أبناء طوائفها بأنهم مرهونون لمن يحميهم، ومن يضعهم تحت قوة بندقيته.

لذا، يشعر المجتمع المسيحي في سوريا بطمأنينة ما، مع التدخل الروسي. ويعرف الروس هذا جيداً، رغم أن الأقنية المؤسساتية للكنيسة السورية تنأى عن التصريح الروسي السياسي وتبتعد عنه، وتكتفي بدور برغماتي مصلحي لحماية الرعايا ودعم وجودهم. لا بل إن الكنيسة السورية تُحاول جاهدة رسم مسافة واضحة بين عقليتي الكنيستين؛ الكنيسة الروسية التي تُصارع اليوم في سوريا عقائدياً الأغلبية العربية السنيّة المتمردة على النظام الأقلوي الاستبدادي، وبين كنيسة سورية مستكينة منذ العهد العثماني، تُحاول تثبيت وجود المسيحيين بأكثر الطرق مسالمة ومواربة.

الكنيسة السورية كانت قد عادت إلى عقيدة الحياد، وإلى محاولة دعم رعاياها داخل أُطر الطائفة والمجتمع التراحمي لا المجتمع العام خارج الكنيسة. فالمؤسسة لا تُريد أن تصطدم بعنف مع الجيران، ولا تريد للصراع مع المسلمين ولو كانوا متطرفين أن يكون هدفاً أو معياراً لنطاق أعمالها ووعظها.

أما المجتمع المسيحي في سوريا، فيرى في التدخل الروسي، انقاذاً مسيحياً. فقبل التدخل الروسي، كان طبيعياً أن يلجأ بعض الشباب المسيحي، في مناطق سيطرة النظام، لوضع “خلعة خضراء” من مزارات العلويين لتأمين شعور ما بالحماية، كتماهٍ مع طرف يقول بحماية الأقليات، وفي الوقت نفسه يمثّل قوة تُخيف الآخرين. المسيحيون كانوا قد أدمنوا الاعتراف بضرورة حكم العلويين لسوريا، كي لا يتعرضوا لمجازر الأكثرية، مهما طال السرد المقابل عن الحياة المشتركة مع السُنة منذ صدر الإسلام.

اليوم ومع التدخل الروسي، بات المسيحيون يشعرون بأنهم أقوى من ذي قبل. وهذا انعكس بشكل حقيقي في الساحل السوري، وانتهت سردية حماية النظام للمسيحيين، وأصبحت القناعة لديهم بأنهم من يحمون النظام.

المدن

 

 

 

«فورين بوليسي»: الصراع الروسي التركي حول سوريا مستمر خلف الأبواب المغلقة

قال تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أنه بالرغم من المصالحة التركية الروسية التي تجسدت في لقاء «بوتين» و«أردوغان» 9 أغسطس/آب الجاري، إلا أن الصراع حول الملف السوري مستمر بينهما خلف الأبواب المغلقة في الأمم المتحدة.

وقال التقرير الذي كتبه «كولام لينتش» المراسل الدبلوماسي لمجلة «فورين بوليسي» في الأمم المتحدة، أن الخلافات بين روسيا وتركيا أو ما أسماه «الحرب البادرة» حول الملف السوري لا تزال قائمة ولكنها تدور بعيدا عن الأضواء.

وأكدت المجلة أن عودة الأجواء الطبيعية في العلاقات بين البلدين، بعد فترة من التوتر سادت بسبب إسقاط الطيران التركي مقاتلة روسية دخلت لفترة قصيرة إلى الأجواء التركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، لا يعني طي صفحة من الخلافات القائمة بين البلدين.

وأشارت إلى أن زيارة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» إلى سانت بطرسبرغ الأسبوع الماضي واجتماعه مع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» والتحول في مسار العلاقات الذي جاء على خلفية الانقلاب العسكري الفاشل في 15 يوليو/تموز، وما نتج عن اللقاء من مبادرات جديدة وتوجه نحو بناء العلاقات من جديد، لم يمنع صراعهما في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي حول سوريا.

وأشارت في هذا الصدد إلى انتهاز السفير الروسي في الأمم المتحدة «فيتالي تشيركن» لقاء مغلقا في الأسبوع الماضي لينتقد فيه تركيا لسماحها بتدفق «الأسلحة والإرهابيين» عبر الحدود التركية إلى سوريا.

وقال الكاتب إن معظم النقد الروسي الخاص لتركيا لم يتم التطرق إليه إعلاميا، ولكنه «يؤكد التوتر المستمر والذي طبع علاقات البلدين منذ العام الماضي، كما تعكس التصريحات الخلاف العميق بين البلدين حول مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد الذي تدعمه روسيا مباشرة في مواجهته مع المعارضة السورية التي تدعمها تركيا»، بحسب قوله.

موسكو تريد تغيير المعارضة السورية

ونقل مراسل «فورين بوليسي» عن «دبلوماسي بارز» قوله: «لقد تحدث الروس في اللقاء بلهجة قاسية عن تركيا، وقال دبلوماسي آخر إن تصريحات تشيركن عكست النظرة الروسية القديمة ومفادها أن تركيا هي المساعد الرئيسي للقوى الإرهابية التي ترغب في نقل المقاتلين والسلاح إلى داخل سوريا».

وقال إن «تشيركن كان يتحدث عن كل هذه الأشياء التي تأتي عبر الحدود التركية»، في إشارة لدعم تركيا المقاومة السورية عبر الحدود.

ودعا المندوب الروسي داعمي المعارضة السورية بمن فيهم الولايات المتحدة وتركيا إلى «قطع علاقاتهم مع بعض الجماعات المعادية للأسد»، وقال دبلوماسي أخر ساخرا إن ما كان «تشيركن» يقوله ببساطة هو: «نحن لا نحب المعارضة فهل يمكن تغييرها؟».

وبعد اللقاء المغلق، حث السفير الروسي في مجلس الأمن أنقرة على إعادة النظر في موقفها المعارض لأي دور للأكراد السوريين في مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية». ودعاها للسماح لهم بالمشاركة في محادثات جنيف للسلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

روسيا تتعامل مع أعداء تركيا

ويقول تقرير «فورين بوليسي» أن روسيا تتعامل مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تدعمه تصنفه تركيا باعتباره «جماعة إرهابية»، مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (بي كي كي). وانتقدت أنقرة سماح الخارجية الروسية له في فبراير/شباط بفتح مكتب تمثيلي له في العاصمة موسكو.

كما تنتقد تركا أيضا إقامة الولايات المتحدة الأمريكية علاقات مع حزب الاتحاد الديمقراطي وفرعه العسكري المسمى «قوات حماية الشعب»، لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية».

وكان «تشيركن» قد تحدث في 9 أغسطس/آب الحالي للصحفيين مطالبا تركيا بضرورة ضم الأكراد لمحادثات السلام بدعوي أن هذا «يخدم السيادة ووحدة الأراضي السورية». وقال إنه رغم وجود عوامل معقدة في تفكير تركيا إلا أنه يرى حاجة ملحة لحل المشكلة بشكل سريع، أي السماح للأكراد بالمشاركة بالمفاوضات.

جدير بالذكر أن تركيا لا تعترف بالأكراد كجزء من المعارضة السورية الرسمية.

العقبات مستمرة

فتح اللقاء بين الرئيسين الطريق أمام عودة العلاقات رغم الخلاف في الملف السوري. وقد أكد سفير تركيا في الأمم المتحدة «يسار خليل شفيق» للمجلة أنهم تجاوزوا عقبة كبيرة في المرحلة الأخيرة من العلاقات مع روسيا، وأن البلدين يسعيان لتعاون مشترك حتى في ظل خلافها حول ملفات أخرى، إلا أن خبراء يرون ذلك مؤشرا على استمرار العقبات.

يؤكد «أندرو تابلر» خبير الشئون السورية بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إن «تصريحات تشيركن تعكس عدم رأب الخلافات بين بوتين وأردوغان حول الكيفية التي يجب التوصل فيها لحل الأزمة السورية».

وبالمقابل تشير تقارير إلى تعاون أمريكي روسي في مواجهة «الجماعات الإرهابية» بما فيها جبهة النصرة (غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام)، والتنسيق بشكل أفضل في مجال المعلومات الأمنية. ولكن بحسب دبلوماسيين في مجلس الأمن فإن «المحادثات بين البلدين لم تثمر بعد».

وكان ثاني أبرز دبلوماسي روسي في الأمم المتحدة، «فلاديمير صفرنوكوف»، قد هاجم الولايات المتحدة في جلسة غير رسمية عقدت الإثنين الماضي، واتهمها بأنها لم تف بوعودها بتحديد الجماعات السورية المعتدلة التي يجب استثناؤها من الهجمات الجوية.

وقال في 8 أغسطس/آب: «لا تقدم حدث، ولا زلنا لا نعرف أين هي المعارضة المعتدلة». وفي المقابل يخشى الأمريكيون من استخدام الطيران الروسي هذه المعلومات لضرب المعارضة الشرعية.

وبعيداً عن الخلافات الأمريكية الروسية، يرى مراقبون أن لتركيا وروسيا نفوذا في المسألة السورية، وأنه يمكن لأنقرة الحد من تدفق السلاح والمقاتلين للمعارضة من جهة، كما يمكن لروسيا الحد من قدرة أكراد سوريا على توسيع نفوذهم وقوتهم في سوريا من جهة أخرى، ولكنهم يرون أن «هذه مقايضة صعبة وحتى تتحقق يجب على الروس وقف دعمهم للأكراد السوريين الذين ترى فيهم واشنطن القوة الأكثر فعالية في الحرب ضد تنظيم الدولة».

ويقول تقرير «فورين بوليسي» أن على «أردوغان» القبول ضمن هذه الصيغة ببقاء «الأسد» أو شخص آخر من النظام تقبله روسيا، مؤكدا: «هي حبة دواء من الصعب على أردوغان بلعها في ضوء دعواته المستمرة لخروج الأسد من السلطة».

وينقل التقرير عن «ريتشارد غوان»، الخبير في شؤون الأمم المتحدة بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قوله إن «بعض النقد الروسي لتركيا صحيح خاصة أن الأخيرة لم تظهر أي رغبة بشأن ضبط حدودها خلال السنوات الماضية».

وعقب رسالة «الأسف» من الرئيس التركي إلى «بوتين» عن إسقاط الطائرة الروسية العام الماضي، ردت روسيا بتخفيف الهجمات ضد تركيا في الملفات غير سوريا، أبرزها قبرص التركية.

ففي يناير/كانون الثاني الماضي وفي ذروة الأزمة بين البلدين، انتهز الروس فرصة تجديد مهمة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في قبرص ليشجبوا في مجلس الأمن ما قالوا أنه «انتهاك تركيا للمجال الجوي للجزيرة»، ولكن بعد خطاب «أردوغان»، فقد صمتوا علي تجديد مهمة هذه القوات في يوليو/تموز الماضي.

المصدر | الخليج الجديد

 

 

 

لا «صفقة» روسية ناجحة لتسويق «بقاء الأسد”/ عبدالوهاب بدرخان

كان الخصام الناشب حالياً بين تركيا والولايات المتحدة سبباً وجيهاً لتزخيم احتضانٍ روسي ثم إيراني لرجب طيب أردوغان، بعدما أشعرته موسكو في الخريف الماضي، بعقوباتها وإشهارها العداء له غداة إسقاط «السوخوي»، بأنها في صدد شطب تركيا من أي معادلة نفوذ إقليمية خاصة بسورية. خلال تلك المحنة، بخسائرها الاقتصادية المحققة وتداعياتها السياسية غير القابلة للضبط، لم يبذل «الحليف» الأميركي أي جهد لطمأنة أنقرة ولم يخرج «الناتو» عن تضامنٍ معنوي غير مجدٍ. لم تكن تلك المرّة الأولى التي يشعر فيها الأتراك، منذ بدء الأزمة السورية، بأن واشنطن تخذلهم وتعرقل كل خططهم مع حلفائهم العرب، وفيما تكبّل أي دعم للمعارضة السورية بكمٍّ هائلٍ من الشروط إلا أنها تتعايش مع كل التدخّلات الأخرى أو تشجّعها، سواء كانت روسية أو إيرانية أو إسرائيلية.

ومع أن أنقرة لم تتبنَّ بعد رواية علنية متكاملة لـ «الدور الخارجي» في المحاولة الانقلابية، إلا أنها مقتنعة على الأقل بأن روسيا وإيران كانتا خارج «المؤامرة». ولعل وقوع المحاولة بعد أسبوعين على توقيع اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل حال دون الاشتباه بالأخيرة رغم اتهامات سابقة لها بعلاقات مع جماعة فتح الله غولن. لذلك بقيت فرضية الدور الأميركي قوية، شرط التوصل الى إثباتها، وبالأخص تحديد دوافعها وأهدافها. خلافاً للعواصم الأوروبية التي اشتبكت سياسياً وإعلامياً مع أنقرة على خلفية حملة «التطهير» العسكرية والمدنية لـ «الغولنيين» المفترضين واحتمال معاودة العمل بعقوبة الإعدام، التزمت واشنطن لهجةً نقديةً غير مستفزّةٍ لعلمها بأن البلدين مقبلان على مرحلة شائكة وأن الأفضل احتواء الصعوبات ديبلوماسياً بدل مفاقمتها بالمساجلات العلنية. ويكفي أن أردوغان قصد سانت بطرسبرغ للقاء فلاديمير بوتين، وسط تصاعد مشاعر العداء لأميركا في الشارع التركي.

هل يكفي ذلك لافتراض أن هذا اللقاء حصل فعلاً عند مفترق طرق لتركيا؟ هناك من ذهب بعيداً في المقارنة بين اللحظة الأردوغانية الراهنة واللحظة التي اتجه فيها جمال عبد الناصر نحو الاتحاد السوفياتي، رغم اختلاف الظروف، وحتى اختلاف الرجلَين. فمهما بلغت المرارة عند الرئيس التركي، فإنها لا تحجب براغماتيته، ثم أن مصالحته مع بوتين كــانت دخلت صلب سياسته الجديدة قـــبل محاولة إطاحته، ولا شك في أنه يعرف ماذا يريد من روسيا وماذا يريد بوتين منه، وعلى افتراض أنه يــــرغب في إحداث تغييرٍ ما في خيارات تركيا إلا أنه لا يستطيع المـــقامرة بمصالحها مع الغرب لقاء مكاسب لن يقدمها بوتين مجرّدة من التوظيف الاستقطابي.

عدا استعادة التبادل التجاري وإحياء المشاريع الكبرى مع روسيا، وهذان فيهما مصلحة للطرفين، وعدا تبعات المحاولة الانقلابية التي يمكن أن تكون لدى موسكو معطيات استخبارية مفيدة في شأنها، فلا شك في أن الهمّ الرئيسي الذي يشغل أردوغان له عنوان معروف: المسألة الكردية. وبات الشأن السوري يأتي بعدها أو في سياقها.

وفي الاثنين، لم يكن الأميركيون واضحين ولا مطمئنين ولا متعاونين، بل على العكس بالغوا في اللعب بـ«الورقة الكردية» سورياً الى حدّ ساهم في إشعالها تركياً، حتى أن معيار «الإرهاب» الذي أشهرته أميركا واوروبا ضد «حزب العمال الكردستاني» (بي كي كي) لم يعد قائماً رغم العمليات التي ارتكبها في العديد من المدن. وقد انتقدت أنقرة مراراً الدول الغربية واعتبرت أنها تكيل مواقفها من الإرهاب بمكيالَين. لكن القلق التركي تحوّل هلعاً مع ظهور توافق- وأحياناً تنافس أميركي – روسي للاعتماد على الأكراد كطرف وحيد صالح لمحاربة «داعش».

لم تكن تركيا وحدها التي استشعرت الخطر. فإيران ونظام بشار الأسد كانا استخدما «بي كي كي» وفرعه السوري لمناكفة تركيا، ونسّقا تحركاته مع انتشار تنظيم «داعش» لضرب المعارضة، إلا أنهما وجدا هذه الورقة تنزلق من أيديهما لتستقرّ عند الأميركيين في استخدامهم الأكراد لضرب «داعش». ثم وجدا أن موسكو فتحت خطّاً مع الأكراد، ورمت فكرة «الفيديرالية» لتعرب عن انفتاحها على مشروع الإقليم الكردي، كما وافقت على ممثلية لـ«حزب الاتحاد الديموقراطي» وتبنّت بإصرار تمثيله في وفد المعارضة الى مفاوضات جنيف رغم علمها بأن لا موقع له في المعارضة التي تقاتل النظام.

وبعدما أدارت طهران ودمشق فرع «بي كي كي» السوري لإضعاف المعارضة أولاً، ثم لتوظيف «إقليمه» المفترض كقاطرة للتقسيم وفقاً لرؤيتهما، إذ بهما الآن يتقاسمان المخاوف نفسها مع تركيا، وإذ بالتوافق على «وحدة سورية» يصبح أبرز رسائل زيارة وزير الخارجية الإيراني لأنقرة. ولعلها مرّة أولى ونـــادرة تُظـــهر فيها إيران اهتـــماماً رسمياً بـ «وحدة» بلد يواصل فيه حليفها الأسد مع ميلــيشياتها، خصوصاً «حزب الله»، تنــفيذ مشاريع لاقتلاع السكان والتغيير الديموغرافي.

هل يعني ذلك أن إيران تخلّت نهائياً عن اللعب بالورقة الكردية؟ ربما. لكن ماذا عن روسيا، فهل تستطيع توفير ضمانات لتركيا بمعارضة إقامة إقليم كردي على شريطها الحدودي مع سورية، وهل تستطيع احترام ضمانات كهذه مع علمها بأن أميركا تريد مكافأة الأكراد على محاربتهم «داعش»، وبالتالي إذا قرّرت وضع «فيتو» على الإقليم فمقابل ماذا؟… ثمّة أولوية روسية الآن، وهي عدم الفشل في سورية. لكن تجربتها خلال عام لم تأتِها سوى بمؤشّرات نجاح ضئيلة تدين بمعظمها لتواطؤ- تعاون أميركي. صحيح أنها من نوع الدول التي تقتل المدنيين بدم بارد وتدمّر المستشفيات والمدارس والمخابز بلا تردّد، ولا تهزّها اتهامات بجرائم حرب، إلا أن كل ذلك يورّطها أكثر مما يسهّل مهمتها. والمؤكّد أنها لم تعد ترى إمكاناً للنجاح بالاعتماد على قوات النظام المتهالكة أو على ميليشيات مهووسة بالأجندة الإيرانية. وحتى حصار حلب، الذي ساهمت فيه بعدما كانت ترفضه، ارتدّ على حلفائها في شكل أتاح لأردوغان المجيء الى اللقاء مع بوتين واثقاً وليس صاغراً.

مع ذلك، شكّل ذلك اللقاء فرصة لمعاينة إمكان استقطاب تركيا سورياً، فهي كانت خفّضت منذ تنصيب حكومتها الحالية من حدّة مطالبتها بـ «رحيل الأسد»، وأبدت استعداداً لشيء من الانفتاح على نظامه. وقبل ذلك، كانت تركيا لبّت كل الشروط الأميركية سواء بحجب الأسلحة النوعية عن المعارضة «المعتدلة» أو بالضغط لمنعها من توسيع رقعة سيطرتها الى مناطق حسّاسة مذهبياً أو حتى للتعامل بمرونة مع محدّدات للتفاوض وللحل السياسي تعتبرها المعارضة مجحفة. وبما أن هذه الشروط كانت منبثقة أساساً من التفاهمات الأميركية – الروسية، فإن أي «تنازلات» إضافية، ومنها خصوصاً عدم الخوض بـ «مصير الأسد» رحيلاً أو بقاءً، أو تأجيله أو حتى تجاهله، تستطيع موسكو المساومة عليها مع واشنطن أو أنقرة أو سواهما، ولا يمكنها إجبار المعارضة على قبولها.

كانت روسيا تصوّرت، أو صوّر لها النظام والإيرانيون، أن حصار حلب كافٍ لتصفية المعارضة وتمرير «حلّهم» السياسي المنشود. وقد تكون المداولات الأخيرة مع الأميركيين، والليونة المستجدّة في مواقف تركيا (قبل زيارة أردوغان)، ساهمت في تشجيع الروس على هذه المغامرة. لكن إذا كان الأميركيون يخذلون المعارضة السورية تفادياً لأي تنازل لروسيا في مكان آخر (اوكرانيا مثلاً)،فإن الأتراك لا يملكون خياراً كهذا لأن التخلّي عن المعارضة أو التورّط بتصفيتها يعني خروجهم من المعادلة بإرادتهم مع وجود أكثر من مليونَي لاجئ سوري لديهم. وعدا أن الروس يتجاهلون أطرافاً معنيّة أخرى، عربية وغير عربية، فإنهم بإصرارهم المحموم على بقاء الأسد يفتقدون لأبسط قواعد التسويق، اذ ليست لديهم حتى الآن أي «صفقة» يعرضونها على الآخرين لقبول بقاء هذا الرجل ونظامه، وليست لديهم صيغة خلاقة لحل سياسي متوازن. فتارة يعرضونه لقاء «محاربة الإرهاب»، وتارةً أخرى لقاء «هدنة 3 ساعات»، وطوراً لقاء إطلاق المفاوضات أو إدارة مرحلة الاستنزاف في انتظار الإدارة الأميركية المقبلة. وعندما تكون السلعة مضروبة، فلا عجب أن يكون الإتجار بها فاشلاً.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

بوتين في صورة بوش/ ساطع نور الدين

أخطر ما في الحملة الجوية والصاروخية الروسية العنيفة على مناطق سيطرة المعارضة السورية انها تكاد تكون خارج أي سياق سياسي. يجوز فيها التحليل النفسي اكثر من التحليل العسكري. لانها أشبه بإستعراض للقوة والهيبة والاسلحة، أكثر من كونها مسعى لتعديل موازين القوى، او حتى الرد على الهزائم البرية الاخيرة التي مني بها النظام السوري وحلفاؤه في معارك حلب.

هي بلا شك محاولة لرفع معنويات قوات النظام والمليشيات الحليفة له التي يبدو الان انها كانت بالفعل على شفير الانهيار، قبل بدء الحملة الروسية الحالية، وكادت تخلي مواقعها الامامية على مختلف جبهات حلب، لتنفتح المدينة كلها امام المعارضين السوريين المتأهبين والمؤهلين عسكريا لفرض مثل هذا التحول في مسار الصراع في سوريا، عندما تحين الفرصة لذلك، او عندما يغيب الطيران الروسي من الاجواء وتصمت الصواريخ والبراميل المتفجرة.

روسيا منعت، حتى الان على الاقل، إختراق العاصمة السورية الثانية من قبل المعارضة، وعززت الخطوط الحمراء المرسومة حول المدينة بوصفها مختبراً لجميع القوى المشاركة او المساهمة في الحرب السورية، ومعبراً إلزامياً للتسوية السياسية. هذا هو الظاهر من الحملة الروسية الراهنة التي لم يسبق لها مثيل، لا في تاريخ التدخل العسكري الروسي، ولا ربما في تاريخ الحملات العسكرية الاجنبية التي تعرضت لها مختلف بلدان المشرق العربي طوال قرن مضى. ولعل بامكان الروس اعلان تفوقهم على الاميركيين الذين غزوا العراق واحتلوه بغارات جوية وصاروخية أقل ربما مما تتعرض له حلب وبقية المدن السورية.

التدقيق في تلك الحملة الراهنة، يطرح اسئلة بديهية، لا يبدو انها مطروحة على القيادة الروسية التي تتمتع بما يشبه الغطاء العربي والدولي الكامل لتدمير سوريا وإبادة سكانها، الخارجين طبعا عن سيطرة النظام، من دون ان يجروء او يفكر أي نظام عربي حليف للمعارضة السورية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا او خفضها او حتى سحب السفراء او ربما تعليق حركة الملاحة او التجارة مع الروس.. على الاقل بعدما فتحت لهم إيران قواعدها الجوية لتسهيل غاراتهم على سوريا، وهي حجة لا يمكن الا ان تكون قوية ومؤثرة على المستوى الرسمي والشعبي العربي.

السيناريو الشيشاني المفضل والمعتمد من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يصلح للاستدلال، في الحالة السورية، الا من زاوية تصفية الوجود المدني في المناطق المستهدفة التي يجري تحويلها الى ارض محروقة غير صالحة للعيش.عدا ذلك، فان ما ستنتجه تلك الارض التي تجري إبادة سكانها وحرثها بالصواريخ، لن يكون شبيهاً بما انتجته الارض الشيشانية المعزولة والمنقطعة عن العالم التي أذعنت للهيمنة الروسية. ومعركة حلب الاخيرة أكبر نموذج. فالغلبة على البر كانت وستبقى (وستزيد) لمصلحة للمعارضة، وبنسبة تفوق الضعف، حسب تقديرات جميع الخبراء العسكريين وبينهم الروس، الذين يعترفون انه ليس لدى النظام وحلفاؤه قوات برية كافية على إقتحام المناطق التي يحرقها الطيران الروسي وفرض السيطرة عليها.

كما ان الغطاء العربي والدولي الذي يعتمد عليه الروس حاليا، لا يوازي الغطاء الذي تمتع بهم الاميركيون في غزوهم وتدميرهم العراق، وهو لم يتح لهم فرصة البقاء فيه، برغم التوسلات العراقية، من قبل جميع الاطراف والطوائف من دون استثناء.. “داعش” ليس ذريعة كافية للتورط العسكري، لا في العراق ولا في سوريا، بل ربما كان ولا يزال يمثل وسيلة للابتزاز المتبادل بين الروس والاميركيين.

لعل الروس يفترضون ان حملتهم العسكرية على سوريا يمكن ان تحمي النظام، او تؤجل انهياره، كما يمكن ان تقنع المعارضة بالاستسلام او العودة صاغرة الى طاولة المفاوضات. وهذا وهمٌ مزدوج لا يتطلب التأكد منه الكثير من المعلومات.. ولا يبقي سوى إحتمال وحيد هو أن ثمة عقلاً مريضاً يقود السياسة الروسية، يشبه عقل  الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن، تستهويه لعبة الحرب ومشاهدة الغارات الجوية والصاروخية، يمارسها مثلما يمارس طفل إحدى ألعاب الفيديو.

المدن

 

 

 

تصعيد روسي وتراجع أميركي/ هشام ملحم

انطلاق القاذفات الاستراتيجية الروسية من قاعدة جوية ايرانية لقصف مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية في محيط مدينة حلب ومناطق اخرى، يعتبر تطوراً تاريخياً في دور موسكو العسكري في المنطقة، ونقطة مفصلية في الصراع على سوريا، وتحولاً نوعياً في العلاقات بين روسيا وايران، ونكسة واضحة لمكانة الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الاوسط. ومرة أخرى تؤكد موسكو انها الطرف الخارجي الذي يأخذ المبادرة العسكرية والسياسية في سوريا، ومرة أخرى يأتي رد الفعل الاميركي الفاتر، ليؤكد عدم رغبة او عدم استعداد ادارة الرئيس أوباما لردع التحالف الروسي – الايراني – الاسدي، في ما يبدو انه تراجع نوعي لدور واشنطن في الحرب السورية.

أضف أن التصعيد الروسي، يبين مرة أخرى أن اخفاق الرئيس اوباما في التدخل العسكري في سوريا في السنوات الأخيرة، قد ترك الفراغ الذي تملأه موسكو الان، كما يؤكد خطأ تقويم أوباما ومساعديه في البيت الابيض للتدخل الروسي العام الماضي انه سيورط موسكو في “المستنقع” السوري وسيكون مكلفا لروسيا. والموازنة التي خصصتها روسيا للتدريبات والمناورات العسكرية، تنفق الان على عمليات عسكرية و”تدريبات” عملية، لكن أهداف القوات الروسية هذه المرة حقيقية، وفي معظمها من المدنيين.

الخطوة الروسية – الايرانية تاريخية بالفعل، لان ايران، حتى خلال عهد الشاه، وعلى رغم علاقاتها العسكرية المتشعبة آنذاك مع الولايات المتحدة، لم تسمح لأكثر من خبراء عسكريين بالحضور فوق أراضيها من أجل التجسس على الاتحاد السوفياتي، ولكنها لم تعط اميركا حق استخدام قواعدها الجوية. وفي ضوء تحسن العلاقات بين روسيا وتركيا، قد لا يكون من المستغرب ان تنضم تركيا لاحقاً الى هذا الائتلاف الذي تقوده موسكو باسم مكافحة الارهاب.

وحاولت موسكو تغطية تصعيدها الاخير، بالاختباء وراء احتمال توصلها الى اتفاق عسكري قريب مع واشنطن على شن غارات جوية مشتركة على “داعش” وجبهة “فتح الشام” (“النصرة” سابقاً) في سوريا. ومرة أخرى، ترد واشنطن على استفزازات روسيا بالتعبير عن أسفها لخطوة اعتبرتها غير مفاجئة، كما فعل الناطق باسم وزارة الخارجية الثلثاء. ومنذ التدخل الروسي في سوريا قبل أقل من سنة، وفي مواجهة كل تصعيد عسكري أو سياسي روسي أو سوري – ايراني، كانت واشنطن ترد باصدار المناشدات والدعوات لموسكو للضغط على نظام الاسد لوقف مجازره. وليست هناك أي مؤشرات لتغيير اوباما سياسته هذه في الاشهر الاخيرة من ولايته.

التطور اللافت هو انه على رغم الحملة الاخيرة لنظام الاسد وحلفائه الايرانيين وميليشياتهم الشيعية لإحكام سيطرتهم على حلب، فان الحملة اخفقت، الامر الذي أدى الى التصعيد الاخير.

النهار

 

 

 

استعراض القاذفات الروسية يفضح ارتباك حلفاء الأسد/ حسان حيدر

الخطوات العسكرية المتباعدة التي تتخذها روسيا والولايات المتحدة، الأولى في إيران وسورية والثانية بالقرب من الصين وكوريا الشمالية، تعكس الافتراق الكبير في اهتمامات الدولتين الكبريين، وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط. ففي حين مدّ الروس انتشارهم العسكري إلى إيران، في سابقة منذ العام 1941، وأرسلوا إلى إحدى قواعدها قاذفات استراتيجية لقصف مواقع يتبع معظمها للمعارضة السورية المعتدلة، كان «البنتاغون» يعلن حشد قاذفات أميركية مماثلة في جزيرة غوام في المحيط الهادئ، على بعد آلاف الأميال من سورية، حيث يسود توتر بين القوى الإقليمية نتيجة النزاع على الموارد.

رد فعل واشنطن الذي كشف علمها المسبق بالخطوة الروسية، على رغم أنها «فوجئت» بالتوقيت، جاء ليؤكد أن ما فعلته موسكو لم يتخطّ حدود الاتفاق على تلزيم «الحل» في سورية إلى الروس. فالأميركيون المنكفئون لديهم أولوية وحيدة: دحر تنظيم «داعش»، من دون اهتمام فعلي بما سيحصل لاحقاً، وهم سيتعاطون مع الوقائع المستجدة في وقتها، مثلما يفعلون في العراق، وقد يوافقون على الطرح الروسي الذي قبلته تركيا بتشكيل حكومة «وحدة وطنية» في سورية تشمل الأسد، على رغم ميلهم الى وجوب رحيله.

ومن الواضح أن إسرائيل أيضاً كانت على علم مسبق بالإجراء الروسي، وإلا لكانت رادارتها ستعتبر القاذفات «المجهولة» المنطلقة من إيران باتجاه سورية عبر العراق تهديداً مباشراً لأمنها، ولأطلقت صافرات الإنذار في مدنها.

لكن هل لنشر القاذفات الروسية الذي أكدت إيران أنه ليس دائماً، تأثير كبير على سير المعارك في سورية، وخصوصاً في منطقة حلب المستعصية على خطط موسكو وطهران؟

من المفترض أن تكون موافقة إيران على هذا الخرق الطوعي للسيادة الوطنية، ولو كان موقتاً، أملتها أسباب تفوق بأهميتها قرار السماح بنشر قوة أجنبية على أراضيها. صحيح أن هناك مصالح كبيرة مشتركة بدأت تتبلور بين موسكو وطهران بعد رفع العقوبات الدولية عن الأخيرة، لكنها لا تبرر وحدها مثل هذه الخطوة، إلا إذا كان الإيرانيون يستشعرون خطراً وشيكاً يتهدد ما يعتبرونه «معركة مصير» في حلب التي يستهدفها القصف الروسي بشكل خاص.

والواقع أن القوات الإيرانية، من «حرس ثوري» وميليشيات شيعية متعددة الجنسية، تلقت صفعة قوية في حلب قبل نحو أسبوعين عندما نجح المعارضون السوريون في فك الحصار عن شرق المدينة، ويواصلون هجماتهم في مناطق أخرى منها متوعدين بتحريرها بالكامل. وعنى ذلك أن القيادة الإيرانية لمعركة حلب تواجه صعوبات تدفعها إلى الاستعانة أكثر بالدعم الجوي الروسي، مع ما يستلزمه ذلك من القبول بمطالب روسية بينها استخدام القواعد الإيرانية، علماً أن خبراء عسكريين غربيين يعتقدون جازمين بأن هذا الانتشار لا يشكل فرقاً كبيراً على الصعيد العسكري، لأن القصف الروسي متاح من قاعدة حميميم ومن السفن المنتشرة قبالة الساحل السوري، ومن جنوب روسيا نفسها، ولم يمنع مقاتلي المعارضة من التقدم.

من الواضح أن نتائج معركة حلب أربكت حلفاء نظام الأسد، كونها فضحت عجز مرتزقة طهران، ودفعت موسكو الى استعراض مسرحي لقوتها بعدما عجز طيرانها وصواريخها عن حسم المواجهة، ذلك أن هدفها الفعلي تقديم دعم معنوي إلى إيران ونظام الأسد، وتوجيه رسالة إلى العالم بأن روسيا هي التي تدير معركة سورية، وأنها الطرف الأقدر على ملء الفراغ الأميركي في المنطقة.

الحياة

 

 

 

 

في احتمالات التقارب التركي الروسي الإيراني/ سمير صالحة

مع انفجار البركان السوري، قبل ست سنوات، كانت القيادات السياسية التركية تردد أن المسالة ستحسم خلال ستة أشهر ليسقط النظام، وتذهب سورية نحو التغيير والديمقراطية. الأحداث في سورية مستمرة وسط أرقام وإحصاءات عن عشرات آلاف من القتلى والجرحى، ومليارات الدولارات من الخسائر، من دون وجود أيّ بادرة تفاؤل حقيقية بشأن احتمال انتهاء الأزمة هناك. أطلّ رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، الذي لا يتحدّث كثيراً في الملفات الخارجية أخيراً، ليقول إن سورية أمام احتمال حدوث مفاجآت جديدة في الأشهر الستة المقبلة. ولم يكشف عن أي نوع من المفاجآت ستكون، إيجابية أم سلبية، لكنه لا بد أن يكون استفاد من تجارب سلفه أحمد داود أوغلو وأخطائه، في الحذر الشديد، عندما يتحدث عن موقف أو تصريح سياسي في المسألة السورية يصعب تنفيذه، أو المضي فيه، بسبب تشابكات المشهد السوري وتداخلاته، بأبعاده، المحلية والإقليمية والدولية.

معنويات يلدريم عالية في هذه الآونة. سحقت تركيا الانقلابيين والمراهنين عليهم، وهي ستمضي وراء شعار التغيير والتجديد في سياساتها الداخلية والخارجية، وتتصالح تدريجياً مع روسيا وإسرائيل والعراق، وتعمل على تحسين علاقاتها مع إيران، وهي توجه الانتقادات اليومية للعواصم الغربية التي تخلت عن تعهداتها معها في اتفاقية اللجوء، وذهبت في منحى توتير العلاقات مع تركيا، في افتعال أزمات تسحبها من الأدراج والأرشيف، وتمسح عنها الغبار، للتخلي عن التزاماتها حيالها، أوروبياً وأميركياً، ما دفع الإعلام الغربي إلى الوقوف إلى جانب تركيا، في مواجهتها هذه باسم التصدّي للانقلاب، ولإسقاط حكومات منتخبة وإسكاتها، وهو الموقف الذي لم تتخذه عواصم أوروبية كثيرة ليلة الخامس عشر من يوليو/ تموز المنصرم.

ارتدادات لقاء الرئيسين، التركي أردوغان والروسي بوتين في سان بطرسبورغ، الأسبوع الماضي، ثم حصيلة زيارة وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أنقرة في مقدمة الأسباب التي شجعت يلدريم على إعلان هذا الموقف، فالخلوة الروسية التركية استغرقت ساعتين، لكن التركية الإيرانية تجاوزت الثلاث ساعات، وقيل فيها الكلام الكثير. فما هي

“نقاط التباعد الثلاثي في سورية لا تعدّ ولا تحصى، بينها تعريف الإرهاب، والموقف من رحيل الأسد” الاحتمالات والسيناريوهات والرسائل المتوقعة التي لم يفصح رئيس الوزراء التركي عنها؟

تريد تركيا تقديم خيار الحلول الإقليمية على الدولية، تحديداً في التعامل مع الملف السوري، وهو ما ردّده يلدريم نفسه في أثناء وجود الرئيس التركي في سان بطرسبرغ، بقوله، إن دول المنطقة أفضل من تحلل وتقدم الحل الصحيح لأزماتها. رسالة توافقية مع دول الجوار، لكنها تصعيدية في غاية الخطورة مع أصحاب المصالح الكبار في الغرب الذين دعموا أو تجاهلوا استهداف تركيا على هذا النحو، لكنها، في الأساس، رسالة رد التحية، وموقف شكر لروسيا وإيران على تضامنهما الكلي مع حكومة “العدالة والتنمية” ليلة الخامس عشر من يوليو/ تموز.

تسلمت تركيا رسالة تحريك القوات الكردية في شمال غرب سورية، وتجاوز الخط الأحمر الذي حددته بغرب الفرات، وهي تعرف تماماً أن وحدات صالح مسلم (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردية لم تكن لتفعل ذلك، من دون التشجيع والتخطيط الأميركيين. وكلام يلدريم هنا يقرأ على أن تركيا سترد عبر التنسيق مع الشركاء والحلفاء الجدد على هذه النقلة في الدخول العسكري الثلاثي المباشر في معركة القضاء على “داعش”، لمنع لعب ورقتها في سورية تحديداً ضدها بعد الآن. لكن، ما لم يقله رئيس الوزراء التركي هو احتمال وجود تفاهم تركي روسي إيراني لتعطيل مشروع المساس بوحدة سورية والتلاعب بتوازناتها العرقية، كما حدث في العراق، ونقطة البداية هي وقف التمدّد الكردي نحو أقصى الشمال الغربي ثغرة البحر التي يريدها أكراد المنطقة ككل، منفذاً تجارياً واقتصادياً واستراتيجياً، يحمي حصتهم في مشروع الخرائط الإقليمية الجديدة.

يحضر نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى تركيا، في الأسبوع المقبل، على عجل. ليس حتماً لتهنئة الأتراك على سلامتهم من قطوع المحاولة الانقلابية، بل لإقناعهم أن واشنطن لا تريد سوى الخير لشركائها، وإن فتح الله غولن ورقة منتهية، لا يجوز تضخيمها، وجعلها سبباً في توتر العلاقات على هذا النحو، وإن التقارب التركي الروسي الإيراني لا يتعارض مع ما تقوله الإدارة الأميركية في الملف السوري، وإن أكراد سورية هم، في النهاية، يعرفون المكان الذي لا بد أن يتوقفوا عنده في طموحاتهم السياسية والدستورية. أراد يلدريم قطع الطريق باكراً على أي مشروع أو اقتراح أميركي جديد، رفضته واشنطن مراراً، وها هي تركيا تحاول إنجازه مع الروس والإيرانيين مباشرةً، مثل اقتراح المنطقة الآمنة ورفض المشروع الفدرالي في سورية، وتفعيل خطة المرحلة الانتقالية السياسية والدستورية في سورية. وكان يلدريم قد أشار سابقاً إلى تورط جماعة غولن في إسقاط المقاتلة الروسية، لكنه يكاد يقول هنا، إن هناك قوى خارجية متورطة أصلاً في تشجيع جماعة غولن على توتير العلاقات التركية الروسية، ثم تنفيذ الانقلاب العسكري، عندما قرّرت تركيا مراجعة سياساتها الخارجية.

تحدّث بنعلي يلدريم، قبل أيام أيضاً، عن مبدأ موازنة العلاقات مع الشرق والغرب، أساسياً في شعارات السياسة الخارجية التركية، لكن يلدريم يعرف جيداً أن استطلاعات الرأي التركية بعد محاولة الانقلاب تقول، إن أرقام الرهان على التقارب التركي الأوروبي والتركي الأميركي تتراجع بشكل سريع، وإن غالبية الأتراك رحبت بالتطبيع مع روسيا وإسرائيل. فهل يريد يلدريم أن يرمي الكرة في ملعب الشارع التركي الذي لعبت قيادات “العدالة والتنمية” ورقته باحتراف منذ شهر، ليرد هو على المقولات الغربية التي تتجاهل قصف المدنيين الأبرياء بالطائرات، وتذكّر، في الوقت نفسه، تركيا بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؟

يريد يلدريم إحياء التحالف الاقتصادي التجاري مع روسيا وإيران، قبل أي تحالف سياسي

“يريد يلدريم إحياء التحالف الاقتصادي التجاري مع روسيا وإيران، قبل أي تحالف سياسي إقليمي” إقليمي، وهذا ما تعرفه وتقوله موسكو وطهران أيضاً، في إطار السياسات البراغمانية التي كانت قمة باكو، بين الرؤساء الروسي بوتين والإيراني حسن روحاني والأذربيجاني إلهام علييف في 8 أغسطس/ آب الجاري، وخططها الإنمائية جزءاً منها. تنقل تركيا الطاقة الروسية الإيرانية إلى أوروبا، وتساهم في حل المشكلة الأوكرانية، وروسيا وإيران تفتحان الأبواب أمامها للعبور استراتيجياً نحو جنوب شرق آسيا والعالم التركي وأرمينيا أيضاً، فالملف السوري لن تكون له الأولوية، على الرغم من أهميته وعاجليته، وتحسين العلاقات التجارية الذي سيستغرق ستة أشهر على الأقل يعني أن الملف السوري سينتظر دوره بعد هذه الفترة.

يعرف رئيس الوزراء التركي، أكثر من غيره، أن نقاط التباعد الثلاثي في سورية لا تعدّ ولا تحصى، بينها تعريف مصطلح الإرهاب والإرهابي، والموقف من رحيل بشار الأسد، والمشروع الكردي في سورية، ومصالح لاعبين إقليميين ودوليين كثيرة، فكيف ستزال كل هذه العقبات بهذه السرعة؟ إلا إذا كان يلدريم سيفاجئنا بتحرّك ثلاثي عسكري أمني سياسي، على أكثر من جبهة في الملف السوري في إطار عملية تفاهم وتنسيق، أعد لها بعيداً عن الأعين تدعمها أوروبا أيضاً للخروج من أزمة اتفاقية اللاجئين التي تهدّد مسار العلاقات التركية الأوروبية بشكل كبير.

خيّب التحرك التركي الإقليمي، أخيراً، آمال كثيرين، كانوا يقولون، قبل شهرين فقط، إن موسكو هي شريك أكراد سورية في رسم الخريطة الجديدة هناك. وها نحن اليوم نقرأهم، يقولون إن الورقة الكردية ليست بيد روسيا وحدها، فهناك أميركا أيضاً. من ابتعد عن الثورة السورية في إطار حسابات ضيقة، تطاول التركيبة العرقية والدينية واللغوية لسورية، لا بد أن يدفع ثمن تغريده خارج سرب الثورة وأهدافها وتطلعاتها.

فيما كنا نستعد لقراءة أبعاد اللقاء بين بوتين وأردوغان وتحليله، دخل الوزير الإيراني جواد ظريف على الخط، ليقول لا تنسوا أن تشركونا في المعادلة الجديدة. وفي مقدور يلدريم أن يكون متفائلاً حتى النهاية، لكن تفاؤله هذا، وما يقوله، لا بد أن يأخذا بالاعتبار مصالح شركاء بلاده في العالمين العربي والإسلامي الذين وقفوا إلى جانبها في أصعب الظروف، وأن يتذكّر قرارات القمة الإسلامية في أسطنبول في أبريل/ نيسان الماضي، وإن أي تقارب ومسار إقليمي جديد بالنسبة لأنقرة لا يمكن أن يكون على حساب علاقاتها مع آخرين، وهي حتماً ستتنبه لذلك.

العربي الجديد

 

 

 

 

سوريا: الآمال التركية والمناورات الروسيّة

رأي القدس

تعكس المعارك العسكرية المتعددة الأشكال والأطراف والأهداف، وكذلك الجوّ السياسي المحموم الذي يحيط الوضع في سوريا والأقاليم المحيطة بها حالة كبيرة من التعقيد الشديد المنذر بالتفاقم.

من جهة أخرى يمكن تلمّس عناصر سياسية مستجدّة قد تفتح الطريق إلى بعض التغيير في الاستعصاء الكبير الحاصل في سوريا تتعلّق أساساً بالأطراف الرئيسية الخارجية التي تمسك الكثير من أوراق اللعبة السورية، وكذلك بوجهة العمليات الحربية داخل سوريا نفسها.

ما كان لهذه الأطراف الرئيسية الكبرى في الخارج أن تتحرك لولا معركة حلب الأخيرة التي استطاعت خلالها المعارضة السورية فكّ الحصار عن المناطق التي تسيطر عليها بعد هجوم كبير على امتداد 20 كيلومترا أدى لاستيلائها على منطقة الراموسة الصعبة والتي تحتوي عدّة كلّيات عسكريّة (المدفعية، الكلية الفنية الجوية، التسليح)، وكذلك معركة منبج التي استطاع خلالها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المدعوم أمريكيّا من طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» والاقتراب عمليّا من خطّ الحدود التركيّة.

جاءت هاتان المعركتان بعد محاولة الانقلاب في تركيا التي سمح فشلها لحزب «العدالة والتنمية» بتطهير كبير للمؤسسة العسكرية وهو ما أدّى عمليّا لحصول دعم غير مسبوق للمعارضة السورية ساهم في إنجاز انتصارها في حلب.

معركة حلب شكّلت أيضاً أساساً ليكون لقاء الرئيسين التركي، رجب طيّب اردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، فرصة نادرة لعقلنة الآمال الروسيّة بالقضاء على المعارضة السوريّة وفرض شروط النظام عليها، وللعودة إلى برودة الوقائع الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تفيد الطرفين وتحدّ أماني الإلغاء والتدمير التي ارتفعت أسهمها مع إسقاط تركيّا لطائرة سوخوي روسية والانتقام الروسي الشرس من الأتراك الذي جرى بعدها في جبل التركمان ومناطق سورية أخرى، وانعكس بعقوبات اقتصاديّة وحملات إعلامية أضرّت بالطرفين.

أما معركة منبج فقد وضعت الأتراك، من جديد، في مواجهة مباشرة مع الأجندة الأمريكية في سوريا والتي تقوم على دعم طرف تعتبره أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتنظر إلى مشروعه التوسعي قرب حدودها كخط أحمر لا يمكن، بأيّ حال، تجاوزه، حتى لو كان الداعم هو واشنطن نفسها.

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم رأى في تصريح أمس أن حل الأزمة السورية قد اقترب لافتاً إلى وجود ثلاث خطوات لتحقيق ذلك: حماية الحدود، وعدم السماح بإقامة دولة يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، وعودة اللاجئين المقيمين في دول الجوار إلى بلدهم بعد تحقيق الحلّ النهائي.

قرأ الروس الحاجة الاستراتيجية التركيّة لحماية حدودهم ومنع دولة وظيفية يوجّهها حزب العمال الكردستاني من تركيا وجبال قنديل في العراق وهم يحاولون استغلالها في مناورات معقّدة لا تلتقي بالضرورة مع الأهداف التركيّة.

كان لافتاً أمس إعلان وكالة الإعلام الروسية أن عملاً عسكريّا أمريكيّا روسيّا مشتركاً سيبدأ في حلب سيستهدف «الفصائل المتطرّفة»، وترافق ذلك مع تصريح آخر لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف يقول فيه إنه سيجتمع مع ممثلين للمعارضة السورية بالعاصمة القطرية (وهو ما نفته هيئة المفاوضات العليا)، كما تواترت أنباء عن لقاء سري تم برعاية إقليمية بين بعض فصائل الجيش الحرّ ومندوب عسكري روسي قبل أيّام عرض فيه الروس وقف الدعم لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والسماح بمواجهة هذه الفصائل للحزب المذكور عسكرياً إذا حاول التقدم لمناطقهم، وهو ما قرأته الفصائل السورية باعتباره مناورة تستهدف تشتيت جهد المعارضة السورية وإبعادها عن قتال النظام.

تفاؤل الطرف التركيّ، بهذا المعنى، بـ«تحقيق حل نهائي» للوضع في سوريا قد يكون مبالغاً فيه وعجلة التغيير التي أطلقتها مباحثات المسؤولين الأتراك مع روسيا قد تتعطّل حين تصطدم المناورات الروسيّة والآمال التركيّة بالوقائع الصلدة على الأرض… وبتحرّكات أطراف أخرى وازنة كالولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

القدس العربي

 

 

 

 

اردوغان يصالح الأسد … أم خطأ في الترجمة؟/ موناليزا فريحة

صار واضحاً أن التغييرات في السياسة التركية في ظل الرئيس رجب طيب اردوغان لا تقتصر على “التطبيع” مع اسرائيل والانفتاح على روسيا وإيران، وإنما تشمل أيضاً تغييراً في السياسة التركية حيال سوريا. والكلام الأخير الواضح في هذا الشأن صدر الاثنين عن رئيس الوزراء بن علي يلديريم الذي حدد فيه خريطة طريق من ثلاث نقاط لحل الأزمة المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات والتي امتدت شظاياها لا الى تركيا ودول الجوار الأخرى فحسب، وإنما بلغت العالم كله.

وتركز الاستراتيجية الجديدة ليلديريم على وحدة الأراضي السورية خصوصاً ، مما يعني منع قيام أي كيان كردي مستقل، ورفض أي سيطرة إتنية أو طائفية، وهو ما يعني أيضا انهاء الحكم العلوي لسوريا، وعودة اللاجئين الى بلادهم عند التوصل الى حل.

في النقاط الثلاث “الجديدة” ملامح قديمة للسياسة التركية في سوريا. فالكيان الكردي الذي يرفضه يلديريم كان دائماً هاجساً أساسياً لأنقرة وعاملاً رئيسياً في سياستها الملتوية حيال الحرب على “داعش”. وفي موضوع اللاجئين، لم يتوهم أحد أن أنقرة تعرض على اللاجئين وطناً بديلاً عندما اقترح أردوغان منحهم الجنسية.

النقطة الأكثر التباساً في اقتراحات يلديريم تتعلق بالمرحلة الجديدة وهيكلية الدولة التي لن تحظى فيها، برأيه، أي مجموعة إقليمية أو إتنية بالسيطرة على التشكيلات الأخرى، أي أن الاسد لن يكون هناك “على المدى البعيد”.

عندما نقلت وكالات إعلام روسية عن السفير التركي في موسكو أوميت يارديم الاسبوع الماضي أن أنقرة لا تعارض قيام النظام الحالي بدور ما في عملية انتقال سياسي، خرج صحافيون أتراك لينسبوا الى مصادر في وزارة الخارجية أن هناك خطأ في ترجمة كلام السفير .

وسارع وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الى التصريح في اليوم نفسه بأنه لا يمكن إجراء عملية انتقال سياسي في سوريا في ظل وجود بشار الأسد.

الواضح ان أنقرة قلصت توقعاتها في شأن حكومة سورية محتملة ذات لون واحد يكون لها نفوذ رئيسي فيها. وذهب رئيس تحرير صحيفة “حريت دايلي نيوز” مراد يتكين إلى أنها قد تقبل بحكومة برئاسة حزب البعث، لكنّ السؤال الذي لا يزال معلقاً هو ما اذا كان الأسد نفسه سيرأس الحكومة.

في تشرين الأول من العام الماضي، تناقلت وسائل الاعلام عن مسؤولين اتراك أن أنقرة مستعدة للقبول بانتقال سياسي يحتفظ فيه الأسد بسلطة رمزية ستة أشهر قبل أن يترك السلطة، فهل يعيد يلديريم إحياء هذه الخطة أم أن كلامه عن رحيل الأسد “على المدى البعيد” خطأ آخر في الترجمة؟

النهار

 

 

 

بوتين في أنجرليك “الخليجية”/ زهير قصيباتي

فارق «بسيط» بين قتال الفصائل المسلحة المعتدلة في سورية بأسلحة متواضعة وبلا غطاء جوي، و «نضال» الروس ضد مَن تسمّيهم موسكو «عصابات إرهابية»، من دون أي تمييز بين المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد، ومَنْ كانوا في «جبهة النصرة»، ومَنْ لا يزالون في صفوف «داعش».

فارق «ضئيل» بين قذائف «الهاون» في أيدي الفصائل والقاذفات الروسية الاستراتيجية التي اقتربت من مواقع «الإرهابيين التكفيريين» في سورية، باتفاق مع إيران، بعدما ارتضت فتح كل منشآتها للروس، لحسم المعركة في حلب.

هكذا بات القيصر في الخليج، ومن بحر قزوين إلى المتوسط يدشّن عرض عضلات نادراً منذ الحرب الباردة، فيما الأميركيون منهمكون بمعاركهم في حملة الانتخابات الرئاسية. وإذا صحّ القول أن الرئيس باراك أوباما اختار لتفادي التورُّط بالمستنقع السوري، «تلزيم» الحرب والحل إلى القيصر، فيصدق كذلك استنتاج صفعة قوية وجّهها الكرملين أمس إلى إدارة أوباما وسياسته «الناعمة»، حين كشف نشر قاذفات من طراز «توبوليف 22» في قاعدة جوية إيرانية، باشرت قصف مواقع في سورية.

في المشهد الأولي، تقتدي موسكو بواشنطن التي تستخدم قاعدة انجرليك التركية لقصف «داعش» في سورية. وإن باتت إيران تحت المظلة الجوية الروسية إلى حين، بذريعة خفض زمن طلعات الطيران الروسي الذي يستهدف مسلّحي التنظيم في الأراضي السورية، فما لا يحتاج إلى أدلة هو توافق موسكو وطهران على سحق كل معارضة للنظام السوري ترفع السلاح في وجهه.

الأهم، عشية بدء عمليات «توبوليف 22» من القاعدة الجوية الإيرانية، هو توافق موسكو وطهران على طمأنة أنقرة، وتحييد مصير الأسد عن أولوياتها، في مقابل سحب ورقة التشجيع الروسي لإدارة كردية في شمال سورية، بما يرضي تركيا وإيران معاً، وعدم ممانعة الرئيس رجب طيب أردوغان في درس تدويل الرقابة على الحدود التركية- السورية. الهدف الواضح هو قطع شرايين التسليح والتمويل، ولكن، مرة أخرى يجدر التساؤل عن المتضرِّر الأول والثاني، «داعش» وحده أم كذلك «جبهة فتح الشام» والفصائل التي كسرت حصار النظام السوري للأحياء الشرقية في حلب؟

بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، تبدّل موقع أنقرة في حسابات «التسوية» السورية، انطلاقاً من التقارب الروسي- التركي الذي شجّع أردوغان على قبول سيناريو «حكومة الوحدة الوطنية» في دمشق، والتي لا تقصي الأسد، ضمن مهلة محددة. باتت وحدة سورية أولوية، باتت معادِلة لوحدة تركيا التي حرص الأميركيون على تسريب «مخاوف من حرب أهلية» فيها، و «قلق» على مصير أسلحة نووية مخزّنة في قاعدة إنجرليك.

وقبل الحديث عن المبادئ الثلاثة للحل في سورية، وعن التوافق بين موسكو وطهران وأنقرة، كانت التلميحات التركية الى «مفاجآت»، بعد نفي توجُّه أنقرة الى التطبيع مع نظام الأسد. «توبوليف» في همدان أم «المفاجآت» التي تطلق يد القيصر فلاديمير بوتين في رسم ما يعتبره ملامح لنظام دولي جديد، فيما واشنطن منكفئة الى قوتها «الناعمة».

وبين غرفة عمليات روسية- إيرانية- عراقية، وتنسيق روسي- إيراني- تركي، و «قاعدة» قرب همدان بعد طرطوس وحميميم، يستعجل القيصر حسم المعركة. إنها الخريطة الجديدة لنفوذ الكرملين، عدّل أول خطوطها في شبه جزيرة القرم، قبل استنساخ الأرض المحروقة في الشيشان لملء الفراغ «الأميركي» في الشرق الأوسط.

لا تتعفف طهران عن «تلزيم» موسكو مهمة سحق معارضي الأسد، ما دامت اعتبرت سورية محافظة إيرانية، لكنّ العرّاب الروسي الذي أدخلها «نفق» التفاوض مع الغرب لطيّ الملف النووي، مثلما قايض بقاء الأسد بنزع الترسانة الكيماوية السورية، يثبت بجدارة أنه تلقّف رسالة «تصدير الثورة» الإيرانية، وأرخى مظلة روسية على «الهلال الشيعي»… ليستعيد المبادرة في مواجهة «زحف الحلف الأطلسي» إلى شرق أوروبا.

صواريخ «مجنّحة» روسية في أجواء العراق وإيران، لضرب «الإرهاب» في سورية. لا مواجهة بين كبار الحرب الباردة، وما يتطلع إليه بوتين بات أبعد بكثير من استئصال دولة «داعش» بين دجلة والفرات.

صواريخ وبوارج وقاذفات تفتح أجواء المنطقة العربية ومياهها للقيصر العائد بخيبات أوباما. ولن يكون مفاجئاً أن يدعم الدور الإيراني في اليمن، فيما لا تفوّت الأمم المتحدة فرصة إلا وتشكّك في شرعية تحرُّك التحالف العربي في مواجهة الانقلاب على الشرعية.

بداية النهاية؟ الصراع على النظام العالمي الجديد في بداية فصل آخر.

الحياة

 

 

 

 

من حميميم إلى أنجرليك/ غسان شربل

الوقت أنجع الأطباء. أقساهم. وأكثرهم غدراً. لهذا لا بد من التمهُّل في الاستنتاج. يصعب التكهُّن بالصورة التي ستكون عليها المنطقة بعد أعوام. فما يُعتبر اليوم إنجازاً قد يُعتبر خسارة بعد أعوام. وما فُسِّر جرأة في وقت سابق قد يُعتبر تهوراً في وقت لاحق. وحده الوقت يستطيع التمييز بين الجرأة والمغامرة والمقامرة.

تجتاز المنطقة الآن حقبة من الضباب والدم. خرائط متصدّعة. انتكاسة مدوّية للتعايش بين المذاهب والأعراق. أزمة هويات حادة وميل جارف إلى الطلاق. استقطابات حادة عابرة للحدود الدولية. وجيوش منهكة تتكئ على الميليشيات. وتدخُّلات إقليمية ودولية. منطقة مريضة تَعِد بمزيد من القتلى واللاجئين والفقراء والمتشدّدين. منطقة مريضة تكاد أن توحي بحاجتها إلى إدارة دولية مباشرة.

على دويّ الحرب السورية والمناخات المحمومة في الإقليم، جاء كلام موسكو عن الاستعداد لتوسيع قاعدة حميميم التي تطفئ الشهر المقبل شمعتها الأولى. توسيع لضمان وجودٍ مريح دائم أو مديد على الأقل. واللافت هو أن القاعدة الروسية تبعد عشرات الكيلومترات عن قاعدة أميركية شهيرة هي قاعدة أنجرليك الجوية الأميركية في جنوب تركيا.

أنفقت إيران الكثير من البلايين ومن دم حلفائها لتضمن لنفسها وجوداً دائماً على المتوسط وعلى الحدود مع إسرائيل. نجحت روسيا في انتزاع موقع على المياه الدافئة بثمن أقل حتى الآن. ولكن لماذا تريد روسيا وجوداً دائماً في حميميم؟ هل تبعث برسالة جديدة مفادها أنها لن تسمح بإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، ولو تعرض لانتكاسات من قماشة ما حصل أخيراً في حلب؟ هل تريد القول أن مستقبل سورية سيُرسم انطلاقاً من حميميم وليس من أي نقطة أخرى، قريبة أو بعيدة؟ هل ستكون القاعدة الروسية حارسة الحل في سورية حين ينضج؟ هل ستتولى حراسة سورية الفيديرالية؟ أم ستتولى في غياب الحل ضخ منشطات دائمة في عروق «سورية المفيدة»؟ وهل لحميميم وظيفة تتعدى سورية إلى الإقليم، وتشمل سلامة أنابيب الغاز التي كانت حاضرة بين بوتين وأردوغان؟

تطرح الإقامة الروسية الدائمة في حميميم أسئلة كثيرة. هل يعني الوجود العسكري الروسي أن الحروب السورية – الإسرائيلية صارت من التاريخ؟ وهل تفضّل إسرائيل سورية – الروسية على سورية – الإيرانية؟ وهل يفضّل العرب رؤية هلال روسي – إيراني على رؤية هلال إيراني خالص؟ وهل يعتقد الغرب بأن تورُّط روسيا في سورية يُلزمها بالبحث عن حل لا يمكن أن يكون قابلاً للعيش إلا إذا أعطى إيران ومعها «حزب الله» أقل بكثير مما كان لهما في سورية؟

قصة أنجرليك مختلفة. ولدت في 1951. أي في عالم آخر. في زمن الحرب الباردة. ولكن لم يحدث أن تولت أنجرليك إدارة تركيا أو اعتُبِر جنرالها الأميركي جنرال الجنرالات الأتراك. في سورية تبدو القصة مختلفة. القاعدة الطرية العود أقوى من الدولة التي تستضيفها. والسبب بسيط فقد أنقذتها من الانهيار.

تعيش المنطقة مخاضاً دموياً هائلاً، لا يمكن تعليقه برمّته على مشجب «داعش». لهذا لا بد من إعطاء الوقت مزيداً من الوقت قبل الاستنتاج. من التسرُّع الاعتقاد بأننا نشهد ولادة مثلث روسي – إيراني – تركي ستكون له الكلمة الحاسمة في شؤون جزء من المنطقة. ما تريده إيران في سورية أكبر من قدرة أردوغان على الاحتمال. لا يستطيع أيضاً احتمال حسمٍ روسي للحرب في سورية يؤدي إلى تدمير مناطقها السنّية. لا يستطيع ولو حصل من موسكو وطهران على وعدٍ بكبح اللاعب الكردي الذي يعتبره خطراً دائماً فيما يعتبر «داعش» خطراً قابلاً للزوال.

لم يرَ باراك أوباما في سورية مكاسب استراتيجية تستحق إهدار دم جنود أميركيين واستنزاف البلايين. لعله اعتقد بأن ما اعتبره بوتين انتصاراً لن يتأخر في التحول عبئاً. ربما اعتقد بأن مرابطة روسيا في حميميم ستحتّم عليها البحث عن حلٍّ لوضع يستحيل حسمه بالوسائل العسكرية. المرابطة في حميميم من دون حلٍّ في سورية، ستعمّق حديث المعارضة السورية عن «الاحتلال الروسي». ويعرف بوتين أن سورية موصولة بشرايين المنطقة. وأن تورُّط جيشه في أفغانستان عربية سيستنزف اقتصاد بلاده وصورته معاً. وأنه في هذه الحال سيحتاج جنرال حميميم إلى جنرال أنجرليك لمساعدته في الخروج من محنته.

إنه مخاض مؤلم وطويل في منطقة فقدت حصانتها. إن تكاثر القواعد المعلنة والمضمرة وتكاثر الحروب والميليشيات، يؤكد أن المنطقة مصابة بنقص في المناعة القومية والوطنية وهبوط قاتل في منسوب التسامح والتعايش.

 

 

 

 

ثلاثية روسيا وطهران وتركيا حول سوريا هل تراكم على التفاهم الأميركي – الروسي؟/ روزانا بومنصف

تستقطب الدينامية التي دخلت على خط التلاقي التركي مع كل من روسيا وطهران على أثر زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لروسيا يوم الثلثاء في التاسع من شهر آب الجاري، وزيارة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف لتركيا على الاثر، قبل ان يبدأ تنشيط لقاءات متسارعة على خط هذه الدول الثلاث تحت عنوان اساسي ومحوري لكل منها هو الحرب السورية، اهتمام المراقبين والمتابعين من جانبين: أحدهما ما يوحي بإمكان ان يركب بين هذه الدول من مصالح مشتركة حول سوريا قد تساهم في اضافة تفاهم اقليمي الى التفاهم المبدئي القائم بين روسيا والولايات المتحدة على قاعدة ان هذا الاخير لم يكن ولن يكون كافيا، أيا تكن أهميته، تماما على غرار اتفاق الطائف اللبناني الذي انطلق من تفاهم دولي ثم اقليمي قبل ان يرسو على قواعد او ترجمة داخلية، ولو ان ذلك لا يعني ان الحلول محتملة في المدى المنظور انطلاقا من واقع ان مسار الامور لا يزال طويلا. لكن التحركات الديبلوماسية بدت لافتة جدا، الى حد انقلابي مفاجئ قياسا على تداعيات كانت منتظرة لمعركة حصار حلب وانتصار المحور الداعم للنظام، فحصلت عمليات مضادة أدت الى فك الحصار وتم الانتقال على نحو سريع واستيعابي للحل السياسي على وقع مظهرين: أحدهما الدينامية التي اطلقتها تركيا في اتجاه روسيا وطهران، والثاني، وهو مظهر اقل اهمية بالمعطى الاقليمي لكن له دلالاته في خطاب الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي اعتمد لغة مختلفة كليا عن خطابه في 29 تموز، وهي لغة لا يعتقد كثر انها كانت سترد في هذا التوقيت لولا الفشل في السيطرة على حلب، على رغم اعتبار هؤلاء ان الشق “التصالحي” نسبيا في اتجاه الداخل كان “تنفيسيا” تحت سقف الازمة المستمرة. والاشارة الى هذا العامل الاخير ليست إلا للدلالة على ارتباط للداخل اللبناني بأدنى تطورات المنطقة، وعلى استمرار التعقيدات المحيطة بأزمة الاستحقاقات الدستورية نتيجة عدم الوضوح الإقليمي. يشير المراقبون في هذا الاطار الى وتيرة التسارع التي فرضتها التطورات التركية، والتي قد يكون الانقلاب شكل محركا أساسيا لها، من دون ان يكون محركها الوحيد. إذ إن القلق التركي من كردستان غربية في سوريا يتنامى، خصوصا مع مكتب تمثيلي للاكراد السوريين في روسيا، كما ان انقلاب السحر على الساحر في موضوع اتاحة تركيا العبور للجهاديين عبر حدودها الى سوريا وارتدادها عليها شكلا عاملين مهمين ساهما في تغيير السياسة التركية في الاشهر الاخيرة. ذهب رئيس الوزراء التركي بن علي يلديرم الى درجة التبشير في الايام الاخيرة بحل قريب في سوريا مبني على خريطة طريق من ثلاثة محاور، كما قال، لكن ما عدده كان محاور عامة ومبدئية لا تجيب عن النقاط التي يتردد أنها لا تزال موضع خلاف بين طهران وموسكو حول موقع الرئيس السوري بشار الاسد في الحل، وبأي صلاحيات يمكن ان يبقى في المدة التي سيبقى فيها. وما يجري على خط الدول الثلاث ليس بقليل، ويتعدى في رأي المراقبين الكثير من الحساسيات التي نشأت، ليس فقط قياسا على تقديم اردوغان اعتذاره للروس عن اسقاط طائرة السوخوي قبل أشهر، بل أيضا قياسا على انسحاب الرئيس الايراني حسن روحاني في 15 نيسان الماضي في اثناء تلاوة البيان الختامي الصادر عن القمة التي عقدت في اسطنبول على خلفية ما تضمنته من إدانة للتدخلات الايرانية والاعتداء على السفارة السعودية في طهران، ليعود الروس والإيرانيون، من اوائل، بل الوحيدين اللذين كانا على تواصل مستمر مع اردوغان وحكومته بعد الانقلاب. ولكن هل كانت تداعيات فشل الحصار على حلب ما ساهم في اعطاء دفع لهذه الدينامية والمرونة لدى مختلف افرقاء المحور الذي بدا انه يتشكل؟

الجانب الآخر يكمل المعطيات السابقة من خلال اعتقاد بوجود برودة واضحة بين تركيا والدول العربية، والخليجية منها تحديدا. فمشهد التواصل التركي – الايراني – الروسي الكثيف يجب أن يكون مقلقا ومزعجا في الوقت نفسه، قياسا على محاولة تركيب محور يثبت مصالحه حول سوريا، على رغم انه محور لن يكون قابلا لان يعيش من دون الدول العربية، لكنه سيضغط عليها في الوقت الذي لم تحصل زيارات مسؤولين عرب لتركيا، كما فعل وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف الذي كان بقي على تواصل مع اردوغان ليلة محاولة الانقلاب. وقد حصلت تسريبات تطاول تورط المملكة السعودية في محاولة الانقلاب، لم يلبث المسؤولون الاتراك ان نفوها، لكنها لم تكن من دون دلالات لجهة تعبيرها عن حال توتر شأن ما حصل بين تركيا والولايات المتحدة واوروبا ايضا. وعدم الارتياح ازاء الاندفاع التركي مرده الى أنه يساهم في تغيير المعادلات القائمة في المنطقة وخصوصا حول سوريا وجملة ملفات اخرى، ويحفزه في الوقت نفسه استكمال ايران اشعال النار تحت حرب اليمن بعد فشل المفاوضات بين الحكومة اليمنية والحوثيين في الكويت من خلال دعمها المجلس السياسي الذي انشأه هؤلاء، وانعقاد البرلمان اليمني ولو من دون اكتمال النصاب. وهو الامر الذي يؤشر لاستمرار تردي العلاقات السعودية – الايرانية على نحو يلمح الى صعوبة اكتمال حلقات تفاهم اقليمية محورية حول سوريا في ظل هذه المعطيات، مع اشارة الى اتصال لروسيا بفئات معارضة سورية في الدوحة هي غير المعارضة التي اتفقت تحت الرعاية السعودية.

النهار

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...