صفحات مميزة

تطورات الموقف الروسي وآثاره –مجموعة مقالات-

 

علاقة الحب الروسية – الإيرانية ثلاثية/ مروان قبلان

إحصائياً، يعد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أكثر رئيس دولة أجنبي التقاه الرئيس الإيراني، حسن روحاني، منذ استلامه السلطة في أغسطس/ آب 2013، فالقمة التي جمعتهما، أمس الثلاثاء في موسكو، هي التاسعة بينهما في أقل من أربع سنوات. في الدليل الدبلوماسي، يشير هذا إلى مدى التطور الذي طرأ على علاقة البلدين في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد تحالفهما في سورية، لمنع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. ويعد تسليم موسكو منظومة صواريخ إس 300 إلى إيران، العام الماضي، دليلاً آخر على استعداد روسيا الذهاب بعيداً في علاقتها بإيران، بعد أن ظلت تراوغ في تسليم المنظومة، منذ التوقيع على عقد بيعها وتسديد إيران كامل ثمنها عام 2007. ولكن، إذا نظرنا إلى أبعد من دلالات الرقم 9 الدبلوماسية، نجد أن هناك شيئاً خاصاً جداً يميز العلاقة الإيرانية الروسية عن أي علاقة بين دولتين، حيث يسعى كل طرف إلى توظيف مختلف جوانب هذه العلاقة، بما فيها الصورة الإعلامية، لخدمة مروحة واسعة من المصالح الأخرى، في إطار براغماتي، لا يخجل الطرفان من الجهر به.

هناك من دون شك مصالح جيوسياسية واقتصادية كبرى بين إيران وروسيا، تؤكدها صفقات تسلح مليارية، وعقود بناء مفاعلات نووية، ومصلحة مشتركة في منع تركيا ودول الخليج العربية من تحقيق انتصار في سورية، وغير ذلك. لكن العلاقة مع أميركا تبقى العامل الأكثر أهميةً في تقارب البلدين، أو تباعدهما.

فبعد تاريخ طويل من الشك وانعدام الثقة، يشهد عليه تأييد موسكو جميع القرارات الأممية بحق إيران بسبب برنامجها النووي، بما فيها قرار مجلس الأمن 1929 لعام 2010، والذي فرض عقوبات قاسية على إيران، قرّر الرئيس بوتين التخلي عن كل تحفظاته، والاندفاع إلى تقارب مع طهران، بعدما فقد الأمل بوعود الرئيس أوباما فتح صفحةٍ جديدة، يتم التعامل فيها مع روسيا بنديّة واحترام. وقد زاد موقف واشنطن من الأزمة الأوكرانية، وفرضها عقوبات اقتصادية على موسكو الروس اقتراباً من طهران، كما ساهم في ذلك تحول موقف الأخيرة من الربيع العربي من مرحبٍّ في البحرين، وتونس، ومصر، وإلى حد ما في ليبيا، على الرغم من تحفظها على التدخل الأطلسي، إلى موقفٍ متحفظٍ ثم عدائي تجاهه عندما وصل إلى سورية. هنا بلغ التقارب بين البلدين ذروته، خصوصاً بعد أن لبت روسيا الدعوة الإيرانية، للتدخل عسكرياً في سورية، لإنقاذها من هزيمة محقّقة خريف العام 2015.

لكن، حتى خلال هذه المرحلة التي لعبت فيها روسيا دوراً رئيساً في إنقاذ الاستثمار الإيراني في سورية، وذلك عندما مدّت يدها لإنقاذ نظام الأسد بعد استخدامه الكيماوي صيف العام 2013، صُدمت روسيا بالكشف عن الاتصالات السرية الأميركية – الإيرانية في سلطنة عُمان، والتي أسفرت عن التوصل إلى الاتفاق النووي المؤقت في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، أي بعد أقل من أربعة أشهر على استلام روحاني السلطة. كانت موسكو تخشى من نشوء اتصالات مباشرة بين طهران وواشنطن، تحرمها من الاستمرار في توظيف العلاقة مع إيران ورقة تفاوض (Wild Card) مع الغرب، تماماً كما تفعل الصين مع كوريا الشمالية، وهو ما جرى عملياً مع تطور العلاقة الشخصية بين وزيري الخارجية في حينه، جواد ظريف وجون كيري.

مع نهاية عهد أوباما، غدا الإيرانيون في موقع يستطيعون فيه المفاضلة بين القوتين العظميين، حيث أخذت كل منهما بدورها تحاول جذب إيران إلى ناحيتها. تغير هذا الوضع كلياً في عهد ترامب الذي رحبت روسيا، وربما ساهمت، بوصوله إلى السلطة، في حين توجست إيران منه شراً. لكن ترامب الذي كاد يشرخ العلاقة الروسية-الإيرانية بطريقةٍ عكسيةٍ لما حاولت فعله إدارة أوباما – أي التقارب مع روسيا وإقصاء إيران، قد ينتهي بتعزيز هذه العلاقة، إذا فشل في التغلب على ممانعة المؤسسة الحاكمة في واشنطن للتقارب مع موسكو. هذا يفسر ابتسامة روحاني العريضة في موسكو، وهو يقرأ الخيبة في وجه بوتين من فشل رهانه على ترامب في تحقيق تقارب روسي-أميركي. لهذا، من المهم دائماً النظر إلى علاقة الحب الروسية – الإيرانية، باعتبارها علاقة ثلاثية، لا ثنائية.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

روسيا في مصر ولن تذهب إلى ليبيا/ غازي دحمان

هل تذهب روسيا هذه المرة صوب ليبيا، كما يتردد في بعض المحافل، أم أن الأمر مجرد تسريبات مقصودة، تخدم روسيا التي تسعى إلى إرباك دوائر صنع القرار في الغرب، وتشتيت اهتمامها بقدر ما تخدم نظام عبد الفتاح السيسي الذي يلهث وراء أي خبر يغطي على فشله الداخلي، ويضمن إلهاء المصريين يوماً آخر؟

تشكّل ليبيا مكانة متقدّمة في استراتيجية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتأتي المكانة من تقديراته الخطر الذي تمثله ليبيا في حال السيطرة عليها من جماعاتٍ تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين أو متعاطفة معها. ومن جهة ثانية، يشكّل النفط الليبي عاملا محرّكاً بالنسبة للسيسي الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، يدرك استحالة وجود حلول لها في الزمن المنظور، في ظل ظروف وعوامل داخلية وخارجية، يصعب تجاوزها في الوقت الراهن.

وبالنسبة لروسيا، تنطوي ليبيا على مزايا إستراتيجية، تتطابق مع أحلام صناع السياسة في تبديل المشهد الإستراتيجي العالمي، والتحكم بمفاتيحه وإطلالاته، ولا شك أن ذلك مشهد تأملي رائع من الصعب أن يقاوم إغراءه أي صانع قرار في العالم، لكنه يصلح للتامل ورفاهية الأحلام، أما تطبيقاته فتحتاج أكثر من حاملة طائرات، يعتمد قائدها على دعاء بطريرك موسكو أكثر من ثقته بتقنيات محرّكاتها التي تصدر دخاناً كثيفا يضعها في دائرة خطر شكاوى منظمات الدفاع عن البيئة.

لكن، أليست هذه روسيا نفسها التي قلبت كل التوقعات، ولم يمنعها ضعف إمكاناتها من تغيير

“لن تكون مصر، بهشاشة وضعها، المعادل الموضوعي لإيران في سورية” المعادلات الإستراتيجية في العالم، وتحقيق مكانة مميزة لها، وتحوّلها إلى طرف مقرّر وفاعل في النظام الدولي، من خلال تحكّمها بمفاتيح المشهد السوري، وتغيير معطياته بشكل انقلابي، وإعادة تشكيل المشهدين، الإقليمي والدولي؟ ثمّة اختلافات كبيرة في الظروف والوقائع والزمان الذي حقّقت فيه روسيا إنجازها السوري، كما لا تتيح ليبيا الفرص نفسها لروسيا، لاعتبارات كثيرة:

– لا تملك روسيا الإمكانات التي تسمح لها بخوض حربين كبيرتين في الوقت نفسه، فالحرب السورية لم تنته، كما أن الحرب السورية وضعت روسيا ضمن شبكةٍ معقدة من التحديات والمخاطر، صحيح أن تداعياتها وسلبياتها لا تظهر بشكل مباشر، لكنها تكبل روسيا وتجعلها مستنفرة ومستفزة بشكل دائم، بالإضافة إلى أن روسيا تحتاج زمناً طويلاً وجهودا وتكاليف، حتى تستطيع ترتيب الأمور في سورية، وإيجاد توازنات مناسبة لها، واعترافا دوليا بهذا الأمر، وبالتالي، لن تكون لها القدرة على التفكير بمكان آخر.

– ليس لدى روسيا إيران أخرى في ليبيا، ولن تكون مصر، بهشاشة وضعها، المعادل الموضوعي لإيران في سورية، إذ أن أكثر من نصف إنجاز روسيا تحقّق بفعل الجهد الإيراني الجبار، والذي وصل إلى حد استنزاف قدراتها وطاقاتها، عبر صرفها على آلة الحرب التشغيلية بعشرات آلاف جنودها، ناهيك عما قدّمه العراق من خدمات وتمويل لنظام الأسد، وهو ما سهل من مهمة روسيا كثيراً، وهي وضعيةٌ يصعب استنساخها أو تكرارها في ليبيا، أو في أي مكان آخر، ولن يستطيع السيسي، على الرغم من كل حماسه، أن يقدّم شيئا يغري روسيا للانخراط في الأزمة الليبية.

– ليبيا أرض شاسعة، تعادل عشر مرات مساحة سورية، كما أن أرضها مفتوحة على أفريقيا، من شمالها إلى جنوبها، حيث لا توجد مفاتيح لبواباتٍ يمكن إغلاقها بالضغط على دول الجوار، كما أن ثوارها لم يواجهوا قوىً إقليمية، بحجم إيران والعراق وحزب الله، ولم يتم استنزافهم بعد. وعلى الرغم من خلافاتهم، تسهل وحدتهم في مواجهة غزو خارجي، ولا يوجد في ليبيا تضاريس، مثل حميميم، تستطيع روسيا التحصن بداخلها، كما لا توجد بيئات مؤيدة لروسيا، باستثناء خليفة حفتر.

– اختلاف الزمن، حيث تواجه روسيا اليوم وعياً غربياً بأهدافها الحقيقية، ومخاطر تحرّكها

“تعرف روسيا أن حلم استنزافها من خصومها الذي لم يتحقّق في سورية قد يكون تحقّقه في ليبيا أسهل بكثير” على أمن أوروبا، وطاقماً إدارياً في البيت الأبيض، يراقب أنفاس روسيا، بما يشكّل تعقيدات إستراتيجية أمام أي تحرك جديد لروسيا. وتعرف روسيا التي تحسب خطواتها حالياً بالمتر أن حلم استنزافها من خصومها الذي لم يتحقّق في سورية قد يكون تحقّقه في ليبيا أسهل بكثير. ولكن، لماذا هذه التسرييات في هذا الوقت، وما هو هدفها؟

هناك ثلاثة مداخل تفسيرية لهذا الأمر: أنه يدخل في إطار الحرب النفسية، لإظهار عظمة روسيا وقدرتها على الحركة والفعل وإرباك اللاعبين الآخرين، وتشتيتهم ودفعهم إلى التسليم بأدوارها في سورية وأوكرانيا، بديلاً عن تمدّدها في مناطق أخرى. رغبة نظام السيسي في تدعيم أوراقه في مواجهة الأميركيين والخليجيين في مناورةٍ، الهدف منها دفع التنافس على نظامه من اللاعبين الدوليين والإقليميين. التغطية على حقيقة الوجود الروسي في مصر، ومنحهم قواعد عسكرية دائمة، والمعلوم أن خروج الاتحاد السوفيتي من مصر شكّل جرحاً نرجسياً عميقاً، يتمنى بوتين محوه، وسينظر إلى استعادة القواعد الروسية في مصر نوعاً من رد الاعتبار، أو حتى الانتصار على أميركا.

وما يعزّز هذا التفسير حقيقة أن الوجود الروسي في مصر، بتقديرات الروس، أسهل بكثير من ليبيا، مع وجود نظام مستعد للقبول بالفتات، ومع انعدام احتمالية المقاومة، ومعادل إيران في سورية سيكون نظام السيسي المصري في مصر، ومصر مهمَة أكثر أيضاً لأن رمزية الوجود الروسي فيها يعني التهديد بالتحكّم بشرايين التجارة وطريق أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ وآسيا الرأسمالية، أما نفط ليبيا فيكفي استمرار مد خليفة حفتر ببقايا أسلحة الاتحاد السوفيتي، لضمان السيطرة عليه، ومنح جزء منه لنظام السيسي.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

الروس راجعون/ جميل مطر

روسيا تعود. تعود باستقرار داخلي أوفر وقوة عسكرية أكبر وإدارة أذكى وكفاءة مبهرة في انتهاز الفرص وفهم براغماتي جيد للسياسة الدولية. تعود مزوّدة بأحدث ما في ترسانة الحرب النفسية من أسلحة إلكترونية. تعود بدهاء الدببة الروسية وغلاظتها ووحشيتها. تعود باقتصاد لا يزال يرفض التعافي وبنظام حكم متمسك بجذوره القيصرية ومتصلب في عدائه للقيم الديموقراطية الغربية. تعود روسيا، أو عادت، بفضل أو ضغط هذه العناصر كافة، وأيضاً بفضل انحسار الغرب وربما رضاه. نشطت السياسة الخارجية الروسية نشاطاً فائقاً في السنوات الأخيرة. حققت في اندفاعة مركزة خلال فترة قصيرة إنجازات لم تخطر في بال المعسكر الغربي أو لنا في الشرق الأوسط والعالم العربي بخاصة. صار مشهداً مألوفاً، مشهد الزعماء الأجانب يلتقون القيصر الجديد في صالة أو أخرى في الكرملين. هذا الصرح العتيد الذي طالب الغرب المنتصر في الحرب الباردة بتحويله إلى متحف ونقل السلطة إلى مقر بعيد عنه. كان رمزاً لتوسع امبراطوري وأيديولوجي يخشاه الغرب فأرادوا إخفاء الرمز أو إطفاءه مثلما فعلوا مع الرمز الأمبراطوري الياباني في نهاية الحرب العالمية الثانية.

نجحت موسكو مثلاً في استبعاد مسألة استعادتها أو احتلالها جزيرة القرم من جداول عمل القمم العشرينية والدولية الأخرى. أوقفت زحف الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي في شرق القارة الأوروبية. أوقفتهما بحربين ضد جورجيا وأوكرانيا كانتا بمثابة إعلان وإنذار. إعلان عن خطوط حمر وحدود افتراضية لروسيا الجديدة وإنذار بعقاب كل حكومة في دول الجوار تطلب مساعدة خارجية. دليل آخر على نجاحها الإقبالُ المتزايد على زيارة موسكو من جانب أعداء كانوا إلى وقت غير بعيد ألداء. راقبنا بانبهار ومحاولة للفهم إقبال باكستان وتركيا وكلتاهما كانتا من الأعضاء الدائمين في الأحلاف العسكرية الغربية ومعروف أن مهمتها محاصرة روسيا. كذلك زار موسكو نتانياهو بلهفة وجزع وادعاء غرور ليطلب من روسيا السماح له بمطاردة جنود حزب الله في سورية. يطلب أيضاً، وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السماح لهما بإقامة منطقتين عازلتين على الأراضي السورية المتاخمة للدولتين. الأعداء القدامى في الشرق الأوسط يستجدون الحماية والضمانات الروسية ويطلبون العفو عما اقترفوه ضد روسيا أيام الحرب الباردة وبعدها.

لن ينسي الروس بشاعة الهجمة الغربية عليهم خلال عهد بوريس يلتسين. أراد الغرب تفكيك الإمبراطورية، ولكن الأهم كان تفكيك العقل الروسي. اشتركت قبل إثني عشر عاماً في مؤتمر عقد في ويستون هاوس في مقاطعة ساسيكس في جنوب إنكلترا لمناقشة السياسة التي يجب على روسيا اتباعها كرئيس لقمة السبع الكبار. جاء في ما كتبته تعقيباً على مداولات المؤتمر: «ربما لو لجأ الغرب إلى فهم أفضل للذهنية الروسية لكان وضع ضغوطه على روسيا في سياق مختلف لا يحرج حساسيات الروس أو يضاعف من شكوكهم تجاه سياسات الغرب». كتبت أيضاً: «يعتقدون في روسيا أن الغرب عازم على تمزيق أواصر روسيا بعد أن مزَّق أواصر الإمبراطورية السوفياتية». عندما استعيد قراءة ما كتبناه نحن وغيرنا عن ضغوط مارسَها الغرب على روسيا أزدادُ اقتناعاً بأن الدول قد تدافع عن الحقوق والحريات وفي الوقت نفسه تستخدم أساليب وحشية لتأكيد هيمنتها. كانت مطالب دول الغرب من روسيا كثيرة، اختار منها سبعة هي: أولاً، فتح الحدود الروسية أمام الهجرة في اتجاهين كشرط من شروط التزام روسيا قواعد العولمة، ثانياً، تحرير المجتمع المدني الروسي من القيود المفروضة عليه وبخاصة حرية الحصول على تمويل أجنبي. ثالثاً، الإصلاح الديني، بمعنى تطوير دور الكنيسة الأرثوذكسية وإجبارها على فصل الدين عن «الوطنية». رابعاً، إخلاء مبنى الكرملين من دوائر السلطة السياسية ومؤسساتها وتحويله إلى متحف يحكي قصص القياصرة والأباطرة الروس عير العصور. خامساً، تفريغ الخطاب السياسي الروسي من أي إشارات أو نص واضح لمفاهيم الكرامة والعزة الوطنية وعظمة روسيا. سادساً، تعديل القوانين والممارسات الأمنية التي تجرّم الاتصال بالدول الغربية. سابعاً، تفادي استخدام تعبير «الجوار القريب»، بحجة أن الجوار القريب لروسيا هو في الوقت نفسه جوار قريب لأوروبا الموحدة وأفغانستان والصين.

جاء فلاديمير بوتين ليخلص روسيا من براثن الشعور بالهزيمة والدونية في التعامل مع الغرب بعد سنوات من محاولات الغرب غرس أفكاره وممارساته ومحاولاته تغيير الذهنية الروسية. احتفظ بوتين بشكل الديموقراطية ومؤسساتها من دون الجوهر. اصطنع ديموقراطية خاصة بروسيا، جوهرها نظام شعبوي يعتمد أساساً على علاقة مباشرة بين الزعيم والجماهير. لم يقصر بوتين في الترويج لنظامه كنموذج صالح للتطبيق في الدول التي تعرضت لتدخلات غربية في شؤونها الداخلية أو تلك التي يتولى الحكم فيها عسكريون لا يثقون بالديموقراطية الغربية كأسلوب يحقق أهداف التنمية ومكافحة الإرهاب. بعد وقت طويل نسبياً تمكن فلاديمير بوتين من أن ينصب نفسه قيصراً على روسيا ويهيمن على مساحات وثروات هائلة ويؤمن حدوده ويضبط ولاءات دول الجوار. كانت له مطالب من دول الغرب وفرض الاستجابة لها. طالب أولاً بضرورة تخلي الغرب عن النظرة الفوقية في التعامل مع روسيا وشجَّع مصر ودولاً متمردة على الغرب على أن تطالب دول أوروبا وأميركا بمعاملة ندية. طالبها ثانياً بالاعتراف بالمصالح الإقليمية لروسيا في دول الجوار القريب. طالبها ثالثاً برفع أيديها عن المجتمع المدني الروسي وكل أشكال التدخل في شؤون روسيا. طالبها رابعاً بالاعتراف بحق روسيا في تسوية المشكلات الدولية العصية على الحل. طالبها خامساً بالتصديق على نفوذ بلاده المتوسع في الشرق الأوسط ودورها المتصاعد في وسط آسيا وجنوبها.

الآن، روسيا البوتينية تقود تياراً يضم «القوى الشعبوية» اليسارية وفي الغالب اليمينية في أنحاء العالم. المثير والغريب أن أميركا، زعيمة الغرب وقلبه تكاد تبدو في ظل حكم شعبوي يقوده دونالد ترامب كما لو أنها «تابع» للزعامة الروسية التي تقود «الشعبوية الدولية» الجديدة. موسكو الجديدة تفخر بأنها تتدخل عسكرياً في سورية وأوكرانيا بكلفة كلية لم تتجاوز البليون دولار خلال عام كامل بينما تدخلت أميركا في أفغانستان والعراق بكلفة تقدر بـ23 بليون دولار و51 بليون دولار، على التوالي. بمعنى آخر أفلحت روسيا في ما فشلت فيه الولايات المتحدة. تفخر بأنها بنفوذها في تركيا ومصر وتسربها إلى ليبيا تستطيع التأثير في حجم ونوع الهجرات إلى جنوب أوروبا، وتفخر بأنها النظام الوحيد في التاريخ الروسي الذي استطاع أن ينفذ إلى المياه الدافئة ومنطقة الخليج العربي بكلفة مادية وبشرية بسيطة للغاية بفضل علاقات متطورة مع كل من تركيا وإيران.

لا يعني هذا الاستطراد الموجز في عرض تطور وضع روسيا ومكانتها أنها مطلقة التصرف في عالم تسوده الفوضى ومرتد على الديموقراطية والعولمة ومستسلم لقوى وحكام يحكمون باسم الشعوب. روسيا لم تتخلص بعد من تراث التخلف والفساد وهيمنة البيروقراطية ومؤسسات الاستخبارات التي أنجبت فلاديمير بوتين ونصَّبته حاكماً أوحد. لا يعني كذلك أن الأزمة السورية في طريقها إلى تسوية نهائية على أيدي جنرالات روسيا وديبلوماسييها. هذا الاستطراد لا يعني بأي حال أن تركيا يمكن أن تستبدل ببساطة الغرب بروسيا أو أن إيران ومصر وباكستان سوف تستغني نهائياً عن أميركا بخاصة والغرب عموماً. بمعنى آخر يظل الطريق طويلاً أمام بوتين ليحقق لروسيا أحلامها التاريخية، ومع ذلك يحق له أن يفخر بأن في عهده تجاسرت الديبلوماسية الروسية فأعلنت أمام حشد نظمته الدول الغربية أن العالم يعيش الآن في «عصر ما بعد الغرب». أظن أنه لا يوجد في اللحظة الدولية الراهنة مَن يستطيع أن يضع هذه العبارة في قالب إيجابي، بمعنى أن شخصاً يبتكر صياغة مختلفة تشير إلى هوية العصر الجديد، عصر سوف تقوده دول من خارج الغرب الذي هيمن على العالم قروناً كثيرة.

* كاتب مصري

الحياة

 

 

 

عواقب التنازل عن شمال شرق سوريا لإيران و«الأسد» وروسيا

ترجمة وتحرير أسامة محمد – الخليج الجديد

خلال الأسبوع الماضي، قام الجيش الأمريكي بنقل كميات كبيرة من المعدات العسكرية إلى شمال سوريا عبر العراق وتركيا. وعلى كل حال فإن الأحداث في شمال شرق دمشق ليست واضحة أو كافية للتنبؤ بأي نتائج نهائية. ولكنهم جميعا يذكرون بأن الحل العسكري يعني استمرار الحرب لعقد آخر. والأوضاع حول منبج مشتعلة بين وحدات حماية الشعب وقوات درع الفرات المدعومة من تركيا، مع مضاعفة تركيا لدعمها للجماعات المسلحة التي تدعمها.

وعلاوة على ذلك، فإن جبهة شمال حلب قد تفتح أبوابها أيضا في الأيام القليلة القادمة. لكن كل الدلائل تشير حتى الآن إلى خطوتين هامتين تم اتخاذهما فيما يتعلق بشمال شرق سوريا: الأولى هي قرار الجيش الأمريكي الاعتماد بشكل رئيسي على قوات سوريا الديمقراطية التي تشكلها في المقام الأول قوات حزب العمال الكردستاني المنتسبة لوحدات حماية الشعب، من أجل السيطرة على الرقة. والثانية أنه قبل نهاية هذا الصيف، لابد أن تكون صفحات الموصل والرقة قد أغلقت. وتتحدث وحدات حماية الشعب أن منتصف أبريل/نيسان هو وقت الهجوم على عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية.

وسوف نركز في هذا المقال على الوضع في شمال شرق سوريا. ونظرا للأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة في خطط إيران في الشرق الأوسط، نرى أن «الأسد» وإيران يحاولان استخدام اللحظة لتشكيل الوضع على الأرض وفقا لجداول أعمالهما بموافقة كاملة من الولايات المتحدة وروسيا وحزب العمال الكردستاني. وتلتزم طهران بعدم القيام بأي دور واضح في معركة الرقة على النحو المتفق عليه في المحادثات الإيرانية الروسية.

ومع ذلك، كما سنبين في التصريحات العسكرية الروسية، فإن إيران ستفسح المجال لقوات سوريا الديمقراطية، التى تنسق علنا مع «الأسد»، والأميركيين. في نهاية المطاف، ليس هناك شك في أن القرار الأمريكي سيسمح لإيران و«الأسد» وروسيا بالسيطرة على كامل شمال شرق سوريا في مقابل منع تجدد قيام تنظيم الدولة وتخفيف العبء عن الولايات المتحدة عن أي دور طويل الأمد في تلك المنطقة. ومن المفارقة أن السماح لإيران و«الأسد» بالسيطرة على تلك المنطقة هي وصفة لوجود تنظيم داعش جديد، كما رأينا في العراق عندما هزم «الزرقاوي» وتم منح وسط العراق للمالكي والنفوذ الإيراني.

يبدو أن روسيا والولايات المتحدة قررتا أخيرا شطب جميع اللاعبين الآخرين فى الشمال الشرقى باستثناء «الأسد» وإيران وحزب الله.و قد أكد الجنرال «سيرجى رودسكوى» رئيس الإدارة التنفيذية الرئيسية للأركان العامة الروسية اتفاقا بين روسيا والحكومة السورية والأكراد فى منبج الذين يعملون ضد تركيا والمعارضين المدعومين من تركيا.

وقال الجنرال «سيرجى رودسكوى»: «منذ 3 مارس دخلت القوات المسلحة السورية الأراضي التي تحتلها الميليشيات الكردية، في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية، وفقا للاتفاقات التي تم التوصل إليها بمشاركة قيادة القوات الروسية فى سوريا».

وبعبارة أخرى، فإن الروس يقولون علنا إنهم ينسقون مع «الأسد» ووحدات حماية الشعب، وأن كلا منهما ينسق مع الولايات المتحدة وروسيا. وعلاوة على ذلك، قال مجلس منبج العسكري المرتبط بقوات سوريا الديمقراطية في 16 مارس / آذار إنه توصل إلى اتفاق مع روسيا لحماية القرى الواقعة غرب منبج من الجيش التركي والمعارضين المدعومين من تركيا، وأنه تم تسليم القرى في منبج الغربية إلى الحكومة السورية.

«من أجل تحقيق هذه الأهداف من جانبنا، نحن مجلس منبج العسكري نؤكد أننا سلنا الدفاع عن الخط، حيث تقع القرى بين مواقع قواتنا في غرب منبج والعصابات المرتبطة بالدولة التركية، لقوات الدولة السورية كجزء من التحالف الذي أجريناه مع المسؤولين الروس».

وأضاف البيان إن: «قوات سوريا الديمقراطية تنازلت عن هذه الأراضى غرب منبج لأن من الواضح إن هناك حدودا لتدخل الولايات المتحدة لصالح مصالح هذه القوات في غرب الفرات». ولذلك، فهي في الواقع مزيج من خمس قوى: وحدات حماية الشعب (YBG) والولايات المتحدة وروسيا و«الأسد» وإيران (وميليشياتها التي تشكل جزءا لا يتجزأ من قوات الأسد)، والتي يتم تحضيرها الآن للسيطرة على هذه المنطقة من سوريا.

هل خسرت تركيا؟

وعلاوة على ذلك، تقوم روسيا ببناء قاعدة عسكرية جديدة في عفرين، عبر الحدود التركية، لتدريب وحدات حماية الشعب. ويبدو أن تركيا خسرت على جميع الجبهات. ومع عدم وجود خيارات أمام« أردوغان». فهل سوف يستسلم تماما لموسكو؟ هل يعتقد أي شخص حقا أن الأتراك سوف يسقطون في اللعبة؟ أم هل هناك ترتيب روسي أمريكي ؟ وكيف يمكن لأي شخص أن يثق بأن موسكو لن تنتهي ببعض الاختراقات والمكاسب الاستراتيجية (مثل قاعدة جديدة أو السيطرة على مساحة واسعة من الأراضي شرق سوريا وغرب العراق)؟

وفي مقابلة إخبارية في وقت لاحق، قال «نيكولاس هيراس»، زميل في مركز الأمن الأمريكي الجديد (ناس): «التنازل عن إقليم غرب منبج لقوات الأسد، من خلال اتفاق بوساطة روسية، يرسل إشارة إلى تركيا مفادها أن قوات سوريا الديمقراطية تفهم القيمة الاستراتيجية لهذه الأرض بالنسبة إلى درع الفرات، وستبقى تركيا مقيدة بإعطائها الأسد». وبعبارة أخرى، إنها خطوة محسوبة من قبل جميع الأطراف المعنية ضد الأتراك والمعارضة السورية.

وقد انتهت وجهات النظر العديدة داخل فريق «ترامب» بشأن ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة إلى رسم هذه الخطة باتجاه تمكين قوات سوريا الديمقراطية من مهاجمة الرقة. وقد هزمت وجهات النظر الأولية الداعية لاستبعاد «الأسد» وإيران لصالح النفعية في مكافحة تنظيم الدولة. لقد دافعت موسكو عن فكرة أن قوات «الأسد» (بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والمليشيات العراقية والآسيوية) مهمة من الناحية التشغيلية لتأمين تلك المنطقة بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

ولكن في حين أخبرت موسكو مجلس منبج بالسماح لقوات «الأسد» بالتقدم شرق المدينة، فإن الجيش الأمريكي ينشر قوات قتالية في مدينة طبقة لإيجاد حاجز بين تلك القوات ومطار طبقة العسكري الذي قد يتطلع القادة الأمريكيون إليه في المستقبل. لماذا لم يلتزم الروس بتنظيم تحركات هذه القوات في جانبهم؟ ربما قالوا، في كثير من الأحيان، أنهم لا يستطيعون السيطرة الكاملة على «الأسد» وإيران. ولكن يمكن للجميع أن يقول كذلك. والسؤال كيف يمكن الاعتماد على صفقة عندما لا تكون أطرافها ملتزمة بها تماما؟

إن أخطاء القادة العسكريين عندما يتحملون مسؤولية وضع استراتيجية شاملة تكون واضحة. الإسراع في إنجاز المهمة عادة ما يخلق مشاكل أكثر مما يحل. إذا كان كل هذا بسبب الرغبة في الوفاء بالتزام «ترامب» بهزيمة تنظيم الدولة في غضون أسابيع، كان ينبغي أن يكون الرئيس قد أخبر بأن ذلك سيستغرق وقتا أطول قليلا من أجل التحضير للقتال بطريقة متماسكة استراتيجيا. إن القضايا في شمال شرق سوريا تتطلب استراتيجيين موهوبين على دراية بالعوامل المعقدة للغاية وخاصة تلك الكامنة وراء الصراع هناك، وليس السياسي الذي يهتم بالأمور المرئية أو القائد العسكري الذي يركز بشكل متفرد على إنجاز المهمة اليوم حتى لو كان هذا سيخلق فوضى غدا.

انقسام بين الخبراء

وينقسم الخبراء في العالم الأكاديمي حول تأثير التنازل عن شمال شرق سوريا إلى روسيا وإيران و«الأسد». ويقول الخبير «جوشوا لانديس»: «إن المعضلة هي كالتالي: إذا سمح لتركيا بمهاجمة الرقة، فسوف ينتهي بنا المطاف إلى دولة سلفية في وادي الفرات. وهذا سيؤدي إلى وجود دولة لتنظيم القاعدة هناك. وعلاوة على ذلك، إن الحديث عن تحرير السكان المحليين لمنطقتهم، كما يفعل الأتراك، هو مضلل، لأن تركيا سوف تحشد مختلف العرب من مناطق أخرى. وحقيقة أنهم جميعا من العرب السنة الذين قد يكون جزء منهم من القاعدة».

ثم يقول الدكتور «لانديس»: «إذا كانت الولايات المتحدة تساعد أو تسمح لتركيا بمهاجمة الأكراد في تل أبيض، فلن يكون لها حلفاء أكراد لمهاجمة الرقة أو أي جزء آخر من أراضي تنظيم الدولة. إن الأتراك يبدون اهتمامهم بتحرير الأرض في سياق حملة عربية، ولكن العرب الذين ستحشدهم لقواتها هم إلى حد كبير من محافظتي إدلب وحلب. وهي مناطق زراعية مختلفة تماما عن مناطق الصحراء والفرات القبلية. اللهجة والعادات على حد سواء مختلفة. وبطبيعة الحال، فإنهم جميعا من العرب السنة. وعلى الأرجح، سيتعرضون لخطر الهيمنة من العناصر السلفية المناهضة للولايات المتحدة التي ستؤكد نفسها وتعيد دمج أفراد القاعدة وربما المنشقين تنظيم الدولة».

وكان نصيحته هي أن روسيا وإيران تريدان تقسيم أراضي تنظيم الدولة بين الأكراد والحكومة السورية التي يقودها «الأسد». وأضافك «يجب أن تسمح الولايات المتحدة بان يحدث ذلك إذا أرادت استراتيجية خروج. ولكن على الرغم من أن هذه النصيحة لن تجلب الديمقراطية أو حقوق الإنسان، إلا أنها ستسمح للولايات المتحدة بوضع استراتيجية خروج على أي حال».

ثم يواصل بأنه، يجب أن يقتنع الأكراد بضبط طموحاتهم من أجل جعل الأتراك يسمحون بذلك.

هناك العديد من العيوب في هذا السرد. يقول الدكتور «لانديس»: «ليس من المؤكد أن الرقة ستحتضن هؤلاء الحكام الجدد (أولئك القادمون من جانب حلب وإدلب)». هنا، نرى أن العديد من الأمور تجمع هذه القوات، كونها سنية، بالإضافة إلى أنها سورية، وهو ما يكفي لوضع العرب في حلب وأولئك من الشمال الشرقي والرقة ودير الزور معا في وئام. هل الروابط بين الأكراد والإيرانيين والروس و«الأسد» من جهة وبين السكان المحليين في الشمال الشرقي من سوريا من جهة أخرى هل هي أقوى؟ على العكس من ذلك، فإن مقولة القول بضرورة الاعتماد على السكان المحليين لتهدئة المنطقة ليس محصورة على الأتراك، كما يدعي الدكتور «لانديس»، فقد نقل هذا عن عن الجنرال «ديفيد بترايوس» أيضا.

هناك العديد من العيوب الأخرى في حجة «لانديس». هناك، على سبيل المثال، الافتراض بأن الأتراك سيقومون بخيانة أي صفقة مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، في وجهات نظره، يمكن أن يكون الأكراد مقتنعين بالحد من تطلعاتهم، والالتزام بالتخلي عن حلمهم الوطني.

ولكن هناك سجل حافل مع حزب العمال الكردستاني الذي يشهد على حقيقة أننا نتحدث هنا عن مجموعة أيديولوجية لديها سبب وجودي للحفاظ على تلك الطموحات التي يقول «لانديس» أنه يمكن إقناعهم بعكسها. ما يطالب به «لانديس» هو أن يلغي حزب العمال الكردستاني هويته الخاصة ويتخلى عن سبب وجوده كمنظمة سياسية.

كل حجة هذا الخبير تتلخص في نقطتين: أهمية وجود استراتيجية خروج للولايات المتحدة وضرورة إيجاد طرق لمنع ظهور دولة جهادية في شمال شرق سوريا. غير أنه لا ينبغي النظر في الهدف الأول بجدية حيث لم يكن لدى الولايات المتحدة أي استراتيجية دخول جدية. وعلاوة على ذلك، إذا كانت الفكرة هي ترك المنطقة بأكملها لروسيا وإيران و«الأسد»، لماذا تحتاج إلى استراتيجية دخول، أو خروج في المقام الأول؟

ثم نترك الآفاق الجادة التي أثارها الكاتب في افتراضه الموثوق بأن الدولة الجهادية قد تتصاعد في منطقة الرقة. في حين أن هذا هو في الواقع افتراض خطير، ولكن الطرق التي اقترحها الكاتب لتجنب ذلك لا تشكل حجة صالحة أو استراتيجية قابلة للتطبيق.

والواقع أن إعطاء هذه المنطقة للأسد وإيران والروس سيؤدي إلى تكرار معين لتنظيم الدولة الإسلامية. لقد هزم تنظيم القاعدة في وسط العراق، وأعطيت تلك المنطقة للمالكي وحلفائه. ولا يبدو أن الكاتب يقدر حقيقة أن سكان شمال شرق سوريا هم في الغالب من السنة، وأنهم على وعي بهويتهم الدينية بسبب الحرب، وبسبب تمدد المعاناة في الصحراء العراقية، على أيدي «المالكي» والميليشيات الإيرانية. كما أنه لا يبدو أنه يقدر عمق الكراهية للأسد وحلفائه بعد ذبح 500 ألف سوري. وسيثبت هذان التقليلان أنهما سيكونان مكلفين جدا في المستقبل. ليس هناك أي شك في أذهاننا حول هذا الموضوع.

كانت الولايات المتحدة قد خرجت من تلك المنطقة. وهذا صحيح. ومن شأنها أن تفوض تلك المنطقة إلى روسيا وسوريا وإيران كما يوصي الدكتور «لانديس». ولكن في مرحلة ما في المستقبل، سوف تجد أنه لا مفر من العودة، نفس ما حدث في العراق. لأن النهج كله يهمل الأتراك والعرب والقبائل السورية والشعب السوري.

استنساخ الصحوات؟

مرة أخرى، «القاعدة الذهبية» في هزيمة أي تمرد هي تعبئة السكان المحليين وراءك. هنا، يمكن للعرب والأتراك وحتى الروس والأردنيين أن يساعدوا في خلق القاعدة الاجتماعية لمناهضة تنظيم الدولة، على المدى الطويل وهي الصحوات. وينبغي أن تكون تلك الصحوات مستندة إلى أساسين اجتماعيين: الأكراد والسكان العرب في تلك المنطقة. ويمكن للمجالس القبلية أن تعمل على خلق التعاون اللازم بين المجموعتين اللتين تعيشان معا لعدة قرون على أي حال.

وتمتد الطرق القبلية في تلك المنطقة إلى العراق وشبه الجزيرة العربية والأردن ويمكن تأكيد ذلك من مجرد إلقاء نظرة على أسماء قبائل شمال شرق سوريا. إن أي خطة لإنشاء قوة من الصحراويين السوريين لديها فرصة جيدة . ويمكن أيضا إعادة النظر في العديد من شرائح الضباط السابقين المعتدلين السوريين في القوة المقترحة. إن الجيش الأمريكي لديه ثروة من الدروس للتعلم من حرب الأنبار. وسوف يستغرق هذا وقتا طويلا.

لن تكون هذه الصحوة جزءا من أي معارضة للأسد. وهي لن تمثل كيانا «مستقلا». كما أنها لن تكون موالية لأي شخص أو أي دولة أخرى. ولن يكون لهم أي علاقة بالتطلعات الوطنية أو الشريعة السلفية. إنهم سيكافحون تنظيم الدولة ويعيشون في سلام يحميهم ويحمي أبناءهم وبضمانات ومساعدات من جميع اللاعبين الرئيسيين. مع العلم أن ظهور جماعة جهادية في منطقتهم سيترتب عليه ثمن يدفعونه: وسيفقد السلام ومستقبل أبنائهم، للمرة الثانية في جيل واحد.

وقد يكون قد فات الأوان لرفع كل هذه الملاحظات. ولكن من الأفضل أن نضعها في كتاباتنا الآن لأننا متأكدون تقريبا من أننا سنعيد النظر في هذه المسألة في مرحلة ما في المستقبل.

المصدر | ميدل إيست بريفينغ

 

 

 

 

 

الوصاية الروسية ومفاتيح حل الأزمة السورية/ سامر إلياس

فرصة للعب دور مؤثر

من الدعم إلى الوصاية الكاملة

حدود الدور الروسي

تكرس روسيا ثقلها العسكري والدبلوماسي من أجل فرض وصايتها النهائية على سوريا، وفرض رؤيتها لحل مؤقت يضمن وقف إطلاق النار، ورسم خطوط تماس بين الأطراف المحلية المتصارعة، مع ضمان مصالح الدول الإقليمية الأمنية والسياسية، وتخفيف ثقل أزمة اللاجئين على مجتمعاتها.

وبانتظار حسم الموقف الأميركي من مسألة المشاركة في عملية “محاربة الإرهاب”، والعملية السياسية في سوريا تسعى موسكو بكافة الوسائل المتاحة إلى إنجاح مساري الأستانا وجنيف من أجل إنضاج تسوية سياسية على نار هادئة.

فرصة للعب دور مؤثر

ومع انطلاق ثورات الربيع العربي نهاية 2010 بدت موسكو مرتبكة وغير قادرة على إطلاق أي مبادرة، وتعاملت حسب وصف بعض الخبراء وفق مبدأ “الدبلوماسية السياحية” المنطلقة من تأثير ثورات تونس ومصر على حركة السياح الروس. وبداهة فإن روسيا لم تكن متحمسة للربيع العربي، ونظرت إلى الحراك على أنه مرحلة جديدة من الثورات الملونة بدعم أميركي، وكانت أشد خشيتها من انتقال الحراك إلى بلدان آسيا الوسطى نظرا للتشابه الكبير في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه البلدان ونظيراتها العربية.

وفي ليبيا ادعى الكرملين أنه تعرض للخداع بموافقته على قرار أممي شرع لاحقا التدخل الدولي للإطاحة بحليفها معمر القذافي، لكن الصورة اختلفت مع وصول رياح التغيير إلى سوريا، ويبدو أن موسكو خشيت من فقدان آخر حلفائها منذ ستينات القرن الماضي، وخسارة آخر موطئ لها في المياه الدافئة التي تؤمنها قاعدة طرطوس. وعلى الأرجح فإن الكرملين رأى أن الفرصة سانحة من أجل إحياء طموحات روسيا الجيوسياسية العائدة إلى زمن القياصرة، ولعل الأهم هو الإعلان بوضوح أنها عادت بقوة إلى الساحة الدولية بعد غياب قسري بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي.

ويظهر رفض موسكو كل العروض العربية للبحث عن حلول للأزمة السورية منذ مطلع 2012 تضمن مصالحها في سوريا من دون الأسد أنها لا ترغب في لعب دور ثانوي، أو تقاسم الأدوار مع البلدان العربية، بل استخدام الورقة السورية حتى النهاية لخدمة أهداف جيوسياسية أكبر. وازدادت أهمية الورقة السورية بعد الأزمة الأوكرانية وضم القرم وفرض عقوبات غربية على روسيا زادت من عزلتها، وأدت إلى تراجع عجلة اقتصادها المنهك أصلا بفعل غياب الإصلاحات الهيكلية، واعتماده المفرط على موارد الطاقة، واستشراء الفساد.

وفي نصف السنة الأخير ركزت موسكو جهودها لاستغلال كل الظروف الدولية والإقليمية لتنفيذ رؤيتها للحل، فقد جنت نتائج سياسات باراك أوباما المترددة، والشلل السياسي في فترة الانتخابات الأميركية للتفرد لإطلاق يدها تماما في سوريا من دون أي رادع. كما انتهزت فرصة الانقلاب الفاشل في تركيا، وتراجع العلاقات التركية الأميركية، وزيادة العمليات الإرهابية في تركيا كما ونوعا، وانشغال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتعديل الدستوري، والأزمة مع الغرب لإعادة التقارب والتنسيق في الأزمة السورية مع الأخذ ببعض مخاوف تركيا. وعربيا وبعد انشغال بلدان الخليج بحسم الموقف في اليمن سادت قناعة في موسكو بأنها قادرة على فرض الحلول التي تريدها في سوريا.

من الدعم إلى الوصاية الكاملة

وبعد ست سنوات على الثورة السورية تدرجت المواقف الروسية من تبني نظرة النظام للأحداث مع المطالبة بنوع من الإصلاح السياسي الشكلي، إلى إشهار حق الفيتو في مجلس الأمن مرات عدة، والتأكيد على أنها تدافع عن بنيان الدولة السورية ضمن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومنع لأي إسقاط للأنظمة من الخارج، واستطاعت إجهاض أي محاولة لمعاقبة نظام بشار الأسد رغم تجاوزه الخطوط الحمراء واستخدامه السلاح الكيميائي صيف 2013.

ومنذ نهاية سبتمبر/أيلول 2015 اختارت موسكو التدخل العسكري المباشر لإنقاذ النظام الآيل إلى السقوط. وبعد استخدام القوة المفرطة ومحاكاة نموذج الحرب المدمرة في الشيشان في أكثر من مدينة سوريا كانت آخرها حلب تبدو موسكو واثقة بأنها تمسك جميع خيوط اللعبة ما يؤهلها للعب دور الوصاية على سوريا أرضا ونظاما ومعارضة لفرض دستور جديد وإجراء التغييرات الديمغرافية المناسبة لتنفيذ أجندتها. كما استغل الكرملين الظروف الدولية الناشئة لإقناع أو إجبار اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين على المشاركة في اجتراح الحلول للأزمة ضمن الرؤية الروسية.

ويكشف انتشار وحدات من القوات الروسية، ونقل جزء من مركز مصالحة حميميم إلى ريف عفرين عن جزء من تصور روسيا للحل في إحدى أكثر المناطق حساسية في سوريا، ولا يمكن تفسيره على أنه مجرد انفتاح على الأكراد، فأغلب الظن أن الخطوة الروسية الأخيرة جاءت بالتنسيق مع الولايات المتحدة أو على الأقل برضاها، وعدم وجود معارضة تركية قوية، مع إعلام النظام في دمشق. ويدعم هذا الاعتقاد بأنه أتى بعد أيام من اجتماع مشترك لرؤساء أركان البلدان الثلاثة في أنقرة.

وسبق الانتشار الروسي في عفرين صفقات بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية لتسليم الأخيرة قرى لجيش النظام قرب منبج، ونشر قوات روسية جنوب مدينة الباب بين الجيش السوري الحر المدعوم تركيا وجيش النظام. وواضح أن هذه الخطوات الروسية تندرج في إطار رسم خطوط تماس واضحة بين القوى المتصارعة في الشمال، ومنع أي اشتباكات بينها، إضافة إلى تحديد واضح للمنطقة العازلة التي فرضتها تركيا عمليا من جرابلس إلى مارع والباب بانتظار إتمام التفاصيل والتجهيزات لهجوم الرقة الذي بات أقرب على ما يبدو مع اقتراب اشتداد المعارك في الموصل والرغبة الدولية بالإطباق على تنظيم الدولة ومنع أفراده وقياداته من الانتقال إلى شمال شرق سوريا.

واستخدمت روسيا ورقة الأكراد في سوريا تكتيكيا في أثناء الأزمة مع تركيا في العام الماضي عقب إسقاط المقاتلة الروسية قرب الحدود مع سوريا، وافتتحت بداية العام الماضي ممثلية لأكراد سوريا في موسكو، ويصر الجانب الروسي على ضرورة إشراك الأكراد في مفاوضات جنيف منذ انطلاقها. وفي السنتين الأخيرتين كرر الروس رغبتهم في بناء سوريا فيدرالية كأفضل شكل لبناء الدولة.

وتواصل روسيا مغازلة الأكراد عبر طرح تغييرات في الدستور تلغي الطابع العربي للدولة السورية، وتشمل استخدام اللغة الكردية جنبا إلى جنب مع العربية، والأهم الشكل الفيدرالي للدولة، ومنذ أيام وأثناء زيارة وفد برلماني روسي أوروبي لمناقشة الدستور السوري الجديد تعهد الأسد بتسريع وتائر مناقشة الدستور الجديد. وقال رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما (البرلمان) الروسي ليونيد سلوتسكي إنه لا يمكن تحقيق مصالحة في سوريا دون إقامة مناطق حكم ذاتي للأقليات، وكشف أن الوفد “بحث مع الأسد إمكانية إنشاء مناطق حكم ذاتي قومية في سوريا وتعزيز حوار الحكومة في دمشق مع الأقليات القومية القاطنة في الأراضي السورية”.

وقبل نحو شهر اعتبر وزير الخارجية سيرغي لافروف المسألة الكردية قضية أساسية في الحفاظ على وحدة الدولة السورية، وكشف في مقابلة مع صحيفة “إزفيستيا” أن الجانب الروسي “يبذل جهودا لتيسير التفاهم بين النظام السوري والأكراد السوريين من أجل الحفاظ على وحدة البلاد، حيث قامت روسيا بأربع جولات من الاتصالات العام الماضي لإقامة هذا الحوار. وأعرب لافروف عن ثقته بأن هناك إمكانية كبيرة للتوصل إلى اتفاقيات لوجود العديد من الأسس المشتركة في مواقف الجانبين”.

وربما استطاع الجانب الروسي تحقيق اختراق مهم في علاقاته مع الأكراد، لكن المستقبل يبقى رهنا لما يمكن أن تقدمه روسيا أولا، وردة فعل النظام على الانفتاح الزائد على الأكراد، وتصرفات روسيا لتخفيف حساسية تركيا. ويجب عدم إهمال جانب مهم وهو أن الاتفاق مع “وحدات حماية الشعب” الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لا يمثل اتفاقا مع جميع أكراد سوريا خاصة أن كثيرا من الأكراد لا يتقاسمون مع الحزب رؤيته حول مستقبل سوريا الفيدرالي، وضاقوا ذرعا بسياسات الحزب التي باتت أقرب إلى سياسات حزب البعث من تكميم الأفواه، وتكريس مناهج تعليم تناسب سياساته، وفرض “إتاوات” على كاهل الأكراد في مناطقه، وإقرار التجنيد الإجباري.

ويتركز الجهد الروسي على تعزيز مواقعه في شمال غرب سوريا، باستثناء محافظة إدلب، نظرا لأهمية المنطقة في طبيعة المعارك المقبلة. ولا يمكن فصل الانفتاح على الأكراد عن أجندة روسيا في الأراضي السورية الأخرى، وجهودها لصياغة دستور جديد، ورسم خطوط تماس بين النظام والمعارضة والقوى الأخرى الفاعلة على الأرض.

وفي محاولة لاستكمال تحديد مناطق “سوريا المفيدة” كسيناريو بديل لها يضمن استثماراتها ومصالحها في سوريا، تواصل موسكو ضرب المعارضة المسلحة، ودعم النظام بالعتاد والخبراء والأفراد، وتساعد في حملات التهجير القسري لسكان المناطق الثائرة بعد وضعهم أمام خيار الاستسلام والتهجير أو تدمير البيوت والأحياء فوق رؤوسهم تحت اسم المصالحات. وتضطر المعارضة للقبول بدور روسيا في الوساطة رغم أن الوقائع تثبت انحيازها الكامل للنظام، وعدم وفائها بالوعود المقطوعة بضمان عدم اعتقال المطلوبين، وهو ما تكرر أخيرا في حي الوعر بتهجير أكثر من عشرين ألف سوري من آخر معاقل المعارضة في حمص.

ولا تقتصر حملات التهجير على مناطق بذاتها في سوريا ويتم بعضها بصمت أو تواطؤ روسي مثل ما تقوم به إيران وميليشياتها اللبنانية والأفغانية في الزبداني ومضايا ومحيط دمشق في القصير بريف حمص.

حدود الدور الروسي

واضح أن التدخل الروسي في سوريا نجح في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار، وربما في إعادة تأهيله بفضل فائض القوة الكبير، وقدرة الجيش الروسي التدميرية، واستغلال المناخ الدولي عقب موجات اللجوء والتفجيرات الإرهابية التي طالت القارة الأوروبية في السنتين الأخيرتين. واستطاعت روسيا بناء علاقات متينة مع أطراف محلية وإقليمية تحمل وجهات نظر وأجندة مختلفة تصل إلى حد التضارب حول رؤية مستقبل سوريا، ويبقى السؤال حول قدرة روسيا على الاستمرار في هذه اللعبة إلى النهاية وبلوغ أهدافها في سوريا، وعن حجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها إلى طرف من دون إثارة غضب الأطراف الأخرى.

ومما لا شك فيه أن روسيا استفادت من التجارب الأميركية في العراق، لكنها تكرر أخطاء كثيرة من باب التقاسم الطائفي والعرقي للبلاد، وصوغ دستور يجعلها أقرب إلى دولة احتلال منها إلى وسيط. وفي روسيا هناك مثل بأن “من يملك المال يحجز الموسيقى في المطعم”.

ورغم امتلاك روسيا القوة الأعلى في سوريا فإنها لن تستطيع فرض رؤيتها حول مستقبل سوريا على أطراف تملك كثيرا من القوة وأوراق الضغط ولم تقل كلمتها بعد، خاصة أن الانتقال من حالة الحرب إلى التسوية الدائمة في حاجة ماسة إلى توافقات واسعة، ورؤوس أموال لإعادة إعمار بلد خسر نحو 90% من اقتصاده، وليس فقط رسم خطوط تماس بين أطراف قد تجتازها في حال تغير موازين القوى على الأرض.

فهل تستطيع روسيا مواصلة فرض وصايتها في ظل مناخ محلي وإقليمي ودولي أشبه بحقل ألغام، فهل تستطيع روسيا قطف الشهد السوري أم أنها تفتح عش دبابير سوف يجبرها على الانسحاب لإنقاذ ذاتها من الغرق في مستنقع أشد مرارة وصعوبة من المستنقع الأفغاني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

2017

 

 

 

روسيا تعاني من دعم بوتين للأسد/ هدى الحسيني

أشاد كثيرون بالسياسة الروسية تجاه النظام السوري، حتى إنهم أشاروا إلى أن روسيا تعيد تأسيس مكانتها قوةً عظمى على أكتاف بشار الأسد. من المؤكد أن الرئيس فلاديمير بوتين يشعر بالحنين إلى ذلك الماضي القريب، ويسعى لاستعادة وضع روسيا السابق، لكن يجدر التفكير في العبء المالي الذي ستتكبده روسيا بدعم نظام قد يبقى وقد يطاح به، في مستنقع جيوسياسي اسمه الحرب الأهلية السورية؛ إذ لن يكون أمام روسيا من بديل سوى زيادة إنفاقها العسكري في المنطقة، إذا ما كانت تعتزم إعادة تأهيل نظام بشار الأسد، واستعادة وضعها السابق بين القوى العظمى.

ووفقاً لما أعلنه بوتين شخصياً، فإن روسيا أنفقت في ما بين سبتمبر (أيلول) 2015 ومارس (آذار) 2016؛ أي منذ بداية تدخلها في سوريا، ما يبلغ 484 مليون دولار. بالطبع هذا المبلغ لا يمثل حفنة مقابل ما أنفقته الولايات المتحدة في السنة الأولى من حربها في أفغانستان (33 مليار دولار)، والسنة الأولى من حربها في العراق (51 مليار دولار). لكن وضع البلدين الاقتصادي مختلف جداً. والسؤال الممكن طرحه هو: هل ستواصل روسيا لعب دورها بوصفها الحليف القوي القادر على تمكين الأسد من حكم كل سوريا، أم أن الأعباء المالية في محاربة مجموعات المعارضة السورية ومن ثم إعادة تثبيت الأسد ولاحقاً إعادة بناء المؤسسات السورية، سيكون أمراً كبيراً بالنسبة إلى موسكو؟

عندما خاضت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان بعد الهجمات الإرهابية في سبتمبر 2001، وقف الحلف الأطلسي إلى جانبها، كما تلقت دعم الحلفاء في المنطقة. أما في الحالة الروسية والتدخل في سوريا، فالحلفاء قلة، لا بل إن العداء لعودة حكم الأسد وحّد أكثرية دول الشرق الأوسط، وكانت إيران ووكلاؤها، حليف روسيا الوحيد لهدف الإبقاء على نظام الأسد، وهذا بالتالي يثقل الالتزام الروسي ويجعل من تكلفة إعادة تشكيل حكومة للأسد، مرتفعة جداً، ثم إنه من المتوقع أن تواجه تلك الحكومة السورية وغطاؤها الروسي صعوبات متزايدة من أجل الحفاظ عليها لاحقاً.

فالحرب ما زالت مستعرة في سوريا، ثم إن الحصار الاقتصادي على إيران و«حزب الله» سيتضاعف؛ إذ لن يتكرر الخطأ الذي ارتكبته واشنطن بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق، حيث أوجدت فراغاً ملأته إيران. الآن مع تصاعد الهجمات على تنظيم داعش، لن يُسمح لإيران أو لـ«حزب الله» بملء ذلك الفراغ، وهذا ما توافق عليه موسكو.

أشارت رئاسة الأركان الروسية وجهاز الأمن الفيدرالي (الاستخبارات) الروسي إلى وجود نحو 4 آلاف جندي روسي نظامي ونحو 5 آلاف مسلح من الجمهوريات السوفياتية السابقة، في سوريا. لكن، إذا راجعنا التجربة الأميركية، فإن روسيا سوف تحتاج إلى زيادة قواتها في المستقبل لمساعدة سوريا على الانتقال من الحرب إلى حكومة مستقرة محتملة. وإذا كان هدف روسيا إعادة إنشاء حكومة مستدامة تحت قيادة الأسد، فإنها لا تزال في المراحل الأولى من تحقيق هذا الهدف؛ إذ تساعد روسيا الحكومة السورية في استعادة كثير من المدن الرئيسية من أيدي من يعدّهم النظام جماعات متمردة ومنظمات إرهابية. ويوم الاثنين من الأسبوع الماضي كان الجنود الروس يشرفون على إجلاء أهالي ومقاتلي حي الوعر في حمص للذهاب إلى منطقة الباب شرق سوريا.

مما لا شك فيه أن التكاليف المالية سترتفع مع محاولة بوتين إعادة إحياء سلطة الأسد، وإذا اكتفت روسيا فقط بدعم نظام الأسد غير المستقر، عسكرياً، فإن التكاليف المالية والجيوسياسية ستظل هائلة، وستظل الحرب الأهلية السورية تكلف روسيا مليارات من الدولارات على مدى عقد من الزمان. ثم إنها للإبقاء على الأسد ستحتاج روسيا إلى قمع الأقليات والمنظمات الإرهابية والمجموعات المتمردة، كما سيتعين عليها أن تتعامل مع عمليات الدعم الهائلة التي تنصب داخل سوريا من عدة دول خليجية ومن تركيا ومن الولايات المتحدة، ومن غارات إسرائيلية، والكل يرون في الأسد تهديداً للمصالح الجيوسياسية في المنطقة (استسلامه لإيران ولروسيا).

قال لي أحد المراقبين السياسيين: إذا راجعنا جدول الإنفاق الأميركي في كل من أفغانستان والعراق، فيجب ألا نستبعد أن تنفق موسكو ما يزيد على الخمسين مليار دولار في العقد المقبل دفاعاً عن الأسد. ويضيف: هذا لا يقارن بالطبع بمبلغ 744 مليار دولار الذي أنفقته أميركا في أفغانستان، و821 مليار دولار الذي أنفقته في العراق خلال فترة 15 سنة. يقول إن أكبر عاملين محتملين لإعاقة الدعم الروسي للأسد ونظامه سيكونان خطط الإنفاق العسكري المستقبلية، والاقتصاد المحلي.

عام 2010 أعلن الرئيس بوتين عن مشروع تطوير عسكري بقيمة 343 مليار دولار لتحسين المعدات العسكرية الروسية وتحديثها بحلول عام 2020، ولتحقيق هذا الطموح، ستحتاج ميزانية الدفاع الروسية إلى زيادة بنسبة 10 في المائة بدءًا من عام 2016. لكن بسبب انخفاض أسعار النفط، والعقوبات المفروضة على الاقتصاد الروسي، وبسبب انخفاض قيمة الروبل، فإن البلاد تعاني الكثير من أجل الحفاظ على ميزانيتها الدفاعية الحالية.

أما العقبة الرئيسية الأخرى في وجه خطة النمو ورفع مستوى المؤسسة العسكرية، فسببها اعتماد الدولة على الموارد الطبيعية، وتحديداً على النفط ومنتجاته. عام 2013 كانت نسبة 54 في المائة من قيمة إجمالي مبيعات التصدير من روسيا، من النفط ومشتقاته.

مع اقتصاد يعتمد على تصدير النفط، هناك خطر استخدام المصدّرين الرئيسيين الآخرين في المنطقة للنفط على نحو استراتيجي، واستخدامه سلاحاً جيوسياسياً ضد النفوذ الروسي السلبي في سوريا. يقول محدثي: إن المملكة العربية السعودية هي أكبر مصدر للنفط في العالم، ثم إنها ودول الخليج غير مقتنعين بأنه بعد 7 سنوات من حمامات الدم وتهجير نصف الشعب السوري، يمكن أن يبقى الأسد في الحكم. يضيف محدثي: إنتاج النفط السعودي هو الأقل تكلفة، وهذا قد يجعل السعودية الأكثر قدرة على الحفاظ على أسعار النفط الحالية. ويرى أن السعودية قد لا تعمد إلى زيادة الإنتاج بشكل ملحوظ لتخفيض أسعار النفط، لكنها ستحافظ على الإنتاج الكافي للإبقاء على أسعار النفط بحدود 50 دولاراً للبرميل، ومن شأن ذلك أن يحول دون طموحات التوسع العسكري الروسي ويمنع الزيادات في ميزانية الدفاع الروسية، مما يجعل من الصعب جداً على روسيا توسيع نفوذها في سوريا لدعم نظام الأسد.

في خضم هذه الأزمة، كان لافتاً يوم الأحد الماضي حجم المظاهرات التي انطلقت في كثير من المدن الروسية ضد الفساد، والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف ومحاكمته وسجنه. منذ عامين ونصف والمستوى المعيشي يتهاوى في روسيا، لكنه لم يمنع البعض من الاستمرار في الاستفادة من ثروة البلاد لمصالحهم الخاصة، ومن الصعب رؤية هؤلاء يتوقفون عن استغلال مناصبهم.

لقد تزامنت هذه المظاهرات مع وصول الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى موسكو، الذي يريد التوصل إلى اتفاقية تجارية بين إيران ودول اليورآسيا، لكن ما يهم إيران هو القطاع العسكري الروسي والخبرة والمواد النووية، كما تريد إغراء روسيا بالاستثمار في قطاع النفط في إيران.

المعروف أن لروسيا تاريخاً طويلاً في بيع الأسلحة إلى إيران، لكن عندما فرضت العقوبات على طهران امتنعت موسكو، ولو بتردد، عن بيع منظومة صواريخ «إس 300» لطهران بطلب من واشنطن. مع التهديد الأميركي بمراجعة العقوبات على إيران والاستعداد الأوروبي لتثبيت العقوبات على روسيا، يبدو أن الدولتين تريدان إثارة قلق الغرب بالرغبة في بناء علاقات عسكرية بينهما، لكن روسيا في حاجة إلى صفقات مدفوعة سلفاً، وإيران بحاجة إلى صفقات مؤجلة الدفع.

وبالنسبة لكثير من موازين القوى، من المثير رؤية روسيا تعيد الانخراط في الشرق الأوسط وفي قضاياه الجيوسياسية. ومع ذلك، فحتى الآن لم تعد روسيا قوة عظمى، فهي في عام 1990 كانت الاقتصاد الثالث في العالم، لكنها عام 2015 صارت في المرتبة السادسة على أساس الناتج المحلي الإجمالي. ولا يبدو أن وضعها يسير نحو الأفضل.. . .

الشرق الأوسط

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى