تفكيك الخوف

 

    عقل العويط

كلما تعثرت الحلول الأمنية والسياسية، وتفاقم الليل اليائس، يطرح عليَّ قرّاء وأصدقاء، السؤال الآتي، ممزوجاً بالمرارة والأسى: أما كان الأجدى عدم حصول ما يحصل في العالم العربي من ثورات، وما ينجم عنها من تقتيل وتدمير وتخريب وتفكيك وتشريد وتهجير، في ليبيا وتونس ومصر واليمن والبحرين وصولاً إلى سوريا و… لبنان؟ ألا ترى أن الدم يغمر التاريخ والجغرافيا والدول والشعوب، وأن الإسلام الظلامي يستولي على الرقاب والسلطات، وأن المستقبل السياسي لن يكون تجسيداً للأحلام التي تعتمر في قلوب التائقين إلى الحرية والديموقراطية؟

هذا هو جوابي، وسأحاول فيه أن أفكّك السؤال، مبيّناً في المقام الأول أخطاره ومثالبه وهناته ونقاط الضعف فيه، والنتائج المترتبة عليه، قبل أن أجيب: لا، لم يكن أجدى!

السؤال خائفٌ بالطبع، ومشروعٌ، ومحرجٌ في الضرورة. هو سؤالٌ طيّب السريرة وصادق النيّة، لكنه في جانبٍ منه، مجحفٌ وغير عادل، بل خاطئٌ أساساً ومنهجاً.

ليست غايتي أن أفنّد هذا الخوف الديموقراطي، أو أن أسفّهه، فهو شعورٌ طبيعي ونفسي وعقلي وموضوعي يصيب هؤلاء الأصدقاء والقرّاء، مثلما يصيبني شخصياً، ويصيب أولئك المواطنين والمراقبين الذين لا يشتركون من بعيد أو قريب في عملية القتل المتواصلة التي تمارسها الأنظمة “دفاعاً” عن استمرارها.

لن أتوقف عن حدود النيّة الماثلة وراء السؤال، فأنا أبجّلها وأنحني أمامها، قائلاً لأصدقائي وقرّائي إني أحيّي فيهم هذا الخوف النبيل، لأنه يرفض الدم، ولأنه يعترف بعدم اطمئنانه إلى ما يخبّئه المستقبل لمنطقتنا وشعوبنا، في ضوء المعادلات القائمة. لكني أتوقف خصوصاً أمام المضمرات التي ينطوي عليها.

فهو سؤالٌ خطير للغاية، لأنه يشهر الهلع الفكري الذي يكرسح العقل ويشلّ ممكنات البحث عن حلولٍ بديلة من الوضع القائم. لستُ من مؤيدي هذا الهلع، أياً تكن أسبابه، فهو يأسر الفكر ويجعل الوعي التحليلي النقدي لقمةً سائغة في فم الإرهاب المادي والمعنوي، ويُفقد المواطنين القدرة المطلقة على المبادرة والفعل والتملص والتحرر والتمايز، بما يفضي إلى تأبيد المراوحة وإلغاء كلّ أملٍ في التغيير.

وهو خطيرٌ أيضاً لأنه يعلن الانحياز الفعلي إلى “الأمر الواقع” الذي كان سائداً في العالم العربي، متمثلاً في الأنظمة الاستبدادية، مطمئناً إلى السبات الوجودي المستديم، مفضّلاً إياه على كلّ خروجٍ من أسر المراوحة التاريخية المستمرة منذ خمسين عاماً، حتى لو كان ثمن هذه المفاضلة إيغال الأنظمة الاستبدادية الجائرة في استبدادها وجورها.

لكن هذا الخوف “سلبيّ”، غير خلاّق، وغير مبدع، لأنه يكتفي بالتوقف عند هذا الحدّ المراوح، ساقطاً في أتونه المهلك.

أيكون الخوف هو الحقّ، وهو الحل؟! إنه حقٌّ لكنه ليس حلاًّ، ولن يفضي إلى حلّ. فهو يبتزّني ابتزازاً دراماتيكياً مهيناً، لأننا لا نستطيع، أنا وأمثالي، أن نوقف هذا الدم. لكأن هذا الخوف يسألني: كيف تدعو إذاً إلى استمرار الثورات؟ وكأنه يقول لي إن دعوةً كهذه، لا بدّ أن تكون انتحارية وغير عاقلة. بل هي أيضاً دموية وقاتلة. وصولاً الى إشاعة الاستنتاج الرهيب الآتي: الأنظمة قاتلة، والدعوة الى الثورة والمشاركة فيها تفضي عملياً إلى حدوث القتل. إذاً، هما متشابتهان في القتل. هنا يكون الابتزاز قد حقّق الغاية المرجوّة منه، التي قد يعرفها الخائفون، وقد لا يكونون يعرفونها، وتتمثل في الإحجام عن الثورة، بل رفضها، درءاً للدم. هذه الغاية المرجوّة تعرفها الأنظمة جيداً، وهي تغذّي هذا الخوف المنهجي المعمّم، من أجل أن تواصل حكمها الاستبدادي.

هذا خوفٌ أحترمه وأحترم أصحابه. ظاهرُه طيّب ومسالم، لكن باطنه يطلب مني الإحجام والاستسلام والخنوع. هو، في هذا المعنى، فظّ واستبداديّ وخانع. وأكاد أقول إنه يقف إلى جانب الأنظمة، ويقوّي عزائمها. هو ابتزازٌ علنيّ موصوف لكلّ الناس الذين لا يملكون سوى التعبير عن الرأي، بالكلمة أو بالموقف أو بالتظاهر أو بالرفض السلمي أو بتشريع الصدور لمواجهة آلة القتل، منعاً لاستمرار الهول السياسي والأمني والمجتمعي.

وإذا كان من معنى إضافي آخر لهذا السؤال، فهو أن مثيريه، وهم أصدقاء لي وقرّاء، يلقون عليكَ مسؤوليةً معنوية، بل يوجّهون إليك اتهاماً مباشراً، بالمساهمة في ما هي عليه اللحظة العربية الراهنة من خرابٍ قياميّ.

في الجواب عن السؤال الذي تطرحه المقدمة: ليس عندي حلٌّ سحري. وليس عند أحدٍ آخر حلٌّ سحري: لا الأنظمة القائمة، ولا قوى الاعتراض المدني التاريخية والمعروفة، ولا المجتمع الدولي، أكان هذا الأخير متحداً أم منقسماً على نفسه.

إذاً، أين هو الحلّ؟ الثوّار يملكون الحقّ في البحث عن حلّ، وإن لم يتبلور هذا الحقّ في حلٍّ، يوافق عليه الجميع. إنه حقّهم في الانتفاض والثورة. وليس يملكون أمام الظلم الماحق إلاّ أن يثوروا. هذا هو حقّهم المطلق. ولا نقاش في هذه المسألة.

أما الأنظمة فتوغل في القتل لأنها لا تملك سوى أن تكون “أمينة” لذاتها. فهي قامت على البطش والقوة ولن تقبل بالخروج من التاريخ السياسي إلاّ بقوةٍ تبطش بها. من الطبيعي أن لا تكون تملك، لا الحكمة ولا التبصّر ولا الجرأة ولا الشجاعة ولا الفروسية ولا البطولة، للانحناء أمام إرادة الشعوب التي وحدها تقرر أن الوقت قد حان لوضع حدٍّ لسلطة القاتل الذي يفترس ويدمّر.

أما قوى الاعتراض المدني التاريخية، اليسارية منها والليبيرالية والعلمانية، فكانت غير جاهزة لطرح بديل مناسب من الديكتاتوريات والظلاميات وسط هذه الشعوب التي حكمها الاستبداد طوال عقود ووقعت بعدها في احضان الاسلام السياسي، فلم تحدث فارقاً نوعياً حاسماً قادراً على طرح البديل بعد سقوط الديكتاتوريات لمنع الإسلام الظلامي من القفز لانتهاز الفرصة.

أما المجتمع الدولي فكتلة من الحسابات والأكاذيب والترّهات والمصالح والأنانيات. شأن هذا المجتمع الدولي شأن الأنظمة نفسها، تتحكم بهما الانتهازية الماكيافيلية، بدون أن يرفّ لهما جفنٌ ديموقراطي أو إنساني.

والحال هذه، لم يعد أمام الشعوب إلاّ الثورة. أفنكون مخطئين، إذا وقفنا إلى جانبها، ضد الأنظمة؟ وبأيّ سلاحٍ نقف؟ بالكلمة والموقف، المعبّرَين لا عن الانفعال الأهوج، بل عن الاجتهاد ومساءلة العقل واستفزاز الفكر، بحثاً عن أفق وضوء.

إنه عالمنا العربي، ونحن أبناؤه وأصحاب الحياة فيه. من حقوقنا ومن مسؤولياتنا أن نشارك في البحث عن أفق. وليس مسموحاً لنا البتة بأن نقف على الحياد. إذ لا حياد في هذه المسألة. هنا ليلٌ مروّعٌ أحمق، وهنا ثوراتٌ للخروج من الليل. نحن، حكماً، مع هذه الثورات.

لكن الخوف يخلع القلوب والعقول. نعم. صحيح. لكن هل ننخلع ونسقط أمامه؟ أنا أقول لا.

لم تعد الشعوب تريد أن يحكمها نظامٌ ديكتاتوري، بالواسطة أو مباشرةً. هذه هي حالنا في لبنان، وسوريا، ومصر، وتونس، وليبيا، واليمن والبحرين. بل في العالم العربي كلّه.

هذه الشعوب لا تريد في المقابل، أن يحكمها نظامٌ ظلاميٌّ متستر بالدين.

هل ترضخ لهذين الابتزازَين، فتقع في الخوف، وترفع رايته، وتصاب بالشلل الفكري والعقلي والسياسي، وتقبل بالأمر الواقع؟

جوابي التفكيكي، تالياً الاستنتاجي: لا.

قَدَرُنا أن نفكّك هذا الخوف. فلنفكِّكه!

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...