الرئيسية / كتاب الانتفاضة / ابرهيم الزيدي / تلامذة الرقة إلى أين يلجأون؟/ إبرهيم الزيدي

تلامذة الرقة إلى أين يلجأون؟/ إبرهيم الزيدي

 

 

لم يبق في معركة الأمل السورية سوى التلامذة، علماً أن الكثيرين منهم قد غادروا أحلامهم كطيور تقودها غريزة البقاء. تركوا مقاعدهم الدراسية ومضوا إلى غياب قسريّ، فارتفع جدار الصمت بيننا وبينهم، ولم يبق لهم سوى أمنياتنا، بأن يحصلوا على جرعة إضافية من الحياة. في الطرف الآخر من اليقين ثمة مئات الألوف من التلامذة والطلاب لا يزالون يتمسكون بأحلامهم الدراسية، منهم 15 ألفاً من طلاب الجامعات والمعاهد في محافظة الرقة وحدها، يضاف إليهم تلامذة المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.

هؤلاء جميعهم، يتوقف مستقبلهم على انتظار فتوى من “داعش” أو قرار من وزارة التربية. أصدر تنظيم “داعش” الفتوى التي تقضي بجلد المدرّس 50 جلدة، إضافة إلى وجوب تنظيفه الشارع العام، واخضاعه لدورة شرعية، إذا ثبت أنه يقوم بتعليم التلامذة سرّا أو علناً. تقضي الفتوى أيضاً بمعاقبة التلامذة المستهدفين بالدراسة. أما التلميذات فإن العقوبة تقع على أولياء أمورهن. بالنسبة إلى قرار وزارة التربية، هو من حيث الشكل موجود، إلا أنه لا يأخذ في الاعتبار الظروف التي يمر بها الطلاب، علماً أن الظروف هي المشكلة. تلك هي حال قرارات وزارة التربية منذ مطلع السبعينات. إذ إن التعليم في سوريا لم يحظ باهتمام حقيقي البتة، فقد تم الاشتغال على صورته، وتُرك المضمون لضمير القائمين عليه! قُبِل الناجحون بمساعدة في الثانوية العامة بفرعيها العلمي والأدبي في الصف الخاص، ليصبحوا معلمين في المرحلة الابتدائية، وأرسل الكثير ممن لا تنطبق عليهم شروط القبول في الجامعات السورية في بعثات خارجية، للتحصيل العلمي العالي. بهاتين الخطوتين تم التأسيس لتخريب التعليم، وتبع ذلك القرارات والتشريعات الناظمة لعمل الجامعات الخاصة، التي افادت من مرحلة ما بعد الفساد، فكانت الرديف الأسوأ للتعليم الجامعي الرسمي، إلا أن ذلك لم يمنع الناس من أن تدفع أبناءها للتعلم، وشاع ما يسمّى الدورات الخاصة، وأصبحت المدارس شكلية بامتياز. لكن وسائل الاتصال والمواصلات كان لها الأثر الأبلغ في وعي الناس، الذي جعلهم يدركون أن كل ما يمكن الوصول إليه إنما سيكون من طريق العلم، فدفعوا أبناءهم دفعا للتعلم، وخصوصاً في محافظة الرقة، “تلك القرية الكبيرة” على رأي الدكتور عبد السلام العجيلي. فأبناء المدن تنقذهم التجارة والصناعة والمهن اليديوية، أما المدن الريفية، وخصوصاً بعدما أصبح التعب في الزراعة أكثر من الإنتاج بفضل قرارات وزارة الزراعة، المتفق عليها مع الاتحاد العام للفلاحين، فلم يبق أمام الأجيال اللاحقة سوى المدارس للحصول على مفاتيح المستقبل. في البداية كانت محافظة دير الزور هي مراح أحلام طلبة الرقة، وقد شاعت آنذاك النكتة التي تقول: أطلب العلم ولو في دير الزور، إلا أن دير الزور لم تلبث أن وقعت في ما وقعت فيه شقيقاتها في الشمال الشرقي من سوريا، وأصبحت حال تلامذتها وطلابها كحال هؤلاء في محافظة الرقة، مما حدا بالطلبة الجامعيين إلى البحث بحسب مقتضى الحال عن وسيلة لاستكمال ما بدأوه في الجامعة، وبقيت مشكلة الأولاد من تلامذة المرحلتين الابتدائية والثانوية، التي لن تخرج منها سوريا القادمة. هم الآن ليسوا في حساب أي طرف من الأطراف الفاعلين، لكنهم غدا سيصبحون من أهم المشكلات، التي تضرب بنية المجتمع. الآن، كل منّا يحمل لحافه في اتجاه الشتاء الذي يراه، أما غدا فسيتوحد البرد، وينخر عظام المجتمع. الفعل البشري هو أساس حركة التاريخ، وعلى ما يبدو أن أحدا لم يتساءل عن المستقبل الذي سيصنعه هؤلاء الأطفال الذين تسربوا من مدارسهم، وباعوا أحلامهم على قارعة دروب اليأس! الخبر العاجل الآن محجوز للمعارك الطاحنة، ووكالات الأنباء، والمحللون السياسيون مشغولون بين موسكو وواشنطن، أما أولئك الأطفال فهم فرق حساب بين القذيفة والخبر العاجل. بعض عائلات الرقة ممن ساعدتها ظروفها المالية غادرت المنطقة، البعض إلى دمشق، والبعض الآخر إلى حماة، والبعض الثالث إلى اللاذقية، وقلة يممت شطر طرطوس. ثمة من أدرك أن المسألة السورية ستطول، بعدما خسر أطفاله سنتين من عمرهم الدراسي، وقرر الآن مغادرة الرقة، وإلى حيث سيخضع الولد لسبر معلومات، وبناء عليه يتحدد الصف الدراسي الذي سيلتحق به.

في إحدى مدارس اللاذقية كنت أتجول في الباحة في انتظار المدير، لأستأذنه علّه يسمح لي بلقاء الأطفال الرقاويين الذين التحقوا في تلك المدرسة، فرأيت تنسيم كانت تعرض ضفاف عيونها بوضوح، وهي تنظر إليّ. اقتربت منها وسألتها: في أي صف انت؟ أجابت: أنا لازم أكون بالصف الخامس، بس حطوني بالصف الرابع. استغربت إجابتها لأنني لم أكن أعرف السبر الذي تقوم به المدارس أثناء قبول القادمين من المحافظات الأخرى، وليس لديهم أوراق ثبوتية. شرحت لي تنسيم المسألة بلغتها الطفلية الرائعة، وللمصادفة هي كانت من الرقة! أخبرتني أيضاً أن عمها ترك الرقة، ورحل إلى حماة، وأن ولديه من عمرها يدرسان هناك في المحافظة. قبل ذلك بأيام كنت التقيت بباسم في كافيتريا إحدى حدائق طرطوس. باسم هو الآخر من الرقة، التحق بالعمل في تلك الكافيتريا منذ بداية العطلة المدرسية، وهو كما أخبرني سيغادر العمل حين تفتح المدارس أبوابها. في الصف السادس، وقد صار لديه من النقود ما يكفي لشراء احتياجاته المدرسية. صفعني وجع باسم الذي لم يقله، ولم أجد وسيلة لتجاوزه، وأدركت أن المأساة لم تجرده من ابتسامته فقط، بل من أحلامه أيضاً، باستثناء حلمه بالمدرسة! أما أحمد الذي قدم استقالته من الصف الرابع الابتدائي، بعدما اجتاز الصف الثالث من طفولته، لأنه لم يجد مدرسة تؤوي احتياجاته من الطعام والشراب، لا بل من الدفاتر والأقلام، فقد انصرف إلى بيع الورود الحمراء مغلفة للعشاق.

مجيء الناس إلى تلك المحافظات خلق أكثر من أزمة، ليس أولاها أزمة السكن، وليست آخرها أزمة المعيشة ومتطلبات الحياة التي فاقت قدرات الناس، فاستهلكتهم، واستهلكت مدخراتهم، إذ إن سوريا تحولت كلها إلى سوق سوداء، وآخر مستجداتها كانت الكتب المدرسية، التي تضاعفت أسعارها، وقفزت فوق كل التوقعات.

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...