رشا عمرانصفحات الثقافة

تلك الليلة في لايبزغ/ رشا عمران

 

 

لوهلةٍ، لم أعد أتذكّر أين أنا. المكان يشبه أي مكانٍ في دمشق أو حلب، عندما كنا نجتمع بعد أمسية شعريةٍ أو أدبية. الموجودون سوريون: خضر الآغا، عبد السلام حلوم، عارف حمزة، مها بكر، لؤي حاج بكري، أصدقاء أعرفهم منذ عمر طويل، وآخرون عرفتهم منذ مدة قريبة، طارق، مازن، دلشاد، عبد الله،… وسمّوا ما شئتم من الأسماء السورية التي نعرفها جيداً. وككل سهراتنا السورية المعتادة، كان يمكن لأصدقاء أوروبيين أن يشاركونا السهرة، طقس السهرة نفسه، طقس النميمة، طقس الطعام نفسه، طقس الشراب، طقس إطلاق النكات، الغناء بصوتٍ عال، فتّة الحمص والفلافل صباح اليوم الثاني، كل شيء جعلني أغيب عن الواقع، وأؤمن أنني حتماً في مكانٍ ما من سورية، وأن السنوات الخمس تلك لم تكن سوى كابوسٍ صحوت منه  للتو!

ما كان يعيدني، فجأةً، إلى الواقع، هو زوغان عيون الأصدقاء، وأنا أراقب نظراتهم. هذا التيه الذي أعرفه  جيداً، والذي طالما رآه الآخرون، في نظراتي خلال السنوات الأربع الماضية، والدموع المختبئة خلف قهقهاتٍ عاليةٍ يطلقها الجميع، كأنما أردناها أن تكون ستاراً عازلاً، كي لا تتسرب من أرواحنا تلك الوحشة القاتلة، وتجلس على الطاولة الطويلة، وهي تحمل ساطورها الحادّ، وتبدأ بالفتك بنا، غير أن للوحشة، كما لأي قاتلٍ محترفٍ، طرقها في الظهور، حين كنا نتبادل الذكريات، ونسرد وقائع تواريخنا السورية المشتركة، وتلك التفاصيل الحميمة التي كانت ضوء حياتنا في سورية ذات يوم. ثمّة حسرة كانت تظهر في نهايةِ كلِّ حديثٍ، يعقبها صمتٌ مطبق، كما لو أن الوحشة انفتحت من جديد، ثم أغلقت جدرانها الثقيلة علينا، كما تغلق المقبرة جدرانها على الموتى، ويحلّ الظلام، أو حين يذهب الحديث في منحىً آخر تماماً، كأن يبدأ سرد معاناة التأقلم في المدن الغريبة البعيدة، أو سرد سير الشوق والحنين، أو سرد سير الخوف مما يحدث في البلد، والخوف مما سيأتي إليه، أو حين يختلط الحديث السوري بمفرداتٍ من لغاتٍ أخرى، يجهد الجميع لتعلمها، كما لو أن الجميع يخاف من تسرّب سوريته في المعاناة اليومية لإكمال الحياة في البلدان الجديدة.

لم تكن الأمسية الشعرية، التي شاركت فيها مع شعراء أصدقاء في مدينة لايبزغ في ألمانيا، أمسيةً عادية بالنسبة لي. كانت اختباري الأول، بعد ما يقرب الأربع سنوات، لأكتشف هذا المقدار الهائل من الحنين في داخلي، ولأكتشف أيضاً هذا المقدار من القهر الذي أفرضه على نفسي، لكي لا أظهر حنيني، وكأن في إظهار الحنين اعترافاً صريحاً بالانتماء، أنا التي أدّعي، دائماً، أنني تجاوزت أزمة المكان، وأن الانتماء إلى الإنسانية والكون هو ما يعوّل عليه، وأن الوطن مجرد فكرةٍ رومانسيةٍ تدغدغ مشاعرنا كل فترة، بيد أن ما حدث معي في لايبزغ أثبت لي كم أراوغ مع ذاتي، كي أخفي ما يحرقني. كنت في مساحةٍ تتجاوز محيط الفرح، وأنا بين أصدقائي من جديد، تلك الليلة بعد الأمسية، غنّيت كما لو أنني كنت أريد، عبر الغناء، أن أخرج كل الحزن الذي يتشبث بروحي.

كنت كما لو أنني أريد أن أخبر أصدقائي كم أحبّهم، وكم أشتاق كل لحظةٍ إليهم، لم أستطع فعل ذلك كلاماً، قلته غناءً عالياً، غناءً اختلط بأصواتهم، وبدمع صريحٍ وآخر مخفي. كنا جميعا في تلك المسافة بين الفرح والحزن، المسافة الملتبسة التي إذا دخلت إليها لم تعد تستطيع مفارقتها، أو لا تريد مفارقتها، لكي لا تضع نفسك في تصنيفٍ ما. أنت، مثلاً، لست فرحاً حتماً، لكنك، في الوقت نفسه، لا تريد أن تظهر حزيناً، كي لا تفقد قدرتك على إكمال الحياة، الحزن الدائم يعيق الحياة، ربما هي المسافة نفسها التي تجعلنا جميعاً، أينما كنا، نعيش حالة “اللامكان”، نريد أن نستمر في حياتنا حيث نحن، ولا نريد أن تجرفنا هذه الحياة، بحيث ننسى سورية.

تلك الليلة في لايبزغ، خلعت كل أقنعة التأقلم مع حياتي الجديدة، وبكيتُ كما لو أنني غادرت سورية للتو.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى