تمطر قلقاً

 

احمد بزون

لو وضعنا على كل إشارات الدقائق في دائرة الساعة حرف «ق» ثم «ل» ثم «ق» ثم «ل»… وتابعنا حتى ملأنا الإشارات كلها، وتركنا عقرب الثواني يتكتك عليها، وقرأنا مع إيقاعاته لرأينا وسمعنا: قلق قلق قلق…

تذكّرنا هذه الصورة بقصيدة عادل فاخوري الالكترونية، التي اشتهرت في بداية ثمانينيات القرن الماضي، قبل هوسنا اليوم بالقراءات الالكترونية. لكن لا أقصد التذكير هنا بقصيدة فاخوري، بقدر ما أريد أن أتذكر أن القلق لا يبارحنا ونحن نقطع الدقائق والساعات والأيام، ونعي ما يدور حولنا في لبنان على مدار الساعة من قلق لا يرتسم على عقارب ساعة معلقة على الحائط، بقدر ما يرتسم أمامنا كيفما التفتنا إلى شاشة ينفعل فيها محلل إستراتيجي حذق، أو سمعنا أخباراً سياسية أو أمنية، أو جلسنا في سهرة يسرد فيها الموجودون حوادث متفرقة تغطي أرجاء البلاد، أو مشينا في الشوارع التي بات القبضايات يحكمونها بيد من حديد، أو بمخدرات شديدة التركيز.

لم تعد تنفع كل نصائح المختصين بالتنمية البشرية، الذين يتعاملون مع القلق كمرض يتسبب بالكثير من الأمراض الجسدية والنفسية، ولا تنفع كل عقاقير الأطباء النفسيين وعلاجاتهم السلوكية. لم تعد تنفع كل الوسائل التي يتبعها هؤلاء في ما يسمونه «قلع جذور التوتر»، فأي جذور يستطيع الأطباء قلعها وهي تمتد أفقياً وعمودياً على مساحة الوطن، بكل جزر التسلط والإمساك برقاب الناس وجيوبهم، وكل محركات العصبيات التي تكل أو تتعطل.

كثيراً ما نسمع أن علاج القلق يتركز دائماً على واقع مضى أو مشكلة حاضرة بقوة، ليقتلعنا ويحملنا إلى مستقبل بوعود زهرية، ومفتوح على الأمل… لكن من أين لنا أن ندع القلق ونبدأ الحياة، وقد احتل الأول كل المساحة.

لا نبالغ إذا قلنا إن العديد من الذين يملأون أسرّة المستشفيات عندنا إنما حُملوا إليها لسبب أساسي عنوانه القلق. فهل يعلم الضحايا والمجرمون، على السواء، أن القلق يتسبب بالكثير من أمراض الأعصاب والقلب وتقرحات الجهاز الهضمي، وصولاً إلى الشلل.

ليس هذا درساً في الصحة الجسدية والنفسية، إنما استكشاف لحال الناس الذين لا يستطيعون الاسترخاء والتطنيش ورمي همومهم في البحر أو على الآخرين.

الحال التي نعيشها كل يوم تمطر قلقاً، حتى السماء بكل ما يسبح فيها من أديان مزوّرة تمطر قلقاً…

قلق على مدار الساعة، حتى أننا بتنا نقلق عندما نضحك. فهل بات القلق في لبنان (ومحيطه أيضاً) مرضاً عضالاً، ليس سهلاً الشفاء منه.

قلق قلق، كلمة كيفما قلبتها انقلبت عليك… وكيفما قرأتها وجدت إيقاعها ثقيلاً ومعدنياً. حتى وإن ذهبت إلى مشتقاتها في اللغة قرأت مفردات لا تقل ضراوة منها: قلقل، قلقال، وقلاقل، وسوى ذلك من الألفاظ التي يبدأ معناها باضطراب الحركة، ولا ينتهي عند الزلازل.

الساعة تمطر قلقاً، والسماء كذلك!

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...