الرئيسية / صفحات سورية / تملك الجغرافيا….شرط لتملك الحياة

تملك الجغرافيا….شرط لتملك الحياة

كمال جمعة

المكان بالنسبة للدولة الاستبدادية خط أحمر يحظر ارتياده والانتشار فيه لغاية غير تلك التي سمحت بها السلطة تماما كما هو الاستثناء في النص القانوني. الجغرافيا هي الصورة الحدية لتعامل السلطة مع السياسة فلا صوت يعلو ولا اعلان ينشر الا عبر القنوات التي حددتها مؤسساتها واجراءاتها فتواجد الأجساد واللغة محكومان بالضوابط التي سنتها مواد الاستثناء وقرارته الاجرائية. الدولة الاستبدادية بتفتقها المالي العقاري اشتغلت العمران والتضاريس لتكون صورة لها. رفعت أنصاب ديموتها في الساحات وأكدت استمراريتها في مقرات حزبها وأجهزتها الأمنية في العمارات والاراضي التي استملكتها كما زادت من فعالية حركتها بانشاء شبكة الطرق التي صممتها اساسا لتسهيل حركة قواتها حول المدن. وقد أضافت السنوات العشر الأخيرة نكهة جديدة على الاستملاك الذي أتى لحساب التراكم المالي العقاري المستفيد من رواج الذهنية الاستهلاكية الجديدة لدى الأغنياء السوريين. المكان توأم للسلطة التي تحكمه وهذه البيئة من مقرات وابنية وشوارع وصور للقائد هي ساحتها وخطها الأحمر. الساحة العامة عبارة إخترعها اليونان للدلالة على المكان الذي كان يجتمع فيه “الأحرار” للنقاش والتبادل. ساحتان للتلاقي ولكن يفرقهما أن ساحة السلطة الاستبدادية هي مساحة محرم فيها أن يكون التلاقي الا وفق نواميس الغلبة. الثورة السورية غيرت كل ذلك. خرج الناس الى العلن وأعلنوا عن رغبتهم بعدم الاستكانة ليضعوا مستقبل حياتهم على مسارات جديدة. تظاهروا اسبوعا تلو الآخر وأمسية تلو الأخرى.غطوا كل أنحاء سورية وألغوا احتكارا للمكان دام قرابة نصف قرن. لقد أدركوا في سعيهم المستمر للخروج الى الشارع أن الجغرافيا هي المحدد النهائي لصراعهم لأنها تمثل بكافة خطوطها وتشعباتها ساحة مواجهتهم واكتشفوا أن تحويل ساحة السلطة الى الساحة العامة هو شرط تغيير حياتهم. من درعا كانت البداية تبعتها باقي المدن دون استثناء بوتائر مختلفة وفق طبيعة المواجهة وما كانت لتهدأ في مكان تبعا لقسوة البطش الا وتعود من جديد. إستخدمت السلطة في مواجهتها أقسى ما عندها من أمن وشبيحة وقوات الجيش لبتر تواجد المتظاهرين بالرصاص ومداهمة المنازل والاعتقال والتعذيب. ولقد أدركت هي الأخرى أن ما تجابهه يختلف عما سبق وأن الأمر بالنسبة لها حياة أو موت وهي وان راعت الوضعية الخاصة لمدينة دمشق بيد أن هدفها الأساس كان ومازال منع التواجد الجمعي للبشر في الشارع بكل عنف ووحشية لا بل ازالة هذا التواجد بناسه ومبانيه بشكل ممنهج كما في حماه ودير الزور واللاذقية. لغة المواجهة اختلفت من مدينة ومنطقة لأخرى غير أن سماتها الرئسية كانت حشد بشري يتوافق على الخروج للانتشار في ساحة بغية جعلها الساحة العامة يقابله تصميم لوأد هذا التواجد استخدم فيه العنف وجرى تعمد القتل والتدمير منذ اللحظة الأولى. تتطور شكل التظاهر مع ازدياد عدد المتظاهرين الذين تفننوا في ابتكار فنون تظاهرهم. كما اختلف تعامل السلطة وفق المنطقة أو الناحية فكان عنيفا جدا في المناطق الريفية والحضرية – الريفية ومتدرجا في العنف في المدن غير أن هذا الأسلوب سرعان ما استوى مع توسع مساحة المظاهرات وزيادة زخمها. نجحت الثورة في التمكن من الأزقة والشوارع الخلفية في المدن والنواحي والأرياف منذ اللحظات الأولى. لكن المساحات التي تقطنها عائلات التركيبة المالية العقارية بقيت عصية عليها كما المناطق التي عمدت السلطة على مدى أكثر من أربعين عاما على استثمار الاختلاف الثقافي لكسر روابط الجيرة وعزل سكانها عن التكوين العمراني التي تواجدت فيه. بالمقابل حافظت السلطة حافظت على تماسك وجودها في الشوارع الرئيسة لأن همها الدائم كان ومازال منع المظاهرة من الانتشار فيها ولن تتوانى عن للجوء الى الرصاص الحي لدى تخطي المظاهرة الخطوط الأولى للشارع العام او لدى محاولتها الوصول الى المستديرة كما حصل عندما حاولت عدة مظاهرات من دوما وحرستا والتل والزبلطاني الالتقاء في ساحة العباسيين في دمشق. شكلت مظاهرات حماة ودير الزور والبوكمال نقلة نوعية في الثورة فأعداد المشاركين فيها تجاوزت مئات الألوف ولكن الأهم من ذلك ان الجمهرة تمكنت تماما من مدنها واستطاعت في مواقع متعددة أن تستملك المناطق الأمنية ذاتها محطمة بذلك كافة الخطوط الحمر. أيقنت الثورة أن تفكيك الدولة الأمنية يبدأ بتفكيك أماكن وجودها على الجغرافيا، تلك الأماكن التي عرفها الناس جيدا وخبروا فعلها في إذلالهم وتدمير حياتهم. استملاك المواقع الأمنية لم يكن لحيازة السلاح كما أذاعه الاعلان الرسمي بل لاعادة مساحات مكانية الى المجتمع كانت السلطة استملكتها فيما مضى. فتفكيك الدولة الأمنية يتحقق في الواقع قبلما أن ينجز في النصوص. رد السلطة كان همجيا وتدميريا. فبعد محاصرة هذه المناطق وقطع المياه والكهرباء عنها جرى مداهمتها بأعداد كبيرة من الدبابات وقوات الأمن والشبيحة وقصف بيوتها وتدميرها على أهلها ثم فصل أحيائها عن بعضها وتفتيت صلات الاتصال فيما بينها. ولكن سيرة درعا وادلب وبنش وحمص وعرطوز ودوما أمامنا لتقول ان الثورة ماضية الى الأمام وأن البشر الذين تلقوا ضربات قاسية للغاية ما لبثوا أن عادوا من جديد ووراءهم تجربة كبيرة في التعاطي السلمي مع عنف خارج عن القياس من شدة وحشيته. لن يمضي وقت طويل قبلما أن نجد أهل حماه والدير في الشارع من جديد وبكثافة غير مسبوقة. كانت تجربة الأشهر الخمسة الماضية هائلة في الخسائر البشرية ولكنها أيضا هائلة في تفتح الذاتيات الفتية التي أيقنت أكثر من أي وقت مضى أن تواجدها الحياتي هو في إعادة استملاك المكان لتحقيق تواصل اجتماعي من نوع جديد.

كاتب سوري

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

56 − = 51

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...