الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سحر العبدالله / توقاً للحياة/ عباس عباس

توقاً للحياة/ عباس عباس

 

 

سحر العبدالله

لو أنك هنا أيها الأكثر حضوراً والأكثر حياة..ً

أدناه، انطباع شخصي وانفعالي عن شخص يعنيني كإنسان قريب من حياتي وذاكرتي قبل أن تمنحه التجربةوالحياة بمآلاتها أي صفات إضافية.

“ لا كتب تفي، ولا مدونات. فالخسائر، على فداحتها، لم تبلغ نهاياتها كي تُحصى. وهذه النخبة من أوراق الأسر المهربة انتحلت أمكنة وأزمنة وأسماء وجغرافيا خلبية تمويهاً على هويتها السجينة. أوراق ملأتها سِير انضفرت بوشائج الموت والحياة. ذواكر لأناس أفصح قليلهم واكتتم كثيره تواضعاً أو خوفاً أو تفادياً لوجع الإدلاء شهادة دمهم المهدور وهزائمهم”. هكذا يعبر عباس عباس في روايته توقاً للحياة، عن قلقه وتخوفه حيال تدوين أوراقه ومذكراته.

من ذلك الاعتراف والتنويه لقصور أي كتابة عن تجربة تمتحن قدرات الإنسان القصوى في تحمل الألم والتعايش معه أو تجاوزه تبدو الكتابة عن أدب السجون ورطة متعددة المستويات والإسقاطات، بالمعنى النفسي لما تتركه من انطباعات لدى القارئ، بالغالب مؤلمة ومديدة قد لا تنتهي بمجرد قراءة الكتاب أو إطلاع الآخرين على رسالته ومحتواه. ورطة أن تسقط مفهوماً كالشجاعة مثلاً أو النبالة إن سألت نفسك كقارئ أو صديق: أيعقل أن يحتمل إنسان كل هذه الآلام لسنوات طويلة من مقتبل العمر ويبقى إنساناً طبيعياً وإيجابياً وفعالاً مع ذاته والآخرين والأهم أمام وطن نبذه؟

وأنا أعود لتقليب صفحات كتاب “توقاً للحياة” للصديق الراحل عباس عباس بعد قراءته بهدوء وعلى مراحل. للمرة الأولى كان انفعالي مركباً، كيف سأكثف وأوجز انطباعي عن مثل هكذا كتاب وتجربة تمسني شخصياً- فهي تجربة لا تقاس فقط بآلاف السنين التي اقتطعت قسراً وظلماً من حياة أولئك البشر، بل بما عقبها من آلام وانكسارات وميتات بالمعنيين الجسدي والروحي. إلا أن لغة عباس، وقد كانت برأي المعلم الأهم في الكتاب بل بطله المطلق، هي التي تضع القارئ في امتحان تحد مربك. وأسأل نفسي مجدداً هل الرواية لغة فقط؟ أم الحكاية وصياغتها وتدرجها وتعقيد مستوياتها ثم نهايتها؟

لقد عرفتُ عباس شخصياً كقصة وكرمز وهو معتقل إذ تعرفت على أفراد عائلته المقربة جميعا إخوة وأخوات وزوجة وابنة.. وفي كل مرة كنت ألتقي بهم أسمع حكاية عن عباس وتكبر صورة الرمز بذهني..

سألتقي به بعد إطلاق سراحه مع الكثيرين من معتقلي الرأي في سوريا لتتطابق صورة المخيلة مع مشهد الواقع، لقد كان القوس المستعد للانطلاق نحو التجربة دوماً. “أنا الطليق المحتمل حتى إشعار آخر، لم أكسر قوساً، ولم أقتل طريدة. فلو كنت فعلتُ، لكانت أناملي فائضة عن حقي بمقدار ندم. جريرتي أني-كنت كما الكثيرين-أستنبت شعاعاً لقوسٍ قزحيٍ فانكسر القوس على رأسي، أجل على رأسي.”

معتقل رأي كم تؤلم هذه الجملة الخبرية والتي تختصر واقع العرب؟ حتى مجرد لفظ تلك العبارة التي أصبحت من منسيات المصطلحات التاريخية في العالم الحديث لا تفقد ثقل معناها وألمها في دول شرق المتوسط كما وصفها عبد الرحمن منيف بروايته التي تحمل نفس الاسم.

لا غرابة في استغراق عباس بعد خروجه من المعتقل كل ذاك الوقت كي ينجز تدوين أو تبييض وتحرير مذكراته عن التجربة فهو الحريص كجراح أن ينجز عمليته بدقة وإتقان وهو الصائغ للمعاني فلا يبالغ ولا ينتقص ولا يجحف ليشعر قارئ من خارج التجربة بأن تلك القصص المروية نقلت بدقة وأمانة ووفاء للحدث وأبطاله ومفرداته. وهنا يرتقي عباس بلغته فلا يثقلها تسيس ولا يجردها ويجففها تثاقف ولا تبتسرها استقطابات ثابتة أوجامدة؛ هي إذا لغة كاتب يحترم لغته وذاته وقارئه بشكل لافت وتجربة الاعتقال من أجل الحرية بلا شك..

في تدوين الحكاية اعتراف أولي وصريح من عباس تعكس تخوفه من عدم التمكن من نقل هذه التجربة.

التجربة المرصودة عبر فترات زمنية امتد من تلك اللحظات التي قرر فيها عباس السير في تلك الطريق المغوية، الوعرة الشائكة والمباغتة في منعطفاتها وانحداراتها حيث عبر عن ذلك في نص شهادته المقدمة لمحكمة أمن الدولة العليا حيث يقول:

قبل أن تمضي بي الطريق وشت لي دون مواربة” إنني شائكة ووعرة ومتعرجة ما أمكن، وأنا موقوتة البغتات ككل الدروب المناوئة للعسف!!”” نمشي مجازاً تلك الدرب عبر مئات الصفحات المثقلة بالألم والوفاء للناس والمبادئ والحياة والحرية..

يشيرلنا عباس بقلبه عبر صفحات الكتاب إلى التجربة بكل مراراتها من الصفحات الأولى عبر الإهداء ” للحرية التي لم نستطعها شمساً فابتعثناها في عتمة الزنازين” إلى الحبيبة متلمسة قسوة الابتعاد لضرورة التخفي

في سفر الخروج والتي سميت بالستارة الأولى نقرأ:” في هذا اليوم اللهاب ألم بي قلق حيال حركاتك التي لم أفهمها: أمضيت ساعة من التوضيب في السقيفة، حملت صغيرتنا ورحت تغني لها حتى نامت جائعة على غير موعدها، ولم تدع لي فرصة النظر في عينيك كي أقرأ مزاجك”. يغادر الزوج الحبيب إلى لبنان لتعيش الزوجة المنتظرة على تسجيل مرقته خلسة عن الزوج وتندم لاحقاً إذ تعذبها تفاصيل التسجيل أكثر مما تزجي وحدتها وشوقها.

“تراودني بنات الحرمان هذه، تؤجج اتقادي. أتقوى باستلاب جديد مغمضة عيناي على أثر يشي بك: كتاب، قميص، قصاصاتك تحت زجاج الطاولة، صوتك يأتيني من غامض علم الله، صورتك على الشاطئ ، مواعيد مزدلفة مدونة في مكان ما ، صفحة كتاب مطوية زاويتها، غناؤك في آلة التسجيل.” ص42

يروي عباس مرارة الاعتقال والتنقل بين فروع التحقيق بين حمص ودمشق بعد تلقي كل صنوف التعذيب والتنكيل وقد تسبب في شلل في يد عباس لأكثر من عام. وأخيراً لا بد من ذروة تكمل هرم الإذلال بعقاب جماعي وهو الترحيل إلى مملكة الجنون والموت، تدمر…قبل الوصول لصيدنايا فالإفراج.

عباس شاعر هنا ونثار هناك وسياسي بمكان آخر وعاشق وصديق وأب ورفيق وحبيب وهو في أمكنة أخرى كل ذلك وهو في الكتاب ككل مشروع مثقف حيوي يمتلك أغنى أسباب الحياة التي بخلت عليه حتى أن يصل للستين.. مقطوعا منها سنوات اعتقال طويلة خلف قضبان الإسكات والقهر والمرض ثم الموت في المنفى.

عبر مئات الصفحات من ذلك التدوين والتي تبدو كمرثية ملحمية دون بكاء أو استجداء ولا ادعاء، امتحن عباس ذاته ورفاقه والتجربة وقدم شهادة لا تقل نبلاً عن صموده في التحقيق والتخفي والمعتقل وبعد خروجه منه، نبالة لا غرابة فيها فهذا الرجل قل نموذجه الإنساني والنضالي.

تم نشر الكتاب بطبعته الأولى عن دار الخيال في بيروت، بتصميم يوسف عبدلكي لغلافه وبمبادرة مكونة من زوجة الكاتب فايزة ونوس وأخيه ثابت) الذي افتتح الكتاب بمقدمة مختصرة)ورفيق التجربة أصلان عبد الكريم الذي خص الكتاب بمقدمة مكثفة وبليغة ومُحبة وعاليه كقامة عباس ومن باب الامانة ايضا توجب ذكر شهادة راشد صطوف الوجدانية لرفيقه عباس. كان ممكناً وربما ضرورياً تلافي بعض الأخطاء لصالح إضفاء جاذبية أكثر للكتاب بمعنى ترتيب الفصول بشكل مختلف وبعض الأخطاء الطباعية هنا وهناك لم يكن ليقلل ذلك التدخل البسيط من المحبة والوفاء لوصية عباس. في نهاية الكتاب نص شهادةعباس التي قدمها امام محكمة امن الدولة وأرشيف لمساهماته المعرفية بين كتابة وترجمة.

في رثاء الشاعر السوري عادل محمود لصديقه الشاعر ممدوح عدوان جملة معبرة: لا تقلق فكل ما نفعله هو التقدم في العمر أو الزمن!! كل ما تم إنجازه بتجربة معتقلي الرأي في سوريا السبعينات هو آلاف السنين المهدورة من عمر خيرة شباب سوريا في السجون والتي ستبقى رغم مراراتها ملهمة للكتابة عن الحرية وتلمس أساليب تحقيقها بتجريب أقل فداحة مما حصل.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...