الرئيسية / كتاب الانتفاضة / خليل النعيمي / ثقافة العدم: لم يكن عهدا جميلا/ خليل النعيمي

ثقافة العدم: لم يكن عهدا جميلا/ خليل النعيمي

 

 

لم يكن عهداً جميلاً، عهد الطغيان الغاشم: رئيس واحد. حزب واحد. جبهة «تقدمية» واحدة. معارضة واحدة. رقابة واحدة. عِقاب واحد. لغة واحدة، هي «لغة السلطة»، ولغة معارضيها. أداة واحدة للقُبول بما لا يمكن قبوله: التخضيع والترْويع. وسبيل واحد للوصول : التمَلُّق والتسَلُّق. وأخيراً، سجن كبير واحد.…و … وبلد واحد. واليوم، تفَتّت البلد الذي أعرفه. و»سَكَنَ قلبي واحد آخر لا أعرفه».

لم يكن عهداً جميلاً، عهد الطغيان الغاشم. مارَسَ أقبح المناهج السياسية الاختزالية في التاريخ المعاصر: منهج التعصّب، والتطَيُّف، والابتزاز. قضى على عبقرية الشعب السوري. وكسر شوكة اعتزازه بنفسه، وبتاريخه. وقبل أن يصل إلى هذه المرحلة القصوى من إلْغاء المجتمع المدنيّ، وتقويض مؤسساته العريقة، كان قد حقق الاستيعاب الكامل، تقريباً، لكل عناصر الثقافة السورية، ومكوّناتها، وللعاملين فيها: إبداعاً ونقداً وتنظيراً، حتى ولو اِدّعى بعضهم «معارضته» شكليّاً.

بموازاة ذلك الاستيعاب الثقافيّ الخطير، الذي هو أهمّ عوامل الاستيلاء على الفعاليات الإنسانية النبيلة، وأنْجَع أداة لمصادرة العقل الاجتماعي المبدع، وليس الفرديّ، فحسب، كان نظام «قَمْع سوريا» قد هيّأ، خلال عقود طويلة، دون مقاومة تُذْكَر، أوعصيان (وهو ما يجعلنا نتحَمّل، نحن، أيضاً، مسؤولة مباشرة في هذه المأساة )، كان قد هَيَّأ السبيل لتذْويب الدولة السورية التي كانت «شبه حديثة»، حتى حوَّلَها، في النهاية، إلى حطام. وبات، الآن، يقف فوق ركام أقدم الحضارات الكونية مُتبجِّحاً بغباء: انتصرتُ! و»انتصاره» البائس المزعوم الذي لن يكتمل، ليس إلا سَراب الخديعة المأساويّ. خديعة النفس قبل أن تكون خديعة الآخرين. ومثْله، سيزول سريعاً، ولن يُخَلِّف سوى الدمار.

ما يهمّنا في هذه المأساة العظمى التي عَصَفَتْ بمقوّمات البلاد، عبر هذه الكلمات القليلة، هو البُعْد الثقافيّ، إذاً. البعد الثقافي الإدِّعائيّ، الممالىء، المـُراوِغ، الذي كان عاملاً أساسيّاً في تسهيل هيمنة السلطة الغاشمة على الوضع الإنسانيّ برمّته في سورية. فخلال النصف الثاني من القرن الماضي تَمّ، بمنهجية صارمة، تفريغ الثقافة من جوهرها. وحُوِّل المبدع الذي من المفروض فيه أن يلعب دوراً تنويريّاً، وتحريضيّاً، إلى منَشِّط اعلاميّ بليد، وإلى مُبرِّر متحمّس لما لا يجوز تبريره. كل همّه الوصول إلى مركز مُجْز وأمين، دون الاهتمام بما يجري حوله من عَسْف، وقمع، وتنكيل. حتى ولو تظاهَر بعض»مثقَّفي السلطة» بمواجهة ذلك، من آن لآخر، وادَّعوا ما لا يفعلون.

هكذا، تَمَّ تَخَريب التكوين الاجتماعيّ الراسخ، وخلخلة أُسسه. وأُزيحتْ من المشهد الثقافيّ عوامله الأصيلة، التي كانت موجودة قبل أن توجد هذه الطغمة المتسلِّطة! أزيحت، ليس بفعلِ نقدٍ معرفيّ واجتماعيّ متطوّر ومتَنَوِّر، وإنما بقرارات سياسية جائرة وحمْقاء. وعلى الفور، حلّ محلها «نشاط مشهديّ» هزيل، متواطىء، وتَلْفيقيّ، في الشعر والمسرح والسينما والصحافة والسرد، أيضاً. نشاط متَسَلِّط، مكتفٍ بنفسه، لايقوم على النقد ولا على التنديد، وبالخصوص فيما يتعلّق بـ»أُمّه» السلطة التي أفرزَتْه، وتَرْعاه. وهو، بالرغم من ادِّعاء بعض «أبطاله» مناهضة تلك السلطة، و»استيائهم اللطيف» من «بعض» تصرّفاتها، ظَلّ مدعوماً بعمق منها. فهي التي فرضتْه منذ البدء. وفسحت له فضاءها الفاسد لينمو على «راحته»، بعد أن تمّ تجاهل كل ما لا يتلاءم مع «تصوُّرها الثقافيّ» البليد، واستبْعاده، حتى ولو كان مهمّاً. لكأن البلاد لم تكن تحوي بشراً، من قبل، وحاضِراً، لا أحد فيها غير رَعيل «السلطة الثقافية» السعيد بغبائه، وبإنجازه الأحمق.

أمّا المظاهر الخادعة، والتنديدات الساذجة، أحياناً، لبعض المثقفين الذي يَرْتَعون في أحضان السلطة، بإعلان غضبهم الرَّخْو عليها، وتَجرُّؤ بعضهم على أن يُخَرْمِشها بحنان، موهمين الملأ بمُناوَءتهم لها، مُتَّكئين، في الوقت نفسه، على الجهتين، معاً: السلطة والمعارضة، فلم يجد نفعاً. ولم ينجح أيّ منهم في أن يكون «الابن العاق»، فعلاً، لتلك السلطة الغاشمة التي أرضعته من حليبها المسموم. على العكس، لم يزدها ذلك التفَلُّت الحائر، ومحاولات «مثقَّفيها» المجهَضة للانعتاق من قيودها، إلا مزيداً من الاحتضان لهم. فمات الكثيرون منهم، قبل أن يروا نهاية سلطتهم الغاشمة.

وبعد نصف قرن، تقريباً، من هذا الاستلاب الثقافيّ (لسنا بحاجة للإشارة إلى الاستلاب السياسيّ العارم)، لا زلنا نتساءل: أي نوع من الثقافة كانت تسود البلاد؟ وعلى أي أساس سادت؟ وبأيّ حَقّ تمَّت مصادرة العقل؟ وكيف أُلجِمَت المشاعر، وحُدِّدَت المصائر؟ ولأننا لم نَدرك كل ذلك في أوانه، صرْنا نتعجّب، حاليّاً، من الآثار الجانبية المريعة التي أفرزتها ظاهرة تلك «الثقافة العميلة» التي تَحَمَّلْناها، إنْ لم نكن قد قبلناها.

واليوم، بين مطرقة «النفط»، وسندان «القمع»، حيث تسود إرادة «قاطعي طريق الحياة» الحرة الكريمة من مستبدّي الأنظمة العربية بشتى أشكالها، وعلى رأسها النظام في سوريا، بدأ «العالم العربي»، أو ما يمكن تسميته، الآن، بشكل أدقّ: «رجل أوربا وأمريكا المريض» للقرن الحادي والعشرين، ينازع الموت، فعلاً. وإذا ما استمرت الحال على هذه الشاكلة، ولم يرتدع الطغاة، ولم يستوعبوا خطر الموت الداهم، فَسيَتفتَّت «عالممنا العربيّ»، كما تفَتَّت «الامبراطورية العثمانية» الذي ساهم، هو نفسه، في تفتيتها، في أوائل القرن الماضي. وسنشيِّعه، قريباً، غير آسفين، إلى «مزبلة التاريخ». وحتى هذه ستكون كثيرة عليه، وعلى حكّامه الغادرين.

ولكن، لمن تُقْرَع الأجراس؟

 

٭كاتب سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...