ثمن الخراب


نديم جرجورة

يصعب الدخول إلى الواقع السوري الراهن، أمام هول الخراب الحاصل في الجغرافيا، كما في أرواح الناس وأجسادهم. الخراب فظيع. إصاباته تكاد تبزّ الواقع لحساب المتخيّل. أم أن المتخيّل بات أكثر واقعية مما يحدث على الأرض؟ الأرض السورية مفتوحة على أقسى التحدّيات. الناس ذاهبون إلى الأرض والتحدّيات بعشق لا مثيل له إلى الحرية والكرامة. أقول الناس، وأقصد بهم أولئك الفاتحين صدورهم العارية أمام رياح التغيير. بل أولئك الساعين لصنع التغيير. أقول الناس، وأقصد بهم أولئك الذين بدوا «منجزاً تاريخياً»، طالعاً من أرض الأحلام الواقعية إلى فضاء المعجزة: معجزة كسر المألوف، واجتياز خطّ اللاعودة إلى اللامكان واللازمان. اجتياز خطّ اللاعودة، في اتجاه المكان والزمان الجديدين: أرض التاريخ، ولحظة الانتصار التي تؤسّس جديداً ومختلفاً، صالحاً لأبناء الأرض أجمعين.

يصعب الدخول إلى الواقع السوري الراهن، من دون فهم الإشارة الأجمل في الحدث: أن تُسلَّم للناس إدارة اللعبة. أي أن تُتاح للناس إمكانية إحداث الفرق بين لحظتين متناقضتين: لحظة الخنوع التي ولّت، ولحظة صنع المستقبل التي بدأت. أي أن تُتاح للناس إمكانية جعل اللحظة الأولى درساً لتأسيس اللحظة الثانية. وبين اللحظتين، يظهر المدى شاسعاً، والخيار السلميّ قابلاً لأن يكون مفتاح الانقلاب على اللحظة الأولى، ومدخل الولوج إلى قلب اللحظة الثانية. بل أداة صنع اللحظة الثانية. أقول اللعبة، وأقصد بها قوانين الصراع السلميّ الحاصل الآن، من جهة الناس طبعاً، وإن واجه هؤلاء عنفاً سلطوياً معتاداً. فارتفاع عدد الشهداء واتّساع مساحة الدم يواجَهان بإصرار متين وتماسك حيويّ في الذهاب بالمعركة السلميّة لخاتمتها المجيدة. مثاليّ القول بخاتمة مجيدة لأولئك الناس؟ ربما. لكن انكسار اللحظة الأولى بات واقعاً. وبداية اللحظة الثانية باتت واقعة أيضاً.

يصعب الدخول إلى الواقع السوري الراهن، من دون الانحناء أمام بطولة أناس عزّل، يستيقظون كل يوم بحماسة اليوم الأول، كأنهم يبدأون اليوم اشتعال الأمل فيهم من أجل بناء غد أفضل. يبدأون اليوم وكل يوم. يبدأون الآن وكل آن. البدايات جميلة. النهايات، في مسائل كهذه، أجمل. البدايات عنيدة من أجل حقّ يُدافَع عنه سلمياً. النهايات أعند، لأن هناك حقّاً يُدافَع عنه سلمياً. أما الدم، فحبر الحكاية. والخراب، ركيزة البداية. والناس هؤلاء يمشون درب جلجلة لإنجاز نهاية الخراب، وإيجاد أرضية صلبة للبدء بترجمة الحكاية إلى واقع آخر يصلح للناس أجمعينً.

لا أقول جديداً. أعرف معنى العجز عن الكتابة إزاء حراك شعبي سلميّ يتوق أبناؤه إلى انبثاق الفجر المطلوب. أمام هول الصوَر المقبلة من أرض الحكاية، تتضاءل الكلمات. تضمحل معانيها إلى حدود الانحجاب المطلق. الآن هنا، لم يعد للكلمة مكان. غالب الظنّ أن المواجهة السلمية طريق وحيدة إلى اللحظة المنشودة. لكن المؤكّد أن الذين يواجهون بأنفسهم آلة الخراب من أجل الحرية والكرامة، أدرى من الجميع بثمن الانصياع إلى إرادة الذات في تحطيم الجدران، والذهاب بعيداً لتحقيق الإرداة هذه.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

8 + 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...