الرئيسية / صفحات الرأي / ثورات وثورات مضادة: في تحولات النظام الإقليمي العربي/ طارق عثمان

ثورات وثورات مضادة: في تحولات النظام الإقليمي العربي/ طارق عثمان

ملخص
تحلل الورقة طبيعة التفاعلات السياسية في النظام الإقليمي العربي، من خلال متغيرين رئيسيين: الثورة والثورة المضادة. وعبر ثلاثة مستويات تحليلية، الأول: يتعلق بخصائص وحدات النظام السياسية، تحديدًا حال الديمقراطية فيها. والثاني: ينصرف إلى دراسة طبيعة التفاعلات السياسية الخارجية وأنماط التحالفات بين وحدات الإقليم المختلفة. بينما الثالث ينشغل بتحليل بيئة الإقليم السياسية بالتركيز على طبيعة حضور القوى العظمى، وطبيعة أدوار الفاعلين من غير الدول في الإقليم. ويتم تناول المستويات الثلاثة في محورين، الأول: يهتم بمتغير الثورة، بينما الثاني يهتم بمتغير الثورة المضادة.
مقدمة
خلال السنوات الأربع التي خلت، بداية من اللحظة التي أشعل فيها البوعزيزي فتيل الثورة التونسية وحتى الراهن؛ حدثت تغيرات جذرية في طبيعة النظام الإقليمي العربي خلّصته من وصمة الجمود التي ميزته على مر عقود. انتظمت هذه التغيرات تحت حدثين رئيسيين، الأول: هو موجة ثورية، والثاني: هو موجة الثورة المضادة التي تبعتها. تروم هذه الورقة تحليل طبيعة التغيرات التي خلّفتها الثورة ثم الثورة المضادة على بنية النظام الإقليمي العربي خلال هذه الفترة انطلاقًا من مقولة النظام الإقليمي كمستوى من مستويات تحليل العلاقات الدولية(1)، لتجيب عن السؤال الآتي: ما هو أثر كل من الموجة الثورية ثم موجة الثورة المضادة على الآتي: حال الديمقراطية في النظام الإقليمي العربي، وطبيعة التفاعلات السياسية والتحالفات بين وحدات الإقليم، وطبيعة تدخل الفاعل الخارجي في سياسات الإقليم، ووضع الفاعلين من غير الدول داخل حدود الإقليم؟
أولاً: الثورات: حدود التحول في النظام الإقليمي العربي
كيف كانت طبيعة النظام الإقليمي العربي قبل الثورات؟ لقد اتسم النظام الإقليمي آنها بطابع ستاتيكي، يتصف بالآتي:
فيما يتعلق بالخصائص البنيوية لوحدات النظام في المستوى السياسي: كان الملمح الأهم هو غياب الحراك السياسي الساعي للتغيير الديمقراطي؛ ففي مصر وليبيا وتونس واليمن وسوريا ثمة حكم سلطوي ممتد لفترات طويلة يقهر أية حركات سياسية معارضة. وفي الأردن نظام ملكي دستوري يدير معارضته بأمان. وفي دول مجلس التعاون أنظمة ملكية راسخة، فقط ثمة نبتة ديمقراطية ضعيفة تنمو تحت سقف ملكي في الكويت، ولا تمثل أي عبء على نظامها.
فيما يخص نمط العلاقات والتحالفات بين وحدات الإقليم: كانت علاقات مصر مع دول مجلس التعاون (لو استثنينا قطر بدرجة ما) والأردن تتسم بالتوافق العام والثبات، وهذه الدول جميعها اتسمت علاقتها مع إيران بالجفاء. بينما تتسم علاقة هذه الأخيرة بسوريا بالعمق والمتانة، وكذلك مثَّل العراق ولبنان مناطق نفوذ لها. بينما تركيا في بادئ الأمر كانت متجهة نحو أوروبا، ومن ثم لا تشغلها بجدية طبيعة علاقتها بباقي دول الإقليم، ولكنها قبيل الثورات كانت بصدد تحويل مجرى سياستها الخارجية نحو الشرق (سياسة صفر مشاكل والعمق الاستراتيجي)؛ فحسّنت علاقتها مع سوريا والعراق، وحاولت أن تكون وسيطًا ممتازًا بين إيران والدول الغربية وبين سوريا وإسرائيل، ولكن ساءت علاقتها مع الحليف الأصيل (إسرائيل) منذ أحداث سفينة مرمرة.
أما عن طبيعة بيئة الإقليم؛ فقد مثّلت دول: مصر، السعودية، إيران، سوريا، تركيا، قلب النظام الإقليمي، بينما مثّلت باقي دول مجلس التعاون، مع لبنان المثقل بانقسامات طائفية وسياسية غير قابلة للحل، والعراق المحتل لتوّه من قِبل الولايات المتحدة، ودول المغرب العربي، دولَ الهامش.
اتسم النظام بكونه مخترقًا من قبل القوى العظمى تحديدًا الولايات المتحدة، حيث ثمة قسمة ثنائية كلاسيكية لدول النظام الإقليمي، أطلقتها الإدارة الأميركية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001: محور الاعتدال؛ وهو يضم: مصر، والأردن، ودول مجلس التعاون الخليجي. ومحور الممانعة ويضم: إيران، وسوريا، وحركة حماس، وحزب الله كفاعلين من غير الدول. وكان محدد هذه القسمة هو مدى التوافق مع استراتيجية واشنطن في المنطقة (خاصة العلاقة مع إسرائيل، والموقف من حركات المقاومة، وما يُسمى الإرهاب)(2). هذه، إذن نظرة عامة على حالة النظام الإقليمي العربي، في مستوياتها المختلفة في ما قبل الموجة الثورية، فماذا فعلت الثورات العربية بهذه الحال؟
1. الديمقراطية: مسارات ملغومة
كانت الموجة التي انطلقت من تونس في نهايات 2010 ومنها إلى مصر، بمثابة بشارة على نهاية السمت الديكتاتوري لأنظمة الحكم في الإقليم، وبداية حقبة ديمقراطية حقيقة. ولكن مسار الديمقراطية في البلاد التي انتهت فيها هذه الثورات تقريبًا (تونس، مصر، ليبيا، اليمن) لم يكن كما كان يؤمَّل له؛ ويمكن اختزال أسباب التعثر الديمقراطي فيما بعد الثورات في الآتي:
سطوة الأيديولوجيا: انخرطت القوى الثورية بعد أول إشارة على سقوط الأنظمة الديكتاتورية، في صراع أيديولوجي مرير فيما بينها، أطّرته الثنائية: إسلامي/علماني؛ مما زاد من تفككها وهي المفككة أصلًا، وأنتج حالة من الاستقطاب الحاد في تلك المجتمعات. كان هذا جليًا في الحالة المصرية، وبدرجة أقل في تونس. لقد عجزت الفواعل السياسية فيما بعد الثورات عن توفير قدر أوّلي من التوافق الضروري لتسيير عملية ديمقراطية.
الدول العميقة: ربما كانت السمة الأوضح لهذه الثورات، أنها لم تُنجز مهمتها بمهارة؛ هي لم تقضِ تمامًا على الأنظمة السياسية الحاكمة، لقد تركت خلفها النظام القديم ممتدًا بكل عمق في أجهزة الدولة الإدارية المختلفة، عملت على عرقلة مسار الديمقراطية وتلغيمه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ربما كانت الحالة المصرية نموذجية في هذا الصدد؛ تلقفت المؤسسة العسكرية الحكم مباشرة فيما بعد الثورة، وتلكأت كثيرًا في سبيل تسليم السلطة للمدنيين (المتطاحنين أيديولوجيًا فيما بينهم)، وبعدما سلمتها للإخوان المسلمين، ظلت تعرقل مسعاهم لإدارة الحكم، متوسلة بثلاثة أجهزة للدولة العميقة: السلطة القضائية، والسلطة الدينية، المتمثلة في مؤسسة الأزهر الرسمية، وأجهزة الإعلام (الرسمية أو التي يملكها رموز الدولة العميقة) حتى انقلبت عليهم في نهاية المطاف.
المسارات العنيفة: في الحالة الليبية انتقلت الثورة من حدث سلمي إلى حرب حقيقية؛ لذا فإن انتشار السلاح في أيدي الجميع، وتحوُّل الفاعلين إلى ميليشيات مسلحة، مع وجود جماعات إسلامية عنيفة، وغياب أية مؤسسات للدولة، يحول إلى الآن دون إتمام عملية ديمقراطية حقيقية. وفي الحالة اليمنية ثمة واقع قَبَلي عنيف ومسائل تتعلق بالحوثيين والقاعدة، وحضور أركان النظام القديم في المشهد السياسي ما بعد الثوري، كل ذلك يقف حجر عثرة في طريق عملية ديمقراطية.
كمحصلة، بعد عامين تقريبًا من التيه الديمقراطي، لم تصمد أول محاولة ديمقراطية في مصر لأكثر من عام؛ إذ تم الانقلاب عليها، وليبيا غارقة في صراعات عسكرية وسياسية مريرة، بينما اليمن في حالة فوضى بلا معالم. وحدها تونس بالكاد قد استطاعت أن تنتقل بضع خطوات في المسار الديمقراطي؛ قد أنجزت للتوّ دستورًا جديدًا، ويحاول الفرقاء السياسيين أن يديروا خلافاتهم الأيديولوجية بدرجة عالية من التوافق.
2. السياسات والتحالفات: رهان الإسلام السياسي
كيف غيّرت الموجة الثورية طبيعة السياسات الخارجية والتحالفات بين دول الإقليم؟ دول الإقليم التي اجتاحتها موجات ثورية، انكفأت تقريبًا على أنفسها منشغلة بهمومها الداخلية، ومن ثم لم تتبلور لها سياسات خارجية واضحة. بينما باقي دول الإقليم يمكن النظر في سياساتها كالآتي:
2-1. دول الخليج: قطر تغرد خارج السرب
استطاعت دول الخليج (مع الأردن) أن تنجو من موجة الثورات وبقيت في منأى عنها(3)، وذلك بغض النظر عن المحاولة الثورية ذات الصبغة الطائفية التي تمت السيطرة عليها مبكرًا في البحرين(4)، إلا أن ذلك لم يحل دون خوفها الشديد من انتقال الحراك الثوري إليها يومًا ما. انقسمت دول الخليج إلى فريقين: قطر في ناحية، وباقي دول مجلس التعاون، وعلى رأسهم المملكة السعودية والإمارات المتحدة في ناحية مقابلة.
كان موقف السعودية والإمارات سلبيًا جدًا تجاه دول الربيع العربي، وذلك يرجع إلى محددين متعالقين بدرجة كبيرة، الأول: يتعلق بمناهضتها لفكرة التغيير أصلًا، والتغيير الثوري من باب أولى، وذلك بوصفها مَلَكيات راسخة تتحسس من الألفاظ التي تتضمن معاني الإصلاح، والتغيير، والثورة. أما الثاني؛ فينصرف إلى علاقتها شبه العدائية بحركات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون تحديدًا)، والتي بدا ومبكرًا أنها ستتولى مقاليد السلطة في كل الدول التي مرت منها عاصفة الربيع العربي.
بينما جاء موقف قطر أكثر انفتاحًا على الربيع العربي، وغردت خارج السرب الخليجي تمامًا. لقد تعاملت قطر بوصفها راعيًا للثورات العربية دبلوماسيًا وإعلاميًا. يرجع ذلك في جزء منه إلى طبيعة الدور الإقليمي الذي تروم الدوحة أن تلعبه، والذي انبنت عليه مجمل سياساتها الخارجية(5) والذي يُعَدّ الوقوف مع الشعوب في حراكها ضد الأنظمة الديكتاتورية، أحد مقتضياته الرئيسية.
انعكست هذه المواقف على العلاقات بين وحدات الإقليم كالتالي:
بالنسبة للعلاقات الخليجية-الخليجية: فإن علاقة المملكة السعودية بالبحرين قد اشتدت أواصرها (خاصة بعد دخول قوات درع الجزيرة لكبت الحراك الثوري هناك)، ووصل الأمر إلى حديث عن اندماج سياسي كامل بينهما، والذي لم يُكتب له النجاح على أية حال. بالنسبة لسلطنة عمان فهي دولة هامش في المجلس، وتبدي درجة عالية من الزهد في التواصل العميق مع باقي أخواتها؛ ومن ثم فعلاقتها معهم تتسم بتوافق صامت. وفيما يخص العلاقة مع قطر، فموقفها الإيجابي من الربيع العربي (لو استثنينا موقفها من الحالة البحرينية)، قد أثار امتعاض باقي دول الخليج بشدة، خاصة المملكة العربية السعودية. لقد ساءت العلاقة لحد ما، وإن لم يترتب على ذلك سياسات عدائية متبادلة، بين قطر وباقي دول مجلس التعاون(6).
بالنسبة للعلاقات الخليجية مع مصر: فيما يخص السعودية والإمارات فقد اتسمت علاقتهما بمصر بحالة من البرود والتوجس، لم يشفع لمصر أن تكون أول زيارة خارجية للرئيس المنتخب محمد مرسي، إلى المملكة السعودية، وهناك لم يتوان السيد مرسي عن تبجيل المملكة، ووصفها بـ”حامية الإسلام السني في المنطقة”، وأيضًا أكّد للملك على أولوية الأمن القومي الخليجي. في واقع الأمر، خلاف المملكة مع الإسلام السياسي بعامة وجماعة الإخوان على وجه الخصوص خلاف جذري. أما الإمارات الغاضبة من وصول الإخوان للحكم في مصر، فقد شددت الخناق على أعضاء الجماعة داخل أراضيها، وقدمتهم لمحاكمات لا تزال في مسارها القضائي حتى الراهن. وعلى النقيض تمامًا، تحسنت علاقات قطر بالإدارة الإخوانية الجديدة لمصر، وتمت زيارات متوالية قطرية، مشفوعة بهبات مالية، لإعانة الاقتصاد المصري الراكد.
بالنسبة للعلاقات مع سوريا: بالرغم من كون الموقف من الثورة السورية يعتبر محل إجماع بين دول الخليج قاطبة، فإن ذلك لم يمنع من وجود اختلافات سعودية-قطرية في تفاصيل هذا الموقف العام، فثمة نقطتان هنا:
الأولى: تتعلق بدوافع كل منهما لدعم الثورة السورية: فالسعودية لا تقف ضد الأسد دعمًا للتغيير ودفاعًا عن حرية الشعب السوري، وإنما دافعها الوحيد هو مناكفة إيران منافسها الجيوستراتيجي الأهم في المنطقة. لقد رأت الرياض أن الإطاحة بنظام الأسد ستمثل ضربة قاصمة للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. بينما الدافع القطري فلا يمكن الجزم بأنه يتمحور حول القلق من النفوذ الإيراني في المنطقة (ربما يكون هذا في جزء منه)، وإنما يتوافق هذا الموقف مع الإطار العام لسياستها الخارجية: دعم حريات الشعوب وتبني قضاياها. قبيل الثورة السورية كانت علاقة قطر بالأسد على ما يرام، لقد دعته في بداية الثورة لإجراء حزمة من الإصلاحات، حتى لا يكن مصيره كمصير بن علي ومبارك، ولكنه أبى؛ فتلكأت قطر في دعم الثورة السورية على أمل أن يلين الأسد، ولكنه لم يفعل، وانتهى الأمر بانخراطها المحموم في دعم الثورة.
أما النقطة الثانية؛ فتتعلق بالأطراف التي تدعمها كل من السعودية وقطر داخل المعارضة السورية: كالعادة قطر تراهن على جماعة الإخوان، بوصفها الجواد الرابح في كل حالات الربيع العربي (مصر، وتونس، وليبيا بدرجة أقل)، مع دعم بعض الجماعات السلفية الأكثر اعتدالاً، بينما تريد السعودية أن تنأى بنفسها تمامًا عن أية كيانات إسلامية في المعارضة، وتُؤْثِر عليها دعم كيانات أكثر علمانية.
كمحصلة، يمكن القول بدرجة من التجريد: إن قطر راحت تدعم كل الإدارات الجديدة لدول الربيع العربي، بينما باقي دول الخليج الأكثر محافظة لم تكن علاقتها أبدًا جيدة بها، واتفق الجميع بصورة عامة على القطع مع الأسد ودعم الثورة السورية، وإن كان كل على طريقته.
2-2. تركيا: ضياع “صفر مشاكل”
تركيا بوصفها القائد الإقليمي السني، المتبني لمظالم الشعوب العربية، هذه هي الصورة الذهنية التي انطلقت تركيا منها في تفاعلها الإيجابي مع الربيع العربي، ودعمها للثورات. هذه السياسة التركية الجديدة قد كلّفتها ضياع استراتيجيتها السابقة على الربيع العربي، والمتمثلة في تصفير مشاكلها مع كل دول الإقليم قاطبة. لقد سارعت تركيا بالقطيعة مع أنظمة الحكم التي ثارت عليها شعوبها، وطلبت منها الرحيل بهدوء؛ فعلت ذلك مع مصر مبكرًا، وربما تكون تلكأت قليلاً في حالة ليبيا (نظرًا للتدخل العسكري الغربي، ولمصالحها الاقتصادية هناك). بالنسبة لسوريا والتي كانت علاقتها بتركيا حميمية لأبعد حد قبيل الربيع العربي (سوق مشتركة، إلغاء التأشيرات، وساطة تركية بين دمشق وتل أبيب)(7)؛ سعت تركيا (كما سعت قطر) لدفع الأسد إلى تقديم إصلاحات حقيقية تحتوي المعارضة، وتمنع انفلات الوضع من بين يديه، ولكنه أبى، بسرعة صارت تركيا راعي الثورة السورية سياسيًا ولوجستيًا وإنسانيًا. لقد خسرت تركيا علاقتها بنظام الأسد وإلى الأبد(8).
فيما يخص مصر فقد تحسنت كثيرًا علاقة تركيا بإدارة الرئيس محمد مرسي؛ إذ كان ثمة توافق أيديولوجي بين إسطنبول والقاهرة، وزيارات متبادلة، وأحاديث صاخبة عن حلف مصري-تركي جديد يقوده كل من أردوغان ومرسي.
2-3. إيران: الورطة السورية
لم تغير الثورات العربية كثيرًا في طبيعة علاقات طهران مع دول الإقليم؛ إذ حاولت إيران بداية أن تخرّج الثورات العربية بوصفها محض امتداد للثورة الإسلامية في 1979، ولكن لم يجد هذا التخريج رواجًا كافيًا؛ لذا قدمت خطابًا إيجابيًا عامًا نحو الثورات، حتى وصلت الموجة لدمشق، عندها تبدلت الحال تمامًا(9).
بالنسبة لمصر، فقد أمّلت طهران أن يمثل رحيل مبارك ومجيء الإخوان المسلمين، بداية لمرحلة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، بعد قطيعة تامة بين البلدين منذ الثورة الإيرانية. أعلنت طهران عن نواياها الحسنة لدعم الاقتصاد المصري، ثمة تفعيل لما يُسمى بالـ”دبلوماسية الشعبية”، وها هو أول وفد سياحي إيراني قد جاء إلى مصر. لم تسر الأمور على هذا المنوال، لقد تجمد كل شيء تقريبًا؛ وذلك لنقطتين، الأولى: تتعلق بتوجس القاهرة من أن تغضب منها الدول الخليجية (السعودية تحديدًا) بسبب إصلاح علاقتها مع طهران، والتي بحسبهم المهدد الأول للأمن القومي الخليجي. أما النقطة الثانية؛ فهي ذات بعد طائفي وتنصرف إلى الرفض الأيديولوجي (والذي تولّى كبره السلفيون في مصر) للتقارب المصري-الإيراني، لقد كان ثمة قلق وهواجس من تشييع المصريين.
أما فيما يخص سوريا، والتي تمثل حليفها الأهم في الإقليم منذ الثورة الإسلامية، فإيران لم تتردد في بسط يد العون للأسد كي يقمع الثورة السورية؛ فدعمته ماليًا، وسياسيًا، وعسكريًا. يتعلق الأمر، بكون إيران قد استثمرت طويلاً في سوريا، إنها الامتداد الجيوستراتيجي لها في الإقليم، وهي الجسر الواصل لذراعها في لبنان، أعني: حزب الله.
كمحصلة، فإن الربيع العربي، قد أبعد دول الخليج عن مصر، مع استثناء قطر؛ مما أحدث شرخًا في العلاقات الخليجية-الخليجية. لم تحدث تغيرات ملموسة في العلاقات المصرية-الإيرانية. وتعمقت الهوة بين دول الخليج وإيران. وتحسنت علاقات تركيا بمصر في عهد حكم الإخوان، وانهارت تمامًا علاقتها مع سوريا. وتوترت علاقتها بطريقة نسبية مع إيران.
3. الفاعل الخارجي: أعراض الانسحاب الأميركي
كانت –ولاتزال- الولايات المتحدة هي القوة العظمي، التي تملك نفوذًا في الإقليم، فما انعكاسات الثورات العربية على هذا النفوذ؟ لقد جاءت الثورات العربية والولايات المتحدة تحزم أمتعتها وبصدد مغادرة المنطقة، ثمة وجهة جديدة للاستراتيجية الأميركية: منطقة الباسيفيك (حيث الصين). لقد تشوهت سمعة واشنطن تمامًا في الإقليم، وخسرت الكثير في حرب العراق، لا شيء مغر هنا إذن بعد الآن.
كان محدد تفاعل الولايات المتحدة مع الثورات العربية، هو تجنب الاحتكاك المباشر، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، لم يكن بيدها الكثير لتتدخل به في واقع الأمر؛ ومن ثم انتهجت مقاربة غاية في البراغماتية، مع الدول التي اجتاحتها الموجة الثورية: لقد تخلّت عن نظامي بن علي ومبارك بكل بساطة (أزعج ذلك بعض دول الخليج بشدة)، وقبلت بالإدارة العسكرية لمصر طوال المرحلة الانتقالية، ثم تعاملت بإيجابية مع الإدارة الإخوانية لمصر الجديدة(10). في اليمن ومن خلف حلفائها الخليجيين تم احتواء الثورة تمامًا من خلال صفقة ما مع نظام صالح. أما في ليبيا فتصدر الناتو لمهمة إسقاط القذافي، ووقفت وراءه باحتشام. في سوريا كان خيارها الاستراتيجي ولا يزال هو عدم التورط هناك مرة ثانية؛ فجراح العراق وأفغانستان لم تُشْفَ بعد. قاومت واشنطن كل الضغوط التي تُمارَس عليها للتحرك عسكريًا ضد الأسد، بعد مرور ثلاث سنوات من ذبحه لشعبه، لقد حنثت واشنطن بعهدها أنها لن ترحم الأسد حال استخدم أسلحة كيميائية ضد الشعب، وقد فعل، اكتفت واشنطن بالدعوات المكرورة وبلا جدوى عن حل سياسي للأزمة (جنيف 1و2) وبمحاولة مد الجماعات المعارضة البعيدة عن التنظيمات الجهادية بأسلحة (خفيفة طبعًا)، وبترك دول الخليج تمد مختلف الفصائل المقاتلة ضد الأسد بالمال والسلاح.
إن إحجام واشنطن عن التدخل بعمق في الإقليم، قد أوجد لقوة تسعى لاستعادة عظمتها مرة ثانية، موطئ قدم في إقليم هو محرم عليها منذ عقود، إنها روسيا(11). ربما كانت الثورة السورية هي الملمح الأهم للحضور الروسي في الإقليم. مثّلت موسكو (مع إيران) الحليف الأول للأسد ضد الثورة، ثمة مصالح اقتصادية (تجارة السلاح تحديدًا)، وأخرى استراتيجية (ميناء طرسوس، وهو المنفذ الوحيد المتبقي لروسيا على مياه دافئة)، ولكن تبقى الدوافع الأهم في موقف روسيا هي الآتي: الأول: يتعلق برفض موسكو لمبدأ التغيير الثوري من الأصل، خاصة لو كان يحمل نكهة إسلامية متشددة، إنها تخشى أن ينتقل الفعل الثوري إلى حياضها، وأن تعود إليها الجماعات الإسلامية لتنفذ عمليات جهادية. أما الثاني؛ فينصرف إلى رغبة موسكو في إلجام واشنطن عن رغباتها في التدخل في شؤون الدول بغرض تغيير سياستها، موسكو لا تريد أن يحدث ذلك معها يومًا ما، ومن ثم تقف حجر عثرة أمام أية محاولة أميركية لتطبيع هذا التدخل وشرعنته. إن بوتين أيضًا -وينبغي أن لا نغفل ذلك- يريد أن يُعيد لروسيا مكانتها في العالم، يريد أن يفكّك وضع الأحادية القطبية ما استطاع لذلك سبيلاً.
4. الفاعلون من غير الدول: نصر الإسلام السياسي
الفاعلون من غير الدول في الإقليم كلهم تقريبًا ذوو خلفيات إسلامية، وينقسمون إلى: التنظيمات الجهادية (القاعدة وتفريعاتها)، وحركات المقاومة المسلحة (حركة حماس، وحزب الله). كيف أثّر الربيع العربي على نمط علاقات وتفاعلات هؤلاء في الإقليم؟
بادئ الرأي، اعتُبر الربيع العربي ضربة قاصمة لاستراتيجيات التنظيمات الجهادية؛ فها هي الشعوب العربية قد حررت نفسها من الطغيان، دونما أن تفكر في رفع أي سلاح، لقد تم في عجَل إعلان نصر السلمية وتأبين أية استراتيجيات تغيير عنيفة. وعليه، فقد كانت حركات الإسلام السياسي، السلمية والمنخرطة في العمل السياسي، هي الأوفر حظًا في أن تحتل مكانة متقدمة في المشهد السياسي للربيع العربي.
ولكن على الأرض، أتاحت حالة الفوضى والانفلات الأمني في المراحل الانتقالية، سهولة تحرك التنظيمات الجهادية، والمقدرة على نقل السلاح بأمان. وعليه، فقد تشكّلت في كل من مصر وتونس وليبيا جماعات تابعة -بدرجة أو بأخرى- للقاعدة تحمل اسم: أنصار الشريعة. فيما يخص مصر فقد استقر ثقل هذا التنظيم في سيناء، وخاض الجيش معه حرب حقيقية ممتدة من بُعيْد الثورة وحتى الراهن(12). وكذلك الحال في تونس. أما في ليبيا ونظرًا لطبيعة ثورتها المسلحة ومنذ البدء، فقد انخرط التنظيم الجهادي مبكرًا في القتال ضد القذافي، ومن آنها وهو يحظى بنفوذ كبير، بالطبع مع باقي الفرقاء المسلحين مثله بالضرورة، ففي ليبيا ثمة ميليشيات أكثر منها فواعل سياسية.
أما في سوريا فالوضع أكثر تعقيدًا؛ فلقد مثّلت الساحة السورية ملاذًا للتنظيمات الجهادية، ثمة جبهة النصرة التابعة للقاعدة، والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وغيرها من التنظيمات(13)، التي تقاتل ضد الأسد.
فيما يخص حركة حماس، فقد فرحت كثيرًا بسقوط نظام مبارك في القاهرة، ومجيء الجماعة الأم -الإخوان المسلمين- للحكم، لقد تحسنت العلاقات كثيرًا مع القاهرة آنها؛ فُتحت المعابر، واستُقبل قادة حماس في القصر الرئاسي، إنها حقبة جديدة كانت الحركة تأمل أن تعوّض فيها ما عانته في ظل حكم مبارك. رُبّ فرحة لم تكتمل؛ ففي سوريا قامت الثورة على الأسد، حليفها الأهم في زمن لم يَجُد عليها بكثير من الحلفاء؛ وحدهما سوريا وإيران كانتا في ظهر الحركة على الدوام، يقدمون لها الدعم المالي والعسكري والسياسي، في ظل غياب أية حاضنة عربية لها. مثّلت الثورة السورية نكسة لعلاقات الحركة مع سوريا وإيران، لقد عادلت خسارة الحركة في سوريا مكسبها من الثورة المصرية تقريبًا(14).
بالنسبة لحزب الله، فقد تورط تمامًا في الثورة السورية، وهو يقاتل باستماته مع قوات الأسد، فلو ضاع الأسد سينقطع الحبل السري الذي يصله بإيران، سيضيع المال والسلاح إذن. لم يعد الحزب قلقًا حول صورته كحركة مقاومة وتحرر، من المفترض أن تقف في جانب الشعب لا في جانب الطاغية، لقد انعكس هذا الانخراط سلبًا على البيئة اللبنانية السياسية والمجتمعية القلقة أصلاً، وانتقل الاقتتال للداخل اللبناني.
كمحصلة، كان الربيع العربي مكسبًا لحركات الإسلام السياسي، ونظريًا مثَّل هزة عنيفة لأيديولوجيا القاعدة، والتي أُتيحت لها الفرصة عمليًا لترتيب صفوفها. مثَّل الربيع العربي حالة ارتباك شديدة لكل من حماس وحزب الله، لقد تعادل مكسب وخسارة حماس، بينما خسر حزب الله أو يكاد الكثير.
ثانيًا: الثورة المضادة: السير حثيثًا إلى الوراء!
متى تبدأ الثورة المضادة؟ إنها تبدأ مع الثورة، يتعلق الأمر في جزء منه بمقدرة الثورة على القضاء المبرم على النظام القديم سياسيًا واجتماعيًا(15). وفي جزء آخر بمقدرتها على تحديد وجهتها بوضوح، وتمكّنها من إرساء نظام سياسي واجتماعي بديل. ولو تدبرنا في حال الثورات العربية، سنجد أنها تفتقد لكلتا الميزتين، ومن ثم كانت فرص الثورة المضادة قوية. إن الأمر أشبه بصراع قوى بين الثورة والثورة المضادة.
من المعلوم أن من بين النظريات المفسّرة للثورة، دور الفاعل الخارجي (الإقليمي أو الدولي). في حالة الربيع العربي، لم يكن للفاعل الخارجي دور كبير في إشعاله أو تحريك مساره بحق. لقد كان له دور كبير ولكن في الثورة المضادة هذه المرة.
1. الديمقراطية: لقد انتهى الحفل!
ربما كان الأكثر رجاءً في الربيع العربي، هو أن تحل الديمقراطية محل النظم الديكتاتورية الراحلة. لقد بددت الثورة المضادة هذا الأمل تقريبًا:
في البدء، علينا أن نستثني تونس، ربما كانت هي الحالة الاستثناء للربيع العربي برمته؛ فثمة مسار ديمقراطي يسير وإن كان ببطء، هناك الكثير من العقبات والاختلافات، ولكن الفرقاء السياسيين يدبرون أمورهم بدرجة أو بأخرى. لقد تم إنجاز دستور جديد للبلاد بعد صراعات أيديولوجية مريرة، وفي انتظار إجراء انتخابات عامة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014. ربما كانت خصوصية الحالة التونسية نابعة من: ضعف الثورة المضادة، وعدم تغول مؤسسات النظام القديم في المشهد السياسي ما بعد الثوري (خاصة المؤسسة العسكرية)، وعدم تدخل الفاعل الخارجي، وتوافر القوى السياسية المختلفة أيديولوجيًا على درجة معقولة من النضج السياسي، مكّنتها من تجاوز خلافتها حتى الآن(16).
هذا عن تونس، أما باقي الحالات فهي لا تحض على التفاؤل أبدًا، نتحدث تحديدًا عن مصر والتي استطاعت فيها الثورة المضادة أن تنتصر نصرًا مؤزرًا، لقد تم سحق الثورة تمامًا هذه المرة؛ انقلاب عسكري قاده عبد الفتاح السيسي وزير دفاع الرئيس محمد مرسي، في 3 يوليو/تموز 2013، مدعومًا بغطاء شعبي كبير، حرصت الثورة المضادة على تنميته طوال فترة حكم مرسي القصيرة، متوسلة بالآلة الإعلامية التي ملأت عقول الشعب بـ”وعي زائف” عن الرئيس وجماعة الإخوان بعامة، ثمة مشاكل مجتمعية يتم افتعالها أو تضخيمها. وازداد الأمر سوءًا بكون جماعة الإخوان لم تستطع إقامة أية علاقة سياسية قوية مع الفرقاء السياسيين، حتى مع السلفيين (الدعوة السلفية تحديدًا) والذين وقفوا بقوة في صف الثورة المضادة.
لقد أجهزت الثورة المضادة في مصر على كل القوى الثورية، سواء من الإخوان أو من غيرهم، عادت الدولة للعمل وفق الوصفة الديكتاتورية للحكم: رفع لافتة “محاربة الإرهاب” الأثيرة والفعّالة، والاعتقال، والأحكام القضائية القاسية والمسيسة، والسيطرة التامة على الوسائل الإعلامية، لم يعد ثمة مكان للمعارضة إذن.
أجرت إدارة الثورة المضادة الحاكمة استفتاء على دستور جديد صاغته المؤسسة العسكرية على مقياس مصالحها الاقتصادية والسياسية. وأُجريت انتخابات رئاسية فاز فيها الجنرال عبد الفتاح السيسي بالرئاسة، بنسبة عالية تعيد إلى أذهاننا انتخابات عصر مبارك، وفي حفلات صاخبة تم تنصيبه كملك على عرش مصر لا كرئيس جمهوري منتخب في 8 يونيو/حزيران 2014(17). لقد انتهت قصة الديمقراطية على الأرجح إذن في مصر، ولن يبقى منها إلا المظهر والشكل المألوفان في النظم الديكتاتورية.
أما فيما يتعلق بسوريا؛ فبالرغم من كونها ساحة حرب حقيقية، إلا أن وغى المعارك لم يمنع الأسد من أن يعقد انتخابات رئاسية ويفوز بها عن جدارة في مشهد سوريالي في واقع الأمر. إنه ضرب من اليوتوبيا لو أردنا أن نتحدث عن حالة الديمقراطية في سوريا راهنًا.
الوضع في ليبيا لا يبشر هو الآخر، لا تزال المعارك طاحنة في بنغازي بين قوات اللواء حفتر والميليشيات الإسلامية، وهناك معارك لا تقل قسوة في المستوى السياسي بين أعضاء المؤتمر العام (البرلمان) المختلفين أيديولوجيًا.
كمحصلة، مسار الديمقراطية متعسر وملغوم منذ بدء الربيع العربي، ولكن الثورة المضادة قد جاءت لتقضي تقريبًا على كل أمل في إبقاء الديمقراطية على قيد الحياة، بالتحديد نتحدث عن حالة مصر؛ حيث انتصرت الثورة المضادة تمامًا، أما في باقي الحالات (باستثناء تونس) فإن الوضع لم يزل على ما هو عليه من السوء. لم تغير الثورة كثيرًا إذن في الخصائص البنيوية السياسية للإقليم، من ناحية سمت الحكم أقصد، فلا تزال الديمقراطية غائبة بوجه عام، ثم جاءت الثورة المضادة لتعيد ترسيخ الديكتاتورية (في مصر تحديدًا).
2. التحالفات السياسية: من بقي مع الثورة؟
هل غيرت الثورة المضادة من نمط التحالفات بين وحدات النظام؟ الكلام تحديدًا عن الثورة المضادة في مصر، فهي التي أنجزت مهمتها بنجاح، وباقي الحالات لا تزال غارقة في صراع بين الثورة والثورة المضادة.
2-1. دول الخليج: نهاية الكابوس الثوري
بوصول الثورة المضادة في مصر للحكم، انتهى الكابوس الثوري بالنسبة لكل من السعودية والإمارات، لقد رحل الإخوان المسلمون إذن (أعلنت السعودية رسميًا أنها تعتبر الإخوان المسلمين جماعة إرهابية) وجاء نظام ديكتاتوري يليق بنا. تحسنت العلاقات لأبعد الحدود بين كل من مصر والسعودية والإمارات، والأموال تتدفق بسخاء على الجنرال السيسي، لقد أصبح الثلاثي: الرياض، دبي، القاهرة، الحلف الأقوى في النظام الإقليمي.
أما قطر فقد خابت آمالها تمامًا بعدما ذهب كل ما استثمرته في الإخوان المسلمين أدراج الرياح؛ من ناحية، قد ساءت علاقتها مع باقي أخواتها في الخليج؛ فلأول مرة منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي إبان الحرب العراقية-الإيرانية، يصل الخلاف بين دول المجلس للحد الذي تسحب فيه السعودية والإمارات سفراءها من الدوحة. لقد فاض كيل السعودية من تمرد قطر ودعمها الفج للإخوان المسلمين، قطر لم تتوانَ عن فتح ذراعيها للإخوان الفارين من جحيم الانقلاب في مصر، ولا تزال محطة الجزيرة تشن حملة لا هوادة فيها على الثورة المضادة في مصر. أما الكويت فتحاول أن تلعب دور الوسيط العاقل بين الفرقاء في المجلس. أما من حيث علاقات قطر مع مصر ما بعد الانقلاب، فبالرغم من المحاولات البراغماتية من ناحية قطر لإخفاء التوترات بينها وبين النظام جديد دبلوماسيًا على الأقل (تهنئة الرئيس عدلي منصور، ثم تهنئة الجنرال السيسي) ولكن الأمور أكثر تعقيدًا فيما يبدو من أن يتم احتواؤها دبلوماسيًا؛ سمعة قطر راهنًا في المخيال الشعبي المصري مشوهة تمامًا، إن مجرد مشاهدة محطة الجزيرة بمثابة خيانة للوطن، يوشك أن يُعاقب عليها المرء! إن العلاقة بين القاهرة والدوحة في الحضيض.
أما فيما يتعلق بعلاقة دول الخليج بإيران، فيبدو أن طول أمد الصراع في سوريا، مع الإنجاز الذي تحققه إدارة روحاني في المسألة النووية والاتفاق الوشيك مع الغرب، قد حثّ دول الخليج على كسر الجليد ولو قليلاً الذي بينها وبين طهران.
2-2. تركيا وإيران: لقد علقنا في الفخ السوري!
تركيا (كما قطر) قد تدهورت علاقتها مع مصر تمامًا، لهجة تركيا مقارنة بقطر غاية في العدائية تجاه حكومة الثورة المضادة. لقد خسرت تركيا القاهرة فيما يبدو. أما إيران فالأوضاع لم تختلف كثيرًا، ولكنها مرشحة للانحدار بسبب تحسن العلاقات المصرية-السعودية. وتبقى الثورة السورية، الفخ الذي علِق فيه كل من أنقرة وطهران، وإن اختلفت جبهة كل منها، كلتاهما ستخسران في واقع الأمر، طالما رحى المعارك في سوريا لا يلوح في الأفق أنها ستتوقف يومًا ما.
كمحصلة، فإن الثورة المضادة قد غيّرت من خريطة التحالفات في الإقليم: تدهورت علاقة تركيا وقطر بمصر. وساءت العلاقات القطرية مع باقي دول الخليج (السعودية والإمارات خاصة)، ربما كانت العلاقة الإيجابية الوحيدة هي علاقة مصر بكل من السعودية والإمارات.
3. الفاعلون من غير الدول: بزوغ داعش!
فيما يخص حزب الله، فالوضع على ما هو عليه؛ إذ لا يزال غارقًا في صراع مرير بجانب الأسد ضد الثورة. أما حماس فقد خسرت كل شيء تقريبًا بعد الانقلاب في مصر؛ لقد عادت الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل وصول الإخوان المسلمين للحكم، وهي قد خسرت تقريبًا علاقتها بطهران وسوريا، عليها إذن أن تحاول ترميم علاقتها مع إيران بطريقة أو بأخرى مرة ثانية، هذا الوضع البائس الذي تعيشه الحركة دفعها لتحريك مياه الصلح الراكدة بينها وبين حركة فتح، لقد مادت الأرض من تحت أقدام الحركتين، لا مخرج إذن إلا بالسير في سبيل المصالحة الوطنية التي لا تجيء.
أما بخصوص الحركات الجهادية، فهي في حالة صحوة حقيقية؛ فبانتصار الثورة المضادة في مصر، لم يعد أحد يجرؤ على مدح المسار الديمقراطي، وذمّ أيديولوجية القاعدة العنيفة؛ فها هو المسار السياسي السلمي لم يؤتِ أي أُكُل، لسان حال التنظيمات الجهادية إذن: ألم نقل لكم المرات العديدة، لن تجنوا شيئًا من الديمقراطية، السلاح هو الحل. بالفعل ثمة نوبات “كفر” بالديمقراطية انتشرت بين شباب الحركات الإسلامية، لقد ازداد بريق السلاح توهجًا في الأعين بعد التنكيل بهم في مصر (خاصة في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في يوليو/تموز 2013). إذن لقد انقلب الوضع الذي أنتجته الثورة، وعاد البريق مرة ثانية لأيديولوجيا العنف بعدما اختفى أو كاد.
على أرض الواقع، فقد ازداد كمًا وكيفًا نشاط جماعة أنصار الشريعة في مصر، لقد امتد عملها إلى خارج سيناء. وأيضًا في تونس تخوض الحكومة صراعًا مريرًا معهم. وفي ليبيا ازداد القتال ضراوة بعد الحملة التي شنّها اللواء خليفة حفتر في بنغازي على الميليشيات الإسلامية.
بينما في سوريا والعراق، فقد بزغ نجم الدولة الإسلامية في العراق والشام- داعش (التي أعلنت قيام الخلافة ليصير اسمها الدولة الإسلامية)؛ أما في سوريا فثمة جولات من الصراع الضاري بينها وبين باقي التنظيمات الإسلامية المقاتلة خاصة جبهة النصرة، التابعة لتنظيم القاعدة. وتسيطر داعش على أماكن حيوية في سوريا (الرقة، الحسكة، ودير الزور، وأماكن من ريف حلب). بينما في العراق، فقد استغلت حالة الغضب السني من سياسات المالكي الطائفية، وخاضت معارك مريرة في الفلوجة والأنبار ضد جيش المالكي، ثم في أوائل شهر يونيو/حزيران 2014 استطاعت بطريقة مريبة أن تسيطر على ثاني أكبر مدن العراق ومعقل السنة، مدينة الموصل، بعدما فرّ منها الجيش العراقي في مشهد مذلّ، كذلك سيطرت على تكريت (الغنية بالنفط)، ونينوى، وصلاح الدين، وتمددت في اتجاه كردستان العراق محققة انتصارات حقيقية على قوات البشمركة الكردية.
كمحصلة، مثّلت الثورة المضادة صحوة نظرية وعملية لأيديولوجيا القاعدة العنيفة، بعدما كادت أن تخبو أو تموت بفضل ثورات الربيع العربي. ثمة بزوغ حقيقي للدولة الإسلامية (أو داعش) والتي تعتبر أشد تطرفًا وعنفًا من تنظيم القاعدة نفسه.
خلاصة: إلى أين يسير الإقليم؟
ليس بميسور أحد أن يقدم جوابًا واضحًا على هذا السؤال الجذري، في واقع الأمر، ولكن هذا لم يمنع “إيتامار رابينوفيتش”(18)، من التجاسر على تبني وجهة نظر جذرية تجاه الإقليم، هو يرى أن حدود “سايكس-بيكو” في طريقها للزوال(19). منطلقًا من حالة الفوضى التي تعم سوريا، وتمتد لباقي الدول. “غريغوري غوس” الخبير بمركز بروكينجز لم يرق له هذا التحليل ورأى فيه ضربًا من المبالغة، بحسبه لن تتغير الحدود الدولية للإقليم مهما كانت الأوضاع الداخلية للدول مرتبكة، لا أحد من القوى العظمى يريد أن يغير خريطة المنطقة، وسلطات دول الإقليم منهكة وضعيفة إلى مدى لن يسمح لها بالتفكير حتى في تغيير هذه الحدود(20).
بعيدًا عن هذا الجدل يمكننا أن نطرح الرؤى الآتية:
من المرجح أن لا تنخرط مصر في أية صراعات إقليمية، سوف تظل علاقتها راسخة بدول الخليج، وبعيدًا عن إيران وتركيا. سيحكم الجنرال قبضته على الوضع الداخلي، وسيكون من العسير إشعال فتيل ثورة أخرى في مصر، على المدى القريب أو المتوسط.
ستظل الصراعات السياسية والعسكرية في ليبيا مستمرة لفترة على الأرجح، ويُستبعد أن تتدخل دول الجوار لحسم النزاعات بين الفرقاء الليبيين، إلا إذا امتد الصراع وتعمق مزيدًا، ربما يحدث تدخل دولي بغطاء إقليمي في ليبيا مرة ثانية وسيكون أكثر محدودية بالطبع.
سيظل اليمن مشغولاً بحرب القاعدة والحوثيين لفترة على الأرجح، ولا يُستبعد أن تحدث اضطرابات بسبب المشاكل الاقتصادية.
من المرجح أن تسير تونس ببطء وهدوء في المسار الديمقراطي، وتبقى مشكلة التنظيمات الجهادية عقبة كبيرة أمامها.
ستتحسن العلاقة تدريجيًا بين قطر وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، على الأرجح، في ظل سلطة أمير قطر الجديد.
بات من العسير جدًا أن تصل موجة الثورات إلى دول الخليج، خاصة بعدما قادت كل من السعودية والإمارات الثورة المضادة في الإقليم. فقط ربما يكون ثمة توترات في نقل الخلافة في السعودية والكويت. ولا يرجح أن ينشط الحراك في البحرين بطريقة جذرية على المدى القريب.
أما عن الوضع في سوريا فهو منفتح على كل الاحتمالات، وستكون أهم محددات مساره هي الآتية:
هل ستتدخل أميركا عسكريًا في سوريا؟ هل ستكتفي بالدعم العسكري للمقاومة؟ وما درجة هذا الدعم؟
هل ستحافظ طهران وموسكو على دعمهما للأسد؟
إلى أي مدى سيحصل اتفاق غربي-إيراني حول الملف النووي؟ وهل سيمتد الاتفاق للمسألة السورية؟
هل سيتغير وضع الفصائل المقاتلة من حيث درجة التنسيق والتسليح؟
وفي ضوء هذه المحددات، لا يُتصور أن يرحل الأسد مبكرًا، فقط يرجح فقدانه السيطرة على بعض المناطق، ومن ثم لا يُستبعد سيناريو تقسيم سوريا.
فيما يخص جماعة الإخوان المسلمين، فلا يُرجح أن يُفسح لها نظام السيسي مكانًا ملموسًا في الحياة السياسية، ويرجح أن تقل حدة معارضة الجماعة للنظام، مكتفية بمحاولة الحفاظ على كيان الجماعة من التفكك.
فيما يخص حماس فمن المرجح أن تسعى لتحسين علاقتها مع طهران، والوصول لعلاقة مقبولة مع القاهرة.
فيما يخص الدولة الإسلامية (أو داعش) فسيتوقف مصير تمددها في العراق على مدى التغيرات التي ستطرأ على طبيعة السياسات العراقية (خاصة السياسات تجاه السنة) بعد رحيل المالكي عن السلطة ومجيء حيدر العبادي. وعلى أثر العمليات الأميركية الجوية على قدرتها العسكرية والقتالية.
تلك هي إذن التفاعلات السياسية في النظام الإقليمي العربي، بحسب متغير الثورة والثورة المضادة. وهذه هي بعض الرؤى والسيناريوهات المحتملة لمسار الإقليم.
__________________________________
طارق عثمان- باحث في قضايا الفكر الإسلامي
الهوامش
1. وهي ثلاثة مستويات: مستوى النظام الدولي International system. والنظام الإقليمي Regional System. ومستوى الفاعل الدولي actor . والحال، أن الاهتمام بمستوى النظام الإقليمي في تحليل العلاقات الدولية، قد جاء متأخرًا، تحديدًا في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. والدراسة الرائدة في هذا السياق هي دراسة لويس كانتوري (Louis Cantori) وستيفن سبيغل (Steven Speigel): السياسات الدولية للأقاليم: منظور مقارن (1970).
2. عن ملامح وصيرورة النظام الإقليمي العربي حتى التسعينات، راجع: علي الدين هلال، وجميل مطر، النظام الإقليمي العربي: دراسة في العلاقات السياسية العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية)، ط5.
3. راجع: مارينا أوتاوي ومروان المعشر، الأنظمة الملكية العربية: فرصة للإصلاح لمّا تتحقق بعد، كارنيجي الشرق الأوسط، ديسمبر/كانون الأول 2011. وغوس، غريغوري، ملوك لجميع الفصول: كيف اجتازت الأنظمة الملكية في الشرق الأوسط عاصفة الربيع العربي، مركز بروكينجز الدوحة، 2013.
4. راجع: طوبي ماثياسن، الخليج الطائفي: البحرين، السعودية العربية، والربيع العربي الذي لم يحدث (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر)، 2014.
5. عن السياسة الخارجية القطرية، راجع: لينا الخطيب، السياسة الخارجية القطرية: حدود البراجماتية، المجلة العربية للعلوم السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2014. وجمال عبد الله، السياسة الخارجية لدولة قطر (1995-2013): روافعها واستراتيجياتها (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات)، 2014.
6. في واقع الأمر، علاقة السعودية بقطر تتسم بالتوتر من قبل الربيع العربي، تحديدًا منذ وصول الشيخ حمد للسلطة في التسعينات.
7. عن طبيعة العلاقات السورية-التركية، راجع: عقيل محفوظ، العلاقات السورية-التركية: التحولات والرهانات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2011.
8. عن موقف تركيا من الثورة السورية، راجع: عقيل محفوظ، سوريا وتركيا: نقطة تحول أم رهان تاريخي؟، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
9. عن سياسات طهران تجاه الثورات، راجع: الزويري، محجوب، إيران الثورية والثورات العربية: ملاحظات بشأن السياسة الخارجية الإيرانية ومآلاتها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2012.
10. راجع: أسامة أبو أرشيد، الولايات المتحدة الأميركية والإخوان المسلمون في مصر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
11. راجع: نورهان الشيخ، الموقف الروسي من الثورات العربية، مركز الجزيرة للدراسات، 2011. ولها أيضًا: روسيا والتغيرات الجيوستراتيجية في الوطن العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012.
12. راجع: إسماعيل الإسكندراني، الحرب في سيناء: مكافحة إرهاب، أم تحولات في استراتيجيات التعاون والعداء؟، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
13. راجع: هل هو الجهاد؟: المعارضة الأصولية في سوريا، مجموعة الأزمات الدولية، 2012.
14. راجع: ضوء في نهاية النفق: حماس والانتفاضات العربية، مجموعة الأزمات الدولية، 2012. وطارق عثمان، حماس والربيع العربي: جدل المكسب والخسارة، مركز نماء للبحوث والدراسات، 2013.
15. ربما كان هذا المحدد هو ما يجعل من الربيع العربي مجرد انتفاضات ولا يستحق وسم الثورة، فالأخيرة تقتضي درجة ما من التغيير الجذري في المجتمع، وهذا ما لم يحدث في واقع الأمر. عن الثورة، راجع: حنا أرندت، في الثورة، ت: عطا عبد الوهاب، المنظمة العربية للترجمة.
16. لقد قدمت حركة النهضة الكثير من التنازلات السياسية في واقع الأمر، لقد استقالت حكومتها كاملة، وأفسحت المكان لخصومها السياسيين، لعلها أخذت الدرس من الذي جرى للإخوان المسلمين في مصر.
17. راجع: السيسي رئيسًا: شرعية ملتبسة وخيارات متناقضة، مركز الجزيرة للدراسات، يونيو/حزيران 2014.
18. أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، الخبير بمركز سابان التابع لمعهد بروكينجز والسفير الإسرائيلي السابق بواشنطن، وقائد فريق التفاوض الإسرائيلي مع سوريا خلال الفترة من (1992-1996).
19. Rabinoviche, Itamar, The end of Sykes-picot? Reflection on the prospects of the Arab state system, Brookings. 2014
20. غيريغوري غوس، هل هذه هي نهاية اتفاقية سايكس-بيكو؟، بروكينجز الشرق الأوسط، 20 مايو/أيار 2014. وقد تبنى نفس الرأي يزيد صايغ من كارنيجي. راجع: صايغ، يزيد، هل تجري حاليًا إعادة رسم حدود سايكس-بيكو؟ صحيفة الحياة، 26 يونيو/حزيران 2014.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...