ثورة يتيمة


    راتب شعبو

قلما عانت ثورة ما تعانيه الثورة السورية من هدر في طاقاتها وخذلان لها من القريب والبعيد. المفارقة الصريحة في الحالة السورية هي انعدام التناسب بين حجم التضحيات التي يقدمها الشعب السوري وحجم ما تحقق له على سبيل إسقاط النظام.

الدلالة الأبرز لإرسال المراقبين العرب ثم الدوليين إلى سوريا هي التردد أو العجز الدولي عن حل الصراع المحتدم في سوريا منذ حوالى أربعة عشر شهراً. لا أظن أن أكثر الدول مغالاة في مناصرة الشعب السوري الثائر كانت ستعبأ كثيراً لو تمكن النظام السوري، خلال المهل المتوالدة التي أعطيت له، من سحق الانتفاضة السورية التي تعجز عن إنكارها وتعجز عن نصرتها. يمكن القول إن صمود الشعب السوري المذهل شكّل عبئاً على مناصريه من الدول الإقليمية والعالمية مثلما شكّل عبئاً على النظام السوري نفسه. استمرار الشعلة السورية على رغم كل ظروفها القاسية صفعت العالم بعجزه عن نصرتها، كما صفعت النظام بعجزه عن إخمادها.

تفرض الثورة السورية نفسها على الجميع وتشكّل تحدياً للجميع، غير أن لدى هذا النظام العالمي الرهيب، المتمرس في إدارة الظلم وصون المجاعات ورعاية الحروب وتغذية الكراهيات وإرضاع التعصب، مستودعات من القوة والمكر والحربقات والخسة كافية لإخماد ثورات بالجملة إما بصورة مباشرة، أمنية وعسكرية (سحق الثورة) وإما غير مباشرة، سياسية وأخلاقية (تطويعها وتفريغها من محتواها الثوري بالوصاية عليها وتشويهها).

الحق أن دول النظام العالمي الذي استقرت آلياته بعد تفكك المنظومة الاشتراكية، عملت وتعمل على الخطّين معاً للإجهاز على الثورة السورية. ذلك لأن هذه الثورة تعثرت في تحقيق هدفها وطال أمدها قياساً على شقيقاتها (لأسباب كثيرة منها موضوع هذا المقال). وإذا كانت هذه الثورة قد فرضت نفسها على العالم كحقيقة لا يمكن إنكارها أو سحقها، فقد بقي للنظام العالمي مدخل يعمل من خلاله “لكسر سمّ الثورة” وهو التأثير في صوغ مآلها وصيرورتها. إن صورة الثورة السورية اليوم، بعد أكثر من سنة وشهرين على اندلاعها، لم تكن مضمرة في منطلقها كما يضمر البرعم الزهرة، لكنها صورة رسمتها أشكال تدخّل، منها الداخلية ومنها الخارجية.

في الداخل لجأ النظام إلى قمع رهيب وسياسات أمنية تمييزية وتقسيمية، وإلى بث حملة تشويه بهدف إغراق فكرة الثورة ومشروعيتها تحت ركام من الحديث عن مؤامرة ومندسّين وسلفيين وإرهابيين… الخ. تضافرت مع هذه المساعي الداخلية، مساع خارجية معادية ظاهرياً لمساعي النظام لكنها مؤازرة في المضمون. فالحملة الأمنية العسكرية للنظام سارت تحت مرأى العالم دونما إعاقة تذكر سوى تصريحات تشتد وتهدأ وفق حسابات لا صلة جوهرية لها بموضوع الثورة، الأمر الذي خلق الأسباب الموضوعية التي تدفع الناس إلى حمل السلاح دفاعاً عن النفس أو انتقاماً لما تعرضوا له من بطش، مما زود آلة إعلام النظام معطيات ملموسة تغذّي اتهامات معدّة مسبقاً. من جهة أخرى، أدى القمع الشديد وعدم التساهل مع أي تعبير ثوري سلمي، إلى حصر فاعلية الثورة في القطاعات الأكثر استعداداً للمواجهة والتضحية الجسدية، وهي في المجمل ذات مستوى ثقافي متدنٍّ، يغلب عليها التديّن الشعبي، وتميل، لا سيما في ظل غياب قيادة مركزية فاعلة وفي ظل تقطيع التواصل بين المناطق، إلى العنف المضاد الذي ظهر رهيباً في بعض الحالات. كما أن هذه القطاعات أقرب إلى أن تتعرف إلى نفسها سياسياً في أطر طيف الإسلام السياسي، مما أعطى هذا اللون السياسي ظهوراً بارزاً لا يعبّر في حقيقة الأمر عن منسوب حضوره السياسي في الكتلة الشعبية الرافضة للنظام والمطالبة بالتغيير.

اعتمد النظام السوري سياسة الإخماد بالقوة المفرطة وعدم التساهل مع أشكال الاحتجاج السلمية (الاعتصام، التظاهرات السلمية وغيرها)، واعتمد جزء من العالم (الجزء الذي يدّعي مناصرة الثورة السورية، دع جانباً الجزء الذي ناصر النظام في سياسته الأمنية) سياسة مترددة ومتراخية إزاء سياسة النظام فكانت النتيجة أن اكتملت دائرة القهر حول شعب يريد التغيير نحو شكل حكم أكثر عصرية وتمثيلاً. من تكتمل حولهم دائرة القهر، ليس غريباً أن يلجأوا إلى العنف وأن يتجهوا إلى الله فلم يبق لهم غيره، وزاد في إحكام حلقة القهر جرعات الآمال الكاذبة والمجانية التي راحت المعارضة تحقن الشارع بها وتحبطه تالياً. ولم يكن دفع الناس إلى ملاذات العنف والإيديولوجيا الدينية والطائفية أمراً مرغوباً ومسعياً إليه من النظام فقط، بل إنه نتيجة تريدها أيضاً بعض الدول التي تريد لهذا اللون العنفي الديني (الذي كان ضئيلاً في بداية الحركة وتمّت تغذيته حتى برز وصبغ الحركة في ما بعد) أن يسود.

النظام يدفع إلى أن تتخذ الثورة هذا الطابع كي يغطي على المضمون الديموقراطي لها ويضعها في خانة التآمر والإرهاب والسلفية ويحشد وراءه كل من تمنعه رؤية الشجرة عن رؤية الغابة، وكل من يعجز عن رؤية المضمون الديموقراطي للثورة. الخليج يريد أن تتخذ الثورة هذا الطابع لكي يغطي التناقض بين الطبيعة الديموقراطية للثورة وشكل الحكم الخليجي المتخلف من جهة، ولكي يضع الثورة السورية في خانة الصراع السنّي – الشيعي ويُسقط بعدها الديموقراطي أيضاً، في مسعى يائس لمنع فتح باب التغيير في الخليج من جهة أخرى. إنها مصلحة مشتركة تتفوق أحياناً كثيرة على مصلحة نظام ما في إسقاط نظام آخر.

أما الولايات المتحدة وأوروبا فتُدخلان الثورة السورية في خضم حسابات سياسية إقليمية ودولية، وتماشيان مكرهتين ضغط الرأي العام والالتزام الأخلاقي لمعايير حقوق الإنسان. ربما أرادت أميركا في هذا الإطار أن تختبر روسيا فشلها في سوريا كما اختبر الاتحاد الأوروبي فشله في يوغوسلافيا السابقة. أو أرادت أن تبقي الثورة السورية فوق عتبة الانكسار وتحت عتبة الانتصار الى حين من الزمن طويل لكي تتسلم بعد أن تنتصر بلداً مرهقاً في مجمل مستوياته فيسهل عندئذ ضبها وحصر تداعياتها.

لا يبقى أمام الثورة السورية إلا أن تواصل فرض نفسها على الجميع بأن تستمر وتعلي شأن سلميتها وديموقراطيتها وتبتعد عن المنزلق الطائفي والتعصب الديني. هذا طريق نجاحها الأكيد ليس فقط في إسقاط النظام الديكتاتوري (فهذا، كما تبدي الثورات العربية الأخرى، ليس سوى جزء من المهمة التاريخية لهذه الثورة) بل في بناء سوريا المستقبل أيضاً.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حجاب “النصرة” في ظل نظام الأسد/ راتب شعبو

      وصل، في الأول من مايو/ أيار الحالي، إلى مناطق سيطرة نظام الأسد ...