الرئيسية / صفحات الثقافة / جريحاً بالشهوة/ عبد الوهاب عزاوي

جريحاً بالشهوة/ عبد الوهاب عزاوي

 

هنا في ألمانيا، في أرضٍ غريبة، تتهدم جدران وتنبت أخرى، سوريون بقلوبٍ مطعوجةٍ يسيرون حالمين ببداياتٍ جديدة، طازجة ونقية، خلفهم ذاكرة طويلة كدمٍ على الطريق. كل لاجئ معرّض لصدامٍ داخليّ بين عالمه السابق، يقينياته المكرّسة بالتكرار، وبين واقعٍ جديد وحضارةٍ محميّة بقوانين تجعل منها الأقوى. أجمل هذه التفاعلات التي رأيتها كان في مشهدٍ تحضر فيه صبيّة سورية متمردة في جسدها وروحها إلى جانب أكثر الناس تشدداً دينياً، رجل الشريعة، إمام الصلاة، وخطيبها، ومرجع الدين في الكامب. الاثنان يجلسان إلى طاولةٍ واحدة في إحدى غرف اللاجئين التي تحوي عدداً من الضيوف في وقتٍ متأخرٍ من الليل. حضور الأنثى يفرض نفسه بقوة؛ روحٌ تكلّل المكان فتؤنثه؛ طراوة، وغوايات محتملة؛ طاقةٌ مُعْدِية على شكل حماسةٍ خرقاء. الشيخ ممسوس بحضورها، ولا يبدي أيّ امتعاضٍ على رغم أن مفردات حديثه لا تفقد بعدها الديني. تستفزّه المرأة فتدقّ كأس شايها بكأس شايه، وتقول له: صحتك. يرتبك الرجل، ويحاول تحاشيها، ويسعد بأنه محور اهتمامها. تدقّ كأسه مرةً أخرى، وتضحك بتحدٍّ لافتٍ، فيقول لها مازحاً بشكلٍ ظاهري، وذائباً في الأعماق: إن دققتِ الكأس مرةً أخرى فسأعضّ يدك. لا تتردد لحظةً واحدة في دقّ الكأس ومدّ يدها السمراء النحيلة، قطعة شهوة محرّمة لديه، تقترب، تهدد روحه. يزداد ارتباك الرجل، وعينا الفتاة ثابتتان، تخترقان حواجزه. يحاول أن يتحاشاها وهي تضحك. تمرّغ كل مقدساته وارتكاساته. بلحمها العاري تفعل ما يعجز عنه العقل. فلو حاورتُ هذا الرجل، وقد سبق أن اصطدمتُ معه، أنا وصديقي النحّات اللاجئ أيضاً، عشر سنين من الحوار قد لا تزحزح يقينياته المقدسة، لكنها بأنوثةٍ متحديّةٍ تسحق تشدده الديني، تمرّغه، وتلعب به، بمهارة وخفة قطة. ترمي فتنتها وتترك خياله يكمل الافتراس. تجعله يتأكل من الداخل، وهي تنظر له متشفّيةً من الخارج، مستمتعة بهذا الجبروت المغوي، هذه الطاقة المبنية على الحرمان. فهي تملك ما يعجز عنه هؤلاء المتدينون، أحلامهم الجنسية في الآخرة تنزل إلى الأرض، فترعبهم، لأن التناقض المريض بين الحياة والآخرة يمّحي في قطعة لحمٍ ممدودةٍ للعضّ. كنتُ جالساً صامتاً أتأمل المشهد بمتعةٍ قاتلة، وأنا أرى المتشدد يتنقل بين قصةٍ سمجةٍ وأخرى ليخفي تهالكه، انهياره، والأنثى تنظر إلى ضحيتها ينازع، وبقية الحضور كومبارسات حول الفريسة، ينظرون إليه بتعاطف الضحايا، فلقد فشل في أول اختبار، يتعاطفون معه في أخوّةٍ سرية، ولا يصغون إلى قصصه المريضة. لا يجاريه أحد في السرد، بل ينظرون إليه بنوعٍ من الشفقة، وغالبيتهم تتمنّى أن تعضّ قطعة الشهوة تلك التي تزرع شيئاً من البشرية وسط ذلك اليباس، تروّض وحشيتهم بأنوثةٍ ورثتها من تلك الغانية التي روّضت أنكيدو وجعلت منه بشراً، وصديقاً. لم أخدع نفسي أن هذه الجولة ستحسم المعركة. فالفريسة ذاتها إن انقلبت موازين القوى، سيعود وحشاً، أشرس، جريحاً بالشهوة.

ألمانيا

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...