الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إيلي عبدو / جسد الإسلام السياسي في لحظته السورية الصلبة: إيلي عبدو

جسد الإسلام السياسي في لحظته السورية الصلبة: إيلي عبدو

 

إيلي عبدو

ليست سِوى لحظة ساذجة تلك التي اتهمت فيها المعارضة السورية بشقّيها السياسي والعسكري نظام الأسد بقتل الشيخ الإسلامي محمد رمضان سعيد البوطي في أحد مساجد دمشق. ثمّة ضحالة في المخيلة وضعف في تركيب الاتهام. وذلك بالتأكيد ليس لأن النظام، المعروف بممارساته الإرهابية، لا يُقدم على هكذا عمل، بل لأن الشيخ المعروف باعتداله الديني يمثل غطاءً سُنّياً مهما بالنسبة له. وبإزاحته عن المشهد، سيصبح النظام أكثر عُريا أمام حقيقته الفئوية.

في الواقع، الطرف الذي قتل البوطي أراد من وراء فعلته أن يزيد من العزلة الطائفية للنظام ليوسع نفوذه على حسابه داخل المجتمع السوري. فالبوطي ليس فقط حليفاً لبشار الأسد فهو قبل ذلك، رجل الإسلام المديني المعتدل، والبعيد عن التكفير وفرض أنماط محددة على المجتمع. مدرسة هذا الداعية لم تنسجم فقط مع النظام السياسي القائم في البلاد، وإنّما مع النظام الإقتصادي الذي يمثله تجار العاصمة ومتنفذيها، وكذلك النظام الاجتماعي، المُتّسم بتسهيل شؤون الحياة و ليس تعسيرها.

هناك من يريد أن يقضم الإسلام السوري المرن (الذي لسنا بصدد محاكمته تحديداً على موقفه الحليف للاستبداد) بحجة محاربة النظام، ليفرض إسلاماً سياسياً حركيّاً على عموم السوريين. مشهد البوطي مُضرّجا بدمه تلازم مع تقديم الداعية معاذ الخطيب استقالته من رئاسة إئتلاف المعارضة لقوى الثورة السورية( قبل أن يعود عنها تحت تأثير ضغوط خارجية، كما أُشيع). خطيب الجامع الأموي السابق، المعروف بتوافقيته واعتداله، عزا خطوته إلى أسباب عدة، لكن التسريبات التي خرجت من كواليس المعارضة أشارت إلى ان الرجل ضاق ذرعاً من سطوة الأخوان المسلمين، وتحكمهم بالقرار السياسي للمعارضة. بعدها بوقت قصير أُعلن عن محاولة اغتيال تعرض لها قائد الجيش السوري الحر رياض الأسعد، الذي يُمثل الجناح الأقل إسلامية في صفوف العسكريين الذين يقاتلون النظام، وذلك خلال زيارته إلى مدينة دير الزور شرق سوريا.

إذاً، هي لحظة تصفية الاعتدال السوري دينياً وسياسياً وعسكرياً. والملاحظ هنا، أن الجهات التي تمارس هذه التصفية. وهي على الأرجح الفئات المتدرجة راديكاليا داخل صفوف الإسلام السياسي من جبهة النُصرة وسواها في سوريا وصولاً إلى جماعة الأخوان المسلمين خارجها، باتت لا تُفرّق في معركتها الجديدة، بين حلفاء النظام وأعدائه. فالبوطي حليف الأسد والخطيب عدوه، الأول قتل والثاني حوصر سياسياً ودُفع إلى الإستقالة.

صار بديهيا أن الجماعات الإسلامية تجد الوقت الكافي لقتال النظام وتصفية خصومه أيضاً. ثمة فائض في الأيديولوجيا الاصطفائية تكفي لتبرير الفعلين معا. وحين نعلم أن الجماعات العسكرية ذات الطابع الإسلامي، على مختلف تنويعاتها ومستوياتها الفكرية، باتت أدوات بيد دول إقليمية وعربية، تتمول منها، وتعمل وفق أجندتها، سيصبح مفهوما عدم قيام أيٍ من هذه الجماعات بتبني عملية اغتيال البوطي، أو محاولة قتل الأسعد.

لقد دخلت هذه الجماعات في سياق الصراع على سوريا ولم تعد جهادية محلية معلنة. ولعل هذا الأمر ليس الأخطر بالنسبة للحضور الكثيف، بل المستجد، للإسلام السياسي في المشهد السوري. الأخطر من ذلك، هو التحالف بين جميع مكونات هذا التيار، وانعدام التناقضات التي كُنّا نلحظها في السابق بين أطيافه المتنوعة. لقد تمكن الممول والمُوظف والداعم السياسي العربي من توحيد الإسلاميين في سوريا، فباتوا متماسكين صُلبين مقابل تفكك وضحالة القوى المدنية والديموقراطية.

الأخوان المسلمون يصفّون خصومهم بالسياسة داخل تشكيلات المعارضة، والكتائب الإسلامية المتطرفة تنشغل بتصفية البوطي وتفجير سيارة الأسعد.

مشهد التقدم الذي يحرزه الإسلام السياسي في سوريا مكرر ومُعاد. لقد شهدت مصر قبل ذلك السيناريو ذاته وقبلها تونس، لكن الفرق أن النظام في سوريا لم يسقط بعد. وهذا ما يجعل الإسلاميين أكثر قدرة على التمدد فهم يقاتلونه ويفتكون بقادته، وانتقادهم يرقى بوعي الكثيرين إلى مستوى خيانة الثورة. وبذلك فالإسلاميون لا يريدون إسقاط النظام إنما إضعافه فقط، لأن إسقاطه يعني ببساطة حضور قوى مدنية مناوئة، كان قد إضمحل حضورها بسبب الواقع العسكري.

الإسلام السياسي يتلذذ بتصفية خصومه من المعتدلين والمدنيين والعلمانيين، رابطاً معركته مع النظام بتصفية هؤلاء.

في وقت كانت أشلاء الشيخ البوطي تتناثر في جامع الإيمان وساق العقيد رياض الاسعد تبتر في تركيا بدا جسد الإسلام السياسي في المعارضة السورية متماسكاً وصلباً وقوياً يفرض اسماً غير مألوف كرئيس للحكومة الموقتة، مؤكداً بلسان المقربين منه ان الرجل مثقف، تعلم في الخارج وله إنجازات في عالم المعلوماتية، هل تذكركم هذه الصفات بأحد ما؟

المستقبل

p align=”right”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...