جسر الشغور


سمر يزبك

الجنود الأربعة الذين تلقوا أمراً بإطلاق النار، واقتحام منزل في إحدى الحارت، كانوا يهرولون، ببطء، كل منهم لا يسأل الآخر: لم يبطئ في  مشيته؟ لقد رأوا في الأيام الماضية من الدماء ما يكفي، ولم يكونوا جاهزين ليقتحم أحدهم هذه الأزقة بقلب جامد وعين مغمضة، فمن يقتلون هم ناسهم، لكن الأوامر هي الأوامر، أحدهم قال أنهم يجب أن ينفذوا الأوامر دون تلكؤ، هذا عملهم حماية الوطن والناس، ويجب تخليص الناس من العصابات المسلحة، الآخر الصامت نظر إليه، وكانت خوذته تلمع تحت الشمس، وقال له، كما أخبرني الرجل الباكي فيما بعد: ولكن عن أي عصابات مسلحة ما شفت عصابة واحدة، هؤلاء ناس مثلنا..ثم وقف صامتاً، كانت ذقنه ترتجف.

رد الآخر، وسيندم بعد ذلك على جملته تلك، وسيقول لرئيسه الضابط، أنه لن يسامح نفسه أبداً على ما قاله، سيقول: “يا جبان، تقدم”.

وسيتقدم الجنود الثلاثة، الجنود أيضا لهم حبيبات وأمهات وأخوة. الجنود أيضا لهم لحظات خوف، وقلوب هشة تقطر ألما. الجنود أيضا يبكون في الليل، ويضحكون مع الأطفال. الجنود كانوا يوماً أطفالاً، ويحلمون أن يكون لهم أطفال.

لكن عليهم الآن تنفيذ الأوامر، والبيت المشار إليه لاقتحامه وقتل من فيه، وتكسيره. القادة في الجيش أخبروهم إنه مركز عصابات مسلحة. أحدهم انعطف في طريقه ودخل بناء قريبا يبعد عن هدفهم، لحقه بتواطؤ الإثنان. كان مغمض العينين. خلع خوذته، وتأمل بفزع رفاقه. كان سراباً يلوح منه.  نظر الثالث إليهما مستغرباً، كانوا يحدقون في وجوه بعضهم كمسربلين، الجندي الذي خلع خوذته، صار يضرب رأسه ويديه بالجدار، ظل يضربهما حتى أدمى نفسه، ثم خبط مرة أخيرة رأسه بالجدار، وكانت دموعه تلمع، قبل أن يهوي ويغمى عليه. كان صديقه يحاول إنهاضه، لكن معداته الثقيلة منعته، فتهاوى على الأرض، وأحدث صوت ارتطامه مع أصوات إطلاق النار الكثيف في البلدة، دوياً غريباً. الجندي الثالث، وقف مدهوشاً، والجندي الذي وقف في الوسط بينهما تراجع إلى الوراء، كان سلاحه على جانبه،  يصل ركبتيه، وهو يأرجحه، نظر إلى بقع السماء التي تبدو من فتحة المدخل، وازداد إطلاق الرصاص. سمع صراخاً، حمل سلاحه، وضع الفوهة تحت رقبته تماماً، نظر في عيني الجندي الثالث، كانت نظرة لا تحمل أي معني، مثل القادم الذي يليها، وارتفع صوت  رصاصة، دخلت  رقبته وخرجت من دماغه، عندما خر صريعاً، شم الجندي الثالث الرائحة، وكانت أليفة بالنسبة لجار الموت.  نظر إلى الجندي المكوم تحت قدميه، وقبل أن تتسنى له الحركة، كانت أصوات طائرة تحوم في السماء، تبعها زخات طويلة لإطلاق الرصاص، وقبل أن يقترب من الجنديين على الأرض، شعر بملوحة تغمر شفتيه، ثم انبطح أرضاً فقد جاورته طلقات كثيفة للرصاص أفاق بعدها على  غبار غطى مدخل البناء، لكنه استطاع أن يلمح رغم ذلك جدار ذلك البيت، وقد انهار تماماً،  البيت الذي كان هدفاً لهم، ودمره الآن جنود آخرين. لا يعرف كيف أتته الطلقات، أم هل هي قذيقة؟ أم ماذا؟ كان كل شيء حوله مبهماً، تفقد صديقيه أحدهما مات فوراً من الطلقة التي أردى بها نفسه، والثاني استطاع أن يسمع صوت أنينه، ويلمس الدماء التي خرجت من رأسه، الرأس التي كانت تضرب نفسها بالجدار قبل أقل من ربع ساعة. الثالث..كان قد اختفى.

هذه حادثة من حوادث كثيرة، مر بها الجنود الذين دخلوا مدينة جسر الشغور، والذين لم يقتلوا أنفسهم، ولم يطلقوا النار على المتظاهرين، قتلوا جميعا بعد ذلك سينشر خبر كالتالي في مواقع الانترنت والفضائيات التلفزيونية.

“أفاد أحد شهود العيان وهو طبيب ميداني في فرقة الإسعاف العسكري أنه كان من بين الفريق الطبي الذي قام بالكشف على اكثر من ٨٠ جثة لجنود قال إعلام النظام السوري بأنهم قد قتلوا على يد إرهابيين في منطقة جسر الشغور. غير أنه بعد الفحص الطبي والعلمي تبين عدة عوامل تدحض الرواية الرسمية بالمطلق و من أبرز ما جاء على لسان الطبيب الميداني الذي فضل عدم الكشف عن اسمه خوفاً من بطش النظام السوري:

أولاً: أكثر الإصابات بالرأس وقد أطلقت من مسافة لا تتجاوز المترين مما يعني بإنه قد تمت تصفية هؤلاء الجنود أو إعدامهم.

ثانياً: آثار تعذيب واضحة على بعض الجثث مما يثبت بإنهم قد تعرضوا لتعذيب قبل الوفاة.

ثالثاً: بعض الجثث يظهر عليها آثار التعفن وتشقق الجلد وفروة الرأس مما يعني أن الضحايا قد توفوا منذ أكثر من شهر ونصف تقريباً.

رابعاً: طريقة نشر الجثث في المكان لا يدل على إتخاذهم تدابير قتالية ولا وجود لأي آثار لإطلاق نار في المنطقة ولا وجود لأي من المقاذيف الفارغة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...