الرئيسية / صفحات الناس / جغرافيا الهويات القاتلة

جغرافيا الهويات القاتلة

 

رند صباغ

 يمسك السوري هويته ويلصقها بجسده كأنها قطعة منه، إذ صار لهذه البطاقة في العامين المنصرمين دلالة أخرى، تجاوزت كونها ورقة ثبوتيةً يشهرها في المرافق الحكومية أو على المعابر الحدودية، هي بلاء في مكان ورحمة في آخر، حيث لكل كلمة معنى ولكل رقمٍ إشارة، فلم يعد الأمر مقتصراً على اسمه واسم عائلته حتى يسلم من الخطر، ليتجاوز الهاجس السطرين الأولين إلى اسم القيد أو الخانة والتي تحدد هويته الأبرز في عين من يستوقفه أمام الحواجز المنتشرة طول البلاد وعرضها، تلك الخانة التي قد تحمل صبغة جماعةٍ بشرية، يسكنون في منطقةٍ تم تحميلها لموقفٍ ما بشكلٍ معلن، قد تكون بوابة دخولٍ آمن، أو غيابٍ قسري.

 نهايات العام المنصرم مرَ أحد الأصدقاء في دمشق بعد منتصف الليل بسيارته عابراً إلى منزله، ليستوقفه حاجز أمني، لم يجد ما يتهمه به، فهو ليس مطلوباً للأمن، لكن القيد في هويته ومكان الإقامة كان كفيلاً بإخفائه مدةً تجاوزت المئة يوم، ومن بعدها تم تحويله إلى محكمة الإرهاب، دون ذنبٍ يتجاوز الانتماء دون أن يتم إطلاق سراحه حتى اللحظة.

 في الطرف الآخر وعلى نافذتي الافتراضية أتبادل الحديث مع صديقة تقطن بالقرب من الريف الدمشقي في نقطةٍ لصيقةٍ بمركز للنظام يقوم بإطلاق القذائف، ترسل لي: “أتمنى أن يصاب هذا المركز ليصمت إلى الأبد فيتوقف عن قصف الناس”، تصمت لبرهةٍ ثم تكمل “لكن، لا أريد أن أصمت معه”، هذه الفتاة التي لا تتوانى عن العمل في الثورة المدنية والعمل السلمي بتقديم ما استطاعت منذ عامين وحتى اللحظة، تحمل شعوراً بالذنب ارتبط بسكنها، حتى أنها باتت تبرز هويتها مع تبرير لانتمائها الجغرافي وملابسها كلما استوقفها حاجز من المعارضة، وهو ذنب لم تقترفه قط، وخوف من خطرٍ قد يأتي من طرف من دعمتهم ووقفت إلى جانبهم دون أن يردعها الأمر عن الاستمرار بقضيتها، وليست هذه الفتاة إلا نموذجاً لآلاف الناشطين والمعارضين للنظام الذين لم تثنيهم خطورة الحروف المصفوفة على هوياتهم من غضب حاكمٍ أو ثأر مفجوع.

  في سياقٍ آخر من المعادلة وهو الشق الدموي والأخطر، فكثيراً ما تلام المعارضة المسلحة على دخولها المدن والمناطق السكنية، بالتالي تعريض المدنيين لخطر سلاح النظام والقصف، لكن شكل الحرب اليوم يخبرنا أن لا أحد يهتم بالمدنيين على حساب التقدم العسكري وتسجيل نقاطٍ للقوة، رغم أن الكل يتذرع بحمايتهم لينقسم مصيرهم ما بين مناطق تحتلها قوات النظام وأخرى تحتلها قوات المعارضة، ولا تقل خطورة الموقف كثيراً باختلاف المسيطر هنا، فمن يقطن في منطقةٍ تتعرض للقصف لتمترس المعارضة المسلحة فيها أم لا، ليس ببعيد الحال عن حيٍ يجعل منه النظام مركزاً لوضع مدرعاته وآلياته أو نشر شبيحته، لما قد يعرضها لضرباتٍ عشوائية أو نوعية من قبل الطرف الآخر، بقصد استهداف معاقل النظام، فلا تجد سوى أنها طالت منازل المدنيين أو أماكن تواجدهم.

 وليس تواجد العديد من المراكز الأمنية والعسكرية بين الأحياء السكنية، وبالأخص الأكثر هدوءاً بالأمر الجديد، وإن خصصنا الحديث عن العاصمة، لوجدنا أن هذا التمركز  كان واحداً من الأسباب التي أدت إلى بسط سيطرة النظام على المنطقة، وعدم تحرك سكانها بكثافةٍ تعادل المناطق الأخرى، وبالتالي وسم المنطقة بأسرها على أنها منطقة مؤيدة للنظام، وهو يؤدي إلى إدانتها من الجانب الثوري وإدانة قاطنيها.

 تمركز النظام بهذه الصورة خلق شرخاً اجتماعياً كبيراً وبالأخص لاختياره مناطق تحمل نوعاً من الخصوصية طائفياً أم عرقياً أم اجتماعياً، حيث يقع الثوار في فخ التعميم مجدداً، بتوجيه الملامة إلى مجموعةٍ من البشر بأسرها، ومنحها صفات قد تصل للتخوين، أو التهديد بالرد، ففي الطرف الذي يتلقى القصف، أو أي نوعٍ من أنواع العنف، ترتبط في ذهنه هوية المكان مع هوية القاتل، واضعاً اللائمة على سكان لا حول لهم ولا قوة فلا هم من وهبوا أرضهم ومنازلهم ولا هم قادرون على ردعه وإيقاف آلته، لتتعرض هذه المناطق إلى ضرباتٍ ارتدادية وإن كان المعلن منها هو استهداف معاقل النظام التي لا تصيبها غالباً.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...