الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أحمد باشا / “جنازة التماثيل”/  أحمد باشا

“جنازة التماثيل”/  أحمد باشا

 

 

لم يلتفت خلفه

وتفادى أن يصغي لهشيم الريح تحت العربات المجنزرة

الأيادي باسقة من أرض الصحراء

والإبل تتعهد خطياً في مركز الشرطة بأن لا تتعرض لبعضها بعد اليوم.

كان يهتدي بالجهات التي توحي بها آلاف الأصابع

التي أوصلَتْهُ في النهاية إلى جنازة للتماثيل

سار بها

وعبر معها البحر والمدينة

دون أن يلتفت خلفه أيضاً

“لا شيء غير الماء”

سأجمع كل رسائلي بعد أن أعقّمها من المجازات والاستعارات وأوراق الخريف،

لن أكون حذراً ولا همجيّاً حتى.

تنهضين في الصباح،

ولا شيء غير الماء.

العربات التهمت شوارعها،

وذاك الغراب الجميل على النافذة العالية، جمدته الوحدة. أتتذكرين ابتسامته؟

مرة كتبت لك: “لا تخلعي حذاءك، لا تغيّري شكل العالم”

اليوم لا مفرّ من عبور المستنقع إلى الرصيف المقابل، حيث تتناسين، كل مرة،

مظلتك الصغيرة.

تنهضين في الصباح،

وتتابع أسراب الجراد هجرتها نحو جبهتي.

لا شيء حولي سوى أعمدة الكهرباء العالية،

نمارس الهواية ذاتها: التحديق في مشيتك وأنت تبتعدين.

“حتى اليوم”

في طفولتي سمعت فتاة بدوية تقول:

“أُحبّه وأُريد أن أحبل منه”

حتى اليوم، لم أسمع غزلاً أصدق من هذا.

“سيتكرر المشهد”

إن حدث والتقينا يوماً ما، تظاهر بعدم معرفتي أو عدم رؤيتي

لا تفتح ذراعيك على مصراعيهما وتصرخ: أفتقدك يا صديقي.

حتى وإن كنت صادقاً، حبذا أن يخسر عمرنا مشهداً درامياً.

سأسمح لك بالتظاهر بالتحديق في ساعة يدك الفضية اللون

لنجلس ساعات طويلة على نفس المقعد دون أن نتبادل كلمة واحدة.

(“دائماً ما يفسد الكلام جمالية الصورة”، هكذا قال أحدنا مرة)

دع كلاً منا يمضي دون أن ينظر إلى الوراء

وإن نسينا شيئاً ما يخصنا: قداحة، جريدة قديمة، كيس نايلون أسود، بزر

سنعود ونجدها كلها في المكان نفسه

سيتكرر المشهد نفسه مئات المرات

وسنبقى في كل مرة نشك في حقيقته

وحقيقتنا.

“الأصدقاء.. لا غيرهم”

هم، لا غيرهم

الأصدقاء، لا غيرهم

ما بدلوا أمكنتهم على تخوم الذاكرة

لم يمدحني أحدهم يوماً أمام أمي

عبثت طويلاً بصورهم القديمة

جُبلتُ مع ضحكات طفولتهم التي لم تنضج بعد

يقينهم واحدٌ أحدٌ:

الأغاني نعوش مزركشة، والمعاني لا تتجاوز الجدران التي طالما تبوَّلنا عليها، ثم زرعنا فيها أحرف أسمائنا وأحرف رغباتنا وهزائم الأبجدية

الحاويات اللاتي اختبأنا خلفها كثيراً قبورٌ

وصورٌ تقتفي الماضي البعيد، ليحفظوا ما أُتمتم من الأغاني

والأكاذيب.

***

الأصدقاء القدامى

هم نفسهم، ما بدّلت الشمس فُسح السواد تحت جفونهم

هم نفسهم

كلّما حاولتُ نسيانهم، خطفوا ظلّي

ومشوا معه إلى آخر المنام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...