الرئيسية / صفحات الثقافة / جنرال فاتح المدرّس: علي جازو

جنرال فاتح المدرّس: علي جازو

“مرة رأيتُ جنرالاً يأكل جثة، ولم يبق منها في صحنه سوى عينها، فقلت له مشيراً إلى الصحن: وأين هي العين الأخرى أيها الجنرال؟  أجابني ببراءة وهو يمسح فمه بكم قميصه: كل الحقائق بعين واحدة”. 

 لم يحمل فاتح المدرس، (1922 – 1999)، أسلحة ولا دماء إلى لوحاته. كان سطح لوحته من العمق والسعة والقرب واللعب مما يتحول فيه خلقُ الصورة إلى دليل، لا العكس. بلغ من الزهد والمعرفة واللطف الحدّ الذي لا يحتاج اللجوء إلى أدوات وعناصر كثيرة. في عمله الذي يختصر أحقاباً من تاريخ سوريا وحضارتها، استعار المدرس وجوهاً مدفونة، وآفاقاً تعكس الطبيعة على نحو حالم ومكثف. لعله أراد أن يحمل، بطريقة مخالفة، الآثار التي تخلفها الأسلحة وحَمَلتها على الأبرياء، وما يتركه العنف من عبء وقلق على الحياة الإنسانية التي يفترض حمايتها وصونها من القتل والاعتداء. كان عمل فاتح المدرس أقرب إلى لوعة التراب منه إلى تخثر الدم، وإلى طفولة الحلم منها إلى شيخوخة المنطق؛ إذ يبرر الصراع أو يشرحه.

فاتح المدرس الذي كتب قصصاً خيالية، قصائد مدهشة، ومقالات ناقدة، وشذرات لمّاحةً: “الإنسان أجمل من العقل”، “من الصفر يولد رائعُ الواحد”، كتب أيضاً في زمن الخوف والصمت الخانقين: “وجهٌ مُضاء على جدار المدينة كفيلٌ بأن يلفّ الجبل بالظلام”. كان الوجه وجه الرئيس السوري حافظ الأسد، وجه الأبدية الجامدة والقاسية التي محت كل وجه سواها طوال نصف قرن، وكان الجبل جبل قاسيون. في قبو بساحة النجمة وسط دمشق رسم المدرس، من هناك كان يعلّم ويصغي، من ذلك المكان الضيق رفع إلى فضاء اللوحة عشرات الوجوه المضغوطة والآفاق النحيلة المرهفة التي غمرت خلفية لوحاته. في ذلك القبو الذي يصعب الوصول إليه الآن، إذ تُسمَع من حوله صرخات المذعورين وآهات المنفيين وذكريات المخطوفين والمعتقلين، علّق قصاصات ورقية تتضمن كتاباته الموجزة على جدران مرسمه الصغير.

كان وحيد صمته وقوة نظرته. وحدة هائلة عاشها المدرس، ونظرة احتضنت تاريخ سوريا القديم وتلونها الجغرافي الرحب وتعددها البشري كمن يحتضن ذاكرة شخصية ويدون سيرة عائلية. يكفيه أن يتذكر التراب يشع تحت شمس السهول في ريف حلب، حيث ولد لأم كردية وأب عربي، حتى يحمل الضوء واللون والذاكرة في قبضة يد واحدة. كان يجمع ويحفر ويخبئ ويتذكر ويستعيد. لوحات المدرس أقرب إلى رحم منها إلى مشهد مرئي، ذلك أنها تطفو في لحظة هي مزيج من قوة المادة ورقّة اللمسة. إنها توحي بحنان من يتذكر وأسى من يخسر. من كل ذلك خرج بزهد غنيّ وتقشّف خصب. وكالمغني الفارسي الذي يصنع الليل بصوته، على وصف للمدرّس نفسه لمغنٍّ فارسي، كان هو من يصنع الذاكرة بريشته، ويعيد للألق معناه وللمكان حضوره. إلى ذلك، ترك المدرس لوحات خصّ بها العسكر الذين تدفع الشعوب العربية الآن ثمن نزواتهم وتسلطهم وحكمهم الاستبداديّ وبطشهم الذي فاق المعقول وتجاوز كلّ حد. عاش المدرس تجربة حرب لبنان وترك لوحة عن تلك المرحلة المدمرة: “بيروت في ليل الحرب الأهلية”.

جنرال المدرّس مهرّج، ليس سوى مهرّج. يبدو ضعيفاً هشاً ومتوحشاً في آن واحد. إحدى عينيه ممحية، كأنها حفرة أو بقعة ظلام. الأخرى عين عادية، عين أيّ كان. ربما هي عين الضحية، أو عين من شهد الهول وبقي يقظاً ومراقباً وحيّاً كضمير يرفض مجانية الموت ويرفض تبرير الصمت على الجريمة على أي نحو كان. دمج المدرس القتلة والضحايا في وحدة ترابية شفافة هي أصل الأرض وأصل الهوية الإنسانية الأول والنقي. الضحية تبقى أمام القاتل، وخلفه، تتضمنه وتخترقه. إنها تستعيد حياتها المسحوقة من داخل جسد قاتلها. هي لا تلجأ إلى القتل، لكنها تحمل المرآة إلى وجه القاتل وعين الناظر، عين أي واحد منا. تلوح من خلف قبعة الجنرال كائنات مذعورة، أم وابنها في خلفية اللوحة، هؤلاء هم أي واحد من المنسيين والمجهولين الذي طحنتهم حرب التمسك بسلطة استبدادية وحرب عبادة شخص ليس في المحصلة سوى كائن وحيد وأعزل. وحشٌ لكنه وحيد، ولن يجد غير أفواه الوحوش حوله. يعيدنا عملٌ شاعريّ وفذّ كعمل المدرس إلى البديهة التي طالما تُنسَى وتهمَل وتتوارى في لحظات القسوة ولحظات المأساة التي تشتت العقل وتربك المرء وتضيعه عن سلوك درب الاستقامة الأخلاقية؛ تلك التي ترفع من قيمة العمل الفني وتتجاوز المهارة والحرفية إلى مضمون ذي غنى إنساني.

وفي حين يتعرض أحد أهم وأجمل أبناء سوريا، يوسف عبدلكي، مع صديقين آخرين، للاعتقال على أيدي عصابات النظام السوري، تعود إلينا ذكرى وفاة فاتح المدرس صيف العام 1999. هكذا يكون راهن سوريا درباً إلى الماضي، وماضيها رسالة إلى أبناء الحاضر؛ فزمن الفن يتجاوز حصيلة الأرقام المغلقة وتراتبية فصلها الآلي. ثمة في سوريا، عدا سياسييها المعتوهين ومعارضيها البهلوانيين، ومجرميها وثوارها الأسطوريين، فنانون هم رصيد هذا البلد الممزق وضمير حيّ لذاكرته الجمعية التي تحترق كل يوم. هي ذخيرة تجد طريقها للبقاء والاستمرار والانتقال من جيل لآخر؛ فجزء من الفن أمانة عامة، وجزء منه رسالة تصل إلى عين القلب حيث الدمعة شقيقة الحبّ وبنت المعاناة.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...