صفحات سورية

جودة التربة السّوريّة


راضي كريني

الأزمة السّوريّة ليست قدرا من السّماء، إذ لم تتدخّل قوى فوق الطبيعة لتخلق الأزمة السياسيّة والتنظيميّة التي تعاني منها سوريا؛ فالأزمة نمت وترعرعت في الوعاء الفكري الفلسفي المتأزّم فيها، لقد كان الوعاء ممتلئا بالشعارات القوميّة المجهضة للفكر الاشتراكي اليساري الديمقراطي، ربما تعود بعض الأسباب في ذلك إلى الأساليب التي اتبعها اليساريون، وفي الوقت ذاته كان الوعاء فارغا أمام دسائس وتآمر ونفوذ القوى الرجعيّة من إمبرياليّة ودينيّة سياسيّة. فالطبيعة لا تقبل الفراغ.

الحالة العاصفة في سوريا اليوم هي دلالة على: 1- فشل النظام الشمولي في إدارة شؤون الدولة العصرية. 2- عدم فهمه واعترافه بالحقّ في الاختلاف، وعجزه في التعامل مع الأقليّات (الأكراد والفلسطينيين…). 3- عدم إصغائه لمطالب الأقليّات والقوى اليساريّة التقدميّة بالتغيير. 4- فشل النظام في إتمام التحرّر السياسي ليتفرّغ للتحرّر الاجتماعي والاقتصادي.

كان وما زال ردّ فعل النظام على أي تمرّد، على الغالب، متشنجا ومقولبا وجاهزا، وتميّز بالهجوم بعصبيّة وبقوة ليحسّن من شعوره الأمني وليثبّت إيمانه باستحالة النيل منه أو تغييره، نائيا بنفسه عن التراكمات الفكريّة المأساويّة الحاصلة في الشارع السوري ( طبعا، بتأثيرات خارجية أيضا).

إنّ إجراء التغيير السياسي لا يعني التغيير في سلوك النظام تجاه شعبه، بل التغيير في المواقف والمفاهيم التي تقف وراء سلوكه، وفي المسؤولين الذين يرفضون الالتزام بالتغيير؛ كي لا يأتي التغيير إرضاء لرئيس أو لحكومة رئيس/نظام ( لا يوجد حكومة شعب) أو لأي مسؤول بعثي كان؛ بل لكي يأتي بناء على ما تقتضيه المرحلة، وأن ينمّ عن إدراك وفهم القيادة للمرحلة وليُفهم كتعبير عن تضامن وتعاطف القيادة مع الشعب السوري وكنتيجة للإيمان بضرورة التغيير.

تُلقي الأزمة على عاتق رئيس الدولة مهمّة رئيسيّة في تخطيط التغيير وتحريكه، إذا اضطلع بها، فيتوجّب عليه: أولا، أن يطرح رؤيته الشاملة وليست العينيّة الناشئة عن الأزمة. وثانيا، أن يتجدّد ويستحدث المبادرات. وثالثا، أن يتقبّل/”يبلع” بعض التجاوزات. ورابعا، أن يبدي استعدادا لخوض المخاطر في مواجهة الحالات المبهمة. ورابعا، أن يتّخذ قرارات حاسمة. وخامسا، أن يكون نموذجا واضحا إزاء الحالة المستقبليّة المرغوبة، الناشئة بعد إجراء التغيير/الحلّ للأزمة. وسادسا، أن يحدّد بوضوح السبل والسيرورات التي سيتّبعها للانتقال من الموجود إلى المرغوب، فوضوح السيرورات يخفّض من درجة الخوف المؤدّي إلى نشوء مقاومة.

إنّ تغيير الموجود لا يأتي عن طريق إضافة أمور وافتراضيات وتصوّرات على الموجود فقط؛ بل بإزالة شوائب منه أيضا، مع الأخذ بعين الاعتبار بأنّ المجتمع ليس مادة كيميائيّة! لذلك على قيادة التغيير أن لا تسأل نفسها ما الجديد الذي عليها أن تحدثه فقط؛ بل عليها أن تسأل نفسها: ما الذي يجب أن أتوقف وامتنع عن عمله أيضا؟ مثل إلغاء بعض الإجراءات العسكريّة والأمنيّة، أو إقالة بعض المسؤولين من أعلى المستويات الذين يشجّعون ويدفعون إلى استعمال القوّة المفرطة؛ فمن واجب القيادة استطلاع رأي الشعب السّوري بعد كلّ تغيير، واستقراء ردود فعله على الحاصل، وتذويت انتقاداته.

هكذا يتم استصلاح التربة السّوريّة، وتنقيتها من الأعشاب الضارّة، وزرعها بأجمل الأزهار.

ليكن اهتمامكم بجودة التربة السّوريّة، لا بجودة زرعها فقط!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى