الرئيسية / صفحات الحوار / جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

 

 

حاوره: وليد بركسية

“هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. بهذه الكلمات يبدأ الإعلامي والشاعر اللبناني جوزيف عيساوي حديثه مع “المدن” في الأشرفية وسط بيروت، في حوار حول سلسلة فيديو جديدة أطلقها عبر صفحته الشخصية في “فايسبوك” يسأل فيها أشخاصاً من محيطه اليومي: “هل تؤمن بالله؟” بجَدلية تذكّر بأيام برنامجه الأبرز “قريب جداً” الذي توقف بثه العام 2011.

الحوار معه يبدو مغامرة ممتعة، إذ يتشعب الحديث بين التكنولوجيا وهموم الحريات في المنطقة، وصولاً إلى الدين الذي يشكل المادة اللاصقة التي تجمع الحوار الطويل.

* ما الذي دفعك لإطلاق السلسلة في هذا التوقيت؟

** كنت في الجامعة الأميركية في بيروت، وأردت التعرف على محمد يونس، مؤسس بنك الفقراء في بنغلادش، والحائز على جائزة نوبل للسلام العام 2006، وصورت معه مقابلة طويلة رغم أني لا أمتلك أي منبر لإذاعتها. وفي أسئلتي له عن تأثير الدين في الاقتصاد والفقر، اعتبر دائماً أن الدين لا يختلف عن أي عامل آخر سلباً أو إيجاباً. بعد المقابلة ترافقنا إلى الحديقة وخلال حديثنا سألته إن كان ملحداً، فقال لي هل أبدو لك ملحداً؟ بعد أخذ ورد، أمسكت الهاتف وسألته إن كان يؤمن بالله، وقال لي “أنت خراب بيوت”. وأتت فكرة السلسلة من هنا، ومع آلاف المشاهدات ورود الأفعال المشجعة وطلبات الأصدقاء، قررت الاستمرار في تقديم السلسلة.

* لكنك، طوال مسيرتك الإعلامية والشعرية، امتلكتَ هذا الهاجس والتساؤل حول الله والدين؟

** الأسئلة الوجودية والمصير والدين هي جزء مني كشاعر وكإنسان، وأيضاً كإعلامي. في شعري دائماً هناك سؤال ديني وحضور لله منذ كتابي الأول “قصائد المنزل” ولكن في هذا الكتاب كان الله يحضر كجثة، هو كتاب عدمي. رجع الله بعدها إلى شعري بشكل آخر، بشكل حوار معه ورفض له في الوقت نفسه. في برامجي التلفزيونية كان هناك دائماً سؤال للضيوف حول الإيمان والإلحاد من دون جدل كبير معهم، لكن في برنامج “قريب جداً” بين العامين 2004 و2011 على قناة “الحرة” حضر الله والدين والتدين والإسلام السياسي في أسئلة ضمن أغلب الحلقات، بل خصصت بعض الحلقات للحديث عن صورة الله في عيون الأطفال وعن الملحدين العرب وعن حرية المعتقد، وعند أسئلتي للضيوف من الفنانين والمثقفين العرب عن نظرتهم الشخصية للإيمان، كانت الأسئلة مربكة لهم، وحتى الأسئلة عن الحب في حياتهم وأول ملامسة لجسد الآخر كانت بمثابة طرح لمحرمات، حتى على من يفترض أنهم يبحثون في المحرمات ويعالجونها في أدبهم وفكرهم وفنهم.

* هل يعود ذلك للضيوف أنفسهم أم لحالة عممها الإعلام العربي بالابتعاد عن النقد والميل للمجاملات والحوارات العمومية؟

** كان برنامج “قريب جداً” نقلة كبرنامج ثقافي، إذ أعتبر الثقافة هي النقد أولاً، كان البعض يشاهدون البرنامج ويخشون الظهور فيه، هناك أقلية اعتذرت عن الظهور معي لأنهم كانوا يعرفون أن هذه النوعية من الأسئلة ستطرح عليهم. والبعض حاول بعد الموافقة على التصوير، ممارسة بعض الضغط للتملص من بعض الإجابات، لكني كنت أصر على حقي في السؤال الذي طرح أصلاً على كثير من الضيوف، إن لم يكن جميعهم، وأحياناً كنت أرضى بالمبادلة أي التنازل عن هذا السؤال في مقابل إجابتهم على أسئلة لا تقل جدلية. طبعا الأسئلة السياسية كانت هي الأصعب.

* هل هذا سبب إضافي لإطلاق سلسلة في “فايسبوك” خصوصاً أنك لا تعمل مع أي وسيلة إعلامية، تلفزيونية تحديداً؟ هل يعطيك “فايسبوك” هذه الحرية؟

** أعتقد أن أهمية “فايسبوك” تكمن في هذا السقف العالي للحرية غير الموجودة في أي وسيلة إعلامية مكتوبة أو مرئية أو مسموعة. كانت “الحرة” تسمح بهذه الحرية، لكني لا أعرف ما الذي تريده “الحرة” في هذا المجال اليوم.

* قالوا مؤخراً أن “الحرة” ستتحول من مهمتها في الترويج للحرية والديموقراطية إلى منبر لمحاربة التطرف في العالم العربي..

** ربما ستصبح القناة أكثر مباشرة لتواجه القضايا التي لم تكن تواجهها في ميدان السياسة بشكل مباشر. وكما كان يقول موفق حرب، مدير عام “الحرة” ومؤسسها، أن هنالك برنامجين يتحدى أن تعرضهما أي قناة عربية، هما “قريب جداً” لجوزيف عيساوي و”مساواة” الخاص بالمرأة الخليجية.

* بالحديث عن برامج ومكافحة التطرف، عبر السوشال ميديا والإعلام و”الحرة”، هل يمكن القول أن المشكلة في المنطقة ليست مشكلة سياسية بل مشكلة روحية؟

** هي مشكلة قيم، ومنها الدين وحضوره في حياتنا بشكل طاغ عقائدي لا يسمح بحرية التفكير في النظرة إلى الوجود. عليك أن تؤمن انطلاقاً مما يقوله دينك أو مذهبك داخل الدين أو من اتجاه داخل المذهب نفسه. وبالتالي هذا الإغلاق للعقل عبر التلقين الديني بنظرة معينة للوجود، وكل مترتباتها العقائدية، لا يؤثر فقط في التفكير السياسي والاجتماعي للفرد، بل أيضاً في قدرة الفرد على أن يكون كائناً مبدعاً ومنتجاً، من غير أن ننسى النظام الأبوي الذي يتغذى من الدين ويغذيه عبر مرتكزاته وعاداته وتقاليده. وأيضاً العنصر السياسي حتى في التاريخ الإسلامي كان يتحكم بالدين، والسؤال الذي طرح منذ القرن التاسع عشر، لماذا تقدم الغرب علمياً وتخلف العرب والمسلمون؟ كان البعض يرى البلاط السياسي مسؤولاً عن التشدد الديني من خلال تحكمه بالفقهاء. وبالتالي هناك عناصر متعددة للتشدد، ومنها العامل السياسي والديني، وأيضاً العامل الاقتصادي مع تراجع الثروة بتغير طرق التجارة، ما أدى إلى تراكم الثروات في أماكن أخرى وتقلصها في العالم الإسلامي.

* العوامل السياسية والاقتصادية أدت لتحول الدين للتطرف! أم أن التطرف موجود أصلاً في الدين نفسه؟ مثلاً أي تنظيم متطرف مثل “داعش” يقول أنه يمارس الدين الصحيح..

** كل دين يعتبر أنه يمتلك الحقيقة المطلقة وإلا لن يكون ديناً. ومن هنا تبدأ جذور الاستبداد، وربما يكمن ذلك حتى في الفلسفة منذ أفلاطون إلى وديكارت وهيغل. فهناك من يعتبر فلسفاتهم منظومات أيديولوجية مغلقة، وهذا هو النقد الذي مارسه فلاسفة ما بعد الحداثة لتاريخ الفلسفة الغربي. لكن الدين يسم أيديولوجيته بالمقدس، ناسباً إياها إلى مطلق كبير، وهنا يبدأ إقصاء الآخر المختلف، سواء كان لا دينياً أو لا أدرياً أو ملحداً. نحن بحاجة إلى إعادة قراءة الدين في ضوء العلوم الإنسانية والفلسفة، وهو ما فعلته الكنيسة الكاثوليكية بتأثير الإصلاح البروتستانتي قبل أن يقع البروتستانت في الجمود نفسه والتحجر.

* لكن خطاب التجديد الديني وإعادته لجذوره الإنسانية غير موجود في المنطقة تقريباً..

** حاول بعض الأفراد مثل نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، ومحمد عادل الجابري، وجورج طرابيشي، وسواهم في القرن العشرين، استعمال العلوم الإنسانية في قراءة النص الديني. البعض كتب من خارج العالم العربي، الذين في الداخل حوكموا وهوجموا وهددوا، هناك من يرى أن التجديد سيأتي من المفكرين العرب الذين يعيشون خارج العالم العربي، والبعض يرى التجديد مرتبطاً بصدوره من الداخل، وهناك من يرى أنه يجب أن يصدر من داخل الأزهر.

* فقدت الكنيسة الكاثوليكية كثيراً من مكانتها في العالم الغربي، قبل أن تتراجع عن كثير من أفكارها، مثل ما يخص الموقف من المثليين مثلاً، هل يجب أن يفقد رجال الدين والمؤسسات الدينية الإسلامية مكانتها في العالم العربي أولاً قبل أن يتجهوا لإصلاح الفكر الديني؟

** هنالك حاجة لقرار سياسي في الدول العربية لتحويل المجتمعات إلى مجتمعات منتجة اقتصادياً وفكرياً، وهذا يتضمن ورشة على صعيد الفكر الديني سواء ضمن المؤسسات الدينية أو في الجامعات مثلما فعل بورقيبة في تونس أو أتاتورك في تركيا. لا أظن أنه من الضروري استنساخ التجربة الأوروبية بحذافيرها.

* إذاً هو قرار وليس ظرفاً

** أجل قرار سياسي يضع خططاً ويعطي الحرية للمفكرين كي ينتجوا قراءة جديدة للإسلام أو للمسيحية الشرقية أيضاً، فمقررات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أنهى أعماله في روما العام 1965 ونقل المسيحية من الحق الإلهي إلى الحق المدني، مازالت بعيدة عن الكنائس الغربية في الشرق كما عن الكنائس الشرقية، وبقيت غارقة في نظرات جامدة إلى الدين والإنسان. لا أعرف سبيلاً لإنتاج فكر جديد إن لم يكن الناس أحراراً أولاً، ولا يوجد حاكم يريد القيام بذلك.

* هل توفر السوشال ميديا مساحة للحرية الدينية هنا؟

** حتى صفحات الملحدين في “فايسبوك” مثلاً، لا تتضمن فكراً وتبقى في إطار رد الفعل على القمع الديني من أفراد همشوا أو اعتقلوا أو ضربوا أو أهينوا بسبب لا دينيتهم حتى لو كانوا مؤمنين من خارج الدين أو بسبب إلحادهم. طبعاً هنالك عديدون مثلي يكتبون تعليقات حول علاقتهم بالماوراء ونظرتهم إلى العالم وإلى الدين ويتفاعلون مع ردود أصدقائهم في حوارات منتجة وذات جدوى، ولكن هنالك في المقابل صفحات كاملة تنشر فكراً دينياً متطرفاً، ليس داعشياً بالضرورة، لكن بنظرة قديمة وحرفية للدين ومتأثرة بالمذاهب المتشددة المعروفة.

* من المثير في السلسلة أنك لا تتحدث مع مثقفين بل مع كثير من الأشخاص العاديين في حياتك، بينهم أطفال، من دون تعالٍ أو تجريح

** أجل هناك أصدقاء ومثقفون وأطفال وحتى السيدة إلهام التي تطبخ لي. بالطبع مهنتي هي الحوار ويجب الحديث من مكان مختلف، لكن أحب جعل الآخر يشعر بالراحة كي يخبرنا بما يفكر فيه بصدق وحرية. أي نظرة للدين تستحق الاحترام، لأنها نتيجة خبرة وتربية، مهما كانت تلقينية، أدت في النهاية لصناعة هذا الكائن، ويجب أن نستمع للناس لنرى كيف تكونت نظرتهم للحياة وكيف ستتطور. هؤلاء الناس من يومياتي، الأصدقاء يطالبونني بشهادة يومية، لكن بصراحة، هذا مشروع بدأ صدفة، ولكي يتحول إلى مشروع يحتاج وقتاً ونفَساً طويلاً، ورغم أني أمتلك الوقت إلا أنني أسأل نفسي عن الجدوى، في غياب أي مشروع تنويري في العالم العربي. أضع الفيديهات أحياناً لإرضاء الأصدقاء وللتسلية، لكني أعرف أهميتها من ردود أفعال الناس، وأن المسألة الدينية والتنوير حاجة ماسة بالنسبة إلينا، ولإيقاف الحروب الدينية والحروب باسم الدين، لأن الديانات تسمح بمثل هذه القراءات الحرفية.

* ما الفرق بين الحروب الدينية والحروب باسم الدين؟

** يقولون أن المسيحية لم تقم بالحروب الصليبية وأن الإسلام لم يصنع “داعش” و”النصرة” وغيرهم، لكن لو نظرنا إلى الدين كظاهرة تاريخية، فإن الحروب كانت، رغم أبعادها الاقتصادية والسياسية، حروباً دينية، ماذا تسمي الفتوحات الإسلامية مثلاً؟

* يشبه ذلك “صراع الحضارات”

** هنالك شيء من صراع الحضارات نعم، صامويل هنتنغتون يقول أن الدين هو المكون الأبرز للحضارة، ربما يكون الأمر كذلك، وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يكون الفكر الديني منطقة محرمة على الفرد، ويجب أن نصنع حياتنا من مصادر مختلفة، سواء الدين أو الفلسلفة والأدب والفن والخبرة الشخصية. أتساءل كثيراً لو أن المسيحيين خلقوا في الصين أو الهند هل كانوا سيبقون مسيحيين أم سيكونون بوذيين مثلاً، والعكس صحيح. نحن لا نطرح على أنفسنا السؤال: “على أي أساس نحن مسيحيون أو مسلمون أو بوذيون”.

* نحن لا نختار الدين، الدين يكبر معنا

** نرث الدين في المسام والهواء، وهذا هو السؤال المهم، والمكون الديني أساسي في صناعة العقول وطريقة التفكير وماذا نريد من الوجود والحياة والمجتمع والعمل ومن الآخر ومن الذات. هو عنصر أساسي في تحديد شخصية الفرد وطبيعة المجتمع والدولة.

* ألا يوجد شيء من الخوف عند طرح هكذا أفكار اليوم، وفي السلسلة بالتحديد؟ العالم العربي ولبنان شهد حالات متزايدة للترهيب باسم “ازدراء الأديان”

** المسألة تتعلق بكيفية الطرح، ومازال لبنان بعيداً في العموم من هذه الحالات مقارنة ببقية المحيط العربي. هنالك أحياناً حالات ازدراء أديان، وهنالك فروق بين القيام بالنقد وازدراء الأديان والرموز الدينية، أنا ضد الازدراء ومع النقد، وهنا تلعب المؤسسات الدينية على مسألة تعميم الازدراء عند اعتراضها على أي نقد أو وجهة نظر إلى الحياة والفن مغايرة للعقيدة أو المؤسسة الدينية.

* لكن هل تستوعب حرية التعبير مسألة الازدراء، وهل يجب قتل واعتقال وترهيب من يقوم بـ”ازدراء الأديان”؟ هل تحتاج الذات العليا لمن يدافع عنها؟

** بالطبع لا، المسألة أبعد من ذلك، مثلاً من يقوم بالازدراء ليس الأفراد فقط، فالديانات تزدري بعضها البعض، والمذاهب ضمن الدين الواحد تكفر بعضها البعض، الديانات الابراهيمية قامت على تراث بعضها البعض، لكنها لا تعترف ببعضها، وينسب كل منها لعقيدته أو مذهبه الحقيقة المطلقة باعتباره الفرقة الناجية.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المفكر والسياسي السوري برهان غليون: من رحم الهزيمة وأنقاض المعارضة ستولد مقاومة سورية مختلفة

    حاوره: حسام محمد يرى المفكر والسياسي السوري برهان غليون أن الشعب السوري، سوف ...