الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبر درويش / جولة في نواحي دمشق وريفها: صبر درويش

جولة في نواحي دمشق وريفها: صبر درويش

 

صبر درويش

1 ـ في الغوطة.. مطر وذاكرة

المطر غزير، منذ الساعات الأولى للصباح، والمطر لا يتوقف عن الهطول، هدوء بشكل عام، وأصوات انفجارات متقطعة بين الفينة والأخرى، المياه المتجمعة تعم المكان، والحركة غاية في الصعوبة، تكاد تخلو الشوارع من الناس، سوى قليل من الشبان المتجمعين حول نار أشعلت على عجل، بينما الجميع في حالة صمت.

من الواضح أن المطر يوقظ الذاكرة لدى الجميع، ويدفع الجميع إلى التأمل، أما أنا فمشغول كعادتي في معرفة بماذا يفكر كل واحد منهم؛ بل إن أعداءنا اليوم صامتون، ما دفعني إلى التخمين فيما يفعلونه في هذه الساعات العصيبة، هم أيضاً مثلنا، أليس لديهم ذاكرة أيضاً توقظها الريح والمطر المتساقط؟ رحت أخمن: ربما يتذكر أحد أعدائنا والدته التي مرت شهور على رؤيته لها آخر مرة، وربما يتذكر بيارة الليمون في بلاده البعيدة، أو ربما يتذكر حبيبة افتراضية يعينه ذكراها على الاستمرار.. ربما. بينما ما هو مؤكد أن شعورا ثقيلاً بالانتظار يلف الجميع. ماذا بعد؟ ألم تنتهي حفلة القتل بعد؟

يهطل المطر غزيرا غزيراً، يغسل ما تبقى من المنازل، فحتى البيوت كانت منذ فترة تستعد للاحتفال بأعياد الميلاد، وبحلول سنة جديدة، والانتظار لغة ثقيلة، ماذا ستحمل الأيام القادمة لنا؟ الجميع متعب، والجميع بانتظار ساعة الحسم.

الشك وعدم الثقة، هما الشعور السائد اليوم. الجميع متحفز، ويكفي أن يشك بك أحد الأطراف حتى تصبح حياتك بخطر محدق؛ يكفي أن تكون “سنياً” بالنسبة لأعدائنا حتى تكون موضع اتهام، وكي تصبح مشروع شهيد، وفي الضفة الأخرى، أيضاً يكفي أن “لا تكون سنياً” حتى تضطر أن تبذل جهداً مضاعفاً كي تثبت براءتك، وحتى لو حصل ذلك، فإنك تبقى تحت المراقبة، وشعور بالريبة يلفك.

نجح نظام الأسد من دون شك في تفكيك بنية المجتمع السوري، وما هو مقلق في الأمر، ليس صعوبة إعادة بناء المدن المهدمة، وإنما إعادة لئم جرحنا الوطني.

الوعي السياسي لدى الناس في حده الأدنى، هذا إن وجد أصلاً، وفي ظل الجو المشحون بالغضب والضغوط من كل الأشكال، تنمو الأفكار السلبية والخرافات المرافقة لها، وتجد في المقابل من يتقن الترويج لهذه السلع الخبيثة؛ سألت أبو عدي أحد مقاتلي الجيش الحر- حول النظام السياسي المقبل، أجابني انه يتمنى أن تحل دولة اسلامية عوض نظام الأسد؛ سألته حول النموذج الاسلامي الأمثل الذي يراه مناسباً، وطرحت عليه خيارات، تتراوح بين نظام أفغانستان زمن حكم طالبان، وصولاُ إلى نموذج تركيا – اردوغان، أصيب الشاب بالارباك، فهو لم يدرك أنه لا جود لدولة اسلامية واحدة، وإنما لدينا كثير من النماذج، اكتفى الشاب بالقول انه يريد دولة تحقق العدالة.. إلخ.

الوعي السياسي حول البديل المقبل يكاد يكون منعدماً على جبهات القتال، بينما من يدّعون امتلاكهم لهذا الوعي، فإنهم يروجون لمفاهيم ومشاريع في الغالب غائمة وغير مفهومة، فحتى هؤلاء تبدو اللوحة مشوشة لديهم.

أبو محمد، المعروف “بالساعي”، وهو مقاتل ينتمي لفصيل سلفي، يتحدث احياناً عن خلافة اسلامية، ولكن ما إن يأخذ الحديث طابعاً شخصياً، ونتقدم قليلاً بموضوع الثقة، حتى يعبر عن انه غير مهتم كثيراً، فللعمل السياسي أناس مختصين بذلك كما يعبر، بينما هو مهمته تنتهي بسقوط نظام الأسد؛ سألته حول السلاح الذي يمتلكه، وحول مشاريعه لما بعد سقوط الأسد، كان واثقاً من إجابته، إذ عبر عن رغبته بامتلاك قطعة أرض، والعمل بها، فهو يحب الزراعة كما يحب الأرض، أما السلاح فلن يكون له عمل في الأرض، يتابع ضاحكاً.

اللوحة السياسية- الاجتماعية، غاية في التعقد، فالثوار يرزحون تحت ضغوط شتى، بغياب الرقيب يعّبرون بحرية وبساطة عن افكارهم، في الغالب الناس هنا ترفض التطرف، ومن يحمل أفكار سلفية هم قلة، وغير مرغوبين، بيد ان حضور الرقيب يدفعهم لتغيير أفكارهم وآرائهم؛ عندما تعرفت على أبو ثائر احد قادة الكتائب من الثوار- كان في الجلسة بضعة رجال، تحدث عن الدولة الاسلامية، وعن كونها بديل مقبول لدى الثوار، أبديت اعتراضي، ودافعت عن بعض الأفكار التي احملها، انتظر صديقنا خروج بعض الأصدقاء، وراح يعبر بشكل أكثر ارتياحاً عن رغبته بحلول دولة مدنية عوض الدولة الحالية، واسترسل في الحديث عن طبيعة التنوع الاجتماعي لدى المجتمع السوري، وأن هذا التنوع يفترض الدولة المدنية القادرة على انصاف الجميع.

يتحمل نظام الأسد المسؤولية كاملة حول كل ما يجري، بيد أن هذا التحديد لا يكفي لفهم اللوحة السورية المعقدة أصلاً؛ فغياب الناشطين السياسيين له دور حاسم أيضاً في تردي الأوضاع السياسية في صفوف الثوار؛ أغلب الناشطين وخصوصاً من المتعلمين غادروا البلاد، ومن تبقى منهم يكتفي بمتابعة شاشات التلفاز وغيرها؛ ارتكبنا خطأً فظيعاً عندما تخلينا عن العمل مع هؤلاء الشبان، من الصحيح أن دخول هذه الأجواء المغلقة من الثورة غاية في الصعوبة، إلا انه ليس مستحيلاً بحال من الأحوال. من خلال تجربتي الشخصية، لاحظت قدرة تأثير أفكارنا في الثوار، فهم يصغون بشغف لما نتحدث به، فهم أيضاً لديهم الكثير من الأسئلة والتي تحتاج إلى إجابات، كان من الممكن أن يقدم الناشطون السياسيون بعض هذه الإجابات، إلا ان ذلك لم يحدث، فغياب الناشطين السياسيين عن ساحة الفعل الثوري، سمح بحلول مدّعي الثقافة من كل الأصناف مكانهم.

2 ـ حكايا مدينة

تبدو منازل حي القدم والعسالي الدمشقي اليوم، وقد سويّت بالأرض تماماً، وكأن زلزالاً عظيماً ضرب المنطقة، بينما أحياء المدينة تبدو خاليةً تماماً من السكان، ولا شيء فيها سوى الريح.

أكثر من نصف المنازل، دمرت بالكامل، إثر قصف قوات الأسد على الأحياء، وأكثر من ثلثي السكان نزحوا إلى المجهول، خسر الاهالي كل ممتلكاتهم، وودعوا خلفهم شهداء بالعشرات، بينما مئات الشبان يقبعون في سجون النظام، أما من تبقى، فيستيقظ على جثث مرمية في الطرقات، مجهولة الهوية، كما يحب أن يدعوها الاعلام الرسمي “المتمدن”.

بيد أن للمدينة وسكانها ذاكرة من الصعب طمسها، إذ يصرّ الجميع على أن مدينتهم كانت من أولى المدن التي لبت نداء الثورة، فخرج الناس إلى الشارع شاهرين صوتاً بات من الصعب طمسه.

هتف الشبان للحرية، واعتقدوا أن سلمية حراكهم سوف يفضي دون شك إلى ما يشتهون، وردوا على الرصاص الحيّ، بلافتات ولوحات تؤكد على سلمية حراكهم وشرعية مطالبهم.

كتبوا على جدران المدينة كل ما رغبوا بقوله، وبحثوا عن أعلى الأمكنة في المدينة ليرفعوا فوقه راية ثورتهم، وقطعوا الطرقات بالإطارات المشتعلة، في تعبير عن رفضهم للعنف الذي يواجه فيه نشاطهم الثوري.

بينما سيشارك في هذا النشاط جميع مكونات المجتمع، فكان لثائرات الحي نصيب في هذا النشاط؛ شاركت ثائرات الحي في التظاهرات، وعندما اشتد العنف في الشارع، وعجزن عن المشاركة، قررن إجراء الاعتصامات، كمحاولة منهن لإبراز اصرارهن على المشاركة الفعالة بالثورة.

لم يوفر أبناء حي القدم والعسالي، وسيلة للتعبير عن ثورتهم إلا واستخدموه، كتبوا على الجدران شعاراتهم، خرجوا في تظاهرات عارمة، كتبوا اللافتات التي تحض على الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية، وعندما قابلهم نظام الاسد بالقتل والاعتقال، حملوا السلاح مضطرين، دفاعاً عن انفسهم وعن أهلهم.

تكونت أولى المجموعات المقاتلة من شبان من أهل المنطقة، أجبروا على حمل السلاح إثر بطش النظام وشبيحته بأهالي المدينة، فلم يوفر هؤلاء مناسبة إلا واستخدموا فيها الرصاص الحي في مواجهة المدنيين. وأطلقوا الرصاص على المشيعين فسقط الشهداء والجرحى، واطلقوا النار على المتظاهرين السلميين، وسقط أيضاً بينهم الشهداء والجرحى، وكل هذا كان كافياً كي يدفع بشبان المدينة كي يحملوا السلاح.

شنت قوات الأسد هجوماً شرساً على المدينة، ودارت معارك عنيفة بينها وبين كتائب الجيش الحر، الذي تعهد أفراده بالدفاع عن المدينة.

وفشلت قوات الأسد في فرض سيطرتها على احياء القدم والعسالي، حيث باتت أغلبية المدينة تحت سيطرة كتائب الجيش الحر؛ في مواجهة ذلك، عمد نظام الأسد إلى قصف المدينة بالطيران الحربي، والمدافع الثقيلة؛ فدك الأحياء وهدم البيوت، وسقط عشرات القتلى والجرحى، وتحولت المدينة إلى مدينة منكوبة.

اليوم تبدو المدينة خالية من السكان تماماً سوى من أفراد الجيش الحر، بعدما صارت غير قابلة للسكن، في ظل القصف المستمر لقوات الاسد عليها.

لمستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...